مدينة غزني (دولة أفغانستان الإسلامية) : عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2013 عن المنطقة الأسيوية

ghazni1

الموقع :

تقـع ولاية غزني الأفغانية إلى الجنوب الغربي من العاصمة كابول، على الخط الرابط بين كابل وقندهار، وتحدها شمالا ولايات الباميان وورداك ولوجار، ومن الشرق ولاية باكتيا وجنوب ولاية زابول، وكانت غزني عاصمة الغزنويين، وكانت أهم المراكز التجارية والثقافية في العالم الإسلامي، كما تُعدَُ حاليا من أنشط المدن التجارية والصناعية في أفغانستان.

التسمية :

تسمى غزنه وغزنين، والاسم الأول أشهر في المصادر التاريخية، ويطلق عليها حاليا اسم غزني، ووصف المؤرخ الجغرافي “ياقوت الحموي” غزني بقوله: ” وهي مدينة عظيمة وولاية واسعة في طرف خراسان، وهي الحد بين خراسان والهند في طريق فيه خيرات واسعة، إلا أن البرد فيها شديد جداً “. وسكان ولاية غزني من قبائل الغلجاني ( الغلزاني) من البشتو ومن الهزارة المغول المختلطين بالأتراك والفرس. والمنطقة الغربية من ولاية غزني جبلية بينما تشكل المناطق الأخرى سهلا قليل الزراعة. ويشتغل أغلب السكان بالزراعة وإنتاج الفواكه.

نبذة مختصرة عن تاريخ مدينة غزني الإسلامي :

كانت “غزني” بأفغانستان ولاية نائية، تخضع للدولة السامانية التي تحكم خراسان وما وراء النهر، ويقوم عليها ولاة من قِبلها، ومنذ أن وطد البتكين نفسه في منطقة غزني سنة 351هـ/962م، بقيت غزني، والمناطق المحيطة بها في أيدي حكام أتراك.

1

وفي سنة 367هـ تولى سبكتكين السلطة في غزني، واعترف بسيادة السامانيين وقدم لهم العون في حروبهم ضد أعدائهم، كما وجه اهتمامه إلى الدويلات الهندية في البنجاب، ولاسيما سلالة شاهو Shahü التي هزم زعيمها جيبال Djaypal سنة 369 و378هـ، واستولى على عدد من القلاع على الحدود الهندية، وبذلك أرسى سبكتكين هذا الحاكم السني القوي، قواعد واحدة من أكثر الإمبراطوريات دواماً في مناطق الحدود الأفغانية الهندية. تولى السلطة بعد وفاة سبكتكين سنة 387هـ/997م ابنه إسماعيل، ولكن أخاه محمود سرعان ما أطاح به، ولم تأت سنة 389هـ حتى كان قد وطد نفسه.

ويُعد محمود الغزنوي من أشهر حكام هذه السلالة، وقد بلغت الدولة الغزنوية أوجها في عهده، فالدولة السامانية كانت قد انهارت، وعقد محمود اتفاقاً مع القرخانينن المنتصرين على أن يكون نهر جيحون الحد الفاصل بين الغزنويين والقَرخانيين. وكان محمود كوالده سنيَّاً متحمساً أظهر ولاءه للعباسيين، وخطب للخليفة العباسي القادر بالله الذي أنعم عليه بلقب يمين الدولة وأمين الملّة، ويؤثر عن محمود الغزنوي كثرة غزواته إلى بلاد الهند، مدفوعاً في ذلك بعامل الجهاد الديني والرغبة في نشر الإسلام بين الهنود الوثنين، وعندما توفى سنة 421هـ/1030م كانت أمبراطوريته تضم البنجاب وأقساماً من السند، ومجموعة من الولايات الهندية في وادي نهر الغانج التي اعترفت بسلطانه، إضافة إلى أفغانستان بما فيها غزني، وغور، وسجستان، وخراسان، وفارس حتى ميديا (منطقة الجبال) وطخارستان.

