Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

   

Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesures

Actes de la Conférence

Tunis: 15-17 Novembre 2007

 

Table de matières

ملامح مشروع حضاري‮ ‬عقلاني

لـمستقبل الشعوب العربية والإسلامية

الأستاذ الحبيب بن‮ ‬يحيى‮(*)‬

السيد رئيس الجلسة،

السادة الحضور، ‮

‬إن عقد مؤتمر دولي‮ ‬حول الإرهاب،‮ ‬كظاهرة منظمة وذات أشكال متنوعة،‮ ‬في‮ ‬هذه الظروف الدولية،‮ ‬المتسمة بتنامي‮ ‬هذه الظاهرة،‮ ‬في‮ ‬اختراق للحدود،‮ ‬وتفاوت درجات نمو المجتمعات التي‮ ‬وقعت،‮ ‬وما تزال تقع ضحيته،‮ ‬إنما‮ ‬يكتسي‮ ‬دلالات عميقة من حيث الانشغال المشروع،‮ ‬من قبل كل المجتمعات والهيآت الأممية بالإرهاب،‮ ‬وبضرورة التصدي‮ ‬له بحزم‮.‬

وإذا كان هذا المؤتمر،‮ ‬الذي‮ ‬تحتضنه العاصمة التونسية،‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬سياق مبادرة من سيادة الرئيس زين العابدين بن علي،‮ ‬تكرس ضرورة تضافر كل مكونات المجتمع الدولي،‮ ‬لاجتثاث هذه الظاهرة،‮ ‬بآليات قانونية دولية مناسبة،‮ ‬فهو سيؤكد،‮ ‬لا محالة،‮ ‬على ضرورة الاعتماد على برامج تنموية وأمنية وثقافية وطنية،‮ ‬في‮ ‬كافة المجالات،‮ ‬للنهوض بالإنسان،‮ ‬وتفويت الفرص أمام السلوكيات الإرهابية،‮ ‬كما دل على ذلك نجاح التجربة التونسية،‮ ‬التي‮ ‬عالجت الإرهاب منذ التسعينات،‮ ‬بالمقاربة التنموية الشاملة‮.‬

والأمل وطيد،‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬في‮ ‬أن تضاعف الأمم المتحدة،‮ ‬الراعية لهذا المؤتمر،‮ ‬جهودها في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬وكذلك سائر المنظمات الأممية والجهوية الأخرى،‮ ‬كمنظمة المؤتمر الإسلامي،‮ ‬ولاسيما الإيسيسكو،‮ ‬ذراعها المتميز في‮ ‬نشر ثقافة السلم والسلام،‮ ‬وتجديد نضارة إسلامنا في‮ ‬أبهى حلله،‮ ‬ونفي‮ ‬صفة الإرهاب عنه بتاتا‮.‬

ويتم ذلك بالضرورة،‮ ‬على خلفية تعطي‮ ‬الأولوية لتقصي‮ ‬جذور هذه الآفة،‮ ‬وطنيا وجهويا ودوليا،‮ ‬ورفع الخلط في‮ ‬المفاهيم،‮ ‬من خلال التصدي‮ ‬للصور النمطية،‮ ‬التي‮ ‬يتم الترويج لها‮. ‬وذلك عبر دعم حوار الأديان،‮ ‬وبلورة مفهوم تحالف الحضارات حول أهداف مشتركة،‮ ‬أساسها التكفل بالأمن والسلم،‮ ‬والرقي‮ ‬لبني‮ ‬البشر كافة‮.‬

ومما‮ ‬يشجع على هذا التمشي‮ ‬اعتماد‮ ''‬استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب‮'' ‬التي‮ ‬صادقت عليها الجمعية العامة في‮ ‬شتنبر‮ ‬2006‮ ‬،‮ ‬والتي،‮ ‬وعلى الرغم مما أثير حولها من نقاش،‮ ‬فإنها تحين الترسانة القانونية الدولية في‮ ‬هذا الشأن،‮ ‬فضلا عن إفساحها المجال لمبادرات عملية دولية،‮ ‬منها مؤتمر تونس اليوم،‮ ‬الذي‮ ‬يروم التحسيس بمخاطر الإرهاب وآلياته وخلفياته‮.‬

