أصفهان عاصمة الثقافة الإسلامية 2006م / 1427 هـ

espahan

تقديم

في إطار المهام المنوطة بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ للتعريف بعواصم الثقافة الإسلامية، التي قرر المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة ( الجزائر، في الفترة من 15 ـ 17 ديسمبر 2004 )، الاحتفاء بها كل سنة عن المناطق العربية والإفريقية والأسيوية في العالم الإسلامي، تخصص المنظمة الإسلامية هذه النافذة على موقعها في شبكة الإنترنت، لإبراز المكانة التاريخية والحضارية لعواصم الثقافة الإسلامية الثلاث لعام 1427هـ الموافق 2006م، وهي مدينة حلب بالجمهورية العربية السورية، ومدينة تنبكتو بجمهورية مالي، ومدينة أصفهان بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وتهدف المنظمة الإسلامية من وراء ذلك إلى التعريف بأهم المعالم التاريخية والحضارية والثقافية لهذه العواصم، وإبراز ما قدمته هذه المدن عبر العصور ومازالت تقدمه، بفضل علمائها ومثقفيها ومبدعيها، ومن خلال مؤسساتها التربوية والعلمية والثقافية من عطاءات ثرية ومتنوعة في مختلف مجالات العلوم والآداب والفنون، مساهمة من المنظمة الإسلامية في إحياء ذاكرة هذه المدن وتجديد وعي الأجيال الصاعدة بأهمية الوقوف على كنوز التراث الحضاري الإسلامي.

و نظراً إلى ثراء مادة هذا الموضوع وتنوعها، ستبقى هذه النافذة مفتوحة ليتم من خلالها عرض البرنامج العام للاحتفالات الذي تعتزم إقامتها جهات الاختصاص في العواصم المعنية، والأنشطة التي ستساهم بها المنظمة الإسلامية في الاحتفاء بهذه العواصم، ضمن أسبوع الإيسيسكو التربوي والعلمي والثقافي.

والله الموفق.

الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري
المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة

الموقع

1

أصفهان أو أصبهان مدينة إيرانية، تقع في الجنوب الشرقي من المقاطعة المركزية فيوسط إيران تقريبا. وتحتضن هذه المدينة الساحرة بجمالها وخضرتها السياح على مدار العام لطبيعتها الخلابة على طول مساحتها الشاسعة. وبالعودة لتاريخ هذه المدينة التاريخية نجد أنها ظلت عاصمة لإيران لفترة طويلة إبان حكم الصفويين، فقد حازت المدينةأهمية وصارت من المدن الكبرى في عهد الشاه عباس الكبير الذي اتخذها عاصمة له. وقد عرفت هذه المدينة منذ القديم بهذا الوصف “أصفهان نصف الدنيا”.

ويقدر تعداد سكانها اليوم بنحو مليون نسمة. وأصفهان من بين المدن الإيرانية التي تعد الأكثر ثراء في التاريخوالعمارة. وإيران بلد يتمتع بأمجاد تاريخية وثقافية وخصائص طبيعية يتيح له أن يكون بلداً سياحياً كبيراً. ويوجد في إيران آثار تاريخية متعددة تمثل المراحل المختلفة منذ استقرار الإنسان على الهضبة الإيرانية.كما وتتمتع إيران بمناظر طبيعية خلابة، ففيها السواحل المختلفة والجبال والصحاري، بالإضافة إلى الأبنية التاريخية والمعالم الدينية والثقافية، كما يتميز هذا البلد بمناخ وجغرافية متفاوتة في مساحات متقاربة، فمن الصحاري الشاسعة إلى المناخ شبه الاستوائي إلى الجبال ذات القمم الجليدية، ومن السواحل الشمالية المطلة على بحر قزوين التي تتميز بالطبيعة الخلابة، إلى المياه الدافئة على الخليج.>

ووصفت منظمة اليونسكو أصفهان التي تعد أحد المحاور السياحية الرئيسة في إيران بأنها (تراث البشرية). ولا غرو فأصفهان التي يقصدها الكثير من السياح الأوروبيين تضم أراضيها العديد من القصور العملاقة التي تحكي تراث وآثار وتاريخ الماضي العريق، كما يوجد في هذه المدينة الكثير من الحدائق الساحرة بروعتها وجمال تصميمها منذ عشرات السنين لدرجة أن بعضاً من هذه الحدائق يعود عمرها ل(350) سنة، كما تزين أصفهان مزارع الفواكه والخضار المختلفة حيث خصوبة الأراضي وصلاحيتها للزراعة، كما تكثر بأصفهان المصانع خصوصاً مصانع المياه، وفيها كذلك عدد من الجسور التي تقطعها الأنهار ومنها جسر (وردي خان) وجسر (خاجو) اللذان تتوزع بجوارهما الجلسات للاستمتاع بمناظر المدينة الخلابة.

2
3

وتتميز أصفهان بشوارعها الفسيحة وميادينها الكبيرة، كما تشتهر المدينة التي خرجت كثيراً من المهندسين والمثقفين، بصناعة السجاد الإيراني الشهير الذي تحرص العائلة الإيرانية على الاحتفاظ به بل يعتبرونه كالذهب،ويحرص الزائر لأصفهان على ألا تفوته فرصة التجول بسوق (البازار) الذي يحوي الكثير من الآثار القديمة وتعرض فيه الكثير من البضائع اليدوية والصناعات التي تشتهر بها أصفهان.

المكانة العلمية لمدينة أصفهان:

قامت مدينة أصفهان بدور مهم في تاريخ الفكر العربي الإسلامي منذ أن فتحت في عهد عمر بن الخطاب عام (19 أو 23هـ / 640 -644م)، حيث كانت مركزا من مراكز الحركة العلمية والأدبية في العالم الإسلامي، ولاسيما حينما كانت تحت حكم آل بويه (321هـ / 933 م-447 / 1055 م) ثم في حكم السلاجقة فيما بعد. وكلتا الدولتين كان لها دور في تنشيط الحركة الفكرية، وشجعوا العلماء والأدباء والفلاسفة، حتى لقد نبغ في عهدهما من يعد بحق فخر الدولة الإسلامية في العصور المختلفة.

كما نبغ في أصفهان أناس لا يحصون من العلماء في كل علم وفن، ولاسيما العلماء والفلاسفة والأدباء والشعراء الكبار والمؤرخين واللغويين وغيرهم. ولقد كانت أصفهان درة في تاريخ فارس، ومركزا حضاريا حين انطوت تحت راية الإسلام، وممن لمعوا في سماء أصفهان من أئمة الحديث، أبو محمد عبد الله بن حيان الأصفهاني، وجمال الدين الجواد الأصفهاني الوزير، وعماد الدين الكاتب الأصفهاني. ومن المفسرين محمد بن بحر الأصفهاني. ومن المؤرخين ابن حمزة بن الحسين الأصفهاني، والحسن بن عبد الله الأصفهاني، ومن الأدباء واللغويين أبو الفرج الأصفهاني، صاحب الأغاني، ومحمد بن داود الأصفهاني.