بعد موت سبكتكين خلفه ابنه إسماعيل، بعد أن عهد إليه أبوه بالملك من بعده، غير أن أخاه الأكبر محمود رفض أن يقر لأخيه بالملك لضعفه وسوء تدبيره، فنهض عليه واستطاع بعد سبعة أشهر أن ينتزع الملك لنفسه، ويقبض على زمام الأمور، وبدأ عهد جديد لم تشهده المنطقة من قبل، فلم يكد يستقر الأمر له، حتى بدأ نشاطًا واسعًا في الفتوح، وأثبت أنه واحد من كبار الفاتحين في تاريخ الإسلام. وقضى محمود الغزنوي الفترة الأولى من حكمه في تثبيت أركان دولته، وتوسيع رقعتها على حساب الدولة السامانية التي دبّ الضعف في أوصالها، فرأى الفرصة سانحة للقضاء عليها، وتم له ذلك في (جمادى الأولى 389هـ/ أبريل 999م) بعد انتصاره على عبد الملك بن نوح الساماني في موقعة حاسمة عند مرو، وأصبحت خراسان خاضعة له، ثم تصدى للدولة البويهية، وانتزع منها الري وبلاد الجبل وقزوين.

2
دينار ضرب بغزني عام 407هـ باسم محمود بن سبكتكين

بعد أن استقرت الأحوال لمحمود الغزنوي، واستتب له الحكم، وأقرته الخلافة العباسية على ما تحت يده من بلاد، تطلّع إلى بسط سيطرته على بلاد الهند، ومد نفوذه إليها ونشر الإسلام بين أهلها؛ ولذلك تعددت حملاته على الهند حتى بلغت أكثر من سبع عشرة حملة، وظل يحارب دون فتور نحوًا من سبع وعشرين سنة، بدأت من عام (390هـ/1000م)، حيث قاد حملته الأولى على رأس عشرة آلاف مقاتل، والتقى عند مدينة بشاور بجيش “جيبال” أحد ملوك الهندوس، وحقق النصر فيها.

ثم تعددت حملات الغزنوي، وفي كل مرة كان يحقق نصرا، ويضيف إلى دولته رقعة جديدة، ويبشر بالإسلام بين أهالي المناطق المفتوحة، حتى توج فتوحاته في الهند بفتح بلاد “الكجرات”، ثم توجه إلى مدينة “سومنات” سنة (416هـ= 1025م). وكانت حصيلة جهود محمود الغزنوي أن أتمّ فتح شمال شبة القارة الهندية، ففتح إقليم كابلستان، وملتان، وكشمير، وأخضع البنجاب، ونشر الإسلام في ربوع الهند، وفتح طريقا سلكه من جاء بعده. وقد عددت المصادر التاريخية أعماله بإعجاب وتقدير.

وظل السلطان محمود الغزنوي يواصل جهاده حتى مرض، وطال به مرضه نحو سنتين، ومع ذلك لم يحتجب عن الناس أو يمنعه المرض من مباشرة أمور رعيته حتى توفي قاعدًا في 23 من شهر ربيع الأول 421هـ/29 من أبريل 1030م) بعد أن أنشأ دولة واسعة، ضمّت معظم إيران وبلاد ما وراء النهر وشمال الهند كله، ونشر دينًا لا يزال له أتباع كثيرون في الهند.

وخلفه بعد وفاته ابنه محمد سنة 421هـ، ولكن أخاه مسعود عزله في السنة نفسها، وكان مسعود قائد والده المظفر وحاكم أصفهان والري ومحبوباً من قبل أفراد الجيش، ولذلك فإن الجيش الذي أرسله محمد لحربه، خذله وانضم إلى مسعود في مدينة هراة، فأُخذ محمد أسيراً، وكان مسعود محارباً جريئاً ولكن تنقصه الكفاءة الدبلوماسية، كما أن الظروف السياسية لم تكن مواتية له كما كانت لأبيه، فعند وصوله إلى السلطة كان السلاجقة يعبرون نهر جيحون وأخذوا يحتلون خراسان شيئاً فشيئاً، وفي سنة 432هـ/1040م، وفي سهوب داندنكان Dandanakan هُزم مسعود وخسر نتيجتها ممتلكاته الفارسية كلها، وفي أثناء حملته على الهند سنة 433هـ أطاحة به مؤامرة واغتيل في السجن، فتقدم ابنه مودود (432ـ441هـ) بسرعة من بلخ إلى كابل للوقوف في وجه السلاجقة، وانتقم من قاتلي أبيه، إلا أن محاولاته إيقاف التقدم السلجوقي في فارس باءت بالإخفاق.

