فاس: عاصمة الثقافة الإسلامية للمنطقة العربية

تمهيــد

تعتبر المؤسسات الجامعية العريقة أحد أبرز مكونات ومقومات الحضارة الإسلامية التي أسهمت ولا تزال تسهم في النهضة الثقافية والعلمية للأمة الإسلامية، وبفضلها تمكنت الشعوب الإسلامية من أن تستحضر أمجادها ورموزها التاريخية وتترسخ لديها عناصر بناء هويتها الدينية وخصوصياتها الثقافية .

وتمثل القرويين جامعا وجامعة أبرز وأعرق الجامعات الإسلامية، فهي رمز من رموز الهوية الإسلامية وصرح من صروح الفكر والثقافة في العالم، جمعت بين الأصالة والمعاصرة والتجديد وانتشرت منها أنوار المعرفة والحكمة والشريعة في كل أرجاء المغرب والعالم الإسلامي، كما اقتبست منها الحضارة الإنسانية روح المعرفة الدينية المتفتحة وأسس الانتعاش الحضاري. وفيما يلي تعريف بجامعة القرويين عبر مختلف محطات التاريخ المغربي ، وإبراز لدورها الرائد في بناء النهضة العلمية والثقافية للأمة الإسلامية، وإسهامها في تأسيس الحضارة الإنسانية.

نبذة عن القرويين : من الجامع إلى الجامعة

إذا كانت أول مدرسة اختُطت بالشمال الإفريقي قد نشأت في القيروان بتونس، فقد تبع ذلك بعد قليل بناء أكبر جامع بشمال إفريقيا، وهو جامع القرويين الذي يرجع بناؤه إلى عهد أول دولة إسلامية أسست بالمغرب، وهي مملكة الأدارسة التي اتخذت مدينة فاس عاصمة لها . ويذكر المؤرخون أن هذه المدينة التاريخية قد عرفت في ذلك العهد نزوح وهجرة بضعة آلاف من عرب القيروان، حيث عمل أميرها على إسكانهم بالضفة الشرقية من وادي فاس، وسماها عدوة القيروانيين، ولكثرة الاستعمال خُففت فأصبحت القرويين، لكن الحاجة سرعان ما دفعت إلى ضرورة بناء مسجد كبير يقيم فيه سكان الحي الناشئ صلواتهم ، فقيض الله لذلك امرأة من نساء القيروانين المهاجرين هي السيدة فاطمة الفهرية ( أم البنين)، حيث وهبت كل ما ورثته من أموال في بناء المسجد الذي تم الشروع فيه عام 245 هـ ، وكان كلما كثر عدد سكان عدوة القرويين سارع المحسنون من أتقياء القوم إلى توسيع المسجد والإنفاق في سبيل إصلاحه وترميمه. وبعد نحو قرن من تأسيسه أصبح جامع القرويين في حاجة إلى توسعة كبرى، فأضاف الأمراء الزناتيون بإسهام من الأمويين الأندلسيين نحوًا من ثلاثة آلاف متر مربع إلى المسجد القديم ، ثم زاد المرابطون فيما بعد مساحة أخرى ، فأصبح بذلك يتسع للآلاف من المصلين(1).

واستمرت الأنشطة الدينية تقام بجامع القرويين منذ نشأته، وكلما تطورت مدينة فاس عمرانيا انصبت جهود المؤمنين والمحسنين فيها على الاهتمام بالمسجد الجامع توسعة وصيانة وحفظا. فصار عبر التاريخ المغربي قطبًا ومنارةً لمساجد الدولة المغربية، نظراً لإشعاعه الروحي المتواصل وتوجيهه للحياة الدينية والعلمية عبر أرجاء المغرب.

وتعتبر الصومعة المربعة الواسعة التي لا تزال قائمة إلى اليوم من بناء أحد الأمراء الزناتيين الذي كان عاملا لعبد الرحمن الناصر الأموي الأندلسي على بلاد العدوة ، وهي تعد بحق أقدم منارة مربعة ثبتت في الغرب الإسلامي .

وفي عهد المرابطين أضيفت زيادات معمارية وعمرانية أخرى مع الاحتفاظ بالخصائص العامة لما كان عليه الجامع ، غير أنه إذا كان الطابع العام للجامع قبل العصر المرابطي يتسم بالبساطة في المعمار والبناء فإنه في عهد المرابطين كان هنالك إبداع كبير في صنع القباب ووضع الأقواس وكتابة الخطوط والكلمات المنقوشة من آيات قرآنية وعبارات دعائية وغير ذلك ، ولعل أبرز ما خلده المرابطون من مآثر هو صنع المنبر الذي لا يزال قائما إلى اليوم، ويعد تحفة نادرة من التحف الإسلامية العريقة. وفي عهد الموحدين تم نصب الثريا الكبرى التي لا تزال إلى اليوم شاهدة على الحضارة الموحدية وروعة الفن والإبداع المغربي.

وللقرويين سبعة عشر بابا وجناحان يتقابلان في طرفي الصحن الذي يتوسط فضاء المسجد الداخلي ويحتوي كل جناح على مكان للوضوء من المرمر، وهو تصميم معماري مأخوذ من تصميم صحن الأسد بغرناطة.

إذا كانت القرويين قد عرفت زيادات معمارية وعمرانية اتَّسمت بطابع التوسعة في البناء خلال القرون الأولى، فإنها ابتداء من عهد المرابطين والموحدين قد طالها الاهتمام على مستوى التأثيث والزيادة في المرافق الضرورية، فازدانت عبر العصور اللاحقة بمختلف أنواع وأشكال الثريات والساعات الشمسية والرملية، وابتهج فناؤها بالخصة الحسناء (2)، واكتسبت غرفا ومرافق جديدة مثل غرفة المؤقتين (3) ومقصورة القاضي والمحراب الواسع وخزانة الكتب والمصاحف وغير ذلك . وقد زُين كل ذلك بروائع الفن المزدوج الأندلسي –المغربي الذي امتزجت فيه رقة ورشاقة الفن الأندلسي وهيبة وروعة الحِرَف المغربية .

ومهما اختلف الباحثون في بداية تاريخ التعليم في جامعة القرويين فإن طبيعة تأسيسها كجامع كانت تفرض على العلماء أن يلقنوا فيه المعرفة الإسلامية والعلوم الشرعية ، ولهذا وجدوا فيه أكبر منتدى تزدهر فيه حرية التفكير والتعبير.
أشكال الثريات والساعات
الشمسية والرملية
وبفضل الاهتمام البالغ الذي كان يحظى به جامع القرويين فإنه ما لبث أثناء عصور متتالية وعهود متتابعة أن استجمع عناصر النهضة ومقومات التطور ، حيث توفرت له خصائص ومميزات الجامعة ،وتحققت له شخصيتها العلمية والمعنوية، وذلك في إطار استقدام الأساتذة واستقبال الطلبة، وتقرير المواد والعلوم المدروسة، وتسليم الإجازات وتوفير الكراسي العلمية المتخصصة وتكوين خزانة علمية متنوعة التخصصات ، كل ذلك أضفى على الجامع صفة الجامعة وأسبغ عليه طابع المؤسسة الجامعية في المفهوم الحديث.
خزانة الكتب والمصاحف
وهكذا لم تمض فترة طويلة على إنشاء الجامع ووضع منبر خطبة الجمعة به حتى رافق ذلك بروز حلقات ومجالس علمية محدودة تلقى من خلالها دروس علمية في شتى العلوم والفنون، يلقيها نخبة من علماء مدينة فاس في الصباح والمساء وبين العشاءين، الأمر الذي حول الجامع من مسجد تقام فيه الصلوات إلى مركز علمي ذي إشعاع ما فتئ يتعاظم ويكبر لينافس بذلك المراكز العلمية الذائعة الصيت بقرطبة وبغداد وغيرهما ، ومع مرور الزمن وتعاقب دول المغرب أصبحت أهمية ومكانة الجامع تظهر بوضوح وأضحى الاهتمام به يقوى ويشتد، فكانت كل دولة تسعى إلى الإسهام في تشييد صروحه وترميم جوانبه وتوسيع بناياته وتوفير كل الوسائل الضرورية التي تتيح الفرصة لأكبر عدد من رواده من تلقي دروس العلم والمعرفة.