مدينة أصفهان عبر العصور

يعود تاريخ أصفهان إلى نحو خمسمائة عام قبل الميلاد عندما قام الملك سايروس أول ملوك الأكامانيديين بغزو الإيلاميين، وفي عهده نشأت الإمبراطورية الفارسية الأولى، وحدث في تلك الفترة أن ظهرت الديانة الزرادشتية لأول مرة وخطت المخطوطات المسمارية لتسجيل الأحداث وتنظيم المعاملات بين الناس. وكان آخر ملوك الأكامانيديين الملك داريوس الثاني، الذي حارب الإسكندر الأكبر ثم هزمه الأخير في إحدى المعارك واغتاله قواده. وكان جبل “كوه إي صوفيه” الذي يحيط بأصفهان من ناحية الجنوب مسرحا لهذه المعركة والتي شاهدها داريوس عند مهبط هذا الجبل.وللوقوف على تاريخ أصفهان ينبغي التعرف على التاريخ الإيراني: “فإيران وفارس” اسمان استعملا للدلالة على قطر واحد، ولكنهما ليسا مترادفين تماماً، فلما هاجرت الأقوام الآرية من موطنها الأصلي جنوبي بحر الأورال إلى الهضبة المرتفعة الواقعة أسفل بحر قزوين، سموا الموطن الجديد “إيران” ومعناها “موطن الآريين”، ويمكن تقسيم تاريخ إيران القديم إلى ثلاث مراحل:

1- حقبة ما قبل التاريخ: وتبدأ من حوالي100.000 سنة قبل الميلاد و انتهت تقريباً مع بداية الألف الأول قبل الميلاد.

2- حقبة التاريخ البدائي: وتغطي تقريباً النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد.

3- حقبة الأسر الحاكمة (من القرن السادس إلى القرن الرابع قبل الميلاد).

العصر الحجري القديم: أول شواهد هذا العصر موجودة على حفريات في جبال زك روس غرب إيران، والتي تعود إلى حوالي 100.000 سنة قبل الميلاد.

العصر الحجري الحديث: تشير الدلائل إلى أن منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة كانت إحدى أقدم المناطق في العالم القديم التي مرت بما يسمى ثورة العصر الحجري الحديث. حيث شهدت هذه الثورة نمواً في نمط الحياة الزراعية الريفية المستقرة التي تعتمد أساساً على الزراعة والرعي. وهذه الشواهد يعود تاريخها إلى الألفية الثامنة والسابعة قبل الميلاد. وفي سنة 6000 قبل الميلاد تقريباً انتشرت هذه الأنماط من الحياة الزراعية والرعوية في أنحاء كثيرة من الأراضي الإيرانية.

الألف الخامس إلى منتصف الألف السادس قبل الميلاد: هناك القليل من المعلومات عن حضارة تلك الحقبة. ويميل المؤرخون إلى التركيز على حقبتي العصر الحجري الحديث والعصر البدائي، والأدلة المتناثرة على وجود تطورات ثقافية وفنية هامة في العصرين النحاسي والبرونزي الأول.

أواخر الألف الثالث والألف الثاني قبل الميلاد: تتميز بداية هذه الحقبة عموماً بعزلة ملحوظة للهضبة أكثر من التي قبلها، بينما تميز النصف الأخير منها بحالات جديدة واضحة من التمزق، فريدة في التاريخ الإيراني، مهدت الطريق لتطورات في عصر التاريخ البدائي. ففي شمال ووسط غرب إيران تطورت الحضارات المحلية إلى حالة من العزلة النسبية نتيجة للأحداث الجارية في أماكن أخرى.

فترة ما قبل الأخمينيين

تمكنت الثورة الزراعية من إقامة مستعمرات دائمة وتكوين حضارات مزدهرة منذ (8000 ق م)، حيث أصبحت شبه الهضبة الإيرانية مهداً لواحدة من أقدم الحضارات في التاريخ. وتعدَ مدينة سيلك Sialk (بالقرب من كاشان)، أول مدينة بُنيت على الهضبة الإيرانية في 3900 ق م. وسكن طوائف الميديين والفرس، وهم من البدو الآريين الرحل الذين سكنوا شبه الهضبة الإيرانية قادمين من آسيا الوسطى في الفترة من 1500-800 ق م، حيث استقر الميديون في غرب إيران، وأصبحوا هم والفرس في الجنوب خاضعين، في البداية، للدولة الآشورية، ولكنهم سرعان ما استقلوا بأنفسهم ثم قهروا الدولة الآشورية.

الدولة الأخمينية

أسس كورش (كور وش) إمبراطورية فارس عام 550 قبل الميلاد، وكانت أول إمبراطورية عالمية، واستسلمت بابل سلمياً لقورش ورحبت به محرراً لها بسبب سياساته اللينة في 539 ق م، فحرر اليهود من السبي البابلي، وقد توفي قورش عام 529 ق.م. وتوج حكم الملك “دارا” عام 521 ق.م ذروة إمبراطورية فارس حيث أسس دارا إمبراطوريته على النظام المرزباني (مشابه للحكومات القومية والمحلية)، فأنشأ الطرق والموانئ، كما بنى نظام ري تحت الأرض. كما تميز عصر دارا بازدهار اقتصادي، حيث عرف أقدم شكل من أشكال العملة في التاريخ “الداريك”، بالإضافة إلى توحيد الموازين والمقاييس وتنظيم القوانين التجارية وتشجيع التجارة العالمية ورفع مستوى اقتصاد الإمبراطورية الفارسية إلى مستوى لم يسبق له مثيل من الرخاء.

ولم تشكل الدول المدينية اليونانية أي تهديد لقلب الإمبراطورية الفارسية خلال 490-479 ق م: فالذي لم تحققه فارس من خلال الحرب، حصلت عليه من خلال الدبلوماسية، فبعد انتهاء الحروب اليونانية الفارسية استطاع ملوك فارس إثارة القلاقل شعبي أثينا وسبارطة على بعضهمها في حروب استمرت 150 عاما. وكان للدعم المالي والبحري الذي قدمته فارس إلى إسبارطة ودفعها إلى انتصارها على أثينا في الحرب الكبرى. ثم بدأت فارس في تقديم العون لأثينا، وكان النفوذ الفارسي واضحاً، لدرجة أنه طُلب من الملك الفارسي أرتاكسركسس الثاني التوسط بينهما، والتوصل في النهاية إلى اتفاقية سلام عام 387 قبل الميلاد. وأصبحت إمبراطورية فارس القوة العالمية المهيمنة لما يزيد على قرنين من الزمان 550-334 ق م. فقد كان لها السبق في التقريب المتواصل بين الشرق والغرب، وكانت أول إمبراطورية عالمية متسامحة دينياً. وتعدد بها الكثير من اللغات والأعراق والديانات والثقافات، وقبل سطوع نجم الإمبراطورية الرومانية، كان لفارس قصب السبق في التأكيد على سطوة القانون، وإنشاء جيش مركزي قوي، وحكومة دولة فعالة ونظامية.

