Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -
Directeur Général | Education | Sciences | Culture | CPID | Coopération | Secrétariat GC & EC| Accueil | Contact

   

Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesures

Actes de la Conférence

Tunis: 15-17 Novembre 2007

 

Table de matières

الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات

ودورهما في‮ ‬مكافحة التطرف والإرهاب

الدكتور عبد الكبير العلوي‮ ‬المدغري‮(*)‬

‬بسم الله الرحمن الرحيم ‮

‬الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

حضرات السيدات والسادة،

اسمحوا لي‮ ‬في‮ ‬البداية أن أتوجه بالشكر والعرفان للبلد المضياف تونس الشقيقة رئيسا وحكومةً‮ ‬وشعباً،‮ ‬على ما لقيناه من حسن استقبال وكرم ضيافة وعلى هذه الرعاية الكريمة التي‮ ‬يحظى بها مؤتمرنا من طرف السيد الرئيس زين العابدين بن علي‮.‬

كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى الجهات الداعية لعقد المؤتمر والساهرة على نجاحه وأهنئهم على اختيار الموضوع في‮ ‬هذه الظروف التي‮ ‬تستدعي‮ ‬فعلاً‮ ‬تشاورا موسعاً‮ ‬وعميقاً‮ ‬حول معضلة الإرهاب وعلاقتها بما‮ ‬يسمى بصراع الحضارات‮. ‬وأخص بالشكر معالي‮ ‬الأخ الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري،‮ ‬المدير العام‮ ‬للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة‮.‬

وقد اخترت أن أشارك ببحث أدرج فيه فهمي‮ ‬لمكافحة الإرهاب في‮ ‬ضوء الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات،‮ ‬فأقول وبالله التوفيق‮.‬

الإرهاب جريمة عمياء وراءها عقل مظلم لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يفك ألغاز الغموض المحيط به فيندفع إلى العنف الأعمى‮.‬

فهو مظهر لحالة نفسية خاصة تعتري‮ ‬الأفراد والجماعات في‮ ‬ظروف معينة،‮ ‬إما تلقائيا أو عن طريق التأثير والتوجيه والتعبئة التي‮ ‬تقوم بها قيادة تعاني‮ ‬من نفس الحالة وتنقلها إلى الغير من أجل تفجير الوضع الذي‮ ‬تعتبره سبب معاناة مجتمعها‮.‬

وبطبيعة الحال فإن الظروف الاقتصادية والاجتماعية وكذا نوع الثقافة والتعليم والتربية التي‮ ‬يتلقاها الأفراد والجماعات لها دور كبير في‮ ‬خلق تلك الأحوال النفسية وتأجيجها‮.‬

وأحيانا‮ ‬يرجع السبب إلى مجموعة من الأوهام المتخيلة والتي‮ ‬تأخذ مكان الحقائق الثابتة،‮ ‬فيتوهم الفرد أن جماعته أو بلده ضحية مؤامرة كبرى من قوى الشر المتمثلة في‮ ‬المجتمعات الأخرى،‮ ‬وأنه وبلده مهددان بالإبادة وهيمنة الغير على خيراته وكيانه ووجوده،‮ ‬وأن لا سبيل إلى الإفلات من هذا الطوق المحكم إلا بالعنف الأعمى الذي‮ ‬لا‮ ‬يميز بين مدني‮ ‬وعسكري‮ ‬ولا بين رجل أو طفل أو امرأة ولا بين أبرياء وغير أبرياء‮.‬

وهذا ما‮ ‬يقع في‮ ‬التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة والاغتيالات و جرائم القتل الجماعي‮.‬

إن هذه الظاهرة استفحلت في‮ ‬عصرنا بشكل كبير،‮ ‬ونحن نتجه إلى محاربتها بإرادة قوية وعزم أكيد‮.‬

إلا أننا فيما‮ ‬يظهر قدمنا الأسلوب الأمني‮ ‬في‮ ‬محاربة الإرهاب وتمسكنا به أكثر مما‮ ‬يجب،‮ ‬بينما كان‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نبحث عن أساليب أخرى لأن الأمر‮ ‬يتعلق بظاهرة كبرى لها جوانب نفسية وفكرية وثقافية وتربوية واقتصادية واجتماعية وسياسية وإيديولوجية وحضارية‮.‬

