حلب عاصمة الثقافة الإسلامية 2006م / 1427 هـ

alepLT

 

تقديم

في إطار المهام المنوطة بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ للتعريف بعواصم الثقافة الإسلامية، التي قرر المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة ( الجزائر، في الفترة من 15 ـ 17 ديسمبر 2004 )، الاحتفاء بها كل سنة عن المناطق العربية والإفريقية والأسيوية في العالم الإسلامي، تخصص المنظمة الإسلامية هذه النافذة على موقعها في شبكة الإنترنت، لإبراز المكانة التاريخية والحضارية لعواصم الثقافة الإسلامية الثلاث لعام 1427هـ الموافق 2006م، وهي مدينة حلب بالجمهورية العربية السورية، ومدينة تنبكتو بجمهورية مالي، ومدينة أصفهان بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وتهدف المنظمة الإسلامية من وراء ذلك إلى التعريف بأهم المعالم التاريخية والحضارية والثقافية لهذه العواصم، وإبراز ما قدمته هذه المدن عبر العصور ومازالت تقدمه، بفضل علمائها ومثقفيها ومبدعيها، ومن خلال مؤسساتها التربوية والعلمية والثقافية من عطاءات ثرية ومتنوعة في مختلف مجالات العلوم والآداب والفنون، مساهمة من المنظمة الإسلامية في إحياء ذاكرة هذه المدن وتجديد وعي الأجيال الصاعدة بأهمية الوقوف على كنوز التراث الحضاري الإسلامي.

و نظراً إلى ثراء مادة هذا الموضوع وتنوعها، ستبقى هذه النافذة مفتوحة ليتم من خلالها عرض البرنامج العام للاحتفالات الذي تعتزم إقامتها جهات الاختصاص في العواصم المعنية، والأنشطة التي ستساهم بها المنظمة الإسلامية في الاحتفاء بهذه العواصم، ضمن أسبوع الإيسيسكو التربوي والعلمي والثقافي.

والله الموفق.

الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري
المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة

الموقع :

تقع حلب شمال الجمهورية العربية السورية على خط الطول 36.12 درجة، وخط العرض 37.93 درجة، وترتفع عن سطح البحر 379 م، مما يجعلها تتمتع بالمناخ المتوسط المعتدل ذي الشتاء القصير البارد و الرطب والصيف الطويل الحار والجاف، وتعد ثاني أكبر المدن السورية، وتبعد مدينة حلب عن دمشق العاصمة 360كم. وتوقيت حلب يتقدم عن توقيت غرينتش بساعتين شتاء و ثلاث ساعات صيفا. وتشكل مدينة حلب مركزاً ثقافياً هاماً بين العواصم الثقافية، وتتألف مدينة حلب من المدينة القديمة التي لا زالت محاطة بأسوار تعود إلى العصور الوسطى، والمدينة الحديثة.
وتتمتع الهضبة التي تطورت عليها مدينة حلب ببنية “جيولوجية” ذات طبيعة رسوبية عامة تكونت على الغالب في العصر الجيولوجي الثاني، وتتألف هذه الرسوبيات على الغالب من كربونات الكالسيوم ذات النسبة المختلفة من الشوائب، مما يبرر وجود الكثير من المقالع الحجرية التي مازالت حلب تستقي منها اليوم المادة الرئيسية المميزة لبنائها. ومناطقها ثمانية : جبل سمعان – الباب – منبج – عفرين – جرابلس – عين العرب – اعزاز – السفيرة ، ويتبعها : 31 ناحية ، 32 بلدة ، 1453 قرية ،1296 مزرعة، ومساحتها الكلية 18482 كيلومتر مربعا، وتمثل نسبة 10% من مساحة الجمهورية العربية السورية، وهي بذلك خامس محافظة من حيث المساحة بعد محافظات حمص ودير الزور والحسكة والرقة. كما أنها تعَد أكبر محافظة من حيث السكان وتليها محافظات حمص وحماه وريف دمشق ودمشق .

التسمية:

كثيرا ما يروي الحلبيون حكاية تناقلوها عبر الأجيال تفيد بأن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام لدى مكوثه في حلب في طريقه من (أور) التي نزح عنها متوجها إلى بلاد كنعان ( فلسطين ) استقر في أحد مرتفعات المدينة وكان لديه بقرة شهباء اللون يحلبها كل صباح ليطعم الناس الذين يستبشرون بأنه “حلب الشهباء ” . وبعد ذلك قامت المدينة التي حملت الاسم.

وتفيد المصادر التاريخية والنقوش الأثرية بورود اسم حلب في رُقم تسبق تاريخ تجوال سيدنا إبراهيم الذي كان حوالي /2000/ ق.م، حيث يرد اسم حلب في رُقم أور ولكاش وكيش وماري منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، ويمكن اعتبار هذه الحكاية ” من لخماتهم “. كما ورد اسم مدينة حلب في الوثائق الحثية تحت اسم (خلب ) وفي الآثار المصرية الفرعونية باسم ( خرب ) و ( خالوبو )، وفي الوثائق الأكادية الكلدانية بأسماء ( خلابة- خلبو – خلمان – خلوان – حلاب ) .

وقيل في تفسير الكلمة أنها تعني في اللغة العمورية الحديد والنحاس. ويعتقد أنها تعني بالسومرية ( الحفر ) .وتذكر الأبحاث الأثرية المتخصصة : ( إن حلب دعيت في أقدم ما بلغنا من الآثار باسمها هذا مضعفا تارة وغير مضعف تارة أخرى ، وإن هذا التضعيف ما لبث أن توارى دفعة واحدة بعد أن ساد اللفظ الثلاثي سيادة مطلقة انسحبت على كل العصور كما انسحبت على كل الأمم )، وأن مدينة حلب عُرفت منذ الأزل بهذا الاسم أو باسم قريب منه أو محرف عنه ولكن هذه الحروف الثلاثة ( حلب ) ظلت الأساس في كل الأسماء المحرفة عن الأصل.

