![]() |
|
| Directeur Général | Education | Sciences | Culture | CPID | Coopération | Secrétariat GC & EC| | Accueil | Contact |
|
|
Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesuresActes de la ConférenceTunis: 15-17 Novembre 2007 |
||
![]() |
حوار الحضارات ماذا؟ لماذا؟ كيف؟ أ. د محمد حسين فنطـر (*)يشهد العالم في بداية هذا القرن الفقر والجوع والمرض والهيمنة والإقصاء والتهميش والعنف المنظم والإرهاب حتى أن البشرية مهددة بالانقراض إذا لم تجد حلولا وعيبة لمختلف هذه الآفات والتوترات. وسعيا إلى لمكافحة الآفات ومواجهة هذه التوترات أصبح الحوار بين الثقافات والأديان وتحالف الحضارات هاجزًا لدى الشعوب والدول مرورا بالمنظمات الدولة والجمعيات الوطنية والجهوية والإقليمية فضلا عن الأفراد في كل أنحاء المعمورة. فالجميع ينادي بالحوار ويشدد على ضرورة اللجوء إلى حوار جدي خصيب يقوم على المساواة والاحترام المتبادل وقبول الآخر مهما كانت خصوصياته العرقية والثقافية والدينية واللغوية والفلسفية ومهما اختلفت اتجاهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن وراء الحوار نسعى إلى قبول بعضنا البعض على أساس الاحترام والمتبادل. فالدعوة إلى حوار الحضارات والأديان جاءت ملحة في التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة وعن جامعة الدول العربية وعن منظمة المؤتمر الإسلامي وعن منظمات أخرى عديدة نذكر منها الألكسو والإسيسكو كما تبنت الدعوة لحوار الحضارات والأديان عديد المنظمات الأوروبية والأمريكية والآسيوية على إختلاف الاتجاهات الدينية والفلسفية. لقد احتضنت تونس يوم 12 نوفمبر 2001 ندوة دولية حول ''حوار الحضارات''. وأبرز سيادة الرئيس زين العابدين بن علي في هذه المناسبة أن حوار الحضارات رؤية تؤسس لمستقبل اكثر اطمئنانا وأشد تضامنا، وأنّ صدام الحضارات تدمير لهذه الرؤية وتبرير للنزعة الرجعية التهديمية التي يرعاها دعاة العنصرية والإرهاب. وبين أن حوار الحضارات لا يقتصر على الإسلام والغرب بل إنـّه حوار بين كافة الشعوب والثقافات والحضارات والديانات على اختلاف مرجعياتها وأدبياتها. وقد صدر عن هذه الندوة نداء سمي '' نداء تونس للحوار بين الحضارات '' الذي أكد بالخصوص على أن الحوار بين الحضارات : * ضرورة قصوى لحياة في ظل السلام العادل والاحترام المتبادل والتطبيق النزيه لقواعد القانون الدولي. * دليل على النضج الفكري الذي أدركته البشرية وتفرضه تجارب الأمس وحوادث اليوم ومخاوف الغد. * مكافحة شتّى أشكال اللامبالاة وعدم التفاهم. * معرفة الذات معرفة جيدة موضوعية ومعرفة الآخر في خصوصيات حضارته وتطلعاته. * بناء ذهنية الاعتراف بالآخر وإحترام خصوصياته بسماحة ورحابة صدر. * محاربة الإرهاب بكل صوره وأشكاله وأساليبه واجتثاث جذور الجاهلة والتعصب والخوف. * إيجاد محيط يسمح ببناء علاقات إنسانية متوازنة، ويوفّر إطارا ملائما للعيش معا في سلم وعدل وتضامن وتسامح بعيدا عن شتى أشكال العنف والتطرف والإرهاب. * التنشئة على احترام الآخر وقبول الاختلاف واعتماد التفاهم بديلا عن الصراع والتصادم. * إدراج مادّة تعليمية حول حوار الحضارات والأديان في المناهج التعليمية من الروضة إلى الجامعة، بحيث تنشأ أجيال الغد متشبّعة بروح الحوار ومقتنعة برسالته ومتحمّسة