وقد عرف العهد المرابطي نزوح كثير من العلماء وطلبة العلم إلى مدينة فاس بعد أن ذاع أمر القرويين بها واشتهرت فاس كعاصمة علمية تُشَد إليها الرحلة لطلب العلم من داخل المغرب وخارجه ، ويمكن القول بأن القرويين قد انتقلت ابتداء من العصر المرابطي من مرحلة الجامع إلى مرحلة البداية الجامعية لأن المرحلة الجامعية المكتملة حسب النصوص المتوفرة لم تنضج بصورة كاملة سوى في العصر المريني عندما عُزِّز جامع القرويين بمجموعة من المدارس والكراسي العلمية والخزانات ، فأصبحت فاس بذلك قبلة أنظار الملوك والأمراء ومهبط السفراء والكتاب ومحط كبار العلماء والأدباء ومأوى أرباب النبوغ من أهلها ومن الآفاق.

لقد كان لبني مرين وللبيوتات والمدارس التي عاش العلم فيها زمنا طويلا فضل وأثر في ازدهار الحركة العلمية واكتساب الشهرة ،حتى بات من السنن المعتادة عند الناس ولو درسوا بجامعة ابن يوسف بمراكش، أن يرحلوا إلى فاس لالتقاط ما تبقى من جواهر العلوم والفنون ، فقد كانت أول المطاف وآخره لكل من تاقت نفسه إلى المزيد من العلم أو التعمق في النظر.

وذكر ابن مرزوق أن “إنشاء المدارس لم يكن معروفا في المغرب إلى حين بناء مدرسة الحلفائيين بفاس وهي المعروفة اليوم بمدرسة الصفارين وذلك عام 670 هـ”(4)، ثم تبع ذلك إنشاء مدارس أخرى من أجل إيواء طلاب العلوم وتوفير شروط الراحة والتفرغ لطلب العلم ، وتابع الملوك الذين تعاقبوا على حكم المغرب هذه المسيرة العمرانية والعلمية بتوسيع ما ورثوه من منجزات الملوك السابقين ، ومن أبرز المدارس المشهورة بفاس بالإضافة إلى مدرسة الصفارين.
وهذه المدارس بنيت في الغالب على نمط واحد لتؤدي الوظيفة التي أنشئت من أجلها وهي إيواء الطلبة وتوفير فضاء للدراسة والتعلم ، فهي تتوفر في الغالب على صحن يشغل وسطه صهريج أو نافورة ، وتقوم في جوانبه الثلاثة سلسلة من الغرف ، وفي الجانب الرابع مسجد ( كما في مدرسة العطارين) أو حجرة للصلاة، وقد تضاف طوابق عليا للسكن أيضا ( كما في المصباحية)، أو يلحق بالمدرسة كتاب لتعليم الصبيان ، وقد تتوفر بعض المدارس على منارة للآذان ( صومعة) كما كان الشأن في مدارس الصفارين وفاس الجديد والبوعنانية.

وفضلا عن كل ذلك كانت جميع هذه المدارس تشتمل على خزانة علمية موضوعة لعموم المطالعين من الطلبة. وذكر الأستاذ محمد العابد الفاسي (6) أنه كان لأكثر تلك المدارس زيادة على وظائفها الدينية والتعليمية وظيفة مؤقت، وأستاذ مقرئ.

ومن أشهر الخزانات العلمية التي كانت بمدينة فاس خزانة أبي يوسف المريني، وخزانة أبي عنان المريني وخزانة أحمد المنصور الذهبي السعدي ، فضلا عن أكثر من ثلاثين خزانة صغيرة ظلَّت تؤدي وظيفتها لمدة قرون من الزمن.

أما خزانة القرويين فتعتبر من أهم الخزانات العامة بالمغرب بل في العالم كله ، وقد أسسها السلطان أبو عنان المريني حين بنى لها مقرا بالناحية الشرقية من صحن جامع القرويين عام 750 هـ ووقف عليها كتبا شتى في مختلف العلوم والفنون وظلت على حالها إلى أن نقلها أحمد المنصور السعدي في أواخر القرن العاشر الهجري إلى البناية التي توجد فيها الآن ببابها الرئيسية المتصلة بساحة الصفارين.

ومن المؤكد أن جامعة القرويين ما كان لها أن تواكب المد المعرفي المتنوع وتحقق المستوى العلمي المنشود الذي عرفته عبر القرون إلا بالرافد الأساسي الذي تمثله خزانة علمية غنية بالكتب والمخطوطات. وقد حرص ملوك المغرب وأمراؤه على تزويد خزانة القرويين بنفائس المخطوطات وأجروا جرايات خاصة على صيانتها وحفظها ، كما عمدوا إلى استنساخ نفائس المخطوطات الموجودة بها قصد إهدائها إلى إخوانهم ملوك وحكام دول المشرق العربي.

ومن أبرز نفائس خزانة القرويين أجزاء من موطأ مالك (ت179هـ) كتبت لخزانة علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي على رق الغزال، وكتاب سيرة ابن إسحاق ( ت 151هـ) كتب سنة 270هـ وهو أقدم ما يوجد بالخزانة، والمصحف الأكبر الذي حبسه السلطان أحمد المنصور الذهبي على الخزانة عند تدشينها عام 1011 هـ كما يوجد بها كتاب العبر لابن خلدون ( ت808 هـ) الذي ألف باسم السلطان أبي فارس المريني واهدي إلى خزانة القرويين في صفر من عام 799 هـ (7).
وكانت القرويين بجامعها وعلمائها وطلبتها وخزانتها والمدارس المتفرعة عنها والتابعة لها تستفيد من الأوقاف ، ويعتبر ذلك أكبر دعامة لاستمرار الجامعة وإشعاعها العلمي، فأموال الأوقاف كانت تصرف للطلبة في الإيواء والمأكل، وكانت تسلم منها رواتب الأساتذة والعلماء، وتجهز بها المدارس العلمية، وما تحتاج إليه الخزانات من الكتب والمؤلفات ، وكان يسند إلى مفتي القرويين الذي كان له مقر خاص برحاب الجامعة جانب مهم من الأوقاف يصرفه باجتهاده في المشاريع الإحسانية التي تظهر له من خلال احتكاكه بمشاكل الناس.

وهكذا ظلت جامعة القرويين تقوم بواجبها أحسن قيام وبشكل تلقائي واستمر إشعاعها مشعا على العالم الإسلامي لمدة قرون من الزمن، وكوَّنت بذلك أجيالا من العلماء الفطاحل الذين طبقت شهرتهم الآفاق ولا يزال عطاؤهم وإنتاجهم العلمي والفكري قائما ينهل منه الباحثون جيلا بعد جيل.

وبالرغم مما أحدثته الحماية الفرنسية من إحكام قبضتها على القرويين وأساتذتها والتحكم في إدارة الجامعة وتسييرها، بعد أن استشعرت الدور الخطير الذي تقوم به القرويين التي أطلق عليها الجنرال الفرنسي ليوطي وقتئذ اسم “البيت المظلم” في سبيل استنهاض همة الشعب وإرادته ضد المستعمر، فإنه ما إن استرد المغرب استقلاله حتى عادت للقرويين مكانتها كجامعة علمية رائدة في نشر العلم والمعرفة، فانتقلت خلالها من “المسجد الجامع” إلى “المسجد الجامعة”.