كما جاء في القاموس المحيط: حلَبَ القوم حَلْبًا وحلوبًا اجتمعوا من كل وجه. وقاموس اللغات العربية القديمة (السامية) غير منقطع عن قاموسها الجديد، وعلى هذا تكون أيضاً بمعنى التجمع فهي الواسطة بين مخاضات الفرات والبحر، وبين ممرات طوروس وجنوبي سورية وطريق مصر.

أولا : مدينة حلب خلال العصور القديمة

تعد مدينة حلب متحفاً كبيراً للحضارات المتعاقبة منذ القدم وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية، فهي من المدن الفريدة التي تتجمع فيها النقوش الأثرية والمعالم الحضارية التي توضح بشكل متصل تاريخ العمارة والفنون عبر العصور.

وقد ورد ذكر مدينة حلب في المصادر التاريخية والنقوش الأثرية، فكان أول ذكر لهذه المدينة في نقوش وأسفار ترجع إلى حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، ثم ازدهرت وامتدت حضارتها حتى شملت رقعة كبيرة من الأرض، واستمرت في العمران عبر الحقب الزمنية المتتالية، ويدل على ذلك رُقم مدينتي (أور و ماري)سابقا، ( رُقم مدينة ( إبلا ). كما ورد ذكر حلب في عهد ريموش الأكادي بن صارغون (2530-2515) ق.م مؤسس أول إمبراطورية ساميّة في الشرق عندما استولى على حلب وأسر ملكها لوكال أو شومكال . وبعد أن نعمت حلب بالحرية بعد عهده استولى نارام الأكادي (2507-2452) ق.م عليها وسماها ( حلبابا وأرمان) وشهدت حلب عصرها الذهبي وقتذاك في عهد حمورابي البابلي وزمريليم ملك ماري نحو سنة ( 2000) ق.م، وعندما اتجه الحثيون أثناء زحفهم الجارف قاومتهم حلب ولكنهم استولوا عليها عام ( 1820) ق.م ولكن حلب تحررت عنهم عام (1650 )ق.م حيث انضمت إلى الميتانيين. وخضعت مدينة حلب بعد ذلك إلى حكم المصريين حيث فتحها تحوتمس الثالث فرعون مصر (1473)ق.م ثم عادت حلب عاصمة للحثيين (1370) ق.م كما عادت وتحالفت مع الميتانيين . وقد بقيت حلب متأرجحة بين الميتانيين و الحثيين وظلت المدينة حثية حتى ( 1200) ق.م حيث انهارت الدولة الحثية .

وبعد ظهور الآشوريين خضعت سورية كلها لحكمهم فقد فتحها سلمنصر الثالث ( 853)ق.م دون مقاومة، وبقيت حلب كذلك حتى فتحها سارودري الثالث ثم ما لبث الملك الآشوري تغلات فلاصر أن استعادها (743)ق.م. ثم وقعت حلب تحت حكم البابليين بعد انهيار دولة الآشوريين (612)ق.م ، وبعد أقل من قرن فتح الفرس حلب، وأهتم الفرس بمدينة حلب فأقاموا المحطات على طول الطرق وحفروا الآبار وأقاموا السدود لتوسيع رقعة الري. وبعد معركة ايسوس الشهيرة (333) ق.م التي قادها الأسكندر المقدوني آل حكم حلب للمقدونيين، وبدأت فترة المقدونيين بالنهب والسلب بعد عملية الاجتياح، ولكن هذه الحقبة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما انصرف الإغريق نحو العمران والتنظيم. وفي آخر عهد السلوقيين انتشر الفساد وتسرب النفوذ الروماني منذ سنة (64)ق.م. وقد تميزت فترة الحكم الروماني بانتشار المسيحية في سورية حيث بدأ الاهتمام بتشييد الأبنية الدينية المسيحية، وفي عام (540) م هاجم كيخسرو الأول سوريا فأحرق مدينة حلب برمتها وتم الصلح بين أهل حلب وبين هرقل (630)م، فازدهر العمران وقامت المدن المحصنة على تخوم البادية الرومانية.

ثانيا: تاريخ مدينة حلب عبر العصور الإسلامية:

امتدت أسهم جيش الفتح العربي الإسلامي لتشمل خارطة الوطن العربي الإسلامي الكبير وليمتد مسيرة مدينة حلب عام (637)م حيث دخل خالد بن الوليد على رأس جيش المسلمين حلب من باب أنطاكية، ولم يمض وقت طويل حتى استطاع العرب الفاتحون أن ينشروا اللغة العربية في سوريا الشمالية (حلب) التي كانت لغتها السريانية غير بعيدة عن لغتهم، ويمتد تاريخ حلب منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم إلى العهود التاريخية التالية :

1. عهد الخلافة :( 16-222هـ / 636-836م)

لم يكن لمدينة حلب شأنها الكبير في عهد الخلافة الراشدية والأموية والعباسية، ولكنها شهدت في نهايات العصر العباسي فترة ازدهار ورقي ثقافي وفكري وحضاري شمل جميع الميادين وأبدع أبناء المنطقة في صناعة الألبسة وبناء المساكن الضخمة والمساجد الشهيرة.