حكم الإسكندر إلى دولة البارثيين

غزا الاسكندر الأكبر المقدوني فارس في عهد الدولة الأكمينية وأسقطها في عام 334 ق م، وبعد انتصاره على الجيش الفارسي أمر بإعدام كثير من الفرس وأحرق مدينة برسيبوليس انتقاماً لحرق مدينة أثينا. وكان يعتبر نفسه خليفة للملوك الأخمنيين، وقلد عادات البلاط الفارسي وحاول تكوين ثقافة جديدة مزجت بين الفارسية والإغريقية (الهلينية).

وبعد وفاته عام 323 ق م بفترة وجيزة، قسمت إمبراطوريته بين الجنرالات المتنافسين، وكان من أبرز ما ورثه بعد انتصاره على فارس هو تقديمه النموذج الإمبراطوري الفارسي للغرب وتبني الإمبراطورية الرومانية له بعد ذلك، خاصة ما يتعلق بحكم الدولة والقانون.

وبقيام الدولة السلوقية في الفترة من 323-141 ق م، والتي سميت بذلك نسبة إلى سلوق أحد جنرالات الإسكندر، والتي كانت تضم آسيا الصغرى وبلاد الشام والعراق وإيران، وشيد له عاصمة جديدة باسم “سلوقية” على نهر دجلة في العراق، والقسم الغربي وأسس له العاصمة “أنطاكية” على نهر العاصي. تناوب على مملكة السلوقيين ثمانية عشر ملكاً.

Tوتولت الحكم دولة البارثيين في الفترة من 247 ق م-224م، ويعرفون في التاريخ أيضاً باسم “الأرشكيين” نسبة إلى ملكهم الأول، وهي مملكة قبلية من قبائل الساكا في شمال شرق إيران، هزمت السلوقيين وبسطت سيطرتها على جميع بلاد فارس. مؤسس هذه الدولة هو “أرشك” الأول الذي أصبح بعد ذلك لقباً لجميع الملوك البارثيين كاسم قيصر الروم. وخاضوا حروباً عدة ضد الرومان. وأدى نصرهم عليهم في عام 53 قبل الميلاد إلى بروزهم كقوة عظمى آنذاك، ورغم طول حكم البارثينيين الذي ناهز الخمسة قرون، إلا إن حضارتهم لم يتبق منها شيء يُذكر، باستثناء بعض الآثار الفنية البسيطة.

الدولة الساسانية

وأسس أردشير الأول حكم الساسانيين عام 224م، الذين أحيوا الحضارة الفارسية والزرادشتية وبذلوا جهداً ملحوظاً لإعادة تقاليد الأخمينيين، وأقاموا علاقات تجارية مع عدويهم اللدودين الرومان/البيزنطيين والصينيين، وتشير الحفريات المكتشفة في الصين إلى العملات الساسانية الفضية والذهبية التي كانت مستخدمة لعدة قرون. ويحتل أردشير مكانة كبيرة لدى الإيرانيين باعتباره موحد الأمة الإيرانية وباعث الزرادشتية ومؤسس الإمبراطورية البهلوية، وتوفي أردشير عام 240م وخلفه ابنه شابور، الذي غزا الإمبراطورية الرومانية وأسر الإمبراطور الروماني فاليريان في عام 260م، كما أنشأ مركز “جندي شابور للتعليم العالي، وأعاد تنظيم الإمبراطورية، وأقام سد شستر، وأنشأ العديد من المدن، منها “نه شابور” (نيسابور الحالية). وكان جلوس هرمز الثاني على عرش إيران في الفترة من 301-310م، وقتل في إحدى المعارك مع العرب عام 310م. وتولى كسرى أنو شيروان حكم إيران في الفترة من 531-579م، وقد استطاع في بداية حكمه القضاء على فتنة أتباع مزدك وأعاد الاستقرار إلى الأوضاع في إيران. ثم تناوب على عرش الإمبراطورية الساسانية في الفترة من 629-632م، أختان هما بورانداخت ابنة خسرو برويز وأختها أزارماداخت، ووقعت بورانداخت معاهدة سلام مع البيزنطيين.

تاريخ أصفهان في العصور الإسلامية

وفي عام 642م انتصر المسلمون على الفرس في موقعة نهاوند وانتهى حكم الأسرة الساسانية بعد مدة بلغت 416 عاماً، وخلال الفتح الإسلامي شهدت المدينة العديد من المعارك، كما شهدت أيضا فترات زاهرة. وأعقب ضعف الخلافة العباسية في نهاية القرن العاشر الميلادي، نشوء سلالات حاكمة محلية داخل إيران من خلال التجمعات الأسرية، فكان غرب إيران يسيطر عليه الديلميون والذين انقسموا بدورهم إلى البويهيين والكاكويين. ومع قيام الخلافة الأموية (661-750م)، وخضعت جميع الأراضي المفتوحة خضوعاً تاماً، واستخدمت الحروف العربية في الكتابة الفارسية. وفي عام (750-1258م)، بدأ اعتماد الخلافة العباسية على الوزراء الفارس في كثير من وظائف الدولة، وتغلغلت التقاليد الفارسية في نظام الحكم العباسي، وأصبح لأسرة البرامكة الفارسية شأن كبير في النظام السياسي العباسي وتقلد كثير من أفرادها مناصب وزارية هامة في الدولة العباسية، حيث بلغت الدولة الإسلامية ذروتها إبان الحكم العباسي.