للعمل على نشره. وقد تكرم سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بافتتاح الندوة المشار إليها وفي خطابه جاء ما يلي : '' لقد نادى المصلحون التونسيون منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر بضرورة التواصل بين الأفراد والجماعات فأشاروا في كتاباتهم إلى أن العالم بلدة متحدة تسكنها أمم متعددة حاجة بعضهم لبعض متأكدة. وقد حرصنا في إطار هذا المدّ الإصلاحي المتجذر في تاريخنا وسلوك شعبنا على إدخال تعديل شامل في مناهج التعليم يعمق الإدراك لدى الناشئة بقيم التعارف والتفاهم والتحاور مع الغير إيمانا منا بأن الحضارة الإنسانية مؤسسة على شراكة معرفية. فالناس كما يقول المثل العربي ''أعداء ما جهلوا ''. وإن عدم معرفة الآخر غالبا ما يولّد الرّيبة والعداوة في العلاقات البشرية وهو ما يحتم تكريس التواصل بين الإنسان وأخيه الإنسان بقطع النظر عن اللّون أو الجنس أو الدين أو الثقافة '' حوار الحضارات: ماذا؟ في ضوء المعاجم والتفاسير يتبين أن الحوار نقاش حول قضية وتبادل الرأي فيها عرضا وحكما وموقفا فهو تخاطب بما في ذلك من سؤال وجواب. إنه عرض وطلب. فقولهم تحاوروا أي تراجعوا الكلام بينهم على أن الحوار مقابلة هادئة دون خلفية ولا قناعة مسبقة يراد فرضها : فلا صراع في الحوار ولا جدال، ولاغالب فيه ولا مغلوب بل الحوار عملية هدفها الفهم والإفهام والابتعاد عن سوء الفهم. إنه توق إلى المعرفة والتعريف. تلك هي فلسفة الحوار. فهو سعي إلى معرفة الآخر وحضارته ودينه و سعي إلى التعريف بالأنا وبحضارته ودينه. حوار الحضارات : كيف؟ يستوجب الحوار الإنصات إلى الآخر والسعي إلى معرفته معرفة جيدة محفوفة بالاحترام. ولن يكون الحوار ما لم يتمسّك المتحاورون بالقيم البشرية المشاعة كالتسامح والتضامن والاعتراف بالآخر، فردا كان أو جماعة، واحترام عاداته وتقاليده ومعتقداته دون غرور و لا استلاب. فالواجب يفرض علينا اعتبار الآخر إنسانًا ذا حقوق وواجبات كالتي للأنا فلا فرق بين الأنا والآخر وإن بدا الآخر مختلفا في لونه وزيه ومعتقده ومستوى ثقافته. هذا ويستوجب حوار الحضارات وضع برامج ومنهجيات كما لا بدّ من توفير آليات وعيبة بدونها لن يكون الحوار ولن يستقيم. ثقافة الحوار وآلياته : فمادام الحوار توقا إلى معرفة الأخر وحضارته ودينه و سعيا إلى معرفة الأنا معرفة ذاتية لا عن طريق وسيط والتعريف به حضارة ودينا، فكيف الحوار مثلا بين حضارتنا العربية وحضارات الآخرين؟ تعريف الحضارة العربية : للحضارة العربية أبعاد وجذور وعمق في المكان والزمان، فهي الحضارة التي أنجبتها أرض عروبة مترامية الأطراف من دجلة والفرات إلى النيل ومجردة والبحر الأحمر، ومن المحيط إلى الخليج، فهي مصر القديمة والحديثة وهي العراق والشام وجزيرة عدنان وقحطان وحمير وسبأ وهي دلمون وأفريقا وأفريقية. وحواضر أرض العروبة عديدة مجيدة من بابل إلى إبلة ومأرب والقدس ومن دمشق إلى بغداد ومنها إلى الفسطاط والقاهرة. وهل ننسى قرطاج والقيروان والمهدية والإسكندرية وطرابلس وقورينة العزيزة بمياه السرت الأكبر و حواضر أخرى لا تُحصى عددا. فالعروبة هي »ن والقلم وما يسطرون« وهي الرمز الهيروجليفي والحرف المسماري والأبجدية الفينيقية الكنعانية، تلك التي أزلجتها أرض العروبة إلى أصقاع الدنيا جميعها وبها أثرت حضارة بني الإنسان حيث ما كان. فعروبتنا أمصار وعمارة وكتابات ونصوص وديانات وفنون ساهمت في بناء البشرية. أليس من المثير أن تسمع أبا القاسم في قرية ريفية تونسية يجادل صديقا له، وفي خطابه كلمات لا تختلف عن تلك التي كانت تستعملها الجماهير في بابل وإبلة وجبيل ومأرب وغيرها من مدن وقرى الوطن العربي القديم؟ وليس قولي هذا من باب التغني بالأمجاد بل واقع بذكره أردت التعريف بالحضارة العربية حتى لا تبدو مبتورة ونكون على بينة منها عند الدخول في الحوار. ولا يفوتني التعريج على إسهامات أخرى قدمتها أرضنا إلى دنيا الإغريق والرومان تتجلى في البناء والتعمير وفي العلوم والفلسفة والتقنيات. ففي سفر حضارتنا فصول لغتها إغريقية وأخرى لغتها لاتينية فضلا عن تلك التي أتت بها عليسة وانتشرت في بلادنا وفي صقلية وسردانيا وإسبانيا. وفي ربوع العروبة المترامية الأطراف أينعت ديانات عديدة لا سيما تلك التي أسس لها إبراهيم الخليل وجاء السماء بكتبها وصحفها. ولمّا كانت هذه اللغات والديانات العديدة منا وإلينا، فهي جديرة بعنايتنا وحرام أن نفرط فيها فلنعمل على معرفتها حتى نكون أهلا للافتخار بها والتباهي. فلا بدّ من تكوين أطر رفيعة المستوى في هذه الميادين اللّغوية والأدبية والدينية الخطيرة حتى يتمكنوا من الحصول على مفاتيح تراثنا التليد. تلك هي حضارتنا العربية في خطوطها الكبرى. ولا ريب أن ما قدمته يشكو ثغرات قد لا تغتفر ولا عذر لي سوى ضيق المجال وغزارة الكنوز. ولئن كان بعضها معروفاً فجلها مازال خفيا محتفظا بأسراره أو علّه خام يترقب التوظيف والتزكية حتى تساهم عروبة الأمس في إبداع عروبة اليوم والغد. وتدخل في حوار مع الحضارات المعاصرة لتفيد وتستفيد. ولكن للحوار فرائض وأسباب بدونها لا يثمر، بل يكون زبدا يذهب جفاء. فما هي تلك الفرائض والمستلزمات؟ 1 . معرفة الذات لكسب شرعية الحوار : تستوجب مصداقية الحوار ونجاعته الإجابة عن سؤال مضمونه من نحن؟ إجابة تستند إلى معرفة ذاتية جيدة للذات دون إقصاء و لا تعتيم. والذات هي ما ورثنا وأنتجنا وهي أوضاعنا الراهنة ومشاريعنا وهي وعي بمشاكلنا وحلول نقترحها وهي حيرة وسؤال حول ماض مجيد عتيد وحاضر هش وهي تشخيص لظروفنا مهما كانت قسوتها وقراءة عقلانية لمحيطنا المادي والثقافي والوجداني وهي أعمال ومواقف نريدها من تلك التي تفرض الاحترام وتكسب الندية. فسعيا وراء كسب شرعية الحوار، لا بد من إجراء كشف دقيق عن أوضاعنا الداخلية يتوج بوصفة توصي بدعم المستقيم ومعالجة العليل وسد الثغرات والتخلي عما تجاوزه الزمن وأصبح يتيم الفائدة لا يدفع إلى الأمام. ولا تخفى العلل والثغرات التي يشكوها العالم العربي كالفقر والأمية واضطهاد المرأة والرجعية والأصولية والهرولة إلى الوراء مع التغني بمقولات ومبادئ وقيم يناقضها المعيش. و لا شك أن الآخر قد ساهم ومازال يحاول الإسهام ما أمكنه ذلك في تفاقم تلك الأسقام ويشجع بطرق شتى على عدم الاكتراث بها والتخلص منها بل قد يتوجه إلينا بكلمات خير يريدها شرا لنا. 2. معرفة حضارتنا معرفة ذاتية جيدة : لا يستقيم لنا الحديث عن حضارة لا نعرفها معرفة جيدة أو نعرفها عن طريق وسيط يقول لنا هاأنتم. فلن يعترف الآخر لنا بشرعية الحوار إلا إذا تبين أننا نعرف حضارتنا معرفة ذاتية جيدة وجعلناها حبلى بالإضافة مرشحة للتثمير والإسهام في حوك الحاضر والتأهب لغد