وإذا كان حوار الأديان وتحالف الحضارات من جملة التدابير الكفيلة بإبعاد التصادم،‮ ‬ومد جسور الفهم المتبادل،‮ ‬بين الثقافات،‮ ‬والالتقاء حول أهداف الأمن والسلم،‮ ‬وتقاسم ثمار التنمية،‮ ‬فإن إطلاق فكرة إنشاء اتحاد متوسطي،‮ ‬على ضفاف بحيرة عرفت أكثر الحضارات الإنسانية عراقة،‮ ‬إنما‮ ‬يذكي‮ ‬الأمل في‮ ‬قرب فجر جديد،‮ ‬من العلاقات على ضفاف‮ ''‬العالم القديم‮''. ‬على أمل أن‮ ‬يتم توضيح معالم هذا المشروع،‮ ‬بحيث‮ ‬يتضمن في‮ ‬أولوياته مطامحنا،‮ ‬في‮ ‬احترام هوية الآخر وحقوقه،‮ ‬والالتقاء حول المصالح المشتركة‮.

‬والأمل وطيد،‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يسفر مؤتمر أنابوليس،‮ ‬أواخر نوفمبر الجاري‮ (‬2007‮) ‬على نتائج إيجابية ملموسة،‮ ‬في‮ ‬ما‮ ‬يخص حل القضية الفلسطينية،‮ ‬وتقوية فرص التسوية‮.‬

ومن المؤمل أن‮ ‬يسهم مؤتمر أنابوليس،‮ ‬باعتباره فرصة تاريخية،‮ ‬في‮ ‬تخفيف التوترات،‮ ‬وكسر مظاهر عدم الفهم لهذه القضية العادلة،‮ ‬ولكفاح شعب فلسطين المشروع،‮ ‬قانونيا وأخلاقيا،‮ ‬للتصدي‮ ‬للاحتلال،‮ ‬وفق قرارات الشرعية الدولية‮. ‬وإذا كان أملنا وطيدا في‮ ‬تجسيم ذلك،‮ ‬فهو مطبوع بشيء من الحذر،‮ ‬إزاء الإدارة السياسية للطرف المقابل‮.‬

وهذا الحذر إنما‮ ‬يمليه‮ ''‬إرهاب الدولة‮'' ‬أو ما في‮ ‬حكمه،‮ ‬الذي‮ ‬تقترفه إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية للاحتلال،‮ ‬وذلك بالتمادي‮ ‬في‮ ‬العقاب الجماعي،‮ ‬وتصفية الزعماء،‮ ‬فضلا عن نسف مقومات عيش المواطن الفلسطيني،‮ ‬بسبب سياسات الإغلاق،‮ ‬وتغيير التركيبة الديموغرافية والعمرانية للأراضي‮ ‬العربية المحتلة‮.‬

ومهما‮ ‬يكن،‮ ‬فإن ضرورة التفرقة بين الإرهاب والكفاح المشروع ضد الاحتلال،‮ ‬والتي‮ ‬يزخر بها التاريخ المعاصر،‮ ‬كما هو الشأن بالنسبة‮ ''‬للقوى الفرنسية من الداخل‮''‬‭ ‬ FFI،‮ ‬التي‮ ‬أسسها ديغول،‮ ‬للتصدي‮ ‬للاحتلال النازي‮ ‬خلال الأربعينات،‮ ‬إنما‮ ‬يقتضي‮ ‬منا القبول بمحاذير إزاء نشر متعمد لدرجات أخرى من التنميط،‮ ‬والذي‮ ‬يتعين رفعه،‮ ‬من أجل نبذ العنف،‮ ‬كسبيل لإرساء تحالف حقيقي‮ ‬بين الحضارات،‮ ‬مبني‮ ‬على الاحترام والتعاون،‮ ‬والتنوع المثري‮ ‬للحضارة الكونية‮.‬