دور جامعة القرويين في بناء الشخصية الإسلامية عبر العصور

لكل أمة من الأمم شخصيتان إحداهما مادية والأخرى روحية أو معنوية وتتجلى في التراث الروحي الزاخر الذي تنتجه وتنميه في إطار حضارتها المتوارثة والذي يثريه العلماء والمفكرون. والأمة الإسلامية ذات الحضارة العريقة والمجيدة تتكون شخصيتها من خلال عوامل ثقافية واجتماعية وحضارية تسهم في صياغة ملامحها العامة، وبخاصة على مستوى تكوين قيمها الحضارية والإنسانية التي أسهمت المؤسسات التعليمية الجامعية العريقة إسهاما قويا في بناء لبناتها الأساسية.

ولما كانت جامعة القرويين من الجامعات الإسلامية العريقة ذات العطاء الخالد، فإن ما قدمته من علوم وعلماء وتراث علمي وفكري عبر الأجيال والعصور يعتبر رافدا أساسيا من روافد الشخصية الإسلامية وينبوعا صافيا قدم للحضارة الإنسانية النماذج الرائدة في مجال العلوم الدينية والدنيوية.

انه لا يمكن الحديث عن الشخصية الإسلامية في المجال الثقافي والعلمي دون الحديث عن دور جامعة القرويين في تكوين معالم هذه الشخصية انطلاقا من إشعاعها العلمي الواسع في الغرب الإسلامي والمشرق على السواء ، فجامعة القرويين لم تكن مجرد جامعة علمية لتكوين الأطر الدينية أو مدرسة تعليمية لتدريس علوم القرآن والحديث والفقه وغيرها، وإنما كانت تمثل معلمة من معالم الإسلامي عبر قرون متعددة . فكثير من علمائها الذين خلفوا آثاراً جليلة لا تزال أسماؤهم متداولة عبر مختلف الجامعات الإسلامية والمجالس العلمية خاصة في مجال القراءات القرآنية والحديث والفقه والأصول.

لقد حملت القرويين الرسالة التي وكلت إليها منذ إنشائها كجامع إلى أن أصبحت جامعة ، فقامت بحمل عبء الرسالة لعصور متتالية ومتعاقبة ، وهذه الرسالة ترتبط في أسسها بالعقيدة الإسلامية واللغة العربية والمعارف العربية الإسلامية المتوارثة، أو ما يسمى بالتراث العربي الإسلامي ، وهو ما يسمح بالقول بأن جامعة القرويين كان لها دور مهم في الحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية عبر العصور . فقد كانت المؤسسة العلمية الكبرى التي رسخت أسس المذهب المالكي، فصهرت بذلك المجتمع المغربي في بوتقة الوحدة المذهبية والعقدية التي عمل علماء القرويين على ترسيخها بقوة من خلال الالتزام بتدريس وتعليم ما يستهدف تحقيق تلك الوحدة . وفضلاً عن ذلك سهر علماء القرويين على القيام برسالة الحفاظ على اللغة العربية بمختلف آلياتها النحوية والبلاغية تحقيقا للوحدة اللغوية.

وبذلك تكون القرويين قد حملت مقومات الثقافة الإسلامية الصحيحة إلى المجتمعات العربية عن طريق علمائها وفقهائها ومفكريها الذين كانوا الحافظين في صدورهم لأصول ذلكم التراث وكانوا المدافعين بقوة المنطق والتفكير عن أسسه وقيمه والملقنين بألسنتهم وكتبهم لهذا التراث للأجيال اللاحقة، فلا غرابة أن يدرِّس أبو عمران الفاسي (ت 430هـ) الذي بلغ درجة الاجتهاد في المذهب المالكي في رحاب القيروان التونسية والأزهر المصرية، وأن يملي أبو علي القالي أدبه في قرطبة، وأن ينشد سابق المطماطي قصائده في بلاط دمشق، وأن يتتلمذ دفين مدينة فاس القاضي أبو بكر بن العربي ( ت 543 هـ) على يد أبي حامد الغزالي بالمشرق ثم يؤلف كتبه بالمغرب والأندلس ، أما ابن آجروم النحوي ( ت 723هـ) فقد دون كتابه الشهير في النحو بفاس وشُرح بالقاهرة وبغداد وتُرجم وطبع بأوروبا. (8) وبذلك ساهم هؤلاء وغيرهم في الحفاظ على الشخصية العلمية الإسلامية، خاصة وأن معظم فروع المعرفة التي كانت تدرس فيها لها صلة بالدين ، مما اعتبر عاملا قويا في صيانة التراث الإسلامي العربي من جهة وحماية الشخصية الإسلامية من جهة أخرى.

لقد أسهمت جامعة القرويين في بناء الشخصية الإسلامية من خلال حملها لواء الأصالة والتجديد في وقت واحد ومحافظتها على القيم الدينية السائدة فضلا عن حمايتها للثقافة الإسلامية التي طبعتها الجامعة بالطابع المغربي الأصيل.ولا شك أن عوامل الجغرافيا قد جعلت من المغرب ساحة للتلاقي الحضاري بين الشمال والجنوب وبين أوروبا وإفريقيا ،وهذا العامل الجغرافي جعل من المغرب ممثلا في جامعة القرويين القلعة الإسلامية الأولى التي تحمي الحضارة الإسلامية من أخطار الغزو الصليبي والمد التبشيري وتعطي للشخصية الإسلامية قوتها وحيويتها مغذية بذلك الثقافة الإسلامية بصفة عامة بالقيم والمبادئ والمثل الأصيلة .

وإذا كانت الهوية الثقافية الإسلامية هي ذلك القدر الثابت والجوهري المشترك من السمات والقسمات العامة التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات والتي تجعل للشخصية الإسلامية طابعا تتميز به عن الشخصيات الحضارية الأخرى ، فإن جامعة القرويين من خلال ما أنتجه علماؤها من تراث وفكر حضاري إسلامي متميز قد سعت إلى الحفاظ على ذاتية وأصالة وشخصية الأمة الإسلامية وذلك انطلاقا من الأركان الثلاثة الرئيسة : العقيدة واللغة والتراث الثقافي.

إن أبرز ما قدمته القرويين للمجتمع المغربي أولا وللمجتمعات العربية والإسلامية ثانيا هو تكوين شخصية إسلامية وبناء هوية دينية ورسم ذاكرة اجتماعية ، وقد تمكنت من ذلك بفضل مناهجها العلمية الجامعة بين علوم الدين والدنيا وبفضل كفاءة علمائها الذين تولوا التدريس برحابها حيث تعدى إشعاعهم حدود المغرب العربي إلى إفريقيا والأندلس ومنها إلى مختلف الدول الأوروبية.
لقد كان دور جامعة القرويين في نشر مختلف العلوم والفنون يمثل رسالة حضارية حافظت على معالم الشخصية الإسلامية و أسهمت في صياغتها من خلال الحفاظ والدفاع عن أصالة اللغة العربية وفرضها لغة العلم والمعرفة ، وقد ساعد على ذلك تكريس سلاطين وملوك الدولة المغربية لسياسة التعريب الشاملة في مجال التعليم ، فكان أبناء المغرب والوافدون عليه من الخارج يلتقون جميعا على اختلاف ألسنتهم ولهجاتهم على اللسان العربي.

