Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

   

Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesures

Actes de la Conférence

Tunis: 15-17 Novembre 2007

 

Table de matières

ذهان القوة وقوة المعرفة ‮

(‬بحث في‮ ‬الصراع بين الإرهاب والعلم‮)‬

د‮. ‬كمال عمران‮(*) ‬

ذهان القوة تعبير تخيرناه من المعجم الطبي‮ ‬إذ الذهان‮( ‬بضم الذال‮) ‬على وزن فعال وهي‮ ‬من المصادر الراجعة إلى المصطلحات المحيلة إلى الأمراض كزكام وصداع وقلاب وصدار‮ ...‬فالذهان حال مرضية تمس الذهن فتعتريه مظاهر الخلل بالتفريط أو بالإفراط وهما من المعجم الذي‮ ‬أضل قديما وحديثا عن الاعتدال والتوسط‮. ‬وإن الصلة بين الذهان والتفريط قائمة على معنى الجهل الأول ومقتضاه التفريط في‮ ‬ميزان العقل والصلة بين الذهان والإفراط تستند إلى المعنى المتصل بالتهاون في‮ ‬قيمة الشجاعة بوصفها الاعتدال في‮ ‬القوة الغضبية الحيوانية فالجهل هنا إنما هو البطش بما فيه من معاني‮ ‬العنف والتهور‮. ‬فالإرهاب من هذه الناحية‮ ‬يمتلك زمام الذهان والذهان قائم على الجهل بمعنى التخلف في‮ ‬المعرفة والانطلاق من التقليد بما هو أخذ عن الرجال دون حجة أو دليل من القرآن والسنة من جهة أولى وعلى الجهل بما هو عنف وبطش وتصرف‮ ‬ينشر الرعب فوق الأرض من جهة أخرى‮.‬

‬في‮ ‬محاولة تعريف الإرهاب‮.‬

إذا أغضينا النظر عن المهادنة الممكنة بين بعض الاتجاهات السياسية والتعامل مع الإرهاب ثم الانقضاض عليه بعد أن تتيقن من المضار الناجمة عنه فإنّ‮ ‬أبرز ما به نسعى إلى تعريف الإرهاب ما‮ ‬يلي‮ :‬

جاء في‮ ‬مقال لجاك دريدا‮ ‬Jacques Drida‮ ‬الفيلسوف الفرنسي‮ ‬تعريف أثير للإرهاب نتعامل معه على قاعدة التفكيك‮.‬ ‭

*‮ ‬الإرهاب مرجعية ضد الحياة البشرية بالقياس إلى كسر القوانين وتجاوزها تجاوزا فظيعا سواء منها ما هو على الصعيد الوطني‮ ‬أو الكوني‮.‬ ‭

‬* ‬الإرهاب إنما هو جريمة على المستوى المدني‮ ‬والعسكري‮ ‬وإن ضحايا الإرهاب من المدنيين بالدرجة الأولى‮.‬ ‭

‬*‮ ‬إنما الإرهاب ذو علاقة بالغائيات السياسية وهي‮ ‬تنعكس في‮ ‬الحرص على التأثير في‮ ‬النظام القائم أو في‮ ‬العمل على تغييره وذلك بإرهاب المواطنين من المدنيين بصورة واضحة‭.‬

ويجدر التمييز في‮ ‬سياق التعريف للإرهاب بين المستوى النضالي‮ ‬والمستوى الذي‮ ‬يقتضي‮ ‬استعمال العنف باطلاً‮ ‬ودونما مراعاة للقوانين وللأعراف الدولية‮. ‬على أن الوشيجة التي‮ ‬يحسن الانتباه إليها إنما تكمن في‮ ‬كون الحرب بما هي‮ ‬صراع دموي‮ ‬يضمن أسسا ومبادئ نصت عليها لوائح الأمم المتحدة وانتهت إلى تحديد ما‮ ‬يشين من المبالغات في‮ ‬الاعتداء على العدو‮ ‬في‮ ‬حالة الحرب‮ ‬تحت مسمى‮ ''‬جريمة الحرب‮ '' ‬وذلك في‮ ‬ضوء الإحالة إلى الفرق بين جريمة الحرب التي‮ ‬يعاقب عليها القانون الدولي‮ ‬وتتحمس الدول لإدانتها من ناحية والعمل الإرهابي‮ ‬الذي‮ ‬تتفق كل المواثيق الدولية وكل المنظمات العالمية وكل الحوافز الأخلاقية على التشهير به واعتباره أعظم شبهة تمس حياة الإنسان وتعمل على تهديده في‮ ‬عمق وجوده‮. ‬والوجه عند المقارنة بين جريم الحرب والإرهاب اعتبار الإرهاب عملا خارجا عن القوانين الدولية‮.‬

وينضاف إلى التعريف الذي‮ ‬اقترحنا من جاك دريدا تعريـف آخـر اتفق عليـه عدد من الشخصيات العالمية المحيطة بالأمانة العامة للأمم المتحدة ومقـتضاه أن الإرهاب‮: ‬ ‭