إن الأجهزة الأمنية في‮ ‬مثل هذه الأحوال ورغم الإمكانات الهائلة التي‮ ‬تتوفر عليها والجهود العظيمة والتضحيات التي‮ ‬تبذلها لم تستطع منع العديد من العمليات الانتحارية والأعمال الإرهابية من الحدوث‮.‬

ولقد كانت فعاليتها محدودة في‮ ‬التدابير الاحتياطية والتوقعات ففي‮ ‬كل مرة تحصل المفاجأة في‮ ‬نيويورك في‮ ‬الدار البيضاء في‮ ‬مدريد في‮ ‬لندن في‮ ‬الجزائر في‮ ‬عمان في‮ ‬القاهرة في‮ ‬شرم الشيخ‮...‬الخ‮.‬

أما في‮ ‬العراق فرغم الآلة الأمنية العسكرية الأمريكية الجبارة فإن العمليات الانتحارية كانت وما تزال تغطي‮ ‬جميع أيام الأسبوع وتحصد المئات والآلاف‮.‬

لقد أصبح الإرهاب جريمة‮ ‬يحلو للبعض أن‮ ‬يلصقها بالإسلام والمسلمين ومن الحلول المقترحة في‮ ‬إطار محاربة الإرهاب حل المراجعة الشاملة للمقررات والكتب الدراسية في‮ ‬البلدان الإسلامية من أجل تنقيتها من النصوص التي‮ ‬فيها دعوة إلى الإرهاب أو العنف أو الجهاد أو الميز العنصري‮ ‬أو الإثني‮ ‬أو التمييز بين الرجال والنساء أو الحد من حرية العقيدة‮.‬

لقد كنت أستاذا لمادة الفقه في‮ ‬كلية الشريعة بفاس لمدة عقد من الزمن،‮ ‬وكنت أستاذا في‮ ‬قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية،‮ ‬وأشرفت وأنا وزير للأوقاف والشؤون الإسلامية على المدارس العتيقة وعلى المواد التعليمية بها وكنت أختار من طلبتها الأئمة وخطباء الجمعة والوعاظ‮.‬

وإن هذه التجربة في‮ ‬حياتي‮ ‬جعلتني‮ ‬أعيش مع النصوص الشرعية ومع الناس المتشبعين بتلك النصوص والذين‮ ‬يرتكز تكوينهم بالأساس على تلك النصوص سواء في‮ ‬القرآن أو الحديث أو كتب الفقهاء والمفسرين‮.‬

ولقد لاحظت أن كلية الشريعة وقسم الدراسات الإسلامية والمدارس العتيقة لم‮ ‬يتخرج منها إرهابي‮ ‬واحد وكان الطلبة والأساتذة أكثر الناس تشبعا بروح التسامح والتفتح وأبعد الناس عن العنف والتطرف‮.‬

واقتنعت اقتناعاً‮ ‬كاملاً‮ ‬أن المشكل ليس في‮ ‬النصوص الشرعية بل اقتنعت عن تجربة عملية عميقة أن النصوص الشرعية أجدر بتربية الإنسان على حب الخير والبر والسماحة والمودة والتعايش والتساكن والاعتراف بالآخر وإشاعة ثقافة الحوار والسلام‮.‬

نعم إن جامع القرويين قاوم الاستعمار الفرنسي‮ ‬كما قاومته الزيتونة وكما قاوم الأزهر الشريف الاستعمار الإنجليزي،‮ ‬واستطاع العلماء تعبئة الشعوب واستنهاضها للمقاومة المسلحة بواسطة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم‮.

‬وكانت ثورة الجزائر وجميع الثورات التحريرية في‮ ‬البلدان الإسلامية كانت ذات منطلقات شرعية وكان العلماء في‮ ‬طليعة بين أيديهم النصوص الشرعية الداعية للجهاد‮.‬

ولكنه جهاد مشروع من أجل الدفاع عن النفس ودفع العدوان واسترجاع الكرامة والحرية وهذا حق تمارسه جميع الشعوب‮.‬