أفضل. 3. بناء مجتمع متماسك حر : ويتسنى بناء مجتمع متماسك حر بإقامة مشروع يعترف بالفرد، ذكرا كان أو أنثى، وبمقوماته المادية وغير المادية من حقوق سياسة وحرية عقائدية وخصوصيات ثقافية وحاجيات مادية حياتية وكل ذلك في كنف المساواة بين المرأة والرجل والديمقراطية ودولة القانون والشراكة مع ضمان الحوار داخل المجتمع المدني وتوفير افضل ظروف التضامن والتكاتف والوقوف إلى جانب المجتمع بعناصره وأصنافه المختلفة على أساس مقولة للرئيس زين العابدين بن علي ومضمونها : »لا إقصاء ولاتهميش«. 4. الاستفادة من العلماء والمثقفين : إن الرفع من منزلة العلماء والأدباء والمثقفين عامة أمر ضروري لمجتمع أراد اليناعة والازدهار والاستقرار. فلا بد من الاستفادة من معارفهم وخبراتهم و مهاراتهم. فكم من عالم في هذا الحقل أو ذاك لا يستفيد منه وطنه وكم من طاقات تهدر على مر الأجيال في العالم الثالث وكم من فتوة تعود إلى أرض الوطن شيخوخة هزيلة. فالرفع من منزلة صفوة العلماء والأدباء والمثقفين إسهام في بناء مجتمع المعرفة يزيد الشعوب إيمانا على إيمانها ويزيدها احتراما في عيون الآخرين ويكسبها شرعية الشراكة والحوار. ليس في الحضارة العربية الإسلامية ما قد يتناقض مع القيم والأعراف التي تنهض عليها العلاقات الدولية من نسبية في الأحكام وتسامح وتضامن بين الناس شعوبا وأفرادًا، ودعوة لقبول الآخر بخصوصياته واختلافه. وتتجلى هذه المبادئ الأساسية والقيم الإنسانية نصا في القرآن الكريم والسنة ومن ذلك قوله تعالى في الآية الثالث عشرة من سورة الحجرات : {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وفي حجة الوداع قال الرسول ؟ : {يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وأن أباكم واحد لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي و لا لأسود على أحمر ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى}. والتقوى المنظومة الإسلامية هي الخشية من الله وأصلها الحصانة والوقاية وفي التقوى خيفة من توبيخ الضمير و يبقى باب التأويل مفتوحا. ولن يغلق باب الاجتهاد مع العلم أن لنا ما لم يتوفر للسلف. فلقد وضع السابقون علوم عصرهم خدمة للتأويل والاجتهاد. فلنتحرر إذا من جبروت فقهاء رجعيين الذين بفتاوى هزيلة يريدون تجميد التراث ليجعلوه سجنا تنطفئ الروح فيه وفي ظلماته يتراجع سلطان العقل. ولئن كانت قراءة النّصوص والحلول التي اقترحت في الماضي البعيد وعيبة ملائمة منسجمة مع الواقع إذ ذاك فواقعنا يختلف عن واقع السلف وبالتالي قراءاتهم وأحكامهم تبقى لهم ولسنا بها ملزمين وما علينا إلاّ معرفتها للاستئناس بها بعيدا عن التقليد. فالإسلام عدل وحماية حقوق الإنسان وعقلانية وشك كطريق يدفع إلى حقيقة نسبية دون نكران ما قد يتجاوز حدود العقل فعلى المسلمين أن يتحرروا من أغلال تعيق حركتهم وأثقال فرضوها على أنفسهم والواجب يدعوهم إلى الاستنارة بعلوم عصرهم على تعددها واختلافها دون زهد في القيم الإنسانية. فلا بد لهم من قراءة تجعلهم جديرين بالسلف مستجيبين لظروف عصرهم زمانا ومكانا. والجدارة بالسلف مضمونها أن يسخر المرء علوم عصره جميعها فوانيس تمكن من رؤية ما لم يره السلف. هكذا يكون الحفاظ على الأصول وتتطور القراءات والحلول تماشيا ومتطلبات الحياة مع الآخر في وئام وانسجام واحترام وتضامن في