ومن المفارقات التي‮ ‬يتعين الوقوف عندها،‮ ‬هو عدم الاتفاق دوليا على وضع مفهوم دقيق للإرهاب،‮ ‬بسبب اختلاف الإيديولوجيات،‮ ‬رغم محاولات العديد من حكماء القانون الدولي‮. ‬ولعل المفهوم الذي‮ ‬توصل إليه أخيرا‮ ''‬فريق الشخصيات عالي‮ ‬المستوى‮''‬،‮ ‬وأمين عام الأمم المتحدة سنة‮ ‬2004،‮ ‬على خلفية ما ذهب إليه الفيلسوف‮ ‬Jacques Derrida،‮ ‬خطوة على الطريق السليم،‮ ‬وإن بدا عمليا‮ ‬يحدد مظاهر هذه الظاهرة،‮ ‬وليس مفهومها القانوني‮ ‬الجزائي‮ ‬الدقيق‮.‬

ولا خلاف،‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬على كون مفهوم‮ ''‬الإرهاب‮'' ‬تغير عبر الأزمان،‮ ‬ولاسيما من حيث الهدف‮. ‬وعلى سبيل التذكير،‮ ‬قد كان الثوريون الفرنسيون‮ ‬يستعملونه،‮ ‬أي‮ ‬الإرهاب،‮ ‬وبهذا المسمى،‮ ‬ومنذ سنة‮ ‬1794‮ ‬أثناء الثورة الفرنسية،‮ ‬وباسم أهدافها وسلطتها الجديدة،‮ ‬في‮ ‬التخلص من أعدائها‮.‬

وعلاقة بهذا التطور،‮ ‬يمكن القول أن الإرهاب ليس وليدا أو لصيقا بالإسلام والمسلمين،‮ ‬بل قاست منه كل الشعوب وفي‮ ‬مختلف الأزمنة،‮ ‬على هيأة عنف‮ ‬غير مشروع،‮ ‬يخدم قضايا تيارات‮ ‬يمينية ويسارية وفوضوية‮. ‬وقد كان وراء أزمات محلية وكونية كبيرة،‮ ‬كالحرب العالمية الأولى‮.‬

ومن مظاهر هذا الإرهاب،‮ ‬عمليات جماعة‮ ‬Meinhof Baader‭ ‬في‮ ‬السبعينات بألمانيا،‮ ‬والألوية الحمراء الإيطالية‮ ‬Drapeaux rouges،‮ ‬وفريق العمل المباشر الفرنسي‮ ‬Action Directe،‮ ‬والجيش الأحمر الياباني،‮ ‬وجماعة‮ ‬Ku Klux Klan،‮ ‬دون أن ننسى عصابات‮ ‬Irgoun‭ ‬وHaganah،‮ ‬والقائمة طويلة‮.‬

وعلى نفس الوتيرة،‮ ‬كانت الدول العربية الإسلامية،‮ ‬وما تزال ليومنا هذا،‮ ‬وخاصة دول المغرب العربي،‮ ‬ضحية وعرضة لعمليات الإرهاب الدولي‮ ‬والتطرف،‮ ‬وهي‮ ‬تقاومه بوسائل وقائية وعلاجية‮. ‬ويزداد الأمر إلحاحا،‮ ‬اليوم،‮ ‬باكتشاف شبكات إرهابية منظمة وعابرة للحدود،‮ ‬تعمل في‮ ‬الفضاء المغاربي‮.‬

وقد كانت دول اتحاد المغرب العربي،‮ ‬بصفة عامة،‮ ‬سباقة للتنديد بالإرهاب،‮ ‬في‮ ‬المنابر الجهوية والدولية،‮ ‬والدعوة للتصدي‮ ‬له عالميا‮. ‬ومبادرات تونس والجزائر،‮ ‬على سبيل المثال،‮ ‬والمؤكدة على ضرورة تعبئة المجموعة الدولية لهذا الغرض،‮ ‬تكتسي‮ ‬دلالات واضحة‮. ‬لذلك،‮ ‬قد‮ ‬يكون الوقت حان،‮ ‬للتفكير في‮ ‬استراتيجية إسلامية لمقاومة الإرهاب،‮ ‬من منطلقات متفق عليها،‮ ‬مع إشراك المنظمات الجهوية العاملة‮.‬

والغريب،‮ ‬أن تأتي‮ ‬هذه الدعوات في‮ ‬وقت آوت فيه،‮ ‬وما تزال،‮ ‬بعض الدول الغربية لبعض القيادات البارزة لهذا الإرهاب،‮ ‬ومكنتهم من تسهيــلات جمة،‮ ‬بـحجة الديمقراطية وغيرها،‮ ‬قبل أن تنقلب المعطيات،‮ ‬بسبب أحداث‮ ‬11‭ ‬شتنبر‮ ‬2001‮ ‬الأليمة،‮ ‬والمرفوضة تماما‮.‬