وإذا كان للقرويين الدور الفاعل في الإسهام الموفور في تشخيص الحضارة الإسلامية وتعميق أسسها الثقافية فإن المغرب حين التحق بهذه الحضارة وسار في ركابها ظل حريصا من خلال معقل القرويين على التعبير عن ذاتيته وتحقيق خصوصيته الحضارية من خلال تراثه الفكري والثقافي ومنظومة القيم والتقاليد ومناهج النظر العلمي والمعرفي فضلا عن خصوصية أشكال الفنون المعمارية الفاسية مما تم اقتباسه فيما بعد من طرف دول إسلامية كثيرة (9). فكان كل ذلك إسهاما متميزا في تغذية الشخصية الإسلامية بالإبداع والعطاء المغربي.

إسهامات جامعة القرويين في بناء الحضارة الإنسانية

لقد كان بفاس في سائر عهودها ومراحل تاريخها كثير من العلماء والمحدثين والفقهاء والأدباء والشعراء والأطباء ورجال الفكر وغيرهم من نبهاء العلوم والفنون ، منهم من ولد ونشأ فيها ، ومنهم من ورد عليها من مختلف المدن والبلدان وأخذ عن أعلامها وأخذوا عنه فاندمج معهم وأثر فيهم وتأثر بهم، مما سمح بتلاقح ثقافي وحضاري امتزجت فيه معارف مختلفة وثقافات متنوعة، إلا أن كل هؤلاء العلماء من مواطني البلدة أو الوافدين عليها كان لهم اتصال وتأثر بالقرويين، مما سمح للكثير منهم ممن ارتحلوا إلى بلدان خارج المغرب بنشر علم القرويين وإنفاقه عن طريق تولي مناصب التدريس أو الإفتاء أو الخطابة أو القضاء بالمدن الأندلسية التي يعودون إليها أو بمختلف الحواضر العلمية التي يحطون بها الرحال وهم في طريقهم إلى الشام أو الحجاز حيث كان العالم المغربي المحاضر يملي درسه بالقرويين وعندما يكون في طريقه إلى الشرق يملي محاضراته في بجاية والقيروان وتونس وطرابلس والأزهر والقدس ودمشق وبغداد وفي الحرمين الشريفين (10).

وبذلك كان للقرويين دور كبير وإسهام فاعل في إثراء مختلف العلوم والفنون المتبادلة بين المشارقة والأندلسيين من جهة والمغاربة من جهة أخرى، ولعل أكبر دليل على أن علم مدينة فاس ممثلا فيما يبث في جنبات القرويين والمدارس المحيطة به كان ينشره العلماء في مختلف الآفاق والأصقاع أن سلاطين بني مرين كانوا يصطحبون في أسفارهم خارج المغرب جملة وافرة من كبار علماء القرويين يجالسون نظراءهم المشارقة ويناظرونهم ، فالسلطان أبو الحسن المريني عند رجوعه بعد عيد الفطر عام 750هـ من تونس في أساطيله المتعددة كان معه فيها نحو أربعمائة عالم هلك معظمهم في كارثة الأسطول الذي غرق في البحر الأبيض المتوسط على مقربة من بجاية، وكان من هؤلاء العالم السفير أبو عبد الله السطي وأبو العباس الزواوي (11). وكان لكثير من العلماء الرحالة الذين درسوا ودرَّسوا بالقرويين أمثال ابن العربي(ت543 هـ) وابن رشيد السبتي (ت 721 هـ) وابن الحاج الفاسي (ت737 هـ) وابن ميمون الغماري( ت 917 هـ) وغيرهم أثر في نقل علوم ومناهج علماء القرويين إلى المشرق مما أسهم في إثراء واغتناء الثقافة والحضارة الإسلاميتين بإنتاج المغاربة الذي طبعته القرويين بطابعها الخاص والمتميز. فالعلامة أحمد زروق الفاسي (ت 899هـ) رحل مرات عديدة إلى المشرق وكان يقيم من حين لآخر في مختلف الحواضر العربية مدرسا ومفتيا وخطيبا إلى أن وافته المنية بمدينة مصراته الليبية .أما الشريف الإدريسي (ت560 هـ) الذي يعتبر من أشهر الجغرافيين العالميين فقد قضى بفاس ردحا من الزمن مفيدا ومستفيدا ثم رحل إلى بقاع عديدة من العالم ، ونقل عن الطبيب المشهور ابن زهر (ت 596 هـ) المعروف باسم Avenzoar بأنه ظل متنقلا بين الأندلس وفاس ومراكش(12).

وحتى عندما أصبحت مراكش عاصمة المغرب السياسية في بعض العهود كانت فاس بفضل القرويين ومعاهدها الشهيرة عاصمة الغرب الإسلامي فكريا وعلميا وأدبيا ، حيث انبثق منها الإشعاع لينير الحضارة الغربية وأضاء جوانب أوروبا التي كانت منغمسة في عصور الظلام.

وإذا كانت العلوم المدروسة بالقرويين تشمل الدراسات الدينية الخالصة ( العقيدة-علوم القرآن والتفسير والحديث والفقه والأصول والسيرة النبوية وغيرها) والدراسات الإنسانية ( اللغات وآدابها وعلوم التاريخ والاجتماع والشعر والتربية والفلسفة والفنون على تباين صورها ) ودراسات العلوم البحثة من حساب ورياضيات وعلم الفلك وغيرها وكذا دراسات العلوم التطبيقية من طب وهندسة وغيرهما ، فإنه يمكن القول بأن جامعة القرويين قد تم برحابها دراسة أبرز العلوم والمعارف السائدة في ذلك العصر . هذا في الوقت الذي كانت فيه مراكز العلم والعرفان بأوروبا لم تظهر بعد ، وكانت بعض معاهد العلم والترجمة بإسبانيا تضطلع بنقل تراث علماء القرويين خاصة في حقول المنطق والطب والفلك إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الأوروبية (13).

لقد كان علماء جامعة القرويين في عهودها السالفة مستوعبين للثقافات السائدة وواعين بطبيعة التغير الاجتماعي والثقافي الذي يحدث في الشرق والغرب على السواء . فقد ظل-على سبيل المثال- اسم الرحالة أبي سالم العياشي (1090هـ) معروفا في المشرق بما سجله من انطباعات وما حققه من لقاءات. كما حرص أبو العباس المكودي (ت1170هـ) على ربط صلات قوية بين علماء القرويين وعلماء الزيتونة. وهو ما جعلهم يتفاعلون مع ذلك مسترشدين بخصائص الثقافة المغربية وأمكنهم بذلك الوعي بأهمية الدور الذي يمكن أن تقوم به جامعة القرويين في بناء فلسفة اجتماعية وثقافية صالحة تسهم في بناء الحضارة الإنسانية.

لقد انفتحت الجامعة في القرنين الماضيين على بعض التجارب الإنسانية النافعة ولو كانت قادمة من الغرب المسيحي(14) واستفادت منها وتفاعلت معها مع الاحتفاظ منها بما لا يتعارض مع القيم الدينية والخصوصيات الثقافية ولا يمس الشخصية الإسلامية العربية .غير أن القرويين أبت أن يبلغ بها الانفتاح على الثقافات الإنسانية حد الذوبان أو أن يقعد بها الانغلاق مقعد التقوقع بل إنها التحمت بالحضارة الإسلامية التي كانت لها نظرتها الخاصة إلى الكون والحياة ومنظومتها القيمية الشاملة وخصوصياتها الثقافية المتميزة التي أسهمت بها في بناء الحضارة الإنسانية وهو ما شهد به الباحثون والمفكرون الغربيون الذين تحدثوا عن فاس وجامعتها (15).