2. عهد ما بعد الخلافة : ( 223-532 هـ /837-1128م)

عرفت حلب في التاريخ العربي منذ غدت مقر سيف الدولة الحمداني الذي أعاد إليها أمجادها وجعلها عاصمة دولة مزدهرة بالفن والعلماء والشعراء حتى قيل عنه في المصادر التاريخية : ( أنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر ). وكان سيف الدولة يكرم الشعراء والكتاب والعلماء، ومن أشهرهم الشاعر أبو فراس الحمداني وأبو الطيب المتنبي. ويصف شاعر البلاط الحمداني أبو الطيب المتنبي مدينة حلب بقوله :

كلما رحبت بنا الروض قلنا حلب قصدنا وأنت السبيل

وقد اتسعت مملكة حلب فشملت كيليكية، وملاطية، وديار بكر، وأنطاكية، وطرسوس، وأدرنة، وروم قلعة، إلا أن وقوف سيف الدولة وجيشه في وجه الروم وغزواته المتكررة لبلادهم دفعتهم إلى محاصرة المدينة سنة 353هـ، واحتلالها وتدميرها وإحراقها وتركها مقفرة خالية بعد أن راح أهلها بين قتيل وأسير. وعندما عاد سيف الدولة إلى المدينة ووجدها على هذه الحال جدد الأسوار وبعض المباني واستقدم إليها أهالي قنسرين وأسكنهم فيها ثم توفي ليترك حلب من بعده مدة قرنين من الزمن في عهد من الضياع والفوضى، حيث توالى على حكمها الفاطميون والمرداسيون وشهدت حلب تزايدا للنفوذ التركي ثم حكمها السلاجقة، وقد شهدت المدينة خلال هذه الفترة خضوعا للروم ثم كانت حملات الصليبيين الذين اكتسحوا حلب ( 1108م)، ولم ينته عهد الفوضى إلا عندما تولى عماد الدين زنكي إمارة حلب.

3. عهد الدولة النورية ( 523-579هـ / 1128-1260م)

أصبحت حلب مركز المقاومة الإسلامية ضد الفرنجة بظهور الأمير عماد الدين وابنه نور الدين محمود، فقد بدأت أحوال حلب في التحسن، ثم جاء زلزال حلب المدمر (1170)م وقد قام نور الدين على إثر هذا الزلزال بأعمال عمرانية كبيرة داخل المدينة، وفي الأسوار فأعاد بناء القلعة حتى أخذت شكلها النهائي. وحكم حلب بعد وفاة نور الدين ابنه، ثم آلت إلى صلاح الدين الأيوبي الذي وضع أخاه حاكماً عليها، ثم أعطاها إلى ابنه الملك الظاهر غازي الذي كان من أعظم ملوكها ومصلحيها، فقد رمَّم أسوارها وحصَّن قلعتها وجعلها مركزاً له ولبلاطه.

4. عهد الدولة الأيوبية ( 579-659هـ / 1183-1260م)

يعد عهد الدولة الأيوبية العهد الزاهر لمدينة حلب في العصور الوسطى، ومن أشهر حكام هذه الدولة الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، الذي استطاع بحكمته وقاية المدينة من شرور الفرنجة، إضافة إلى عقده عدة معاهدات تجارية مع أنطاكية والبندقية حتى نالت حلب شهرة ومجدا عظيمين في عهده. وقد انتهى هذا العصر الذهبي الذي عاشته المدينة باجتياح المغول لحلب ( 1260 )م بعد حصار عدة أيام وظلت المدينة أسبوعا كاملا تحت رحمة المجازر والنهب والحرائق، وحول هولاكو الجوامع إلى كنائس، وفي عام ( 1400م)، خرج المغول من حلب بعد انتصارات المماليك عليهم في عين جالوت وحمص. ورمم الملك الأشرف سيف الدين قلاوون المدينة والقلعة. وما لبث المغول أن عادوا إلى حلب واحتلوها في عهد تيمورلنك سنة 804هـ/ 1401م، وهدموها وأحرقوها ودمروها من جديد، ولكنهم لم يمكثوا فيها طويلاً، فعاد إليها المماليك ورمموها وظلوا فيها إلى عام 922هـ/ 1516م.

5. عهد المماليك : ( 659-922هـ/ 1260-1516م)

أصبحت مدينة حلب ولاية مملوكية بعد انتهاء خطر المغول، ومن أبرز حكام العصر المملوكي، السلطان قايتباي الذي تميز باهتمامه بالعمران وترك آثارا عديدة مثل جامع الفردوس وخان الصابون، كما خلف لنا العصر المملوكي بعض العمائر الإسلامية مثل خان القصابية ( خان ابرك )، وخان خاير بك.

6. عهد الدولة العثمانية : ( 922- 1337هـ / 1516- 1918م)

دخلت حلب في حوزة العثمانيين بعد معركة مرج دابق – شمال حلب – وظلت خاضعة للعثمانيين حتى سنة 1247هـ/1831م، حيث استولى عليها إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر. وظلت مدينة حلب خاضعة للحكم المصري حتى عام 1256هـ/1840م، ثم عاد إليها العثمانيون من جديد. وظلوا فيها إلى أخر الحرب العالمية الأولى. وفي هذا الوقت دخلت مدينة حلب في حكم الأمير فيصل بن الحسين بمساعدة الحلفاء، ثم خضعت مع المدن السورية للحكم الفرنسي منذ عام 1920م حتى عام 1946م حين نالت سوريا استقلالها. وقد شهدت حلب نهضة أدبية وفنية وعمرانية طيلة العهد العثماني، فمن الناحية العمرانية ظهر فن عمراني زخرفي بلغ قمته في تلك الحقبة من الزمن ولاسيما في البيوت السكنية والقصور الواقعة حاليا في حي الفرافرة والصليبة، ونجد فيها بعثا للتقاليد الفنية السورية التي تعود إلى القرون الرابع والخامس والسادس للميلاد، وظهر ذلك بشكل باحات فسيحة جيدة البلاط مع حديقة صغيرة وبركة تتوسطها نافورات حجرية وإيوان متجه نحو الشمال ومحمي من أشعة الشمس والصالون الكبير المتعامد الذي تعلوه قبة.