3
مدينة غزني

وفي سنة 436هـ، هدد السلاجقة غزني فتصدى لهم القائد الغزنوي نوشتغان Nushtigan ورد هجومهم ونجح في إنقاذ موطن الغزنويين، كما بقيت للسلالة ممتلكاتها في الهند على الرغم من فقدانهم لبعض المناطق مؤقتاً، وتوفي مودود سنة 441هـ في غزني، وقد حدثت إثر وفاة مودود صراعات بين عدد من المطالبين بالسلطة، واستمرت حتى وصول فرخزاد بن مسعود الأول (444ـ451هـ) إلى سدة الحكم، وقد نجح فرخزاد بمساعدة القائد نوشتيغان في صد السلاجقة الذين كانوا في هذه الأثناء يتقدمون نحو بغداد والأناضول، وعقد أخوه إبراهيم (451ـ492هـ) الذي خلفه معاهدة صداقة مع السلاجقة متنازلاً لهم عن الختلان، والصغانيان، وقباديان، فوعده السلاجقة أن يتخلوا عن سياستهم التوسعية نحو الشرق. وبرهن إبراهيم على أنه ديبلوماسي قدير وسياسي حاذق، قادر على حماية ممتلكاته، وقد وجه اهتمامه ما بين سنة 465 و468 إلى الهند، فاستولى على عدد من القلاع وأعاد تثبيت سلطان الغزنويين في البنجاب، ثم ترك متابعة الحملات نحو الهند لابنه سيف الدولة محمود، وعينه حاكماً على لاهور Lahawur، فاستولى مباشرة على أكرا Agra ومعاقل أخرى.

وتوفي إبراهيم سنة 493هـ/1099م بعد حكم دام 40 سنة وخلفه ابنه مسعود الثالث الذي حافظ على أواصر الصداقة والمصاهرة مع السلاجقة، فلما توفي سنة 508هـ اندلعت المنازعات العائلية وتولى ثلاثة من أبنائه بالتتابع الحكم، ابتدأه شيرزاد الذي اضطر بعد سنة من الحكم سنة 509هـ إلى الفرار إلى طبرستان أمام أخيه ملك أرسلان، ثم فرّ ملك أرسلان إلى الهند بعد هزيمته أمام أخيه بهرام شاه الذي كان قد حصل على دعم السلطان سنجر السلجوقي. وقد كان على بهرام شاه أن يعترف بسيادة السلاجقة، وأن يدفع ضريبة باهظة ذكرت بعض المصادر أنها بلغت 1000 دينار يومياً، ومع أن هذه الشروط كانت مجحفة، لكنها حفظت لبهرام شاه حكماً هادئاً، ومكنته من تثبيت سلطانه في البنجاب بعد ثلاث حملات قام بها سنة 512هـ، 514هـ، 523هـ.

وبقي بهرام شاه معترفاً بسيادة السلاجقة، مع أنه حاول سنة 530هـ/1135م، دون جدوى التخلص من سيادة سنجر ومن دفع الضريبة الباهظة، ولكن علاقته مع الغوريين، تدهورت عندما اغتال بهرام بالسم أحد أفراد الأسرة الغورية في أثناء زيارته غزني، وأعدم شنقاً أخاً له مع عدد من أتباعه بعد هزيمته في معركة ضده، فكان لهذه الجرائم أثرها في غزني، إذ انتقم لمقتلهما علاء الدين حسين الغوري فهاجم غزني ودمّرها وقتل ونهب، وهجّر سكانها، وفرّ بهرام شاه ولم يعد إلا بعد أن أسر السلاجقة علاء الدين حسين، ولكن أمبراطورية أجداده أصابها التدهور فقد اقتصر حكم ابنه خسرو شاه على غزني، وزابلستان وكابل إضافة إلى البنجاب، في حين استولى الغوريون على زامنداور وبست ثم على تيجن أباد Tiginabad سنة 552هـ. أما ابنه وخلفه خسرو ملك فقد رأى ممتلكاته تتضاءل شيئاً فشيئاً حتى لم يبق للأمبراطورية الغزنوية من وجود، فقد استولى الغوريون على غزني، ونجح أحد أفراد الأسرة الغورية وهو شهاب الدين في الاستيلاء على الملتان سنة 571هـ وعلى بيشاور سنة 575هـ، ثم أجبر خسرو ملك سنة 583هـ على الاستسلام بعد أن حوصرت لاهور عاصمة البنجاب مراراً، فأُخذ سجيناً ثم أُعدم مع أبنائه في أواخر سنة 585هـ/1190م، وانتهت بذلك سلالة سبكتكين، ولم يبق من هؤلاء الحكام العظام إلا ذكراهم التاريخية.