لقد تبلورت في مدينة فاس من خلال جامعة القرويين معالم الحضارة العربية والإسلامية التي تفتقت بالمغرب فتلألأت أشعتها في أوروبا ، واحتفظت بذلك الإشعاع لمدة قرون عديدة ، فقد كان بها في أواخر القرن الرابع الهجري مدرسة صغيرة للطب ، وأحيلت المدرسة المرينية بدار المخزن في فاس الجديد حوالي عام 1844 م إلى مدرسة للمهندسين عمل السلطان محمد الرابع فيما بعد على أن يبعث طائفة من خريجيها إلى الخارج لتلقي العلوم الرياضية ليكونوا سندا حيا للعلوم في جامعة القرويين وذلك سعيا إلى تلقيح العلوم الرياضية التي توارثتها القرويين جيلا بعد جيل بما يبعث فيها الجدة والنشاط ومسايرة التطورات الحديثة.

وذكر رينو Renau أن مدينة فاس تعتبر مهد الحضارة الإنسانية التي جلبت العلماء والطلبة من العالم أجمع وهي بالنسبة للإسلام مثل أثينا بالنسبة لأوروبا حيث كانت تدرس جميع العلوم والفنون والآداب (16).

وتحدث روم لاندو عن القرويين فقال :” لقد كان العلماء في القرويين منذ حوالي ألف سنة يعكفون على المباحثات الدينية والمناظرات الفلسفية التي قد تتجاوز دقتها إدراك فكرنا الغربي ، وكان المثقفون يدرسون التاريخ والعلوم والطب والرياضيات ويشرحون أرسطو وغيره من مفكري الإغريق” (17).

ولعل من أبرز الشواهد التي تؤكد وتبرز دور القرويين في بناء الحضارة الإنسانية ما ذكره بعض الباحثين الغربيين من أنها كانت مقصدا لأحد العلماء الأوروبيين وهو جير بير Gerbert الذي تقلد منصب البابوية فيما بعد وأصبح يعرف بالبابا سلفستر ، ويذكر أنه أول من أدخل إلى أوروبا الأعداد العربية وطريقة الأعداد المألوفة في أوروبا بعد أن أتقنها جيدا في القرويين (18) .

أما الأوروبيون الذين وردوا على القرويين لتعلم اللغة العربية فهم كثيرون ذكر منهم الدكتور عبد الهادي التازي القسيس نيكولا كلينار المدرس بجامعة لوفان Louvain ببلجيكا حيث كان بفاس عام (947هـ-1540م) وكذا الهولندي جولييس Golius الذي حمل معه من فاس نسخة من كتاب ابن بكلارش في الطب المؤلَّف في النصف الأول من القرن الخامس ( 19).

لقد كان من علماء القرويين من وقع عليهم الاختيار ليكونوا سفراء دبلوماسيين إلى بعض المدن في جنوب أوروبا مثل غرناطة وبولونيا ، فكانت تلك السفارات فرصة لنقل بعض العلوم والمعارف إليها والتعريف بتقاليد الإسلام والمسلمين ، وينقل التاريخ أيضا إسهام ابن الوزان المعروف بليون الإفريقي صاحب كتاب (وصف إفريقيا) في تعريف الأوروبيين بفاس وجامعتها وعلومها وبذلك تكون القرويين قد ساعدت على تنمية البحث العلمي في أوروبا وأسهمت في إرساء بذور الحضارة الأوروبية عن طريق علمائها أمثال ابن البنا المراكشي العددي (ت723 هـ) الذي ظل كتابه “تلخيص أعمال الحساب” أحد المصادر المعتمدة في أوروبا وتمت ترجمته عام 1864م ، وابن أجروم النحوي (ت723 هـ) الذي طبعت مقدمته الأجرومية في أوروبا مرات عديدة وترجمت إلى مختلف اللغات وكثر الحديث عنها حتى قيل إن كلمة GRAMMAIRE مشتقة من آجروم ، أما في الطب والفلسفة فأمثال ابن طفيل (ت581 هـ) وابن زهر Avenzoar (ت 596 هـ) وابن باجة Avampace (ت 533 هـ) وابن رشد Averroes (ت595هـ) قد أسهمت كتبهم ونظرياتهم العلمية والفلسفية بقوة في الدفع بالحركة العلمية بأوروبا إلى الأمام والنهوض بأسس الحضارة الإنسانية(20).

تدريس العلوم الإسلامية في القرويين عبر العصورy

تستمد جامعة القرويين أهميتها ومكانتها من عدة عوامل يأتي في طليعتها ريادتها في تأسيس العلم الشرعي بجميع روافده ، حتى إنه لم يكن معدودا من العلماء من لم يأخذ العلم عن شيوخ وأساتذة القرويين الذين كان لهم أكبر الفضل في ترسيخ أسس وقواعد العلوم الإسلامية وتنقيحها وتهذيبها .

وقد اتخذت المادة العلمية المدروسة بالقرويين اتجاها مالكيا من حيث الفقه الإسلامي منذ العقود الأولى لتاريخ القرويين ، ففي عهد الأدارسة وردت الطلائع الأولى لمذهب الإمام مالك وتعزز ذلك بمناصرة ملوك وسلاطين المغرب للمذهب الجديد والسعي إلى ترسيخ معالمه في البلاد (21) ، واستمر المذهب المالكي في ازدهار وانتشار كبيرين طوال العهد المرابطي لكن الأمراء الموحدين بعد أخذهم لزمام الأمور في المغرب دعوا إلى مباشرة الأخذ من أصول التشريع الإسلامي وفتح باب الاجتهاد وتجاوز المذهب المالكي ، وبالرغم من هذه الدعوة الجديدة فقد اهتم الموحدون بسائر العلوم والفنون وشجعوا الحركة العلمية التي أسهم فيها بقوة العلماء النازحون من الأندلس.

بيد أن الموحدين لم يستطيعوا الصمود أمام حملات المرينيين الذين ما إن استتب بهم الأمر حتى دعوا إلى الرجوع إلى مذهب الإمام مالك وحرصوا من أجل ذلك على إنشاء المدارس التعليمية التي أسهمت بدورها في ترسيخ معالم المذهب ونشره والانتصار له.ويعتبر العهد المريني من أزهى فترات القرويين على مستوى تنوع العلوم والفنون الإسلامية المدروسة بها ، فقد كانت الجامعة في هذا العهد والعهود اللاحقة جامعة بين علوم الدين والدنيا مما جعل أهل المغرب والأقطار المجاورة يلتفون حولها ويرابطون حول كراسيها ويتزودون من علومها وفنونها المتنوعة ، وبفضل كفاءة علمائها وأساتذتها الذين تولوا التدريس برحابها والذين تعدى إشعاعهم حدود المغرب العربي إلى الأندلس وبلدان أوروبية وإفريقية أخرى تمكنت القرويين من حمل أمانة العلم بقوة وعزم متحدية الصعاب وصامدة في وجه التحديات خلال تاريخها الطويل.

ويأتي الفقه الإسلامي على رأس العلوم المدروسة بالقرويين نظرا لتأثر القرويين بالمذهب المالكي فقد كان الاشتغال بالفروع الفقهية مهيمنا وسائدا على باقي العلوم ،ولم يشذ الأمر سوى في عهد الموحدين الذين انقطع في عهدهم علم الفروع والخلاف العالي بعدما أمروا بإحراق أمهات الكتب الفقهية والدعوة إلى الرجوع إلى الأصول، غير أن ذلك اعتبر في واقع الأمر لقاحا جديدا رد المغاربة إلى الأصول لمناقشة الفروع في ضوئها فصار الفقه يعتمد الأدلة وينظر في الخلاف العالي (22).