إلا أننا لم نسجل على أي‮ ‬مسجد من تلك المساجد الكبرى ولا أي‮ ‬ثورة من تلك الثورات التحريرية ذات المرجعية الإسلامية،‮ ‬أنها دعت بعد التحرير والاستقلال إلى أي‮ ‬عنف أو إرهاب ولا أجازت ذلك لأي‮ ‬سبب من الأسباب ولا تساهلت مع الإرهابيين والمتطرفين ومرتكبي‮ ‬العدوان‮.‬

المشكل إذن ليس في‮ ‬النصوص الشرعية في‮ ‬حد ذاتها ولا في‮ ‬المؤسسات الدينية ورجالها وإنما المشكل في‮ ‬نظرنا‮ ‬يكمن في‮ ‬تسييس الدين بصفة عامة تسيساً‮ ‬إيديولوجيا ضارباً‮ ‬في‮ ‬عمق الصراع الحضاري‮ ‬وداخلا في‮ ‬المواجهة والمغالبة مع‮ »‬الاستكبار‮« ‬الغربي‮ ‬والمقاومة الشرسة للمد الحداثي‮ ‬المهدد للقيم وللدين‮.‬

وقد‮ ‬يعتقد بعض الناس أنه لا وجود لهذا الصراع ودواعي‮ ‬المغالبة والمقاومة وأن هذا من قبيل الأوهام التي‮ ‬يخلقها المتطرفون لأنفسهم ويصدقونها مثل وهم المؤامرة والمخططات الإبادية وبرامج الهيمنة والسيطرة الغربية على خيرات وأراضي‮ ‬العالم الإسلامي‮...‬الخ‮.‬

وفي‮ ‬هذا السياق‮ ‬يحلو لبعض الناس نفي‮ ‬فكرة الصراع بين الحضارات والتأكيد على ما‮ ‬يقع الآن هو التفاعل والحوار بين الحضارات وليس الصراع وقد شددوا حملة الانتقادات على‮ ‬Samwel P.Huntington‭ ‬عندما كتب كتـابـه‮ ‬le choc des civilisations‮ ‬واتهموه بالدعوة إلى تأجيج العداوة بين المجتمعات الإنسانية وتحريف مسار التاريخ‮.‬

ونرى أن الخلاف بيننا في‮ ‬هذا الموضوع خلاف لفظي‮ ‬اصطلاحي‮ ‬ولقد احتلت الولايات المتحدة أرض العراق و أسقطت نظامه وأطلقوا على ذلك اسم‮: »‬مساعدة الشعب العراقي‮ ‬في‮ ‬تطبيق الديمقراطية والتخلص من الدكتاتورية‮« ‬كما كان الاستعمار الفرنسي‮ ‬يسمي‮ ‬حملاته العسكرية الاستعمارية في‮ ‬المغرب‮ »‬تمدين الأهالي‮ ‬وتحديث البلاد‮«.‬

وكان حريا بنا أن نعبر عن‮ »‬شكرنا‮« ‬و»امتناننا‮« ‬فإذا قاومنا فنحن إرهابيون‭!!‬ ‭

‬إننا نعيش فعلاً‮ ‬عصر هيمنة الحضارة الغربية ورغبتها في‮ ‬اكتساح مجتمعنا الإسلامي‮ ‬بقيمها ومفاهيمها وفكرها وثقافتها وديمقراطيتها وحداثتها‮.‬

عن أي‮ ‬شيء تعبر معركة الحجاب؟‮!.‬

‬وعن أي‮ ‬شيء‮ ‬يعبر ما‮ ‬يسمى بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان ومنها حرية العقيدة بمفهومها الغربي‮ ‬والمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ومحو أي‮ ‬تمييز بما في‮ ‬ذلك التمييز في‮ ‬الإرث‮.‬

وعن أي‮ ‬شيء تعبر اللائكية كنظام‮ ‬يفصل الدين عن الدولة؟‭!‬

وعن أي‮ ‬شيء تعبر العولمة كمجال بلا حدود للاقتصاد والثقافة والقيم التي‮ ‬تقوم عليها الحضارة الغالية ؟‭!‬‮. ‬

عن أي‮ ‬شيء‮ ‬يعبر تقديم مساعدات مالية مهمة لكل دولة إسلامية تحذف من مقرراتها الدراسية نصوصا شرعية معينة معاكسة للمد الحداثي‮ ‬الغربي؟‭!‬‮. ‬