7. عهد الاحتلال الفرنسي والاستقلال (1920-1946م)

عاشت حلب بين عامين ( 1918-1920م) فترة فرح نسبي باستقلال كاذب لأن الانتداب الفرنسي فرض وصاية واسعة على سورية في 1920م بدخول الجنرال غورو دمشق الذي أحدث فيها دماراً. وقد كانت الفترة (1920-1946م) مليئة بالثورات والانتفاضات الوطنية التي انتهت جميعا بالاستقلال والخلاص من كل حكم أجنبي. ومنذ عهد الاستقلال إلى اليوم وسورية تسير مع النهج العربي الإسلامي، وتساهم مع شقيقاتها في بناء النهضة العربية الإسلامية.

قلعة حلب

تعَد قلعة حلب معلماً سياحياً من أجمل المعالم الأثرية في مدينة حلب السورية، لما تحمله من طابع معماري فريد وهي من أقدم القلاع في العالم الإسلامي، وأكبرها، وتنتصب فوق رابية تتوسط مدينة حلب. وتقع قلعة حلب على مرتفع بعضه طبيعي والآخر اصطناعي، وهي نواة المدينة القديمة، ومجمع (الآكروبول) في العهد اليوناني، ثم تحولت إلى قلعة حصينة في العهد البيزنطي، وقد وجدت في حفريات القلعة آثار الآراميين التي تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وهي محفوظة في متحف حلب ومتحف القلعة. ففي العصر الإغريقي أصبحت الرابية اكروبول المدينة، واستمرت كذلك حتى اقتحمها العرب المسلمون، وعلى رأسهم خالد بن الوليد، ويقال،تم ذلك بمحاولة عدد من الفدائيين العرب الذين تخفّوا بجلد الماعز، فبدوا قطيعاً يقضم العشب من سفح الرابية، وكان الروم في احتفال وسكر ونشوة، فقتل الفدائيون حامية البوابة، وفتحوا الأبواب بعد إشعال النيران علامة من المهاجمين الذين دخلوا القلعة، وأجلوا من فيها من جند وسكان. واستقر الحكم العربي الإسلامي منذ ذلك الوقت في حلب وقلعتها المنيعة التي صدت هجوم الروم والمغول والتتار، وكان أول من استعملها سيف الدولة الحمداني ثم المرداسيون وبعدهم آل سنقر ثم رضوان بن تتش أصلح فيها، ولكن الأيوبيين هم بناتها كما هي اليوم.

ويذكر “ابن جبير” في رحلته في وصف قلعة حلب فيقول: “لها قلعة شهيرة الامتناع، ثابتة الارتفاع، معدومة الشبيه والنظير في القلاع، تناهت حصانة أن ترام أو تستطاع، قاعدة كبيرة، مائدة في الأرض مستديرة، منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، فسبحان من أحكم تدبيرها وتقديرها، وأشبع كيف شاء تصويرها وتدويرها، عتيقة في الأزل، حديثة وإن لم تزل، طاولت الأيام والأعوام، وشبعت الخواص والعوام”.
تدور مدينة حلب حول رابية تعلوها قلعة مرتفعة 61 متراً تشرف على المدينة من جميع جهاتها، وهذه القلعة العربية الإسلامية هي من أشهر قلاع العالم، ومما لا شك فيه أنها أقيمت على أنقاض قلاع متتابعة قديمة، فلقد كانت الرابية المرتفع الأكثر أمناً لإقامة المقر الحكومي المحصّن لمدينة حلب عبر تاريخها الطويل جداً.
يعود تاريخ بناء أهم أقسام القلعة إلى عصر الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي، وكان ولاه عليها سنة 1190م، فلقد حصّن مدخلها وبنى على سفحها جداراً، وحفر حولها الخندق، وشيد في داخلها مسجداً وعدداً من القصور. وكانت زوجه ضيفه خاتون، التي صارت ملكة حلب، تعيش في أحد قصور القلعة، وفيها دفنت.

وتعلو القلعة ما يقرب من أربعين متراً عن مستوى مدينة حلب، ومازالت أسوارها وأبراجها قائمة، يعود بعضها إلى عصر نور الدين زنكي، ويحيط القلعة خندق بعمق ثلاثين متراً. وندخل إلى القلعة من بوابة ضخمة من خلال برج دفاعي مستطيل الشكل، ينتهي بالمدخل الكبير للقلعة، ويتكون من دهليز ينتهي بباب ضخم من الحديد المطرّق، تعلوه فتحات للمرامي والمحارق، ويعود إلى عصر خليل بن قلاوون الذي جدده ورممه. وتعلو الباب قنطرة حجرية عليها نحت ممتد على طولها يمثل ثعبانين برأس تنين. وبعد اجتياز هذا المدخل نصل إلى دهليز آخر في جدرانه الثلاثة أواوين ضخمة، وفي إيوانه الشمالي باب يتصل بدرج يؤدي إلى قاعة الدفاع، وللقلعة باب رابع خشبي يعلوه ساكف عليه نحت أسدين متقابلين. وبعد اجتياز الباب نمر بمصاطب مرتفعة تتخللها غرف ومستودعات. ثم نصل إلى ممر القلعة الداخلي تتخلله مجموعة من المباني والحوانيت، وثمة درج يؤدي إلى القصر الملكي.