العصر الذهبي للحضارة الفارسية

بدأت قبضة الحكم العربي على فارس تضعف، حيث وصلت ممالك فارسية محلية متعددة إلى الحكم وأقامت دويلات مستقلة في بلادهم، مثل الطاهريين (821-873)، والصفاريين (867-903)، والسامانيين (873-999)، والزياريين (928-1007)، والبويهيين (945-1055). ثم تبعتهم الأسر التركية ذات الثقافة الفارسية مثل الغزنويين (962-1186)، والسلاجقة (1038-1153)، والدولة الخوارزمية (1153-1220). ومرة أخرى أصبحت فارس مركزاً للفن والأدب والعلوم. وكان للفرس أثر كبير في ازدهار الحضارة الإسلامية، وبرز في هذه الحقبة نخبة من علماء المسلمين الأفذاذ مثل سيبويه، مؤسس علم النحو، والخوارزمي، في الفلك والجبر، والرازي الطبيب، والفردوسي الشاعر الملحمي، وابن سينا الطبيب الفيلسوف، والغزالي الفقيه العالم الأصولي، وعمر الخيام الشاعر الفلكي، وسعدي الشاعر، وحافظ الشاعر، وغيرهموعندما وصل السلاجقة إلى الحكم بعد هزيمة حفيد السلطان محمود الغزنوي الذين كان راعيا للفردوسي، وطد قائدهم طغرل حكمه في نيسابور، ثم توسع في فتوحاته ليضم العراق. ثم اعتلى ابن أخيه ألب أرسلان العرش في عام 455هـ / 1063 م. وعزز السلاجقة دولتهم من خلال التغلب على الروم وبلاد ما وراء النهر. ثم تم اغتيال ألب أرسلان في عام464هـ / 1072 م وتولى بعده ابنه ملكشاه (1072-1092) الحكم بالرغم من أن الوزير الداهية الخبير بشؤون الحكم نظام الملك كان هو المتصرف الفعلي لأمور الدولة. وعندما بلغ الوزير سن الثمانين، أمرت السلطانة تركان خاتون باغتياله بسبب مخاوفها من أن يحول دون وصول ابنها إلى العرش، إذ قتله أحد أتباع حسن صباح قائد فرقة الحشاشين. وبعد ذلك بقليل توفي ملكشاه. ثم تلا ذلك فترة من الحروب الأهلية تنازع خلالها أخوه وأبناؤه الأربعة العرش إلى أن حسم الصراع لصالح الابن الثالث ويدعى “سنجار”. وقد عانى هذا الأخير فترة من التقلبات ووقع أسيرا للتركمان في الفترة من 547هـ / 1153 م إلى 550هـ / 1156 م حيث حكمت سلطانته الأثيرة الدولة من مدينة خراسان. وقد استطاع سنجار أن يفر من الأسر ليلقى حتفه في سن الثالثة والسبعين. أعقب وفاته أربعون عاما من الحروب الأهلية لقي بعدها طغرل الثالث- الذي استطاع أن يوحد الدولة من جديد- الهزيمة في أحد المعارك عام589هـ / 1193 م على يد حاكم خوارزم، ووقع ابنه أسيرا في قبضة جانكيز خان ومات عام626هـ / 1220 م.وبعد ذلك قسمت المملكة بين عدد من الإقطاعيين حتى كان غزو هولاكو خان حفيد جانكيز خان لبلاد فارس عام 616هـ / 1230 م. واستولى هولاكو خان المغولي في عام 656هـ على بغداد وقتل الآلاف من الناس وحرق قصور الخلفاء ومساجدهم ومقابرهم ومكتبة بغداد الشهيرة وأعدم آخر خلفاء العباسيين، ثم تقدم المغول إلى الشام، إلا إنهم هزموا على يد المصريين في موقعة عين جالوت الشهيرة فانسحبوا إلى مراغة في الشمال الغربي من إيران وأسسوا دويلتهم تحت اسم دولة الإيلخانيين.

تولى غازان خان، حفيد هولاكو، العرش وكانت فترة حكمه العهد الذهبي للمغول في إيران حيث كان أول قائد مغولي يعتنق الإسلام وصار طابع البلاط في مدينة تبريز العاصمة إسلامياً فارسياً تماماً، وكانت الإدارة الرشيدة والرخاء أهم مميزات عهده. وساعدت إمبراطورية المغول المترامية في تسهيل تبادل الأفكار والبضائع بين الصين والهند وفارس، وتوفي غازان وخلفه أخوه أولجيتو حتى توفي عام 1316م، وكان قد عُمد أثناء طفولته على أنه نصراني ولكنه اختار الإسلام بعد ذلك واتخذ لنفسه اسم محمد خدابنده وبنى مدينة السلطانية بالقرب من قزوين والتي صارت عاصمة الإيلخانيين بعد تبريز. وفي هذه الفترة ظهر عالم البصريات الشهير كمال الدين فارسي صاحب نظرية الانكسار والانعكاس. وكذلك الشاعر الغنائي الكبير شمس الدين حافظ الشيرازي ألمع شخصية أدبية ظهرت في ذلك العصر وأشهر أعماله “ديوان أغاني شيراز”. وفي عام 1405م غزا تيمور لنك المغولي التركي إقليم فارس كله واستولى على حلب ودمشق وجعل سمرقند عاصمة له، واتسمت فتوحاته بالقسوة والتخريب والوحشية، ولكنه رغم ذلك اهتم بالفنون وجعل من سمرقند تحفة معمارية.

الدولة الصفوية ( 1501-1524م)

يعد العهد الصفوي هو البداية التي أخذت بالمدينة إلى عصرها الذهبي في أواخر القرن السابع عشر الميلادي. وقد أخذت المدينة زخرفها وأزينت تحت حكم الحكام الجدد خاصة في عهد الشاه عباس الكبير، وذاع صيتها في أرجاء العالم المتحضر. وقد حكم الملوك الصفويون زهاء قرن ونصف القرن من الزمان وكانت أصفهان طيلة هذا الزمان عاصمة لهم. وتنسب إلى صفي الدين الأردبيلي الذي كان من شيوخ الصوفية التقليديين وكان شافعي المذهب. أما مؤسسها فهو إسماعيل ميرزا أو الشاه إسماعيل الأول، حيث سار إلى تبريز وهزم القبائل الموجودة فيها وجعلها عاصمته. وأعلن المذهب الشيعي الاثنى عشري الجعفري مذهباً رسمياً للدولة. واستخدم كل ما أوتي من قوة لفرض مذهبه في جميع أنحاء إيران. ثم خلفه ابنه طهاسب الأول فأكمل ما بدأه أبوه، ولكنه اختار أسلوب الإقناع والتأثير في نشر المذهب بدلاً من العنف والقهر. واستمرت الحروب بين الصفويين الشيعة والعثمانيين السنة مدة طويلة، ويبدو أن الضغط الخارجي سواء من جانب العثمانيين في الغرب وقبائل الأوزبك القوية في الشرق ضد الصفويين، كان عاملاً مؤثراً في توحيد إيران والتفاف شعبها حول ملوك الصفويين والمذهب الشيعي. نقل الشاه عباس ( 1587-1629م)، عاصمة الدولة الصفوية إلى أصفهان، حيث صارت مركزاً حضارياً متميزاً في مختلف ميادين العلم والفن والعمارة والأدب، وازدهرت في عهده علاقات إيران بأوروبا وكثر السفراء في بلاطه. وفي عام 1722م، غزو محمود خان، شيخ قبيلة أفغاني لفارس والاستيلاء على أصفهان دون مقاومة فعلية وبذلك ينتهي حكم الصفويين. اعتلى نادر قلي في الفترة من 1729-1747م: ، الملقب بنادر شاه، عرش إيران وصار مؤسساً للدولة الأفشارية. وهزم الأفغان والعثمانيين والروس والهنود ووحد دولته. ثم ما لبث أن تمزق ملكه وانهارت آلته الحربية بعد قتله بيد أحد حراسه. ثم سيطر كريم خان زند 1747-1779م، على الأجزاء الوسطى والجنوبية لإيران ونجح في صد القاجاريين، واهتم بعاصمته شيراز.