ومن جهة أخرى،‮ ‬لا‮ ‬يستطيع أحد أن‮ ‬ينكر،‮ ‬أن جل الحركات الإرهابية،‮ ‬أو تفريعاتها في‮ ‬يومنا هذا،‮ ‬إنما ترعرعت في‮ ‬أحضان بعض الدول النافذة،‮ ‬لما كان نشاطها ـأي‮ ‬هذه الحركات ـ‮ ‬يرجح كفة معادلات استراتيجية دقيقة لصالحها‮. ‬وسرعان ما انخرمت هذه المعادلات،‮ ‬عندما انفصم ولاء هذه الحركات للجهات التي‮ ‬سهرت على نشأتها‮.‬

ودائما في‮ ‬إطار هذا التطويع،‮ ‬تعمدت عديد من الجهات التعتيم الكلي‮ ‬أو الجزئي‮ ‬على عدة مظاهر من التطرف والإرهاب عبر العالم،‮ ‬في‮ ‬حين‮ ‬يتم تسليط الأضواء،‮ ‬وبصفة مبالغ‮ ‬فيها،‮ ‬على حوادث إرهابية،‮ ‬من صنيع فئات ضالة،‮ ‬ومعزولة في‮ ‬البلدان العربية والإسلامية،‮ ‬بنية الإساءة أو الابتزاز،‮ ‬وما إلى ذلك‮.‬

وغني‮ ‬عن القول بأن ذلك‮ ‬يسهم،‮ ‬بقدر كبير،‮ ‬في‮ ‬تغذية نزعة النمطية في‮ ‬الباطن الجماعي‮ ‬الغربي،‮ ‬والمسندة للإسلام والمسلمين،‮ ‬وبدون تحفظ أو تمييز دقيق للجزئيات،‮ ‬نزعة الإرهاب وأعمال العنف،‮ ‬باعتبارها لصيقة بالطبع،‮ ‬وبالسلوكيات العربية والإسلامية الموروثة‮.‬

وذات سياسة التطويع والتعتيم تطال ميادين الإرهاب الفكري،‮ ‬المبني‮ ‬على إقصاء الآخر،‮ ‬وتهميشه،‮ ‬بكل مكونات موروثه الثقافي‮. ‬وكذا الأمر بالنسبة للإرهاب الاقتصادي،‮ ‬الذي‮ ‬حاول تعريفه سنة‮ ‬2005‮ ''‬مركز سياسة الأمن بجنيف‮'' ‬باعتباره،‮ ''‬صنيع جماعات‮ ‬غير حكومية أو عابرة للقارات،‮ ‬تستهدف الاستقرار الاقتصادي‮ ‬أو المالي‮ ‬لدولة أو لمجتمع ذي‮ ‬توجيهات معينة،‮ ‬وذلك لأغراض تتصل بالدين أو الإيديولوجيات‮''.‬

وقد لا‮ ‬يكون هذا العرض شافيا،‮ ‬لو لم نتطرق إلى ظاهرة التعتيم المتعمد،‮ ‬أو عدم القدرة على اختراق الجهات المستفيدة ماليا،‮ ‬من ترويج الأسلحة والعتاد على الجماعات ‮ ‬الإرهابية،‮ ‬والتي‮ ‬غالبا ما تفق وراءها مركبات صناعية ـ عسكرية ذات نفوذ واسع،‮ ‬وتراهن على بقاء بؤر التوتر،‮ ‬وعلى استمرار الأعمال الإرهابية ذات العلاقة‮.‬

وقد‮ ‬يشتد الأمر خطورة،‮ ‬إذا ما تطور طلب الجماعات الإرهابية،‮ ‬بفعل تنامي‮ ‬قدراتها المالية ذات المصادر المشبوهة،‮ ‬على أسلحة فتاكة من نوع آخر،‮ ‬كالأسلحة النووية أو الفيروسية أو الغازية‮. ‬ولعل نشر جماعة‮ ‬Aum shinrikyo‭ ‬لغاز‮ ‬sarin‭ ‬في‮ ‬مترو طوكيو سنة‮ ‬1995‮ ‬والذي‮ ‬خلق‮ ‬10‮ ‬قتلى و5‮ ‬آلاف جريحا،‮ ‬أسوء مثال لهذا الخطر الإرهابي‮ ‬الممكن جدا،‮ ‬وبأساليب أكثر تطورا وفتاكا‮.‬