1

وإذا ما تابعنا المسير، فإننا سنصل إلى مسجد إبراهيم الخليل الذي أنشأه الملك الصالح إسماعيل بن محمود بن زنكي سنة 536هـ/1179م. وعلى مدخل المسجد، وعلى جدرانه كتابات تأريخية في وصف المسجد: “كان كنيسة ثم مقاماً عرف بمقام إبراهيم الخليل الأسفل، وكانت به صخرة لطيفة تزار يقال إن إبراهيم الخليل كان يجلس عليها، ويلي هذا المسجد بناء آخر هو مسجد ذو مئذنة مربعة عالية، أنشئت في عصر الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي. وليس بعيداً عن هذا المسجد الذي رمم أخيراً، تقوم ثكنة عسكرية أنشئت في عصر إبراهيم باشا المصري سنة 1252هـ/1834م.

2

وفي وسط هذه الرابية قاعة كبيرة، نصل إليها من خلال سبعين درجة تحت السطح، كانت تستعمل مستودعاً للحبوب والعلف. ومن القصور التي مازالت قائمة، قصر يوسف الثاني حفيد غازي، مزين مدخله بمقرنصات جميلة، وأمامه ساحة مرصوفة بأحجار صغيرة ملونة ذات رسم هندسي بديع. ونتجه من القصر إلى قاعة العرش، ندخلها من بوابة ذات أحجار ملونة، تعلوها مقرنصات، تحتها كتابة تأريخية. ولقد شيدت القاعة في العصر الأيوبي على برجين حول المدخل الخارجي، ثم أكملت ورممت في العصر المملوكي. ثم أضيف إليها في عام 1960م زخارف أثرية خشبية وحجرية. ومن أجمل نوافذ هذه القاعة، نافذة كبيرة ذات شباك مزخرف بصيغ عربية، ومن خلاله تُرى مدينة حلب مترامية الأطراف عند مدخل القلعة، ولقد زخرفت واجهات القاعة الخارجية، بزخارف هندسية حجرية وبأشرطة من الكتابات العربية من أبلغها “قل كلٌّ على شاكلته”.وتحت قاعة العرش هذه، قاعة الدفاع، وتخترق جدرانها كُوى لرمي السهام، وفتحات لسكب السوائل المحرقة على المداهمين والمُحاصرين. وتعرضت قلعة حلب لغزو المغول بقيادة هولاكو سنة 658هـ/1260م، ولقد هَدَم كثيراً من معالمها، بعد أن وعد بحمايتها إذا ما استسلمت، وتحررت القلعة بعد انتصار العرب على المغول في موقعة عين جالوت. وقام الملك الأشرف قلاوون بترميم ما تهدم منها. ثم جاء تيمورلنك سنة 803هـ/1400م، فهدم المدينة والقلعة، وقام المماليك بتحريرها وترميمها. ثم استولى عليها العثمانيون سنة 923هـ/1516م وجاء إبراهيم باشا بن محمد علي باشا من مصر عام 1831، واستمرت خاضعة له حتى عام 1257هـ/1840م، وجعل القلعة مقراً لجنوده. ومنذ عام 1950 تجري في القلعة ترميمات وتجديدات من قبل المديرية العامة للآثار السورية.

وسور قلعة حلب متعرج الشكل، تتخلله أبراج بعضها مربع الشكل وبعضها دائري، ويرتفع السور اثني عشر متراً وهو من الحجر الضخم، والسور والأبراج كلها تعود إلى العصور العربية، بدءً من القرن الثاني عشر إلى السادس عشر الميلادي، تؤكد ذلك كتابات منقوشة عليه مازالت حتى اليوم. وسور القلعة مزدوج في أكثر أقسامه، ولقد خرّب في مناسبات كثيرة، ومازال في كثير من أجزائه أنقاضاً تنتظر الترميم. أما الأبراج فإن أبرزها هما برجا المدخل المرتفع وبرج المدخل السابق للجسر. وفي الجهة المقابلة إلى الجنوب برج ضخم ينهض على سفح جدار الخندق المكسو بالحجر، ولقد أنشأ هذا البرج الجميل الأمير المملوكي جكم، ثم جدده السلطان قانصوه الغوري سنة 916هـ/1508م، كما هو منقوش عليه. ويصل الصاعد إلى هذا البرج عن طريق درج ممتد على سفح جدار الخندق ويستمر حتى أسوار القلعة، حيث ينتهي بباب سري كان يستعمله الملك الظاهر غازي للخروج من القلعة إلى قصر العدل، وبعد الباب السري قاعة حمام أمامها ممر رصفت أرضه بأحجار على أشكال هندسية. ويؤدي الممر إلى ساحة يتوسطها حوض ماء، ومازال على جدار الساحة من الشمال بقايا سلسبيل، ومن الجنوب بقايا إيوان كبير، وفي الشرق إيوان صغير، وتكسو الأرض زخرفة حجرية ملونة مازالت بقاياها واضحة. ويقابل البرج الجنوبي الضخم، برج مماثل من جهة الشمال قام بتجديده وترميمه أيضاً، السلطان المملوكي الأخير قانصوه الغوري.

جامع حلب الكبير

3

بُنِي جامع حلب الكبير في العهد الأموي على هيئة جامع دمشق في أيام الخليفة سليمان بن عبد الملك، ثم تهدم أكثر من مرة، كانت الأولى حين غزا الإمبراطور “نقفور فوكاس” مدينة حلب وخربها، والأخيرة كانت على يد تيمورلنك، وجدد في العهد المملوكي. وأقدم شيء فيه مئذنته الرائعة، وهي مربعة الشكل شيدت في عام 1090م، ويشتهر أيضاً بمنبره الخشبي المصنوع من خشب الأبنوس المطعم بالعاج، صنع في أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون في القرن 8هـ/ 14م.