ضوء مقولة مضمونها : النصوص المقدسة أزلية ولكن قراءتها ظرفية. وينطلق الحوار من قاعدة المساواة بين الشعوب والحضارات ولنا في جعبتنا ما يحق لنا التباهي به متواضعين وإبرازه كإسهام عربي في رفع منزلة الإنسان دينا ودنيا. وتبقى المعرفة أساس الحوار بين الحضارات والأديان. ولن يكون الحوار إلا بالتواضع والابتعاد كل البعد عن المطلق والنرجسية والتعالي حتى تسود النسبية في الأحكام والمواقف مع اعتبار سنة التغيير المتواصل الموصول، ذلك أن الحياة تغيير وتطور ولا حياة لمن أراد السكون والانطواء على ذات متحجرة ولا حياة للأنانية والجشع والتوق إلى الهيمنة والتسلط فلا مكان لمن قد يريد التفوق على الآخر دينا أو دنيا وتكون مسيرة الحوار في ضوء مقولة مضمونها »لا تكفير ولا تبشر«. فحوار الحضارات لا يكون إلا بروح التعاطف والمحبة والاطمئنان فلا حوار في عالم يسوده الخوف ولن يتيسر الحوار إلاّ إذا توفر قاسم مشترك بين المتحاورين، فينبغي البحث عنه والاستناد إليه. ومن حسن الطالع أن للعروبة والآخر تراث مشتركة وتاريخ مشاع. أفلم تشارك العروبة في بناء المتوسط بل في تمكين أوروبا من عناصر نهضتها مرورا بالأندلس وبحواضر عربية أخرى؟ قد يطول الحديث في المجال. فمن المفيد أن يكون التراث المشترك والتاريخ المشاع بين الشرق والغرب من مواضيع حوار ثري بين حضارتنا وحضارات الآخرين. فهلم نتفق مع الآخر على تشخيص تراثنا المشترك ورسم معالمه ثم تقديمه للأطفال والشباب والجماهير العريضة في الشمال والجنوب عن طريق مختلف وسائل الاتصال والتبليغ. آليات الحوار تؤمن تونس العهد الجديد بنجاعة الحوار بين الحضارات والأديان ولا أدل على ذلك مما ورد في عهد قرطاج الذي صدر بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة يوم 21 أبريل 1995 حيث جاء ما يلي : أن التجربة الإنسانية الطويلة تبين بوضوح أنه لاسبيل إلى إحلال السلام بين البشر بدون القناعات السياسية والدينية، ويتعين على الديانات التوحيدية الثلاث، أن تعزز فيما بينها، وبين علاقاتها، وفي مجتمعاتها المتنوعة، قيم الحرية والتسامح وحقوق الإنسان. ويتجلى تكريس حوار الحضارات والأديان في عديد المبادرات الرئاسية نذكر منها بالخصوص : * بيان زيتونة الاجتهاد الذي صدر عن ندوة علمية موضوعها الإسلام ومواكبة العصر انعقدت بتونس من 25 إلى 29 نوفمبر 1996 بمناسبة الاحتفال بذكرى مرور 1300 سنة على تأسيس جامع الزيتونة. * كرسي جامعي لحوار الحضارات والأديان وقد أعلن سيادة الرئيس زين العابدين بن علي عن إحداثه في الخطاب الذي ألقاه بالكرم بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة عشرة للتحول في 7 نوفمبر 2001 حيث قال : »وإذ تحتضن تونس بعد أيام قليلة بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ندوة دولية حول الحوار بين الحضارات، فإننا سنعمل على أن يكون هذا اللقاء محطة بارزة على طريق السعي الإنساني الدائم لتكريس تلك المبادئ النبيلة، وحمايتها ضد ما يمكن أن يعصف بها من مخاطر« وإن تونس الزيتونة والقيروان، ستواصل جهودها في هذا الاتجاه بكل عزم وثبات كي ينتصر منطق التفاهم والحوار على منطق الصراع والصدام،...