كل ذلك،‮ ‬بالإضافة إلى المخاطر الحقيقية من إرهاب معلوماتي‮ ‬cyberntique،‮ ‬يمس الشبكات العالمية للمعلومات،‮ ‬في‮ ‬وقت تتهيأ فيه الفرص،‮ ‬أكثر فأكثر،‮ ‬لنشر مجتمع المعلومات في‮ ‬العالم بأسره،‮ ‬ولاسيما في‮ ‬العلاقات الاقتصادية والمالية،‮ ‬ومعطيات الأمن والرحلات،‮ ‬إلى ذلك من مظاهر الحياة في‮ ‬القرن الحادي‮ ‬والعشرين‮ : ‬قرن المعلوماتية

وبصفة عامة،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تدفع فيه الأحداث،‮ ‬وكذلك جهات مروجة،‮ ‬وبصورة مغرضة ومبالغ‮ ‬فيها،‮ ‬للإرهاب كلصيق للإسلام،‮ ‬فإنه أصبح لزاما علينا اليوم،‮ ‬كمجموعة مغاربية وعربية وإسلامية،‮ ‬العمل سويا على وضع استراتيجية إعلامية ثقافية شاملة‮.‬

وترمي‮ ‬هذه الخطة بالأساس،‮ ‬إلى التفرقة بين الإسلام،‮ ‬كسلم قيم‮ ‬يرقى إلى المفاهيم الكونية،‮ ‬وبين بعض الممارسات السياسية للمسلمين عبر الأزمنة والأسقاع،‮ ‬والتي‮ ‬يتعين أن لا تقوم،‮ ‬بأي‮ ‬حال من الأحوال،‮ ‬مقياسا للحكم على دين سماوي،‮ ‬أشاع للإنسانية مجددا مفاهيم،‮ ‬الحبة والعدل والتسامح والعمل،‮ ‬فضلا عن عبادة الخالق الأوحد‮.‬

وكان إسلامنا،‮ ‬وراء حضارة عريقة،‮ ‬ساهمت في‮ ‬الإرث الإنساني‮ ‬الكوني،‮ ‬بإضافات في‮ ‬كل من المجال الفكري‮ ‬والسياسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والفني‮. ‬وهي‮ ‬مازالت واضحة المعالم ليومنا هذا،‮ ‬وتؤهلنا لمرحلة جديدة،‮ ‬أساسها تحالف الحضارات،‮ ‬والحوار بين الأديان،‮ ‬كجسر ضروري‮ ‬لتنحية كل مظاهر سوء الفهم،‮ ‬والانغلاق،‮ ‬وإقصاء الآخر‮. ‬والعمل الإشعاعي‮ ‬لمنظمة الإيسيسكو اليوم في‮ ‬هذا المجال‮ ‬يذكر فيشكر‮.‬

ويقع،‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬على الغرب واجب الانفتاح على حضارتنا وتفهمنا في‮ ‬أبهى حللها وعصورها،‮ ‬مع تقدير الجهود الحالية لاستعادة نضارتها‮.‬

وكخطوة ضرورية لبناء الجبهة الداخلية لمجتمعاتنا ربما‮ ‬يكون من المفيد التفكير،‮ ‬في‮ ‬وضع ملامح مشروع حضاري‮ ‬عقلاني،‮ ‬لمستقبل الشعوب العربية والإسلامية،‮ ‬مع مراعاة الخصوصيات طبعا‮. ‬وذلك عوضا عن‮ ‬غلق الباب أمام الحداثة والانطواء الثقافي،‮ ‬وتمجيد الماضي،‮ ‬ضمن مفاهيم متجاوزة،‮ ‬ومن المفروض أن تكون في‮ ‬تطور دائم‮.‬