الدولة القاجارية

كان القاجاريون إحدى القبائل السبع التي ساعدت أول ملوك الصفويين. نجح قائدهم آغا محمد خان في 1795م، في توحيد فروع القبيلة بالعنف والقتل، فقوي أمره واستطاع الاستيلاء على طهران وجعلها عاصمة لملكه. ونتج عن الاستعمار الأوروبي تغلغل الإنجليز والروس في الشؤون الإيرانية. فقد سلم القاجاريون القوقاز (جورجيا وأرمينيا وأذربيجان حالياً) إلى الروس في معاهدتين منفصلتين: معاهدة جلستان عام 1813، ومعاهدة تركمان جاي عام 1828. وأرغم القاجاريون على سن قانون الامتيازات الأجنبية، والتي بموجبه أعفى جميع الرعايا الأجانب من المثول أمام القضاء الإيراني. منذ ذلك الوقت وحتى مطلع القرن العشرين أصبحت إيران موزعة بين المصالح المتعارضة لروسيا وبريطانيا، فكانت روسيا تبني سياستها على أساس التوسع في آسيا وتطمع أن يكون لها ميناء في المياه الدافئة في الخليج، بينما سعت بريطانيا إلى السيطرة على الخليج وجميع الأراضي المجاورة للهند. وحكم محمد شاه حفيد فتح علي شاه في الفترة من 1834-1848م، وحاولت روسيا في عهده خطب ود إيران حتى تتمكن من دعم نفوذها في ولايات القوقاز وتركستان. وحكم ناصر الدين شاه، ابن محمد شاه. وامتاز عهده الطويل بالعلاقات الودية مع روسيا، مما أثار بريطانيا وأعلنت الحرب على إيران وعجزت روسيا عن مساعدة إيران فاضطر ناصر الدين شاه إلى التسليم، وأبرمت معاهدة باريس عام 1858، والتي بمقتضاها اعترفت إيران باستقلال أفغانستان، ومنحت المعاهدة امتيازات وحقوقاً تجارية لبريطانيا في إيران. كما حصل البارون رويتر البريطاني على امتياز من ناصر شاه يعطي بريطانيا الحق في إنشاء السكك الحديدية وطرق المواصلات، واستغلال الثروة المعدنية والبترول سبعين سنة، كما أعطتها الحق في الإشراف على الأعمال الجمركية لمدة أربع وعشرين سنة. وقامت الثورة الدستورية في عام 1906م، بقيادة بعض علماء الدين والشباب، وتكون أول برلمان تعهد بمعالجة كثير من المشاكل.

أهم المعالم الحضارية والمآثر الدينية في أصفهان

تميزت مدينة أصفهان عبر عصورها بتنوع المعالم الحضارية والمآثر الدينية التي قدمتها على عديد من مدن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومن أبرز المعالم الحضارية والمآثر الدينية في أصفهان، ما يلي: ـ

 أولا : المساجد

  المسجد الجامع في أصفهان

p1

أنشأه الفاتحون المسلمون المسجد الجامع في مدينة أصفهان عام 23هـ / 644 م، عندما دخلوا البلاد، الذي كان أول أمره مسجدا صغيرا، ثم هدم وبني مرارا حتى جاء السلاجقة فأعادوا بناءه على الصورة التي بقي عليها إلى اليوم. ولم يبق من المسجد الجامع في أصفهان إلا جدرانه، أما بلاطات القاشاني والقباب والمآذن التي تزين المسجد فتعود إلى عصور لاحقة. والمسجد مبني من الحجر والآجر، وينقسم بيت الصلاة إلى أربعة أواوين.

ويرجع المبنى الحالي إلى عصر السلطان ملكشاه (464هـ / 1072م ـ 484 / 1092 م) وهو الذي أقام قبته البديعة عام 470هـ / 1080 م، وقد أضاف إليه السلطان “أولجايتو محمد خدابنده” قسما كبيرا بين سنتي 702هـ / 1303 – 715 / 1316 م، وعهد إلى وزيره محمد صافي بإنشاء محراب هو من أجمل المحاريب الإيرانية مزين بالخزف والقاشاني.

مسجد الشاه عباس

p2
p3

يعد مسجد الشاه عباس من الآثار الإسلامية الرائعة بمدينة أصفهان وهو يشرف على ميدان شاه عباس من الناحية الجنوبية، ويعد هذا المسجد من أفخم المساجد التي بنيت في العصر الصفوي، ويمثل هذا المسجد التكامل الفني المعماري الإسلامي، فجدرانه الداخلية والخارجية مكسوة بأجمل ألواح القاشاني الملون ذي الرسوم الزخرفية البديعة، وعلى جانبي المدخل منارتان رشيقتان بارتفاع ثلاثة وثلاثين مترا تقريبا على حين ارتفاع عقد المدخل بلونه الأزرق اللازوردي وزخارفه التي تبلغ حوالي سبعة وعشرين مترا. وإن كانت خطوط الستار القائم الزوايا المستقيم الأضلاع تباين كروية القبة من ورائه، كما ترتفع بينهما المنارتان النحليتان الشاهقتان رأسيا في اتجاه قائم بذاته. وتقوم قبته الزرقاء على قاعدة دائرية تكثر فيها النقوش والكتابات، ويقوم بيت الصلاة في المسجد على نظام الإيوانات لا الأروقة، والإيوان الأوسط هو إيوان القبلة الذي يحتوي على المحراب، وصحن المسجد تطل عليه البوائك من كل جهة، وجهة بيت الصلاة مكسوة ببلاطات القاشاني.

جامع شاه سلطان حسين المعروف باسم “نادر شاه”

يعد جامع شاه سلطان حسين المعروف باسم ” نادر شاه” من أجمل ما بناه المعماريون الإيرانيون عام 1008هـ / 1600م، ويشتمل هذا الجامع على بيت الصلاة الذي يعلوه قبة ضخمة تعد من أجمل قباب المسجد، وتحيط بالصحن المستطيل إيوانات ذات طبقتين، وتتصل بالإيوانات الجانبية أفنية صغيرة مربعة ومستطيلة في جوانبها غرف للسكن وخلوات للعبادة.