وقبل ظهور مختصر الشيخ خليل ( ت776هـ) كانت مدونة سحنون ونوادر ابن أبي زيد القيرواني(ت386هـ) وكتاب التهذيب للبرادعي(ت373هـ) وكتاب ابن يونس (ت451هـ) وواضحة ابن حبيب(ت238هـ) أبرز الكتب المتداولة في رحاب القرويين والمدارس الملحقة بها، لكن بعد ظهور المختصر وإعجاب المغاربة به تفنن الفقهاء في شرحه والتحشية عليه وأضحى المعول في الدراسات الفقهية يدور حول تلك الشروح والحواشي.

وفي مجال التفسير وعلومه كانت هناك كراسي خاصة بالتفسير ، وكان تفسير الثعلبي ( ت427هـ) من أبرز التفاسير المقررة إلى جانب تفسير الزمخشري (ت538هـ) وتفسير الرازي ( ت606هـ) وتفسير البيضاوي( ت685هـ) بالإضافة إلى تفسير ابن عرفة (ت803هـ) والدر المنثور للإمام السيوطي(ت94هـ)، وجرت العادة أن تُعطى دروس التفسير صباحا تبركا بها.

ويبدو أن الاهتمام بعلم التفسير كان أقل مما حظي به الفقه والنحو ، فعلماء فاس وإن فاقوا غيرهم في بعض العلوم والفنون إلا أنهم لم يبرزوا في تأليف ودراسة كتب التفسير ، وهكذا لا نكاد نعثر سوى على قلة قليلة من علماء القرويين الذين سمت هممهم وتاقت عزائمهم إلى الخوض في علم التفسير الذي استصعب التصنيف فيه كثير من العلماء حتى قال الإمام الونشريسي (ت914هـ) في كتابه (المعيار المعرب) “والحق أن تفسير القرآن من أصعب الأمور ، فالإقدام عليه جرأة “(23)

أما علوم القرآن من تجويد وقراءات ورسم فلم يبرز الاهتمام بها بصورة واضحة سوى في العهد المريني والعهود التالية وللإشارة ، فقد أسس أبو الحسن المريني عام 721 مدرسة خاصة بعلم القراءات سميت مدرسة السبعيين لأنه كانت تدرس بها القراءات السبع ، وهذا دليل قوي على مدى الاعتناء التام الذي عرفته القرويين والمدارس المرينية خصوصا بهذا العلم الجليل، وممن اشتهر بالتأليف والإقراء في هذا المجال من علماء القرويين ابن بري التازي (ت731هـ) صاحب منظومة ” الدرر اللوامع في مقرأ الإمام نافع” وأبو عبد الله الخراز (ت 718هـ) صاحب أرجوزة “مورد الظمآن في رسم القرآن”. وقد طبقت شهرة هاتين المنظومتين الآفاق، ولا تزالان إلى اليوم العمدة الأساسية في قراءة نافع ورسم القرآن.

واشتهر في العصر الوطاسي الإمام ابن غازي (ت919هـ) الذي برع في علم القراءات وألف فيها كتبا كثيرة .واشتهر في العصر العلوي الإمام أبو زيد ابن القاضي (ت1082) وابن عبد السلام الفاسي (ت1214) اللذان ذاع صيتهما في مجال علم القراءات._(24)

أما في الحديث وعلومه فكان التدريس في هذا المجال العلمي يعتمد كتب الصحاح والسنن مثل صحيح البخاري (ت256) ومسلم (ت261هـ) وجامع الترمذي (ت 279هـ) وموطأ الإمام مالك بن أنس ( ت179هـ) ، والجدير بالملاحظة أن علماء القرويين في بعض العهود كانوا يفضلون صحيح مسلم على صحيح البخاري ، غير انه على مستوى الشروح كان الاعتماد منصبا على شرحي ابن حجر(ت 752هـ) وبدر الدين العيني (ت855هـ) على صحيح البخاري ، وتم التركيز أيضا على ألفية العراقي (ت806هـ)في علم الحديث وشهاب الأخبار للقضاعي (ت454هـ)والترغيب والترهيب للمنذري (ت656هـ) والتسهيل والتقريب والتصحيح لرواية الجامع الصحيح لابن الرصاع (ت894هـ) ،وكانت كراسي هذه الكتب الحديثية موزعة بين القرويين وجامع الأندلس وبعض المدارس الملحقة.

أما في علوم اللغة والنحو فقد كان التدريس يعتمد كتاب الأماني مع الكامل للمبرد (ت285هـ) وكتاب سيبويه (ت180هـ) وألفية ابن مالك (ت673هـ) والتسهيل له أيضا وشرح أبي الطيب الشرقي على القاموس في العصور المتأخرة .

وتم تدريس الأدب بمقصورة ابن دريد وبكتاب الحماسة وشرحه لابن زاكور في العصور المتأخرة.

وفي علم الأصول كان الاعتماد الرئيس على كتاب ابن السبكي الشهير “جمع الجوامع” مع شرحه للجلال المحلي (ت864هـ) ، اما في علم المنطق وعلم الجدل ، فكان المعتمد فيهما كتاب ابن الحاجب(ت646هـ) “منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل ” . أما في علم التوحيد فكان كتاب أم البراهين للسنوسي (895هـ) أهم مراجعه المقررة في التدريس.

أما الطب فقد ازدهرت دراسته بفاس وخاصة بالقرويين منذ وقت مبكر ، إذ يحدثنا التاريخ عن وجود مدرسة طبية بفاس خلال القرن الهجري الرابع،(25)وقد تحدث ابن ميمون الغماري (ت917هـ ) عن فائدته فقال :” ما رأيت مثلها ومثل علمائها في حفظ نصوص كل علم مثل النحو والفرائض والحساب والمنطق والتوحيد والطب.. وسائر العلوم العقلية” (26)وكانت أهم الكتب الطبية التي درسها علماء القرويين كتاب الكامل للرازي والقانون لابن سينا وزبدة الطب للجرجاني وكليات ابن رشد وتذكرة الأنطاكي ومفردات ابن البيطار وغيرها.

ومن العلماء الذين درسوا الطب سليمان الفشتالي واحمد بن محمد بن الحاج وغيرهما.وذكر (رينو) أن علم الطب كان يدرس في جامعة القرويين بواسطة كتب أبقراط وجالينوس .(27)

ومما يجدر ملاحظته أن علم الطب كان مشاعا بين طبقة من الفقهاء والمحدثين والأدباء الذين ساهموا في التأليف في هذا الحقل المعرفي ، منهم الإمام السنوسي شارح البخاري الذي وضع شرحا على رجز ابن سينا في الطب.

أما مجال الرياضيات وعلم الحساب فقد اهتم به علماء القرويين وألفوا فيه و شاع عند الموثقين استعمال القلم الفاسي وهو عبارة عن أرقام حسابية استعملها الموثقون بفاس في تقييد التركات وتقدير النفقات وهي من أصل روماني انتقلت من وليلي إلى فاس ثم نسبت إليها ، واشتهر بالهندسة والحساب بفاس ابن السكاك الفاسي (ت500هـ) وأبو عمران بن أبي شامة (ت599هـ) وابو الحسن علي بن فرحون (ت602هـ) وهو مؤلف كتاب ” اللباب في مسائل الحساب” ، وابن الياسمين الفاسي(ت601هـ) صاحب منظومة الجبر والمقابلة وغيرهم.(28)

إصلاح نظام التعليم بجامعة القرويين

عرفت بعض الفترات التي تلت عهد المرينيين وخاصة في صدر الدولة العلوية جمود أسلوب الدراسة والتعليم بالقرويين وخمود الحركة الفكرية الحرة التي سبق أن بثها المرينيون بقوة في أرجاء المغرب. وبقي الأمركذلك إلى عهد السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله(ت1204هـ) الذي سرعان ما فطن إلى خطورة ما آلت إليه أوضاع التعليم بالقرويين من انحدار وتدهور ، فعمد إلى التفكير في سبل إصلاح واقع الدراسة والتكوين بالجامعة .