ولعل إعادة الإمعان في‮ ‬المخزون الفكري‮ ‬الإسلامي‮ ‬العقلاني،‮ ‬من أيام المعتزلة،‮ ‬وإخوان الصفاء ومفكري‮ ‬الأندلس،‮ ‬وعلى رأسهم ابن خلدون وابن رشد،‮ ‬إلى رواد الإصلاح في‮ ‬القرن الماضي‮ ‬والحالي‮ ‬في‮ ‬المغرب العربي‮ ‬ومشرقه،‮ ‬من شأنه أن‮ ‬ينير السبيل أمام مقومات المشروع الحضاري‮ ‬المرتقب‮.‬

ومن الضروري‮ ‬أن‮ ‬يتم توظيف ذلك،‮ ‬في‮ ‬المناهج الدراسية على مختلف المستويات،‮ ‬بالإضافة إلى شذرات من التفكير العالمي‮ ‬الحديث،‮ ‬باعتبارها كفيلة بترويض العقليات الشابة على أساليب النقد والتمييز العقلاني،‮ ‬كما تؤهل كهل المستقبل للتعاطي‮ ‬بندية مع المخزون الثقافي‮ ‬العالمي،‮ ‬على أرضية من القواسم المشتركة والفهم المتبادل،‮ ‬عوضا عن التقابل والتصادم،‮ ‬ومحاولة إقصاء الآخر،‮ ‬بالإرهاب وغيره‭.‬ومن المتفق عليه،‮ ‬من جهة أخرى،‮ ‬إن أنجح السبل لمقاومة الإرهاب،‮ ‬وعلى مدى الطويل،‮ ‬ترسيخ ثقافة السلام عند كل الأطراف وبدون استثناء،‮ ‬مثل الابتعاد عن مسببات التوتر،‮ ‬والشعور بالظلم الناجمة عن الاحتلال،‮ ‬وسياسات الكيل بمكيالين،‮ ‬وهضم حقوق الشعوب،‮ ‬والنزعة نحو الأحادية‮ (‬emsilartalinu‮)‬،‮ ‬وتغليب منطق الأقوى في‮ ‬العلاقات الدولية،‮ ‬عوضا عن إعلانها حربا نظامية‮ ''‬استباقية‮''‬،‮ ‬ضد أعداء‮ ‬يعملون في‮ ‬الخفاء،‮ ‬وقادرين على كسب الحروب‮ ‬غير التناظرية‭.(‬guerres asymtriques‭) .

‬وتأسيسا على ذلك،‮ ‬وفيما‮ ‬يخص مجتمعاتنا الإسلامية،‮ ‬قد‮ ‬يكون من الحكمة الحد من تأويل الآيات القرآنية الجهادية،‮ ‬بحيث توضع في‮ ‬إطارها المناسب من أسباب النــزول،‮ ‬وتغليــب المنطق السلمي،‮ ‬لديننا الحـنيف‮. ‬وفي‮ ‬هذا السيـاق،‮ ‬يفيــدنا معـجم‮ ''‬عبد الباقي‮'' ‬بورود الآية‮ ‬47‮ ‬في‮ ‬القرآن الكريم،‮ ‬تشجع على السلم والسلام،‮ ‬وفي‮ ‬ذلك أكثر من مغزى‮.‬

وذات الحذر،‮ ‬يتعين أن‮ ‬يساير كل ما‮ ‬يقال بشأن‮ ''‬الفريضة الغائبة‮'' ‬أي‮ ‬الجهاد لدى البعض،‮ ‬من حيث المجالات والمسوغات والآمرين به،‮ ‬وعلاقة ذلك بالسلط الوطنية،‮ ‬باعتبارها ولية الأمر والطاعة‮.‬

ومن جهة أخرى،‮ ‬فإن من أسباب تنامي‮ ‬الإرهاب في‮ ‬بعض مناطق العالم،‮ ‬استفاقة نزاعات طائفية،‮ ‬أو دينية قديمة‮. ‬فتعزيز السلم الدولي‮ ‬يقتضي،‮ ‬سواء من سلط البلد الواحد أو دول الجوار أو القوى الخارجية،‮ ‬عدم تأجيج هذه الفتن،‮ ‬سعيا للتأثير على موازين القوى الداخلية أو والإقليمية،‮ ‬ونظامنا العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬يشكو من هذه الظاهرة،‮ ‬التي‮ ‬يتطلب القضاء عليها إرادة سياسية مشتركة،‮ ‬لأطراف النزاع،‮ ‬والفرقاء الأجانب‭.‬