فالإسلام هو دين الاعتدال الذي ينبذ العنف والتطرف ويدعو إلى التآخي والتعارف. وتونس التغيير من ديار الإسلام الآمنة، ومن ديار الفكر النير برموزه التاريخية من أمثال ابن خلدون وابن عرفة وابن عاشور. وهي واحة سلام واستقرار وأرض عمل واجتهاد. وانطلاقا من قناعتنا الراسخة بأن أمام الإنسانية على اختلاف أديانها وحضاراتها، مجالات واسعة للعمل من أجل سعادة الإنسان وأمنه واستقراره، فإننا نأذن اليوم بإحداث ''كرسي جامعي لحوار الحضارات والأديان'' يساهم في النهوض بهذه الرسالة النبيلة'' ويتولّى هذا الكرسيّ تنفيذ ما يستوجبه المشروع لفتح السبل بين الحضارات والأديان، ومدّ جسور التعاون والتضامن والإحترام المتبادل بين الشعوب: وهي فلسفة سداها القيم العليا التي تؤمن بها البشرية مهما اختلفت الأعراق والثقافات والمعتقدات، ولحمتها شراكة تضمن الأخذ والعطاء في كنف الإحترام وقبول الآخر بخصوصياته في كنف احترام نزيه متبادل. ومن الآليات المخصوصة لتفعيل حوار الحضارات والأديان تجدر الإشارة أيضًا إلى : منتدى تونس للسلام بالتعاون مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ويعنى هذا المنتدى برصد ما يبذل من جهود لتكريس قيمة السلم في العالم ويعمل على الإسهام في نشر ثقافتها وترسيخ أسسها في الفكر والسلوك، وكان ذلك يوم غرة ماي .2005 مركز البحوث والــدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنــة بمديــنة سوســة في 27 يونيو 2005 تشرف عليه وزارة الشؤون الدينية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا. إعلان تونس من أجل التحالف بين الحضارات : صدر هذا الإعلان عن ندوة موضوعها الحضارات والثقافات الإنسانية : من الحوار إلى التحالف نظمتها وزارة الثقافة والمحافظة على التراث بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة تحت إشراف سيادة الرئيس زين العابدين بن علي وذلك في 30 جانفي .2006 وكانت مناسبة بيّن فيها سيادته أنّ السلام العالمي لا يمكن أن يبنى إلاّ بالحوار والتسامح، مبرزًا ضرورة إسهام الأطراف المؤثّرة في العالم في تعزيز المؤسّسات الأمميّة وتفعيل دورها، وفي دفع آليات التعاون والتضامن بين سائر الدول، كما شدّد سيادته على أهميّة تكثيف الجهود لمعالجة أسباب التوتّر والنّزاع والقضاء على كلّ ما من شأنه أن يزيد في توسيع الهوّة بين الأمم وفي تعميق الشعور بالقهر والإحباط لدى المستضعفين وما ينجبه ذلك من كراهية وعنف وإرهاب. حوار الحضارات: لماذا؟ يعتقد بعضهم أن فلسفة الحوار نشأت مع الفيلسوف مارتين بوبر Martin Buber وهو من أصل ألماني وقد صنف كتابا عنوانه أنا وأنت Le Je et le Tu. صدر هذا الكتاب في مدينة فرانكفورت Francfort سنة 1923 باللّغة الألمانية ونقل إلى الفرنسية سنة 1938 قبيل الحرب العالمية الثانية. فللعلاقة بين أنا وأنت أصداء في الفكر الإنساني تتجلّى في الأطروحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية. فنحن في عصر يتوق إلى ربط الصلة بين الشعوب والطبقات الاجتماعية والنظريات أيّا كان مجالها. ولبناء علاقات مثمرة مفيدة للجميع يتّخذ الحوار وسيلة. فبالحوار تكتشف الحقيقية فهو سؤال يدفع إلى جواب ومن الجواب يتولد سؤال فجواب وهكذا حتى الوصول إلى الهدف المنشود. إنه حوار سقراطي يكون في الشارع و البطحاء و يكون على المائدة وفي السهرات واللقاءات العائلية ويكون في المصانع والإدارة. فلقد كان الفلاسفة يؤثرون الحوار ويفضلونه على مختلف أشكال التبليغ. ففي