ويمكن القول بأن السلطان محمد بن عبد الله هو أول من أرسى حجر الأساس لإصلاح النظام الدراسي بجامعة القرويين ، فهو أول من فكر في إصلاح نظام التعليم، حيث أصدر منشورا سلطانيا عام 1203هـ 1789م يحدد بموجبه المواد الدراسية والكتب التي ينبغي الاقتصار على تدريسها مع تحديد مصادر كل مادة ومراجعها ناهيا عن دراسة كتب التوحيد المؤسسة على الجدل الكلامي والرجوع بالمقابل إلى مذهب السلف في الاعتقاد.وهكذا أمر السلطان بتدريس القرآن بمختلف التفاسير والحديث بصحيحي البخاري ومسلم والمسانيد ، وفي مجال الفقه أمر بالاقتصار على المدونة والبيان والتحصيل والمقدمات لابن رشد الجد(520هـ)،والجواهر لابن شاس والرسالة لابن أبي زيد القيرواني ومختصر خليل بشرح بهرام الكبير(805هـ)والمواق والحطاب والخرشي الكبير لا غير(36).

أما في مجال السيرة النبوية فيدرس بكتاب الاكتفاء للكلاعي وعيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري، في حين يدرس النحو بكتاب التسهيل والألفية لابن مالك ، أما المتفرغ لعلوم الفلك والحساب فعليه أن يأخذ حظه من علم التوقيت لما في ذلك من المنفعة العظيمة لأوقات الصلاة والميراث . ومع إبداء السلطان شكوكه في جدوى دراسة علوم الفلسفة، فقد أكد على أهمية تحصيل علوم الحساب والرياضيات والهندسة ولذلك عمد إلى توجيه بعثات علمية من أبناء القرويين إلى أوروبا لاستكمال دراستهم في هذه العلوم، وتوالى أمر الابتعاث في عهد السلطانيين الحسن الأول والمولى عبد العزيز وغيرهما .

لقد نص المنشور السلطاني على إصلاح جوهري للمواد المدروسة بجامعة القرويين مسندا الأسبقية للعلوم الدينية ومنددا بما تعوده الأساتذة والعلماء من هجر المؤلفات الأصلية واعتماد الملخصات والمختصرات والشروح التي لا تزيد مع الزمن إلا إجحافا بالمعاني الأصلية والحقيقية . وتدعيما لبرنامجه الإصلاحي عمد السلطان محمد بن عبد الله إلى بناء المدارس والمعاهد وترميم ما تداعى منها للخراب، وسار على نهجه في كل ذلك نجله السلطان المولى سليمان (ت1238هـ) حيث عرفت النهضة العلمية في عهده حركة ونشاطا دائبين، وهو ما أكده في ذلك الوقت المؤرخ الإسباني Badia Le blich باديا ليبليش الذي زار مدينة فاس عام 1217 وقال عنها:”إن فاسا كانت في إفريقيا من حيث مركزها الثقافي تحاكي أثينا في أوروبا “.(37)

ولم يقف إصلاح النظام الدراسي والتعليمي بالقرويين عند الحد الذي رسمه السلطان محمد بن عبد الله ، فقد فتح ملف الإصلاح مرة أخرى مع السلطان عبد الرحمن بن هشام الذي أمر بإعادة تنظيم التعليم وترتيب الدروس وذلك من خلال خطاب وجهه لشيخ القرويين عام (1261-1885م) انتقد فيه سير بعض الدروس بالقرويين في ذلك العهد داعيا الأساتذة إلى التجديد في المناهج والمواد المدروسة،(38) وفي عهد السلطان المولى يوسف صدر الأمر بتأسيس مجلس للنظر في شؤون القرويين ووضع برنامج للدراسة فيها وكان من أهم ما اشتمل عليه ما عد حدثا جديدا في تاريخ القرويين وهو تقسيم مناهج الدراسة إلى ثلاثة أقسام : ابتدائي وثانوي ونهائي مع إقرار نظام الامتحانات ، غير ان تطبيق البرنامج الجديد كان متعثرا ، ولم يكتب له النجاح إلا في عهد السلطان محمد الخامس الذي أصدر ظهيرا عام 1349-1931 كلف فيه المجلس الأعلى بالنظر في سن ضابط ينظم التعليم بالقرويين ويصلح طرقه ومناهجه ، وهو ما صدر عام 1933 متضمنا عدة فصول تتحدث عن العلوم والفنون الواجب تدريسها في الأطوار الثلاثة ، ومدة الدراسة التي تحددت في اثني عشر عاما، ثلاثة منها للابتدائي وستة للثانوي وثلاثة للنهائي ( التعليم العالي) مع إحداث شعبة أدبية إلى جانب الشعبة الدينية في التعليم النهائي، وتتوج المرحلة الأخيرة بعد النجاح في الامتحان النهائي بشهادة العالمية .

وتحدث الضابط المسنون عن إضافة مواد جديدة كالتاريخ والجغرافيا والهندسة وغيرها ، كما تحدث عن عدد الأساتذة ورواتبهم ومهمات المراقبين وتحديد أوقات العطل وإقرار نظام الامتحانات والشواهد وغير ذلك.(39)

ولا ننسى بهذا الصدد أن استباب نظام الحماية بالمغرب وانتقال العاصمة من فاس إلى الرباط جعل مركز الجامعة يتقلص من جراء التقصير والمضايقة من طرف الإقامة العامة الفرنسية التي كانت تقف أمام إصلاح القرويين حجر عثرة نظرا لدور الجامعة العتيقة بعلمائها وطلابها في التصدي للأطماع الاستعمارية.

ولتحديد مجال جامعة القرويين وجامعة محمد الخامس التي أنشئت عام 1957م تأسس المجلس الأعلى للتربية الوطنية عام 1960 وخطا خطوات مهمة في الإصلاح ، إذ انصبت جهوده على مبدأ “التوحيد” في مرحلة اولى للتعليم تكون بمثابة “جذع مشترك” تتفرع منه مرحلة ذات شعب في السلك الثاني من الثانوي تؤدي حسب مواد التخصص إما إلى جامعة القرويين بما تضمه من كليات في الشريعة واللغة العربية وأصول الدين وإما إلى جامعة محمد الخامس بما تشتمل عليه من كليات للآداب والحقوق والعلوم والطب وغيرها.

ولا ننسى بهذا الصدد أن استباب نظام الحماية بالمغرب وانتقال العاصمة من فاس إلى الرباط جعل مركز الجامعة يتقلص من جراء التقصير والمضايقة من طرف الإقامة العامة الفرنسية التي كانت تقف أمام إصلاح القرويين حجر عثرة نظرا لدور الجامعة العتيقة بعلمائها وطلابها في التصدي للأطماع الاستعمارية.

ولتحديد مجال جامعة القرويين وجامعة محمد الخامس التي أنشئت عام 1957م تأسس المجلس الأعلى للتربية الوطنية عام 1960 وخطا خطوات مهمة في الإصلاح ، إذ انصبت جهوده على مبدأ “التوحيد” في مرحلة اولى للتعليم تكون بمثابة “جذع مشترك” تتفرع منه مرحلة ذات شعب في السلك الثاني من الثانوي تؤدي حسب مواد التخصص إما إلى جامعة القرويين بما تضمه من كليات في الشريعة واللغة العربية وأصول الدين وإما إلى جامعة محمد الخامس بما تشتمل عليه من كليات للآداب والحقوق والعلوم والطب وغيرها.