ومهما‮ ‬يكن من أمر،‮ ‬فإن تنامي‮ ‬ظاهرة الإرهاب ومسبباتها في‮ ‬مجتمعاتنا على الأقل،‮ ‬واعتمادها على الشباب بالأساس،‮ ‬مع تفشي‮ ‬ظاهرة التجنيد الإيديولوجي،‮ ‬والعمليات الانتحارية بواسطة الأحزمة الناسفة مؤخرا،‮ ‬والغلو في‮ ‬طلب الموت،‮ ‬يدعونا حول الأسباب المتنوعة لهذا السلوك،‮ ‬المضحي،‮ ‬في‮ ‬آخر المطاف،‮ ‬بالنفس‮.‬

وذات السيناريو‮ ‬يطبق على المهاجر السري،‮ ‬الذي‮ ‬يغامر فوق قوارب الموت للوصول على ضفاف الجنة‮ (‬أوروبا‮). ‬وغالبا ما تنتهي‮ ‬مغامرته بفواجع‮. ‬فكلا الحالتين ربما‮ ‬يقف وراءهما احتدام اليأس من الواقع المعيش والتعلق بأهداب‮ ‬eldorado،‮ ‬غير مؤكد الوصول إليه‮.‬

ومن هنا تكمن أهمية الحوار الحضاري،‮ ‬وفي‮ ‬شقه الاقتصادي،‮ ‬والتنموي‮ ‬مع التجمعات المحيطة‮. ‬وعلى رأسها أوربا،‮ ‬للقضاء،‮ ‬عبر مشاريع اقتصادية مشتركة،‮ ‬على هذا اليأس المشجع لفرص التغرير بهذا الشباب،‮ ‬والزج به في‮ ‬مغامرات إرهابية ذات إيديولوجيات هدامة،‮ ‬أو تلقي‮ ‬به فريسة لجماعات إرهابية إجرامية منظمة،‮ ‬تحترف التمرير‮.‬

وأمام هذه الظاهرة،‮ ‬فإن الالتزام بتعهد مشاغل الشباب المشروعة،‮ ‬تكوينا وعملا وصحة واستقرارا،‮ ‬كفيل بأن‮ ‬يعيد لديه بواعث الأمل،‮ ‬على أساس التمتع بالمواطنة الكاملة،‮ ‬والمشاركة في‮ ‬الخيارات الوطنية،‮ ‬وفي‮ ‬ذلك تفويت لفرص الجموح نحو التطرف،‮ ‬والإرهاب والأعمال اليائسة‮.‬

وقد تفطنت دول اتحاد المغرب العربي‮ ‬لهذه المعضلة‮. ‬فعلاوة على مساعيها الوطنية في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬فقد جعلت من مشاغل الشباب،‮ ‬بنداً‮ ‬قارا في‮ ‬جدول أعمال كل المجالس الوزارية القطاعية‮. ‬ودخل الاتحاد مؤخرا‮ (‬نوفمبر‮ ‬2007‮) ‬في‮ ‬مفاوضات أولية،‮ ‬مع الاتحاد الأوروبي‮. ‬لتفعيل الحوار المغاربي‮ ‬الأوروبي‭.‬

وسيقوم ذلك خير شاهد على إعطاء مضامين ملموسة للحوار بين الحضارات،‮ ‬والتعاون بين التجمعات الجهوية المتجاورة،‮ ‬في‮ ‬سبيل تحصين الأمن،‮ ‬وتحقيق التنمية المشتركة وحسن الجوار،‮ ‬ليصدق قوله تعالى،‮ ‬وهو خير القائلين‮ {‬يا أيها الناس،‮ ‬إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلــناكم شعوبا وقـبائل لتعارفوا،‮ ‬إن أكرمكم عند الله أتقاكم‮}. ‬صدق الله العظيم‮.‬ ‮

‬وشكراً‮ ‬على حسن الإنصات‮.‬

ـــــــــــــــ

(*)‮ ‬‮أمين عام اتحاد المغرب العربي‮.‬ ‬

 

   

Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture‭

-‬ISESCO‭- ‬1429H/2008

Untitled Document