4

وفي حلب كثير من المساجد أهمها جامع الأطروش الغني بواجهاته المبنية بالحجر المنحوت وهو من العهد المملوكي، ثم جامع الخسروية وجامع العادية والبهرمية وهي من العهد العثماني، وفي القرن 10هـ/ 16م تمثل فن العمارة العثماني بقبيباتها والقاشاني الذي يزين جدرانها.

5
6

مدارس حلب الأثرية

المدرسة الشاذبختية:

أنشأها الأمير جمال الدين شاذ بخت الهندي الأثايكي، وذلك تلبية لأمر نور الدين محمود سنة 589هـ/ 1193م، على مدخلها الرئيسي الذي يقع في مقابلة إيوان القبلة. ولما تم بناؤها استدعى الأمير جمال الدين شاذ بخت، العلامة نجم الدين مسلم بن سلامة من سنجار ليتولى التدريس بها، وتقع المدرسة في السوق المعروفة باسم سوق العزب، وهي تعرف حالياً باسم جامع المعروف.

المدرسة الجوانية:

من المدارس ذات الإيوانين بحلب المدرسة الجوانية أو السلطانية التي بدأ في تأسيسها الملك الظاهر بن صلاح الدين، إلا أنه تُوُفِّي سنة 613هـ قبل إتمامها، وبقيت مدة بعد وفاته حتى شرع في تكملتها شهاب الدين طغرل أتابك الملك العزيز فعمرها وأكملها سنة 620هـ/ 1223م. وقد كانت مدرسة مشتركة فقد خصصت لتدريس المذهبين الشافعي والحنفي، وقد درس بها القاضي بهاء الدين بن شداد، وولي نظرها القاضي زين الدين أبو محمد عبد الله الأسدي قاضي قضاة حلب .

المدرسة الكواكبية:

عزم أحد رجال بني الكواكبي وهو ” أحمد بن أبي السعود الكواكبي المولود في حلب سنة 1130 هـ / 1718 م و المتوفى في 21 شعبان 1197هـ / 22 حزيران 1782 على إنشاء مدرسة لتعليم اللغة العربية وكافة العلوم لا تتعارض مع الحظر الرسمي لتعليم العربية بطريقة خصصها فيها بالأسرة الكواكبي فأسماها ” مدرسة الكواكبي ” ونقش الاسم على واجهة بابها، يدرس فيها الكواكبيون على يد أهلهم وسائر علماء المدينة. وقد كان في الآن ذاته مفتياً ونقيب الأشراف في حلب، وكان آخر من درس فيها ودَرّس هو ” عبد الرحمن الكواكبي ” على يد أستاذه ووالده البهائي أحمد مفتي حلب وأساتذة آخرين.

أسواق حلب

عرفت حلب بأسواقها المتنوعة التي سميت بأسماء الحرف والصناعات التي كانت قائمة في المدينة ومنها سوق النحاسيين وسوق العطارين وسوق الحدادين، وسوق البن، وسوق الجمال، وسوق الحرير، وسوق الحصارين، وسوق الخابية، وسوق الخشابين، وسوق الخضرية، وسوق الخيل، وسوق الزجاجين، وسوق الصباغين الذين كانوا يقومون بصبغ الأقمشة، وسوق الصرماياتية ويسمى القوا فخانة، وتصنع في هذا السوق وتباع الأحذية الحلبية التقليدية والمعروفة باسم الصرماية وتكون حمراء أو صفراء، وسوق الصياغ، ويوجد في حلب سوقان للصياغ، وفيها الآن عدة أسواق للصياغ. وكان نتيجة ازدهار التجارة أن انتشرت الخانات بحلب ومن أشهرها خان السبيل وخان الحرير وخان إسطنبول وخان الشوربجي، وكثرة الخانات في حلب دليل واضح على ازدهار الحركة التجارية.

المطبخ العجمي: قصر قديم من القرن 6هـ/12م، يقع إلى جوارخان الوزير بحلب، يعتبر ما بقي منه من روائع العمارة ويمثل بأواوينه ومقرنصات قتبة فنًّا أصيلاً توطد في عصر السلاجقة وأتايكهم.

البيمارستان الأرغوني (المستشفيات): لعله أهم البيمارستانات التي ما تزال قائمة في الشام، ويعتبر مثلاً كاملاً للبيمارستانات التي كانت تقوم مقام المستشفيات في عصرنا، وهو بناء هام من حيث مخططه وفن عمارته، بناه في محلة باب قنسرين نائب السلطنة أرغون شاه سنة 8هـ/ 14م، ويوجد بحلب بيمارستان أقدم منه بني في عهد نور الدين في محلة الجلوم لكنه متهدم بعض الشيء.

7

الأسوار والأبواب

ما تزال مدينة حلب تحتفظ كأكثر مدن الشرق بجزء من أسوارها الحصينة وعدد من بواباتها الضخمة، وقد تهدم سورها مرات خلال الغزوات التي اجتاحت المدينة في أيام الروم والتتار ثم أعيد ترميمه، وما يشاهد منه اليوم يرجع إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، وأهم أبواب السور الباقية: باب النصر، وباب الحديد، وباب أنطاكية، وباب قنسرين.

89

متحف الآثار في مدينة حلب

يعدّ متحف حلب من أهم متاحف العالم المتخصصة في اللقي الأثرية التي تضمها أجنحته من حقبة ما قبل الميلاد. وقد تأسس في الأصل عام 1931 ليضم الموجودات المتحفية التي اكتشفت في تل حلف رأس العين لذلك زين مدخل المتحف بنسخة من واجهة القصر الملكي في تل حلف وهي من القرن التاسع قبل الميلاد، وأصلها محفوظ في متحف برلين .