وعن أي‮ ‬شيء تعبر تعديلات مدونة الأسرة التي‮ ‬أصبحت تنتقل من بلد إسلامي‮ ‬إلى آخر كما‮ ‬ينتقل الظل في‮ ‬الأرض؟‭!‬‮. ‬

وعن أي‮ ‬شيء‮ ‬يعبر مشروع الشرق الأوسط الكبير؟‭!‬‮. ‬

تلك أسئلة ترتبط بأمور نحياها ونحس بها ونعانيها‮ ‬غير أن الجواب عليها‮ ‬يختلف ما بين الفكر المنفتح والفكر المنغلق‮.‬

فالفكر المنفتح‮ ‬ينظر إلى ما‮ ‬يجري‮ ‬حولنا نظرته إلى المد والجزر في‮ ‬بحر الحضارة الواسع والتدافع البناء داخل المجتمع الإنساني‮ ‬والحوار الحقيقي‮ ‬بين الحضارات والأخذ والعطاء والتسابق الشريف وكما قال تعالى في‮ ‬القرآن الكريم‮: {‬ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض‮}(‬1‮). ‬وقوله تعالى‮: {‬ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات‮}(‬2‮). ‬

ويتجه الفكر المنفتح إلى التسلح بالعلم والتكنولوجيا وامتلاك أدوات التفوق ويخوض السباق والصراع والمغالبة بإرادة وعزيمة وصبر ودون عقد ولا إحساس بالنقص،‮ ‬يواجه التحديات ويثبت ذاته دون كراهية ولا حقد،‮ ‬ولنا في‮ ‬التجربة الآسيوية خير مثال؛ ولم نتعرض نحن لقنبلة هيروشيما كما تعرضت لها اليابان ولاكتم الاستعمار أنفاسنا قرنين من الزمن كما فعل الاستعمار الهولندي‮ ‬بأندونيسيا ولا جربنا المقاومة السلبية كما فعلت الهند‮.‬

أما الفكر المنغلق فلا‮ ‬يستطيع كما قلنا آنفا أن‮ ‬يفك ألغاز الغموض المحيط به ولا أن‮ ‬يفهم فهما صحيحا ما‮ ‬يجري‮ ‬حوله فلا‮ ‬يرى في‮ ‬الأمر إلا صراعا دموياً‮ ‬لا‮ ‬يكون أحد طرفيه إلا قاتلاً‮ ‬أو مقتولاً؛ مثله مثل ذلك الأب ذي‮ ‬المدارك المحدودة والذي‮ ‬عندما‮ ‬يخبرونه بأن ابنته خرجت في‮ ‬نزهة مع أحد الفتيان لا‮ ‬ينتظر معرفة وجه هذا الخروج ولا‮ ‬يرى إلا الخطر الذي‮ ‬يهدد شرفه وشرف الأسرة فيقتل الفتاة البريئة باسم الدين والأخلاق و الشرف؟‮.‬

ما هي‮ ‬أسباب وجود هذا النوع من الفكر المنغلق الإرهابي؟‭!‬

بعض الناس‮ ‬يعللون الإرهاب بانتشار الفقر والجهل والأمية،‮ ‬إن أسامة بن لاذن ليس فقيرا ولا جاهلا ولا أميا‮!! ‬ولكنه رجل منغلق الفكر‭!‬

والانتحاري‮ ‬الذي‮ ‬فجر نفسه مؤخراً‮ ‬في‮ ‬مدينة مكناس المغربية أمام حافلة للسياح الأجانب كان مهندس دولة ويتوفر على وضع مادي‮ ‬مربح ولكنه ظلامي‮ ‬معوق نفسياً‮.‬

وهناك كثير من الشخصيات تعتبرها الأنظمة الحاكمة في‮ ‬البلدان التي‮ ‬تنسب إليها تلك الشخصيات إرهابية ولكنها ليست فقيرة ولا جاهلة ولا أمية‮.‬

وحتى في‮ ‬المجتمع الغربي‮ ‬فإن الإرهابيين والمنظمات الإرهابية مثل منظمة إيتا الباسكية وغيرها تتوفر على قيادات وعناصر لايمكن وصفها لا بالفقر ولا بالجهل ولابالأمية‭ !!‬‮.‬

