طرابلس (الجمهورية اللبنانية) : عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2013م عن المنطقة العربية

tri1

طرابلس هي ثاني أكبر مدن الجمهورية اللبنانية بعد مدينة بيروت، وعرفت طرابلس منذ القدم بموقعها الجغرافي المميز، الذي يُعدَُ همزة الوصل ما بين الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط والداخل العربي، مما جعلها مركزاً تجارياً مهما في المنطقة العربية.

الموقع:

تقع طرابلس على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وهي تربط المدن الساحلية بمدن سوريا الداخلية، وبالتالي بمدن العراق والخليج عن طريق ممر ” طرابلس ـ حمص ” الطبيعي الذي قام بدور مهم عبر العصور. وتبعد عن بيروت بمسافة 85 كلم نحو الشمال، وتبعد عن الحدود اللبنانية-السورية الشمالية نحو 30 كلم ، وتبلغ مساحتها حوالي 15 كلم2، بما فيها الميناء. وتشرف طرابلس على سلسلة جبلية ترتفع قممها إلى ما فوق 3000 م تكسوها أشجار الأرز والثلوج ، ويخترق طرابلس نهر يتدفق من مغارة قاديش في أعالي جبل المكمل، يعرف محليا ً بنهر أبو علي نسبة إلى “أبو علي بن عمار” أحد ولاتها من أسرة بني عمار الذين حكموا طرابلس في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي.

tri2

التسمية :

طرابلس تعريب لكلمة Τρίπολις) Tripolis) ) اليونانية والتي تعني المدن الثلاث، ويعود الاسم إلى تأسيس أول اتحاد لثلاث من مدن فينيقيا القديمة: صور، وصيدا، وأرواد، حيث نشأت عنه مدينة فينيقية بثلاثة أحياء عمرانية وهي “محلاتا”، “مايزا” و”كايزا” وشكلت تلك المدينة فيما بعد بأحيائها العمرانية الثلاثة النواة الأساسية التي قامت عليها طرابلس اليوم. كما عرفت المدينة بأسماء مختلفة عبر العصور، فقد ورد اسمها في رسائل تل العمارنة “دربلي”، وفي أثار أخرى سميت “أهلية” أو “وهلية، ووردت التسمية في منحوتات انتصارات الغزو الأشوري للمدينة، بنحو: “مهالاتا”، و”مهلاتا”، و”مايزا، و”كايزا، وارتقى شأن طرابلس بين المدن الفينيقية في القرنين السادس والرابع ق. م، حيث أصبحت عاصمة للاتحاد الفينيقي، وأصبح اسمها ” آثار” ” Athar، وهذا ما كشفت عنه قطع النقود المسكوكة فيها بتاريخ 189 -188 ق. م، والتي ضُربت في العهد اليوناني، وتحمل كتابة فينيقية تدل على اسم طرابلس الفينيقي. ، وأطلق عليها اسم ” تريبوليس – Tripolis “ أي المدينة المثلثة في القرن الرابع قبل الميلاد، وظلت تحمل هذا الاسم طوال العصور التاريخية القديمة المتعاقبة، حتى أطلق العرب عليها في القرن السابع الميلادي اسم :” أطرابلس” بإضافة الهمزة في أوّلها تمييزا لها عن ”طرابلس الغرب“، ثم حذفت الهمزة، وأصبحت ”طرابلس“، وتسمى حاليا طرابلس الشام أو طرابلس الشرق، تمييزاً لها عن العاصمة الليبية ” طرابلس”.

نبذة مختصرة عن تاريخ مدينة طرابلس :

يتميّز ساحل طرابلس بمجموعة من التكوينات الجغرافية التي يمكن استعمالها كموانئ للسفن والمراكب، وكانت طرابلس القاعدة البحرية الكبيرة في ظلّ حكم خلفاء الإسكندر الأكبر، وبلغت المدينة أوج تطورها في العصر الروماني، واحتوت على العديد من المعالم الهامّة، وتم تدمير مدينة طرابلس بفعل زلزال عام 551م خلال العهد البيزنطي.

tri3
مدينة طرابلس

قامت طرابلس بدور مهم كقاعدة عسكرية منذ عام 635م في عهد الأمويين، ثم تميّزت طرابلس بحكم ذاتي مستقّل في العصر الفاطمي، وأصبحت مركزاً للعلم لا مثيل له في المنطقة. وسقطت طرابلس بيد الإفرنج الصليبيين في العام 1109م، وتضررت معظم معالم المدينة بشكل كبير، وبخاصة مكتبتها المعروفة باسم “دار العلم” والتي كانت تضم حوالي ثلاثة ملايين مخطوط، وكانت تنافس في غناها مكتبة بغداد.