الحوار اعتراف بالآخر وفي الاعتراف احترام وبه تسقط الجدران السميكة بين الأنا والآخر، و يكون الإبداع و التكوين المتبادل فكينونتي في كينونة الآخر. يكمن حل مشاكل الشعوب والمجتمعات في الاتصال والاعتراف المتبادل بين الجهات المتقابلة والفاعلين في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية. تلك قناعة المؤمنين بفلسفة الحوار وهي توصي بتسيير ديمقراطي في المؤسسة الاقتصادية والإدارية لأن فلسفة الحوار في نظره تتمثل في علاقة حميمة بين أنا وأنت أو بين أنا والآخر، فبالحوار تتحول المواجهة إلى لقاء واللقاء يرفض الإقصاء والتهميش ويؤسس للتفاهم و قبول الآخر. فالآخر هو زميلك وجارك وقد يكون الآخر دينا أو حضارة. فهو من وما ليس أنا، فردا كان الأنا أو جماعة فقد يكون قبيلة أو دولة أو أمة أو طائفة لها عقيدتها وسلوكها ومواقفها وشعائرها وطقوسها. ويبدو الآخر بعيدا عن الأنا كل البعد بما لديه من خصوصيات عرقية ولغوية ودينية وأخرى في مختلف الميادين السياسية والثقافية والاجتماعية. فللأنا أحجام وألوان وأشكال وطيوب وأنغام وموائد وطموحات وأمال ومخاوف ومحاسن تختلف عن التي تبرزها صورة الآخر حتى أنّك تراه بعيدا عن الأنا مغايرا له شكلا ومضمونا. وقد يتوارى الآخر خلف ستائر عديدة مختلفة سميكة. فبالحوار يتبدّى الأنا في الآخر والآخر في الأنا مع تفاوت في النسب، فقد يطفو الآخر وقد يطفو الأنا وينساب التناضح بينهما في جدلية متواصلة موصولة. فعلى هذا الأساس، وفي ضوء تلك المعاينة، نقف على مظروف مقولة الشاعر الفرنسي رمبو Rimbaud أنا الآخر Je est l' autre. فلا وجود لللأنا في انعدام الآخر. بل الأنا هو الآخر في كينونة موصلة متواصلة بما في ذلك من معاني المواصلة والتواصل. فيحق للأنا أن يقول: للآخر وجود لأنني موجود ويقول أيضا: لا وجود للأنا إلا بوجود الآخر. ومن أروع ما يسفر عنه الحوار بين الحضارات والأديان احترام متبادل و محبة. فهو عمل يساهم في تحطيم الجدران السميكة الفاصلة بين الشعوب، وبتحطيمها تتوفر أسباب التعاون والتآلف والشراكة والعمل معا لإنجاز مشروع حضاري مشترك تتجلى فيه العولمة في أبهى حللها الإنسية. يستهدف حوار الحضارات والأديان إذن تمكين الإنسان من كسب إنسانية كاملة حتى يتعامل مع أخيه الإنسان بما يوفر للجميع الكسب و اليناعة فوق الأرض بعيدًا عن الحرب والفقر والجهل والمرض والجشع والإقصاء والتهميش وهي آفات مشحونة بأسباب التوتر والتطاحن والإرهاب والعنف على أنّ القضية ليست أخلاقية أفلاطونية بل إنها وعي بأن لا خير للإنسان مادام في الكون إنسان مهضوم الحق مقهور مسلوب يتألم من الضيم. يؤسس الحوار لإقامة محيط تنعدم فيه أسباب التهميش والإقصاء والهيمنة مهما كانت طبيعتها وأهدافها. وبالحوار تتوفر أرضية ملائمة تتجذر فيها شجرة الديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان أيّا كان عرقه وجنسه وبلده، كما تزكو في تربتها قيم التضامن والتسامح وقبول الآخر بخصوصياته مع احترام واعتبار، فتطمئن النّفوس وتسمو العقول ويكون الإبداع إنسيا يفيد منه الجميع في مختلف أصقاع المعمورة، ويتألق نجم السلم في سماء البشرية وتختفي أشباح الخوف والتعصّب والسلفية. فلن يكون القضاء على هذه الآفات إلا بالحوار بين الحضارات والتعايش بين الأديان. فلقد تمكنت البشرية من السيطرة على