مسجد بارسيان

يقع هذا المسجد في بلدة بارسيان التي تقع على مسافة 42 كيلومترا شمال شرقي أصفهان، حيث يوجد فيها مجمع معماري يحتوي على مئذنة قديمة ومسجد سلجوقي وأحد النزل التي بناها الشاه عباس الأول، وكانت تلحق هذه الأبنية بالمساجد. ويحتوي هذا المسجد على نموذج رائع للبناء في قمة واجهة المسجد.

يرجع تاريخ بناء المئذنة إلى عام 490هـ/ 1097م، في عصر برك ياروك ابن ملك شاه، ويبلغ ارتفاعها 34 م.

مسجد داشتي

يقع هذا المسجد بقرية داشتي على الطريق الذي يربط أصفهان بزيار، والذي يسمى بنفس اسم القرية. ويرجع تاريخ هذا المسجد إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر الميلادي. وتعد البساطة الشديدة في بناء المسجد من العوامل التي تساعد على تتبع عمليات التشييد، بينما يساعد صغر حجمه وسهولة الوصول إليه الزوار على دراسة الأسلوب الذي تم به وضع القراميد المصقولة في البناء المحيط.

مسجد جوميه (مسجد الجمعة)

وضع أساس الرواق الجنوبي بمسجد جوميه إبان حكم السلاجقة في بداية القرن الثاني عشر الميلادي بأمر الوزير نظام الملك، وقد أعاد أوزون حسن بيك أقويونلو بناء السطح في عامي 879هـ / 1475 – 880 هـ/ 1476 م، كما تم إضافة المئذنتين في نفس الوقت، وترجع الوزارات الرخامية والزخرفة الفسيفسائية في داخل الإيوان إلى عصر أوزون حسن، وقد تم إدخال العديد من التعديلات في عهد الشاه طهماسب. وفي الزاوية الشمالية الشرقية من المسجد يوجد مكان يعرف باسم “صفة عُمَر”.

ويشتمل المسجد على أماكن للصلاة وأخري للتدريس، ويرجع تاريخ تشييد هذا الجزء من المسجد إلى الجزء الثاني من القرن الرابع عشر، ويوجد به العديد من الأمثلة الرائعة للفسيفساء الخزفية التي تتضمن نوعين من النقوش البارعة على القنطرة التي تعلو المدخل المؤدي إلى بيت الصلاة.
وقد أعاد الشاه سلطان حسين في القرن الثامن عشر بناء الإيوان الغربي حيث غطى البناء القرميدي الأصلي الخالي من الزخارف بعدد هائل من النقوش والزخارف. أما المحراب فقد تم استثناؤه من هذه المعالجة. وقام المهندس المعماري بوضع لوحة تتضمن أجزاء من أعمال القرميد المرفوع والتي يعكس تصميمها الشكل التقليدي الذي تنتمي إليه، وقد اشتق هذا الشكل التقليدي من اسم الجلالة “الله” المكتوب بالخط الكوفي ويتمثل في أربعة خطوط رأسية ومربع. وتم إدخال التقويس المشبك في الإيوان الشرقي الذي ينتمي إلى القرن الثاني عشر الميلادي على يد الشاه سليمان سنة 1180هـ/ 1689م. وتعد الفوارة مثالا رائعا على نموذج التشييد المسمى “تشهار تاك” والذي يتوسط المسجد. ويعبر مسجد الجمعة تعبيراً دقيقاً عن أربعمائة عام من العمارة الفارسية التي تظهر جليا في المساحة الصغيرة التي يشغلها هذا المسجد، ولذلك فهو يجمع العديد من الموضوعات الزخرفية التي أفردت في العديد من الآثار الأخرى في أنحاء المدينة.

مسجد إمام

شيد مسجد إمام خلال حكم الشاه عباس، ويعد الفن المعماري المستخدم في هذا المسجد آية في الروعة والجمال. وترتفع مآذن المسجد نحو 48م، وفي الجانب الشرقي يقع مسجد الشيخ لطف الله ذو القبة المنخفضة.

ثانيا: القصور

p4

تشتهر أصفهان بالعديد من القصور التي يعود معظمها إلى العصر الصفوي وهي تتباين في تصميماتها وروعتها، ومن أهم قصور مدينة أصفهان:

قصر علي قابو

p5

يقع قصر علي قابو غرب ميدان نقشي جاهان ويعود هذا المبنى إلى العصر الصفوي، كان الغرض من بنائه استقبال السفراء والرسل من الدول الأجنبية، ويتكون القصر من ستة طوابق تحوي العديد من الشرف، وتعد الزخارف الجصية واللوحات الموجودة في هذا القصر من الأشياء التي تبعث على الدهشة. ويجد الزائر لقصر علي قابو الكثير من الزخارف والنقوش والرسوم المنحوتة على الجدران والسقوف.

قصر هاشت بهيشت

يقع قصر هاشت بهيشت بالقرب من طريق شهار باغ في مقابل طريق شيخ باهاي الحالي، وقد تم تشييده في القرن السادس عشر إبان حكم الشاه سليمان الثاني وتعد الأسقف المحلاة بالرسوم والمشغولات واللوحات الحائطية من الأشياء التي تجعل هذا القصر جديرا بالزيارة.

القصر الملكي

يقع القصر الملكي في الجنوب الشرقي من الميدان الواقع في وسط أصفهان والذي كان يطلق عليه من قبل “ميداني شاه” ويعني الاسم البوابة الكبيرة، وقد كان الغرض من مدخله الباهر أن يكون رمزا يعكس سلطان ملوك الصفويين الذين حكموا البلاد كما تبين ذلك اللافتات المعلقة بالشرفة، وقد ظل هذا الإبهار موجودا حتى الوقت الحاضر. وقد تغير اسم الميدان إلى “ميداني إمام”.

وتمثل الشرفة مكانا نموذجيا يمكن من خلاله مشاهدة مسابقات رياضة البولو التي كانت تقام في الميدان. وكانت تلك الشرفة محلاة بأشكال الطلاء على الجص الخارجي في الجزء الخلفي منها والزخارف الشجرية المتطاولة في السقف. أما الأعمدة كتلك القائمة في “شيهل سوتون” فقد كانت مغلفة بالمرايا الزجاجية بحيث تعطي منظر سقف طاف في الهواء، وقد اتخذت الأعمدة من نفس نوع الأشجار الذي اتخذت منه أعمدة “شيهل سوتون”. ولم تحظ الطوابق السفلية بنفس ذلك القدر من الروعة والبهاء بل قد اتخذت إيواء للحرس، وقد تم تعزيز الأمن في الغرف العلوية من خلال الدرج الضيق المنحدر والمؤدي إلى الطوابق العلوية والسفلية داخل المبنى. وقد تم تزيين الجزء الداخلي من المبنى بالمناظر الطبيعية والطيور المرسومة بروعة وبعض الأشكال الأخرى.