وفُُتحت طرابلس في عام 1289هـ على يد السلطان المنصور قلاوون سلطان مصر والشام الذي أعطى أوامره بهدم المدينة القديمة، وبنائها من جديد في السهل المنبسط تحت قلعة طرابلس، واتخذها سلاطين المماليك طوال قرنين وربع القرن من الزمان عاصمة لنيابة السلطنة، وأقيمت لها عدة بوابات في مختلف الاتجاهات، وتشعّبت دروبها وأزقّتها الملتوية والممتدّة تحت عقود الدّور والمنازل التي توفّر لها حماية ذاتيّة بحيث تحوّلت في معظمها إلى سراديب ودهاليز وساباطات سريّة لا يعرف السيّر فيها إلاّ أهلها، وأقيم على امتداد ساحلها من رأس الميناء إلى رأس النهر الأبراج الحربية للمرابطة فيها.

ودخلت طرابلس تحت السيادة العثمانية بعد موقعة “مرج دابق” سنة 922 هـ/ 1516م، الذين أبقوا على النظام المتّبع فيها بتعيين النوّاب لبضع سنوات، وأضاف العثمانيون عدّة مناطق سكنية جديدة أحاطت بمدينة المماليك، فازدادت عمراناً واتساعاً، وتضاعف عدد مساجدها، ومدارسها، وزواياها، وحمّاماتها، وخاناتها.

ويُعتبر العهد العثماني في طرابلس أطول العهود الإسلامية التي خضعت لسيادتها، حيث امتدّ نحو نيّفٍ وأربعة قرون، باستثناء ثماني سنوات خضعت فيها للحكم المصري حين دخلها “إبراهيم باشا” بن محمد علي الكبير سنة 1832 م، واتخذها قاعدة عسكرية أثناء حملته على بلاد الشام وأقام فيها، ثم عادت إلى الأتراك العثمانيين في سنة 1840م، حتى خضوعها للانتداب الفرنسي سنة 1918م، وظلت طرابلس رائدة المدن الساحليّة حتى استقلالها في عام 1943م، حيث أصبحت طرابلس العاصمة الثانية بعد مدينة بيروت، وأصبحت عاصمة محافظة لبنان الشمالي.

أهم معالم الحضارة الإسلامية في طرابلس :

تُعتبر طرابلس المدينة الأولى بثروتها التُراثية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وهي الثانية بآثارها المملوكية بعد مدينة القاهرة، وتمثل متحفاً حياً يجمع بين الآثار الرومانية والبيزنطية، والآثار الفاطمية والصليبية، والعمارة المملوكية والعثمانية.