ويضم المتحف الآثار المكتشفة في شمالي سورية والفرات في عدة أجنحة منها، جناح الشرق القديم، وهو عبارة عن قاعة ما قبل التاريخ وتستعمل حالياً كمعرض للوحات الفنية الذي يفتتح كل يوم أحد في السادسة مساءً. وتضم خزائنها أدوات إنسان العصر الحجري. وجناح الآثار القديمة الذي يضم قاعة تلال الجزيرة مثل تل براك وشاغار بازار وتل أسود حيث نقب عالم الآثار ماكس ملّوان زوج الكاتبة البوليسية أغاثا كريستي في الثلاثينات ووجد لقى من الألف الثالث والثاني قبل الميلاد. وقاعة ماري: حيث نقب منذ عام 1933 أندره بارو في تل الحريري ووجد اللقى الرائعة من الألف الثاني ق.م. ومن بينها آلهة الينبوع الشهيرة. وقاعة أوغاريت: حيث اكتشفت أقدم أبجدية في العالم في القرن الرابع عشر ق.م. ثم قاعة حماة التي تضم اللقى التي وجدها العالم الدانمركي أنغولت في حماة من الألف الثاني ق.م. وقاعة تل حلف التي تضم لقى بعثات أوبنهايم 1911-1929 ونصفها أصلي ونصفها الآخر نسخ حيث أخذ الأصل إلى برلين وتعود جميعها إلى الحقبة الآرامية والقرن التاسع ق.م. وقاعة أرسلان طاش التي تشتهر بلوحاتها الصغيرة من العاج من الألف الأول ق.م. قاعة تل أحمر بارسيب، وتشتهر بلوحاتها الجدارية الملونة من الألف الأول ق.م. ثم جناح المنوعاتا لذي يحتوي على خزانة تضم اللقى المكتشفة في تل الخويرة الواقع إلى الغرب من راس العين وقد نقب فيه العالم أنطون مورتغات ويضم دمى ولقى من الألف الثالث والثاني ق.م. كما يضم بعض اللقى كتمثال محارب السفيرة من القرن الثامن ق.م. وتماثيل الآلهة عشتار من عين دارا قرب عفرين، ومجموعات مختلفة من الأختام المسطحة والأسطوانية. والقاعة الأخيرة مخصصة لمملكة إيبلا التي وجدت في تل مرديخ مع أرشيفها وتعود اللقى الموجودة في القاعة إلى حقبتي الازدهار 2400-2250ق.م و1800-1200ق.م. ومن بينها الرقم الفخارية وأجران التقدمة وأحجار الأضاحي مع رسوم للتل ومواقع الحفريات. وفي الطابق العلوي من المتحف جناح آثار مكتشفات حفريات الفرات، وفيه عشرون خزانة مختلفة ضمّت لقى مختارة من التلال التي غمرت في بحيرة سد الفرات والتي تعود إلى الألف الرابع والثالث والثاني ق.م. والعصور الكلاسيكية والعربية الإسلامية المختلفة ومن أهم هذه التلال، تل مريبط حيث وجد أقدم بيت سكنه الإنسان المتحضر بعد الكهوف ويعود إلى الألف التاسع ق.م. وتل حبوبة حيث وجد أقدم أقبية فخارية لتصريف المياه من الألف الرابع ق.م.، وتل قناص وإيمار ومسكنة ودبسي فرج جناح الآثار الكلاسيكية، الذي يضم لقى من الحقبة الهلنستية أكثرها فخاريات، ومن الحقبة الرومانية ومن بينها أحجار القبور والفسيفساء، والبيزنطية ومن بينها ذخائر الشهداء بالإضافة إلى أنواع النقود المعدنية المختلفة. كما يشتمل المتحف على جناح الآثار العربية الإسلامية الذي يضم العديد من المنوعات من جرار وكتابات وأواني فخارية وزجاجية من الفترات العربية الإسلامية المختلفة بما في ذلك بعض المخطوطات والرنوك المملوكية وشاهد قبر إسلامي بديع الكتابة من القرن الثاني عشر م.، بالإضافة إلى أنواع المسكوكات العربية الإسلامية. وفيه قاعة تضم سقف بيت صادر الجميل بزخرفته وكتاباته ويعود إلى القرن الثامن عشر بالإضافة إلى بعض قطع السجاد النادرة. وقد وضع ماكيت حلب ضمن الأسوار وسط الجناح.

كما يحتوي المتحف على جناح الفن الحديث الذي يضم أهم لوحات وتماثيل فناني حلب والقطر السوري عموماً من أمثال فتحي محمد وفاتح المدرس ولؤي كيالي وسواهم، وأحدث عام 1974 ، ويشتمل المتحف على حديقة داخلية تضم بعض التماثيل الكبيرة البازلتية للإله حدد وتيشوب مع الكتابة الهيروغليفية الحثية وبعض التماثيل الرومانية وفسيفساء من القرن الثالث الميلادي تمثل مشاهد صيد، أما الباحة أمام مدخل المتحف فقد ازدانت بالقطع الأثرية من مختلف العصور الآشورية والرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية، ومن بينها الحجر البازلتي الذي يمثل رجلين مجنحين بحالة حركة حول القمر والشمس والذي وجد في المعبد الحثي في قلعة حلب ويعود إلى القرن التاسع ق.م ومن روائع القطع الأثرية المحفوظة في متحف حلب، تمثال أمبوشاد الكاتب الرئيسي في ماري الألف الثالث ق.م ومثلها المزهرية الحجرية الستآتيت. وتمثال إله من البرونز المذهب من مصياف الألف الثاني ق.م. ولوح عليه إله جالس على كرسيه يعتقد أنه إيل وأمامه يقف ملك ماري الألف الثاني ق.م. ومشهد أسطوري على حجر بازلتي من تل حلف القرن 9ق.م. وتمثال كائن مجنح بازلتي من تل حلف أيضاً. وتمثال أسد بازلتي آخر من أرسلان طاش القرن 9 أو8 ق.م. ونصب بازلتي من عين دارا القرن 9ق.م. ونصب الرب ملقارت الفينيقي القرن 9ق.م وغيرها.