قصر الأربعين عموداً

يعود تاريخ قصر (جهلستون) الشهير بقصر الأربعين عموداً إلى عهد الملك الصفوي السابع شاه عباس الثاني وقد بني عام 1057هجري حسب الدراسات التاريخية لعلماء الآثار، وتتألف أعمدة هذا القصر من جذوع إحدى الأشجار التي طليت بطبقة رقيقة من الألواح المصبوغة، في حين زينت كل جدران القصر بالمرايا والزجاج الملون والرسوم المختلفة. ويعد هذا القصر من أجمل القصور التي بنيت في مدينة أصفهان في العصر الصفوي. وقد أخذ القصر اسمه من الأعمدة المنتشرة في الشرفة، فمنها عشرون قد صفت في ثلاث صفوف كل منها يتألف من ستة أعمدة بالإضافة إلى عمودين آخرين على جانبي المدخل، وعندما كانت تنعكس هذه الأعمدة على سطح مياه البركة يصبح عددها وكأنها أربعون عمودا.

ثالثا: الجسور والقناطر

جسر شهرستان

شيد جسر شهرستان في القرن الرابع عشر من الميلاد في شرق مدينة أصفهان، ويربط الجسر قرية شهرستان في الجانب الشمالي بالمنطقة الزراعية على الضفة الجنوبية. واستمد بناء هذا الجسر من نماذج رومانية، وقد صممت الدعامات الضخمة لحماية العوامات من سيول نهر “زايانديه”. وقد وضعت صدادات في الجانب الموازي لاتجاه تدفق المياه للتقليل من ظاهرة الدوامات التي تعمل على تآكل القراميد على الجوانب. وحسب النموذج الروماني، توجد قنوات ثانوية في الدعامات، وتمتد هذه القنوات بامتداد الانحناء في القناطر الرئيسية بحيث تتعامل مع أكبر قدر ممكن من المياه. ولغرض تلافي مخاطر الانهيار بسبب اندفاع كميات كبيرة من المياه من العلو إلى الأجزاء الأقل اتساعا، فقد تم شق قنوات أخرى إضافية للتصريف تجري من القنوات الثانوية وتعود إلى القنوات الرئيسية حيث يتوقع أن يكون منسوب الماء أقل لأن عرضها أكثر اتساعا.

p6

جسر سي أو سيه بول

p7

يتكون جسر سي أو سيه بول من ثلاثة وثلاثين قوسا وقد أصدر الشاه عباس الأول تكليفا ببنائه لأحد قواده عام 1010هـ / 1602 م. واسم “سي أو سيه بول” مشتق من العبارة الفارسية “سي أو سيه” التي تعني ثلاثة وثلاثين. وقد تم بناء الجسر على عدد من العوامات الضخمة. ( صورة 2 )

جسر بول إي خاجو (جسر خاجو)

بني جسر بول إي خاجو فيما بين عامي 1051هـ / 1642 و 1077هـ / 1667 م أثناء حكم الشاه عباس الثاني. ويتخذ الجسر اسمه من ضاحية “خاجو” على الضفة الشمالية من نهر “زايانديه” حيث يربط الجسر الضفة الشمالية بالجنوبية، ويستمد الجسر النقوش الموجودة به من جسر “بول سي أو سيه” حيث تم بناؤه من خلال طبقتين، إلا أنه يمتاز بأنه توسع في العديد من ملامح الجسر القديم ونماها. ( صورة 3)

ويبلغ طول هذا الجسر (110م ) بينما يزيد عرضه قليلا عن (20 م) في أغلب مساره، وفي الجانب الشرقي من الجسر توجد مصفاة شاهقة تجمع المياه وترفعه إلى ما يقرب من ارتفاع مترين، وبذلك يتوفر حوض يوفر مياه الري للمناطق الزراعية المحيطة من خلال سلسلة من القنوات. ومن خلال الجزء السفلي للجسر الذي يتكون من (20) قنطرة، توجد درجات مؤدية إلى الطابق الثاني الرحب حيث توجد العديد من المحاريب المصممة لتجمع والتقاء المارة. ويميز هذا الجسر بالتجاويف المزخرفة والدهاليز والقناطر وأعمال القرميد البالغة الروعة و الأقواس التي تحلي المقصورات العليا والأجزاء السفلية الممتدة بين دعامات القناطر وبالأخص الفجوات المركزية. وكان الجسر في الأصل يعرف باسم “جسر اللهفيردي خان” وهو القائد الذي وكل إليه بناؤه، ويعلو الجزء السفلي من الثلاثة وثلاثين قوسا طبقة ثانية مؤلفة من قوس يعلو كل عوامة من العوامات وقوسين فوق كل قوس سفلي ليكون شكل الجسر موافقا لاسمه وليحظى علاوة على ذلك بمظهر إيقاعي، ويطوق الطريق في القمة أسوار عالية لتقي من الرياح وتكون بمثابة حماية للراجلين من الاصطدام بالمركبات المارة على الجسر.

رابعا : المدارس

تعد المدارس هي النواة الأولى للحركة الفكرية التي شهدتها إيران خلال الحكم البويهي، ويأتي في مقدمة هذه المدارس مدرسة “جهار باغ” الدينية فوقها قبة زرقاء بديعة تمتد حولها الألوان في طابقين لإيواء (160) من طلاب العلم، وفيها يتخرج المولاة، وواجهة أحد المداخل آية فنية في نقوشها وزخرفها الفارسي البديع، وقد أقامها الشاه حسين عام 1173هـ / 1760 م.ومدرسة “شهر ياق” وهي في نفس الوقت مسجد، وهي مدرسة سلطانية أنشأها الشاه حسين الصفوي عام 1134هـ /1722 م ، وبها قبة ومئذنة تعتبران من أروع ما أنجزته الحضارة الإسلامية من أعمال تلبيس المنشآت ببلاطات القاشاني والخزف المزين بالزخارف والكتابات.( صورة 4 )

خامسا: الميادين

من أهم ميادين أصفهان:

ميدان شاه ” ميدان الإمام “

ميدان شاه أو ميدان الإمام، هو فناء مستطيل الشكل في امتداد طويل يتوسطه حوض ماء كأنه البحيرة العظيمة، ويطل عليه من وسط أحد جوانبه آلى كابو أو الباب العالي مسكن شاه عباس وهو شاهق أقيم في سبعة طوابق يرتقيها المرء بسلم حلزوني كان الغرض منه إخفاء طريق الهروب إن دعت الحاجة، وعلى جميع الجدران نقوش بالذهب والألوان المختلفة، وفي الطابق الثاني شرفة يسمونها تالار أقيمت من خشب على عمد مزركشة، وفي وسطها حوض ماء أنيق كان يرده الماء في أنابيب أرسلت من جبل شاهق في طرف المدينة. ويشكل ميدان شاه “ميدان الإمام” بأصفهان أحد أجمل المواقع السياحية الهامة، ويبلغ طوال الميدان “500”م وعرضه “135” م تقريبا ويتوسط الميدان قصر “علي قابو” و”مسجد الإمام”. ( صورة 5 )