الرّق، وتولى زمن الاستعمار بل تراه يحتضر ولا أمل له في التعمير طويلاً. ولما أصبحت الحروب خطيرة على الشعوب جميعها، تبيد الغالب والمغلوب، كان لا بدّ من البحث عن أسباب الخلاص مع ضرورة العمل معا لبناء سفينة تحملنا إلى شاطئ السلامة لنتعايش متضامنين، مطمئنين، مساهمين في إنشاء حضارة للجميع تضمن الوحدة والتنوع. ويمكن اختزال الأهداف المنشودة من وراء حوار الحضارات والأديان في النقاط التالية : * تشجيع حركة التنمية بالتبادل والتعاون من أجل السلم والازدهار لفائدة الشعوب جميعها دون إقصاء و لا تهميش. * الارتقاء بكل ما يساعد على تفاهم أفضل واحترام متبادل بين الشعوب والثقافات حتّى تتراجع عوامل الشك والريبة وسوء الفهم. * رفع التحديات الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي لها وقع على مصير الشعوب مع تشجيع التعددية وضمان المساواة داخل المجموعات الوطنية والإقليمية الدولية. * الاعتراف بخصوصيات الشعوب والثقافات واللّغات والأديان مع احترامها واعتبارها عناصر ثراء للجميع. * تزكية مواثيق الأمم المتحدة وتفعيلها لا سيما تلك التي تخص الصداقة بين الشعوب والدّول والمساواة في الحقوق مع احترام مبدأ الحريّة في تقرير المصير وتطبيق مضمون الميثاق الخاص بضرورة الحوار بين الحضارات. * تطبيق إعلان اليونسكو حول التنوع الثقافي والتوجيهات الخاصة بالإرث الثقافي المصادق عليها في ندوة بولونيا سنة .1996 * تبني المثل الأعلى الأولمبي حول بناء عالم أفضل يسوده السلام وذلك بتربية الناشئة والشباب في البيت والمدرسة وفي حلبات الرياضة و فضاءات المجتمع المدني على أساس التسامح والتفاهم وتنمية روح الصداقة وقبول الآخر. تلك بعض الأهداف التي يرمي إليها الحوار ولكن إدراكها يستوجب مستلزمات أكيدة ومنها : * بناء مجتمع ديمقراطي يسوده العدل وتينع فيه حقوق الإنسان في شموليتها وتكاملها. * ضمان التنمية المستديمة. * حماية المحيط من التّلوث. * المحافظة على التراث الثقافي والطبيعي. * مكافحة الفقر والجهل والمرض وهي آفات تجرّ إلى التعصّب والسلفية والإرهاب والعنف. * تنزيل العلوم الإنسانية في المنظومة التربوية من الروضة إلى الجامعة مرتبة تمكن الإنسان من كسب إنسانيته كاملة. * تزكية وتفعيل مبادئ التضامن وقبول الآخر بخصوصياته مهما تعددت. وأجمل ما أختم به هذه المداخلة المتواضعة كلمة وردت في خطاب ألقاه سيادة الرئيس زين العابدين بن علي في 21 ماي 2002 بمناسبة اليوم الوطني للثقافة حيث قال : »وسنعمل على مزيد تفعيل المبادرات التي اتخذناها لتكثيف الحوار بين الحضارات منذ صدور عهد قرطاج للتسامح، وما تلاه من قرار ببعث كرسيّ لحوار الحضارات والأديان، واحتضان بلادنا للعديد من الندوات الدولية الهامّة في هذا المجال، وذلك ببعث مركز قرطاج لحوار الحضارات، ليكون فضاءا دوليا مفتوحا بين الأفراد والجماعات والأديان والثقافات، في هذا الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى بناء العلاقات الإنسانية على القيـم المشتركة، كالتفاهم والتسامح والتضامن، ومزيد تكريسها بين البشر كافة«. ـــــــــــــــ (*) رئيس كرسي الرئيس بن علي لحوار الحضارات والأديـان
|
|
Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture-ISESCO- 1429H/2008 |
|
Haut de la page |
| - Copyright © ISESCO 2010 - | |