سنار عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2017م

LogoSinar

سنار/ جمهورية السودان

عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2017م
( المنطقة العربية )
بمناسبة استضافتها للمؤتمر اﻹسلامي العاشر لوزراء الثقافة

لم يكن اختيار سنَّار عاصمةً للثقافة ِالإسلاميةِ لعام 2017 من بابِ المصادفةِ، فقد مثَّلت مملكة سنَّار الإسلامية علامةً مضيئةً في رفعِ رايةِ الإسلامِ والحفاظِ على الموروثِ الإسلامي بعد سقوطِ دولةِ الأندلسِ، واستمرت ترفعُ هذه الرايةَ لأكثرَ من ثلاثمائةِ عام، ومن لطفِ الأقدارِ، أن يوافق هذا الاختيار مناسبة مرور خمسمائة عام على إنشاءِ سلطنةِ سنَّار. ولم تكن سنَّار حاضرةَ أولِ سلطنةٍ إسلاميةٍ في سودانِ وادي النيلِ وحسب، وإنما أصبحت، بموقعِها الجغرافيِّ في صدرِ السودانِ وبتركيبتِها السكانيةِ التي استوعبت جُلَّ الأعراقِ السودانيةِ عنواناً للبلادِ ومركزاً مهماً للإشعاعِ الثقافيِّ والإسلاميِّ في أفريقيا، كما جسَّدت التّمازجَ العرقي والثقافي في ظلِ الروحِ الإسلامي، فهي مثالٌ للتسامحِ الإسلاميِّ وتصالحِه مع الثقافاتِ المحليةِ، الأمر الذي دفع بعض منظري الهُوُّية السودانية لاعتبار سنَّار نموذجاً حياً للتمازج العرقي والثقافي في البلاد، بل وصارت دلالة هذا الاسم تنسحب على كل أنحاء السودان، فأشارت المصادر التاريخية إلى الرواق السنَّاري في الأزهر، والقافلة السنَّارية في طريق القوافل التجارية، وكلتا الإشارتين تدلان على عموم السودان، بل عٌرِفَ أهل سودان وادي النيل في الحجاز ومصر في عهد مملكة سنَّار بالسنَّارية؛ وربما وصفوا بالسنانير.

والحق أن مدينة سنَّار قد جسَّدت بموقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية والاجتماعية، نموذجاً مصغراً للسودان مما دفع العديد من المفكرين والمثقفين والسياسيين لاعتبارها بوتقة انصهرت فيها مكونات السودان الكبير. وقد اقترح في فجر استقلال السودان اسم سنَّار للدلالة على السودان الوليد، إلا أن الرئيس إسماعيل الأزهري فضل اسم “السودان” الذي عرفت به البلاد منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومع ذلك فقد ظلت سنَّار أنموذجاً حضارياً يحلم بتكراره مثقفو السودان منذ فترة السبعينيات.

وعلى ضوء هذه الرمزية التي تمثلها سنّار فإن الاحتفاءَ بها يعني الاحتفاءَ بمختلف المواقع والمناطق والمدن ذات الدلالات الثقافية والإسلامية في السودانِ التي كانت بؤرة ضوء للإشعاع العلمي الإسلامي في مختلف الحقب، الأمر الذي يضفي على هذا الحدث بٌعدَه الحقيقي ويلقي الضوء على عمقِ الثقافةِ السودانية. لقد شكلت مدينة سنَّار وعاءً مادياً حضارياً حمل روح الدين الإسلامي والثقافة العربية في تمازج فريد مع العناصر المحلية الأفريقية.

وترجح الروايات أن سنَّار، عاصمة دولة الفونج الإسلامية، اختطها عمارة دونقس وأصبحت عاصمة لدولته. ونتيجة لتلاقح التيارات البشرية المختلفة وتكامل جهودها تم إقامة صرح سياسي جديد توحدت فيه مملكة العبدالَّلاب وأراضي سلطنة الفونج وما أضيف إليهما من ديار البجة في الشرق وأجزاء كبيرة من كردفان في الغرب، وبهذا أصبح الصرح الجديد أكبر نطاق جغرافي متحد في وادي النيل الأوسط منذ مملكة مروي. وصارت سنَّار مدينة لا يستهان بها، لها علاقات مع أجزاء من أفريقيا وأجزاء من بلاد آسيا مثل الهند والجزيرة العربية، وأصبحت قوة ضاربة لنشر الإسلام والعلم في البلاد، كما استفادت من التراث المعماري لدى سكان الشمال، الموغل في التاريخ إلى الحضارات القديمة في نبته ومروي، وعٌمِّرت الديار عماراً عظيماً حتى أصبحت وجهة مقصودة من كل الجهات.

لقد كانت سنَّار مركزاً تبلور فيه جيل طويل من التجربة الإنسانية التي خاضها سودان وادي النيل، الذي كان مهد الحضارات السودانية القديمة؛ فعلى ضفاف نهر النيل الضيقة الممتدة من الشلال الأول حتى ملتقى النيلين الأزرق والأبيض ازدهرت مملكة مروى، أو كوش، (750ق.م.– 350م)؛ ومن بعدها الممالك المسيحية الثلاث: نوباتيا، المقره وعلوه (580–1450م)، فانتشرت في البلاد الديانة المسيحية مع المعتقدات الأفريقية وساهمت في إعطاء البلاد رابطاً روحياً تأسست على إثره هذه الممالك.

ويأتي اختيار سنَّار عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2017 م، بمثابة إضافة حقيقية للرصيد التاريخي والثقافي للأمة السودانية وامتداداً طبيعياً للدور الذي ظل يلعبه السودان في الحفاظ علي الثقافة الإسلامية على مدى التاريخ. وتُعد هذه الاحتفالية فرصة لإبراز الدور الحضاري لهذه المدينة والتعريف بها ومؤهلاتها.