سادسا: الحدائق

من أشهر حدائق أصفهان تلك التي شيدها الشاه عباس الثاني في قاعة استقبال قصر “الأربعين عمودا”، وقد ضمت هذه القاعة حديقة مساحتها 26 فدانا، ولا يزال المبنى قائما حتى الآن تحيطه الأشجار القديمة على مساحة كبيرة من مساحة الحديقة الأصلية. وتطل الشرفة الكبيرة من القصر على بركة عظيمة تعكس على صفحة مياهها العديد من الأعمدة، ويحوي الجزء العلوي من قاعة الزوار الكبيرة عددا كبيرا من اللوحات منها ما يعرض مناظر للشاه عباس في بعض الولائم والشاه إسماعيل والشاه طهماسب عند استقبالهما لهمايون ملك الهند، وعلى جدران الحجرات الأخرى توجد منمنمات ولوحات أخرى أبدعتها أيدي الفنانين البارعين في هذا العصر.

سابعا: الأسواق

الأسواق القديمة هي من أهم معالم أصفهان، ومنها سوق القيسارية، وقد كان السوق القديم موجودا في المنطقة التي يوجد بها مسجد جوميه. وقد تمت توسعة السوق القديم ببناء منطقة تجارية أكثر اتساعا إلى الشمال من الميدان الرئيس الخاص به، ويطلق على مدخل السوق الذي تم بناؤه في عام 1028هـ / 1619 م اسم “قيسارية”.

Bibliography:

– Arkin Rahmatollah Yev and Abdullah Yulda Seif: Islamic Civilisation in Tajikistan, Publications of the Islamic Educational, Scientific and Cultural Organisation, 1988.

– Tharwat Oqasha: At-Taswir Al-Islami Ad-Dini Wal Arabi (Religious Islamic and Arab Design), Arab Institute for Studies and Distribution, Beirut, 1978.

– Tharwat Oqasha: Al-Qiyam Al-Jamaliya Fil-Imara Al-Islamiya (Aesthetic Values in Islamic Architecture), Dar Ashuruq, Cairo, 1994.

– Zaki Mohamed Hassan : Islamic Arts ,  Cairo, publisher Lajnat Attaalif Wal Tarjama wa Nachr, T. 1, 1948.

– Abdulaziz Salah Salem: Islamic Arts in the Ayyubid Era , Markaz Al Kitab lil Nachr, Cairo, 1999;

– Ali Mohamed Kou: Characteristics of Islamic civilisation in the Comoro Islands , publications of the Islamic Educational, Scientific and Cultural Organisation , 2000

– Gustave Lebon: The Arab Civilisation , translated by Adel Zuaitar, General Egyptian Book Organisation, Al Ousra Library, 2000

– Farid Chafei: Arab Architecture in Islamic Egypt under Walis , General Egyptian Organisation for Publishing and Distribution, 1970.

– Afif Bahnassi: Islamic Art , Dar Talls, Damascus, 1998

– Afif Bahnassi: Islamic Architecture and its Characteristics in Teaching Programmes ,  Publications of the Islamic Educational, Scientific and Cultural Organisation, 2003.

– Sabah Muchatat and Abdulaziz Ahmed al-Kabab: Al-Madakhel Fil ‘Imara Al-Islamiya (Vestibules in Islamic Architecture), Publications of the Islamic Educational, Scientific and Cultural Organisation, 2001.

– Sabah Muchatat:   The Main Features of Arab-Islamic Civilisation, Publications of the Islamic Educational, Scientific and Cultural Organisation, 2003.

– Kamel Roke: Islamic Architecture in the Balkans and Bosnia-Herzegovina , Publications of the Islamic Educational, Scientific and Cultural Organisation, 2000.

– Mohamed Hussein, Fawzi Mahfoud and Adelhamid Arqach: Islamic Civilisation in Tunisia ,  Publications of the Islamic Educational, Scientific and Cultural Organisation, 1997.

– Chams Eddine Abi Abdullah Mohamed Ibn Ahmed al-Maqdessi:   Ahssan At-Taqassim fi Maarifat Al-Aqalim (Best Repartitions for the Knowledge of Regions), Dar Ihyaa At-Turath, Beirut, 1987.

– Sheikh Abduli Ghani an-Nabulsi: Al Hadra Al-Unsiya Fil Rihla al¬Qudsiya , 1101AH/1690AD, authentication and study by Akram Hassan Al Ulabi, Beirut, 1990.

– Khosrow Nacer Sufurnama : translated by Yahya Al-Khassab, Beirut, 1970.

– Ghaleb Aburrahim:   Encyclopedia of Islamic Architecture, Beirut, 1988.

– Yaqout, Chehab Ed-Dine Abul Abdullah al-Hamwi: A Dictionnary of Countries, Dar Ihyaa at-Turath al-Arabi, Beirut (undated).

Other official web sites.

Foreign bibliography:

– N. Atasoy, A. Bahnassi, M. Rogers: The Art of Islam , Paris, 1990.

– Baedeker Karl:   Jerusalem and its Surroundings , London, 1876.

– H. Bammate: Contribution of Muslims to Civilisation , Geneva, 1962

– K.A.C Creswell: E arly Muslim Architecture , Oxford, 1940.

– K.A.C Creswell: A Short Account of Early Muslim Architecture , London, 1958.

– K.A.C. Creswell: The Muslim Architecture of Egypt , 2 vol., Oxford, 1959-1960.

– Encyclopaedia of Archaeological Excavations in the Holy Land , Oxford, 1978

– R. Ettinghausen, and O. Grabar:   The Art and Architecture of Islam in 650AH-1250AD, Harmondsworth, 1987.

– O. Grabar and D. Hill: Islamic Architecture and Decoration in 800AH-1500AD , London, 1964.

– G. Marçais: Muslim Architecture in the West, Paris, 1954.

– Michael Rogers: The Spread of Islam , Elseivier Phaidon, 1976.

– A. Papadopoule: Islam and Islamic Art , Paris, 1076.

– A. Petersen:  A Dictionary of Islamic Architecture , London, 1999.

– D. Sourdel and Thomine Thomine: The civilisation of Classical Islam , Paris, 1968.

– Stierlin Henri: Islam from Baghdad to Cordoba , Taschen, 2002.