ولنفرض أننا جئنا ببرنامج إنمائي‮ ‬شامل وطبقناه على مصر،‮ ‬واستطعنا محو الفقر والجهل والأمية بصفة نهائية وأصبح الشعب المصري‮ ‬يعيش في‮ ‬بحبوحة اقتصادية وازدهار ثقافي‮ ‬عام وديمقراطية كاملة،‮ ‬هل‮ ‬ينجيه ذلك من ضربات الإرهابيين من أبنائه‮.‬

إن الشعب المصري‮ ‬شعب أصيل ومتحضر ولم‮ ‬يعرف الإرهاب رغم الفقر والجهل والأمية ولم‮ ‬يعرف الإرهاب بسبب الظروف القاسية التي‮ ‬يعيشها لأن أسباب الإرهاب كما قلنا ليست هي‮ ‬الفقر والجهل والإرهاب والظروف القاسية وحدها‮.‬

إن الظروف الخارجية المحيطة بالمجتمعات الإسلامية وعدم القدرة على استيعابها والتعامل معها من طرف العديد من الجماعات ومن الأفراد من أهم الأسباب في‮ ‬نظرنا في‮ ‬وجود الفكر المنغلق المنتج للإرهاب‮.‬

هناك الاحتلال الإسرائيلي‮ ‬لفلسطين والاعتداء على حرمة المسجد الأقصى المبارك وإقدام إسرائيل على قتل الفلسطينيين،‮ ‬وهدم المنازل وقلع الأشجار في‮ ‬غطرسة تامة وعلى مرآى ومسمع من المجتمع الدولي‮ ‬بل وتشجيع ورعاية ودعم من الولايات المتحدة الأمريكية على الخصوص‮.‬

وهناك الكيل بمكيالين بالسماح لإسرائيل بامتلاك القنبلة النووية وعدم السماح بذلك لإيران‮.‬

وهناك مخاطر التقسيم الجديد وتقطيع أوصال البلاد الإسلامية في‮ ‬مشروع الشرق الأوسط الكبير‮.‬

وهناك العدوان على العراق وأفغانستان‮.‬

وهناك مظاهر أخرى للعدوان على مجتمع المسلمين وبلدانهم وإهانة رسولهم والهيمنة على خيراتهم وانعدام العدالة والإنصاف في‮ ‬التعامل الدولي‮ ‬مع قضاياهم وغير ذلك كثير‮.‬

وهذه أمور‮ ‬يتصدى لها عقلاؤنا بالحكمة والسياسة والصدر الرحب وطول النفَس رغبة في‮ ‬حقن الدماء ويقينا بأن طالب الحق لابد أن‮ ‬يصل إليه‮.‬

بينما‮ ‬يتصدى لها سفهاؤنا وذوو الفكر الضيق المحدود الأعمى بالانفعال والتوتر العصبي‮ ‬والهستيريا ويؤججون مشاعر الغضب في‮ ‬المجتمع ويجيشون الشباب من أجل حمل السلاح والقيام بالأعمال الإرهابية التي‮ ‬لا‮ ‬يقبلها دين ولا عقل ولا خلق‮.‬

والطريقة المثلى في‮ ‬نظرنا في‮ ‬محاربة الإرهاب هي‮ ‬توقيف العدوان الواقع على أمتنا والاجتهاد في‮ ‬تفهم مشاعر المسلمين والتعاون البناء مع القيادات السياسية والفكرية في‮ ‬البلدان الإسلامية على تخفيف مظاهر الصراع الحضاري‮ ‬بين الحضارات‮.‬

إن على المجتمع الدولي‮ ‬أن‮ ‬يدرك أن الإسلام دين لا‮ ‬يقهر ولكنه دين لطيف قابل للتعايش والتساكن والسلام وأن محاولة قهره تفجر البراكين وليس الأحزمة الناسفة فقط‮.‬

وإننا في‮ ‬هذا العرض إذ نقدم مقاربة في‮ ‬فهم الإرهاب وطبيعته وطريقة مواجهته ومحاربته فإننا لا نغض من شأن المقاربات الأخرى وما أدت إليه سائر الدراسات العلمية في‮ ‬هذا الباب ولا نقلل من أهمية المقاربة الأمنية ودوام اليقظة والحذر لأن الأمر‮ ‬يتعلق بأرواح الأبرياء الشيء الذي‮ ‬لا‮ ‬يسمح بأي‮ ‬تراخ أو تساهل أو تقصير‮.‬