ولكي تصبح جامعة القرويين مسايرة لتطور العصر الحديث فقد كان من اللازم إعادة النظر في الدراسة بها ووضع نظام جديد لها يسير وفق روح العصر وتطوره، حيث أصبحت الجامعة ابتداء من عام 1975 تخضع في تسييرها التربوي والإداري للظهير الشريف المنظم للجامعات المغربية وبذلك أصبح النظام المتبع في جامعة القرويين هو نفس النظام الذي تنضوي تحته باقي الجامعات والمعاهد العليا المغربية سواء فيما يخص نظام الدراسة أو الامتحانات أو الشهادات العليا ، وأضحت الجامعة اليوم تضم الكليات التالية:

In addition to the scientific chairs, Al Qarawiyin used to host other learning activities which were not as important as the chairs, though a large number of students attended them. It happened sometimes that the number of students was so large that teachers opted often for the chair to deliver their lecture in. Famous scholars of the city of Fes used to lecture there, such as Charif Tlemsani, Yahya Serraj, Ibn El-Qadi, Abdelkarim El-Yazghi (deceased in 1199 A.H) and Abou El Kacem Bensouda, to mention but a few.

The chairs were not restricted to Al Qarawiyin University. Circumstances often imposed that chairs be created in subsidiary Medrasas and similar institutions to ease pressure on the main University, on the one hand, and for reasons of proximity to the population in the different districts and localities of the city, on the other hand.

1-كلية الشريعة بفاس وهي الكلية الأم وتمثل امتدادا تاريخيا لجامعة القرويين القديمة وتهتم بالدراسات الفقهية والإسلامية والقانونية (الصورة رقم 10).

2-كلية اللغة العربية بمراكش وهي امتداد تاريخي لكلية ابن يوسف بمراكش، وتهتم بالدراسات اللغوية والأدبية والإسلامية.

3-كلية أصول الدين بتطوان وتمثل امتدادا تاريخيا للمعهد الديني العالي الذي أسس عام 1944 ، وتهتم بالدراسات الفكرية والفلسفية ، وقد أسست هذه الكليات الثلاث في فبراير عام 1963.

4-كلية الشريعة بأكادير وهي ثاني كلية للشريعة بالمملكة أحدثت في يونيه 1979 وتهتم بدورها بالدراسات الفقهية والإسلامية والقانونية .

وتتوفر جميع هذه الكليات على أقسام للدراسات العليا ( دبلوم عال+دكتوراه) مكنت ولا تزال من تخريج أعداد كبيرة من الأطر العلمية والفكرية التي تسهم بفعالية في مجال التعليم العالي والقضاء والإدارة وغير ذلك.

الهوامـــــــــــش

1. ابن أبي زرع : الأنيس المطرب في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس- الرباط 1973. ص ص 34-38.

2. الخصة في الاصطلاح المغربي تعني مجموع شيئين اثنين : الأنبوب لذي يتفجر منه الماء نحو الأعلى (النافورة) والحوض الذي يتجمع فيه الماء.

3. نسبة إلى علم التوقيت.

4. Ibn Marzouk: Al musnad Al Sahîih Al hassan fi ma’âthir mawlana Abi Al Hassan, Maria Jesus Pegera, Alger, 1981, p 405.

5. First known as « Sab’ine », this word is currently pronounced by the neighbouring inhabitants as « Sba’iyine ». The French orientalist A. Albel has mentioned this school specialized in the seven readings, in an article published in the Journal asiatique.

6. Mohammed Abed El Fassi, Al Khizâna al ilmiya bi al maghrib, p17.

7. Abdelhadi Tazi, Jami’a Al Qarawiyin, 1st edition, Beyrouth, 1973 (2/451).

8. These are examples of some of the famous scholars of Al Qarawiyin. Many other scholars of Fez travelled to the Mashreq. Their names are cited in the different books devoted to the prominent figures of Fez such as: Rawd al kirtass, Al anis al mutrib d’Ibn Abi Zaraa, Jadwat al iktibass d’Ibn al kadi, Saalwatu al anfass de Kettani.

9. Many sculptures on wood and plaster known in some countries of the Mashreq owe their origin in Fez and Andalusia.

10. Like Al Kassar, Al Mûqri, Ibn Al Cadi, Al Fachtali and others.

11. Ibn Khaldûn, Al Ibar, Ed Boulak 1384 (363/6) see also: Lamhemed Manouni, Waraqat an al hadara al maghribia fi ahdi bani marîne, Presses Atlas, Rabat, 1979, p 324.

12. Jami’a Al Qarawiyin.1/176.

13. Lucien Leclerc, Histoire de la médecine arabe, Rabat, 1980, tome 1, p 575.

14. This has been the result of scientific missions in France, Spain and Italy, especially under the reign of Sultan Mohammed IV and Sultan Hassan I.

15. See Delphi, Fès et son université ; Letourneau, Fès avant le Protectorat, and Henri Terrasse, La mosquée d’Al Qarawiyin.

16. Attib al kadim fi al maghrib, bulletin of the Institute of Higher Studies, Rabat, 1er issue, p77.

17. Landau, Autour d’Al Qarawiyine, the « Risalat al Maghrib » magazine, 11 June 1951.

18. E.H. Vollet/Sylvester 2 or Gelbert in La Grande Encyclopédie.

19. Jami’a Al Qarawiyine , 2/419.

20. Rénaud, La médecine traditionnelle au Maroc, p72. The author writes : « Morocco has the right to adopt Ibn Maja, Ibn Tofaïl, Ibn Rochd and Ibn Zohr, for all them have served under the sultans of  Morocco » see- Jami’a Al Qarawiyin 1/128.

21. Omar Jidi : Mabahit fi al madhab al maliki bi al maghrib, 1st edition, Rabat, 1992, p35.

22. Mohammed Manouni, Al ulûm wa al funûn wa al âdâb fi ahdi al muwahhidîn, 1st edition, Tétouan, 1950, p52.

23. Al Wancharîssi, Al mi’yar al mu’arrab, published by the Moroccan Ministry of waqfs, Beyrouth, 1981 (482/2)

24. Said Aarab, Al qira’a wa al qirâ’at bi al maghrib, Dar al Gharb Al islmâmi, Beyrouth, 1990, p 93-109.

25. Abdelaziz Benabdallah, At-tîb wa al Atibâ’ fi al maghrib, Rabat, no date, p15.

26. Reported by El Kettani in Salwat al anfâs, 1/4.

27. Rénaud, above-cited, p 32

28. Abdallah Guennoun, An-nubûgh al maghribi fi al adab al arabi, 2nd edition, Beyrouth, 1961, 1/87.

29. Ibn Battûta, Tuhfatu Annadhar, Paris, 4/324.

30. Jami’a Al Qarawiyine , 2/371.

31. Ibn Al-Wazzan, “wasfu Afriqia”, Dar Al Gharb al Islami, 2nd edition, 1983, p 185.

32. Jami’a Al Qarawiyine 2/371.

33. Al kitabu ad-dahabi li Jami’at al Qarawiyin (11th century). 1379H/1960. p 165.

34. Jami’a Al Qarawiyin

35. Delphin, Fès et son université, 1950, p82

36. Naciri, Al Istiqsa’, Dar al kitab, Casablanca, 1954, 8/67.

37. Jami’a Al Qarawiyin.

38. Ibn Zaydane, Ad-durar al fâkhira fi ma’^thir al alawiyine bi fas az-zahira, p 80

39. Jami’a Al Qarawiyin