وتضم مدينة طرابلس عدداً كبيراً من الأبنية التاريخيّة والأثرية، بأحيائها، وأسواقها، ودورها، وأزقّتها المتعرّجة المُلْتوية، والمسقوفة، ومعالمها، وتضمّ بين جَنَباتها أكثر من 160 مَعْلماً، بين قلعة، وجامع، ومسجد، ومدرسة، وخان، وحمّام، وسوق، وسبيل مياه، وكتابات، ونقوش، ورُنوك، وغيرها من المعالم الجمالية والفنيّة. ويوجد في طرابلس العديد من الجوامع العريقة ومعظمها ذات طراز مملوكي منها الجامع المنصوري الكبير الذي يُعدَُ من أعظم المساجد الجامعة في طرابلس، وقد أسسه السلطان الأشرف خليل بن قلاوون عام 1294م، وهو من أكبر وأقدم جوامع المماليك في طرابلس و جامع العطار، الذي يعتبر من أكبر جوامع طرابلس، وثالثها من حيث الأهمية، وبني هذا الجامع في عصر المماليك، حيث أسسه “بدر الدين بن العطار” أحد عطاري طرابلس الأثرياء سنة 1325م على نفقته الخاصة فنسب إليه، وجامع ومدرسة البرطاسي أو البرطاسية، وسمي نسبة إلى مؤسسه “عيسى بن عمر البرطاسي” عام 1310 م، وهو من أجمل الجوامع المملوكية في طرابلس. وجامع الأويسي، الذي يحمل اسم مشيّده “محي الدين الأويسي” الذي بناه عام 865 هـ، وفيه ضريح لمحمود بك السنجق، صاحب المسجد المعروف باسمه في التبّانة. وجامع التوبة، الذي بناه السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون عام 1315 م، وجُدد في العصر العثماني عام 1612م. وجامع تينال الذي بناه الأمير سيف الدين تينال الأشرفي الحاجب عام 1336 م، وهو يضاهي أجمل جوامع القاهرة ودمشق. وإضافة إلى ما ذكر من مساجد هناك عشرات من المساجد والجوامع الأثرية تزخر بها طرابلس، كما تشتمل مدينة طرابلس على العديد من المدارس التي تعود إلى عصر المماليك منها على سبيل المثال مدرسة الشيخ الهندي المعروفة بالمشهد، والتي تحتوي على زخارف ملونة بديعة في الخارج والداخل، ومدرسة الشمسية وهي أقدم مدارس المماليك في لبنان، وهي تقدم أقدم نموذج للبيوت المملوكية القديمة، والمدرسة الناصرية التي بناها السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، ومدرسة الأمير شهاب الدين قرطاي التي تضاهي ببوابتها الشمالية أجمل وأفخم مساجد القاهرة ودمشق، والمدرسة العجمية، والمدرسة الظاهرية، والمدرسة النورية التي تحتوي على أجمل محراب، وغيرها من المدارس الأخرى.

tri4
الجامع المنصوري الكبير

tri5
مسجد تينال في طرابلس

تضم مدينة طرابلس العديد من الأبراج والقلاع الحربية التي أقيمت على امتداد ساحلها للمرابطة فيها والدفاع عنها، ومن أهمها : قلعة طرابلس ، وبرج الأمير أيتمش، وبرج الأمير جُلُبّان، وطرباي (الشيخ عفّان)، والأمير الأحمدي (الفاخورة)، والأمير برسباي (المعروف بالسباع)، وبرج السلطان قايتباي (المعروف ببرج رأس النهر).

وتُعدَُ قلعة طرابلس من أكبر القلاع الحربية في لبنان وأقدمها، أسسها القائد العربي سفيان بن مجيب الأزدي عام 636 م، وشيد الفاطميون فيها مسجداً أوائل القرن 11 م، وبنى القائد ريموند دي سان جيل حصناً فوقها عام 1103م، ثم حوله الأمير المملوكي أسَتُدَمُر الكُرْجي عام 1307م إلى قلعة، وبنى فيها أبراجاَ مختلفة، ثم أضاف السلطان العثماني سليمان بن سليم الأول عام 1521م البرج الشمالي الذي يشتمل على باب القلعة.

tri7
قلعة طرابلس

وتقع القلعة فوق تلةٍ صخرية، ويوجد فيها حمام قديم وثلاثة مساجد، وسجن، وإسطبل للخيول، وقاعات للقادة، وقاعات ضخمة للجند والذخيرة والمدفعية وآبار وخزانات للمياه، وأحواض للشرب، ومقابر، وباحات واسعة للتدريبات العسكرية والاستعراض، وحجرات مختلفة الاتساع، وأبواب أسفل أسوارها، بعضها يؤدي إلى النهر، وبعضها يؤدي إلى الأسواق الداخلية إضافة إلى نوافذ للمدفعية.

وتمتلك مدينة طرابلس العديد من القصور والبيوت العتيقة، والحمامات الأثرية والخانات والأسواق التي تعتبر من أهم مقاصد الزيارة والسياحة في لبنان، كما يوجد في الساحة المركزية المعروفة بـ: “التل”، الساعة العثمانية ذات الطبقات الخمس، المُهداة من السلطان عبد الحميد الثاني وبجوارها حديقة المنشية وترى من حول ساحة التل المباني السكنية والتجارية والفنادق ذات الطراز العثماني.

tri8
ساعة التل، هدية السلطان عبد الحميد إلى طرابلس