كما أن الأفكار التي‮ ‬قدمنا لا تتضمن أي‮ ‬تبرير للإرهاب لأن الإرهاب لا تبرير له وهو فساد في‮ ‬الأرض وقد أمر الله بعقوبة من ارتكبه بأشد العقاب كما قال تبارك وتعالى‮ : {‬إنما جزاء الذين‮ ‬يحاربون الله ورسوله ويسعون في‮ ‬الأرض فسادا أن‮ ‬يقتلوا أو‮ ‬يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو‮ ‬ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي‮ ‬في‮ ‬الدنيا ولهم في‮ ‬الآخرة عذاب عظيم‮}(‬3‮).‬ ‮ ‬

وقال سبحانه فيمن‮ ‬يقاتلون النفس التي‮ ‬حرم الله‮{ ‬والذين لا‮ ‬يدعون مع الله إلها آخر ولا‮ ‬يقتلون النفس التي‮ ‬حرم الله إلا بالحق ولا‮ ‬يزنون‮. ‬ومن‮ ‬يفعل ذلك‮ ‬يلق آثاما‮ ‬يضاعف له العذاب‮ ‬يوم القيامة ويخلد فيه مهانا‮}(‬4‮).‬

وخلاصة القول أننا نرى محاربة الإرهاب بطريقتين‮ :‬

الأولى‮ : ‬القضاء على التوتر الحضاري‮ ‬الواقع بين الكتلتين البشريتين الإسلامية والغربية،‮ ‬بالتخفيف من الضغط العسكري‮ ‬المسلط على مناطق كثيرة من العالم الإسلامي‮ ‬والضغط المعنوي‮ ‬الذي‮ ‬من مظاهره العولمة والحداثة وثقافة حقوق الإنسان بمفاهيمها الغربية التي‮ ‬لاتراعي‮ ‬خصوصيات البلدان الإسلامية والضغط السياسي‮ ‬حول بعض القضايا المصيرية ومنها القضية الفلسطينية‮.‬

وأما الطريقة الثانية فهي‮ ‬تحمل النخبة الفكرية مسؤوليتها في‮ ‬تأطير المجتمعات الإسلامية تأطيراً‮ ‬يساعد على الانفتاح ويحل عقد التوتر الفكري‮ ‬الناجم عن الاصطدام الحاصل بين المفاهيم الدينية والمفاهيم الكونية للمجتمع العالمي‮ ‬الحديث‮.‬

إن على رجال الفكر والعلم والثقافة ورجال الفنون والآداب ومنظمات المجتمع المدني‮ ‬أن لا‮ ‬يستمروا في‮ ‬اعتبار الدين شأنا لايعنيهم ويستهينوا به وبأهله من المتدينين وعليهم أن‮ ‬يتناولوا قضايا المجتمع ذات الأبعاد الدينية بما‮ ‬يفتح للشباب آفاق الفهم السليم ويقرب الشقة بين الدين والمجتمع الحديث ويمد الجسور بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية في‮ ‬بوتقة الحضارة الإنسانية الجامعة‮.

وإن على رجال الفكر أن‮ ‬يعملوا على التنظير لمنظومة تربوية جديدة قائمة على تفاعل الحضارات وتقاربها وتعاونها وعلى مبادئ السلم والمحبة والاعتراف بالآخر‮.‬

وهكذا تلتقي‮ ‬جميع الجهود الفكرية والسياسية والأمنية في‮ ‬محاربة الإرهاب محاربة وقائية ومحاربة علاجية ومحاربة زجرية رسمية وشعبية وتكون النتائج محمودة بلا شك‮.‬‭ ‬

ـــــــــــــــ

(*)‮ ‬المدير العام لوكالة بيت مال القدس الشريف‮.‬

‮(‬1‮) ‬سورة البقرة،‮ ‬الآية‮ ‬251‮.‬ ‮

(‬2‮) ‬سورة البقرة،‮ ‬الآية‮ ‬148‮. ‬ ‮

(‬3) ‬في‮ ‬سورة المائدة‮ ‬33‮.‬

‮(‬4‮) ‬سورة الفرقان،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬69‭-‬68 ‬

 

   

Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture

-‬ISESCO‭- ‬1429H/2008

Untitled Document