النهضة الحضارية والثقافية في غزني :

4
مئذنة في غزني

اكتسبت غزني مكانة كبيرة في التاريخ، سواء من ناحية الفتوحات التي قام بها الغزنوي، أو بجهوده الحضارية التي لم يشغله عنها فتوحاته وغزواته، وكان الغزنوي نفسه مولعا بعلم الحديث، يستمع إلى علمائه كما كان فقيها له مؤلفات، ولا يكاد يسمع بعالمٍ له مكانة حتى يستدعيه إلى دولته، فاستقدم “أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني” المتوفى سنة (440هـ= 1049م) الذي نبغ في علوم كثيرة، في مقدمتها الرياضة والفلك، وعُدّ من أعظم رجال الحضارة الإسلامية، وتُرجمت كتبه إلى اللغات الأوروبية، والذي أهدى كتابه «القانون المسعودي» للسلطان مسعود بن محمود الغزنوي وأهدى كتابه في الأحجار الكريمة للسلطان مودود بن مسعود، وألف كتابه المشهور «الآثار الباقية عن القرون الخالية» كذلك ألّف المؤرخ الفارسي أبو الفضل محمد بن حسين البيهقي (ت 470هـ) بالفارسية كتاباً للسلطان مسعود ووالده محمود الغزنوي عرف بتاريخ البيهقي، وعني الغزنوي بالشعر وكان له به شغف، ومن أشهر الشعراء الذين ازدانت بهم دولته الشاعر الفارسي “عنصري” وكان نديما للسلطان وشاعرا له، منحه لقب “ملك الشعراء” في مملكته، و”المسجدي”، و”الفرخي” وهو شاعر فارسي عظيم.

5
معالم مدينة غزني

وسادت الثقافة الفارسية في عصر الغزنويين، وعاش في كنف هذه الدولة الشاعر الإيراني الفردوسي أعظم شعراء الفرس، ونال جائزة السلطان محمود الغزنوي على ملحمته الخالدة «الشهنامة»، التي نظمها في خمسة وعشرين عاما من الجهد والإبداع، وتشمل أخبار الفرس القدامى، وهي من عيون الأدب العالمي. ومن أبرز كتّاب الدولة ومؤرخيها “أبو الفتح البستي” وكان كاتبا للسلطان وموضع سره ومستشاره في كثير من الأمور، وله شعر رائق ونظم جيد، و”أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي” مؤرخ الدولة الغزنوية وكاتب السلطان مع أبي الفتح البستي، له كتاب “اليميني” نسبة إلى يمين الدولة لقب السلطان محمود الغزنوي، تناول فيه تاريخ الدولة الغزنوية. وأصبحت غزني في عهد السلطان محمود منارة للعلم ومقصدا للعلماء، وغدت عامرة بالمساجد والقصور والأبنية التي لا تقل بهاءً وجمالا عن المنشآت الهندية التي اشتهرت بدقة التصميم وجمال العمارة.

وتتميز مدينة غزني في أفغانستان بتنوع عمائرها الإسلامية، وتعدد أساليبها المعمارية والفنية، وتضم هذه المدينة العريقة العديد من الآثار الإسلامية التي تعود إلى العهد الغزنوي، وتُعدَُ مئذنتا النصر المبنيتين في القرن الثاني عشر الميلادي / السادس الهجري، وضريح محمود بن سبكتكين الغزنوي، ومسجد مسعود الثالث ببرجه الأثري من أهم معالمها الآثرية.

6

ولا يزال سور غزني القديم وقلعته التاريخية التي بنيت منذ القرب السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، ماثلة للعيان. وتعتبر غزني المدينة الوحيدة في أفغانستان التي لا تزال تحتفظ بسورها القديم إلى اليوم، وتقوم أطلال مدينة غزني القديمة التي كانت موجودة أيام محمود الغزنوي بالقرب من مدينة غزني الحالية.

المراجع :

نظام الدين بخشي الهروي، المسلمون في الهند، ترجمة أحمد عبد القادر الشاذلي، الهيئة العامة للكتاب- القاهرة 1995م.

عبد المنعم النمر، تاريخ الإسلام في الهند، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1401هـ /1981م.

حسن أحمد محمود، الإسلام والحضارة العربية في آسيا الوسطى، دار النهضة العربية- القاهرة 1968م.

عصام الدين عبد الرؤوف، تاريخ الإسلام في جنوب غرب آسي، دار الفكر العربي، القاهرة 1975م.

حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة 1407هـ/1987م.

محمود علي البار، أفغانستان من الفتح الإسلامي إلى الغزو الروسي، ط 1، دار العلم للطباعة والنشر، جدة، المملكة العربية السعودية، 1985م.