وتضم مدينة حلب الجامعة التي أنشأت في عام 1960، والعديد من الكنائس ومدارس البعثات الأوروبية التبشيرية، كما تضم أربعة مراكز ثقافية هامة بالإضافة إلى ثمانية عشر مركزاً ثقافياً في ريفها.

حلب محط أنظار الرحالة

لم تنقطع صلة الرحالة والمستشرقين بحلب منذ أن قصدها أرسطو بهدف الاستشفاء من مرض ألم به، فقد استقطبت حلب معظم الرحالة العرب مثل ياقوت الحموي وابن جبير وابن بطوطة والمقدسي والحميري، وقضى الشاعر الفرنسي الكبير لامارتين فترة مهمة من حياته مقيماً في حي الكتاب في حلب ليكتب أهم قصائده، ومنها قصائد لجوريل التي اقامت معه برفقة شقيقتها موليناري التي قرضت هي الأخرى الشعر باللغة العربية. ومن الرحالة الذين زاروا حلب في القرنين السادس عشر والسابع عشر وكتبوا عنها دارامون، ولومانس، وراولف، وتافيزيه، ودانديني، ونيوبري، وبوكوك، وآخرون.

إحياء مدينة حلب القديمة

تعد مدينة حلب القديمة موقعاً من التراث العالمي ذا شهرة عالمية. إن مساحتها المؤلفة من 355 هكتاراً من النسيج العمراني التقليدي و سكانها الذين يبلغون حوالي 110000 نسمة والوظائف اليومية التي تصل إلى 35000 تشكل شاهداً على تراث إحدى أقدم المدن التي لا تزال حية حتى الآن. كما اعتبرتها منظمة اليونسكو مدينة تاريخية هامة لاحتوائها على تراث إنساني عظيم يجب حمايته، خاصة وأن فيها أكثر من 150 أثرا هاما تمثل مختلف الحضارات الإنسانية والعصور السياسية التي مرت بها، وفي عام 1978 سجلت مدينة حلب في السجلات الأثرية الرسمية ووضعت الإشارة على صحائفها العقارية، تثبيتا لعدم هدمها أو تغير معالمها أو مواصفاتها حتى من قبل بلديتها إلا بعد موافقة الجهات الأثرية. وقد وصفها الرحالة الأجانب والقناصل المقيمين فيها بأنها أجمل مدن الإمبراطورية العثمانية وأنظفها وأجملها مناخا، ووصفوا سكانها بأنهم أكثر أهل السلطة العثمانية رقيا وتمدنا وهو مضيافون ويخصون ضيوفهم بالمودة الصافية ، من أكبر وأغنى مدينة في الإمبراطورية العثمانية بعد القسطنطينية والقاهرة. وفي عام 1992 اشتركت الحكومة الألمانية (GTZ / BMZ) مع الحكومة السورية (مجلس مدينة حلب) في افتتاح مشروع إعادة إحياء مدينة حلب القديمة.

Bibliography

ـ ابن واصل، جمال الدين محمد بن سالم، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، ج 1ـ 3، تحقيق جمال الدين الشيال، بدون تاريخ.

ـ أحمد بن زيني دحلان، تهذيب تاريخ الدول الإسلامية بالجداول المرضية، دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع، بدون تاريخ.

ـ أحمد عبدالباقي، معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، سلسلة التراث القومي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1991م.

ـ حسان حلاق، دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، ط 2، 1999م.

ـ خير الله الأسدي، أحياء حلب وأسواقها، تحقيق، عبدالفتاح رواس قلعة جي، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1984م.

– Ali Al Qayyim: Syria and its Cultural Dimension, Ministry of Culture, Syria, 2005.

ـ علي القيم، سورية وعمقها الثقافي، وزارة الثقافة، سورية، 2005م.

ـ علي محمد علي عوده الغامدي، بلاد الشام قبيل الغزو المغولي، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، ط 1، 1988م.

ـ د. سعيد عاشور وآخرون، دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية، دار المعرفة الجامعية، 1995م.

ـ السيد خالد المطري، دراسات في مدن العالم الإسلامي، معهد البحوث والدراسات العربية، دار النهضة العربية، بيروت، 1989م.

ـ د. السيد عبدالعزيز سالم، دراسات في تاريخ الدولة العربية،ج2، مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، 1993م.

ـ شمس الدين أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، دول الإسلام، تحقيق حسن إسماعيل ، دار صادر بيروت، ط 1، 1999م.

ـ محمد حسين محاسنة، تاريخ مدينة دمشق خلال الحكم الفاطمي، دمشق، الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية، ط 1، 2001م.

ـ محمد بن على طباطبا المعروف ابن الطقطقا، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، دار صادر بيروت، بدون تاريخ.

ـ د. مصطفى الشكعة، معالم الحضارة الإسلامية، دار العلم للملايين، ط3، نوفمبر 1978م.

ـ بعض المواقع الرسمية على شبكة الانترنت