*‮ ‬كل نشاط‮ ‬يحمل‮ ‬غاية تتمثل في‮ ‬اغتيال أناس أبرياء أو في‮ ‬ألحاق الضرر بهم عبر الجروح البليغة وهم أناس من المدنيين أو لنقل هم أناس من‮ ‬غير المقاتلين وهي‮ ‬غاية تسعى إلى إحراج الناس وإلى الضغط على الحكومات بأن تتخذ موقفا ما أو بإكراهها على التعامل مع الأوضاع تعاملا‮ ‬يخضع للمآرب الإرهابية‮.‬ ‮ ‬

ثمة أنواع ثلاثة من الإرهاب‮.‬

1‮. ‬الإرهاب الفردي‮ ‬وهو نابع عن نشاط مفعم بالتمرد أو بالانتفاضات‮.‬

2‮. ‬الإرهاب المنظم وهو تابع لظهور إيديولوجيات نابذة للنظم القائمة بالعنف‮.‬

3‮. ‬الإرهاب الراجع إلى الدولة‮. ‬وقوامه على التسلح بالقوة بدل الديمقراطية وبظلم الإنسان بدل حقوق الإنسان‮.‬

نحن نسعى إلى أن نتعقب الإرهاب المنظم وهو سوق نافقة للنوع الأول من الإرهاب‮. ‬ولن نذهب بعيداً‮ ‬في‮ ‬سبر أغوار أنماط الإرهاب خارج جغرافية الكون الإسلامي‮ ‬إذ إنّ‮ ‬ما‮ ‬يشدنا إنما هو المحيط الإسلامي‮ ‬لما طرأت على أهله من انحرافات شرعت للتصرف وللتشدد ومهدت لظهور جيوب من الإرهاب لافتة‮. ‬والمنطلق في‮ ‬التحليل راجع إلى الجهل الذي‮ ‬أطلقنا عليه عبارة ذهان القوة‮.

الأسباب الدافعة إلى الإرهاب

قد نتصور أن التفاوت في‮ ‬الإمكانات المادية س أبرز الدوافع إلى الإرهاب وقد‮ ‬يكون هذا السبب موضوعيا إلا أنه نسبي‮. ‬فقد وجدنا من المتخرجين من الكليات العلمية والأدبية ما‮ ‬يفند الزعم الذي‮ ‬يكتفي‮ ‬عند التحليل بالدافع المادي‮. ‬والرأي‮ ‬عندنا أن الجهل بدفتيه هو العامل الرئيسي‮ ‬لدفع أنصار الإرهاب إلى التمسك بأعتابه سواء لحالات مرضية لها علاقة بعلم النفس أو لحالات الجهل المدقع بحقيقة الدين ولنا أن نضع عددا من العناصر التي‮ ‬انتقيناها دون‮ ‬غيرها‮ ‬وإن كان لغيرها من الأهمية ما‮ ‬يقتضيه سياق آخر من البحث ـ في‮ ‬هذا السياق‮ :‬ ‮

(‬1‮)‬ ‭ ‬

* ‬الجهل بالقرآن والعلوم الراجعة إليه‮.‬ ‭ ‬

* ‬الجهل بالخطاب القرآني‮ ‬وما‮ ‬يقتضيه من الاجتهاد في‮ ‬التماس عجائبه ولا مناص من الأخذ بالعلوم المتطورة للنهل من تلك العجائب‮.‬ ‭

*‮ ‬الافتقار إلى تفسير معاصر للقرآن لا‮ ‬يصنف فيه رجل من رجالات العلم بل مجموعة من أهل الاختصاص الراجع إلى اهتمامات القرآن من لغويات ولسانيات وعلوم صحيحة وعلم اجتماع وعلم نفس وانتروبولوجيا وفلسفة وما إلى ذلك مما‮ ‬ينطوي‮ ‬عليه القرآن من العبارات أو من الإشارات‮.‬

‮(‬2‮)‬ ‭

* ‬الجهل بالسنة وبالحديث أو تأولهما تأويلا‮ ‬ينبني‮ ‬على الجهالة‮.‬ ‭

‬*‮ ‬الجهل بسماحة النبي‮ ‬؟ والنهل من سيرته العطرة‮.‬ ‭

*‮ ‬الجهل بما السنة من مرجعية تلازم القرآن وقد ذهب القرطبي‮ ‬إلى القول إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن‮.‬ ‭

* ‬الجهل بالفواصل التاريخية التي‮ ‬تجعل الشرع شرعا ثابتا وتجعل أمور الدنيا متكيفة بمقتضى التطور‮.‬

‮(‬3‮)‬ ‭

‬*‮ ‬الجهل بالفقه بما هو أحكام قامت على ما هو‮ ‬يقيني‮ ‬وما هو ظني‮.‬ ‭

‬* ‬التعامي‮ ‬عن الدور الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يضطلع به الاجتهاد في‮ ‬الحدود التي‮ ‬وضعها له أهل الورع من الفقهاء‮.‬ ‭

*‮ ‬الإغضاء عن العقلية التي‮ ‬كان عليها المشرعون الأوائل وفد تميزت بالانفتاح‮.‬ ‭

* ‬فض منهجية الاختلاف وقد بدأت على الرحمة ونشر قيمة المغايرة في‮ ‬أمور الدين‮ (‬حق أهل الكتاب في‮ ‬إتباع عقائدهم‮) ‬والدنيا‮ (‬الأخذ عن العلوم وعن المعارف التي‮ ‬أنتجها أهل الثقافات المختلفة وبها أثرت الثقافة الإسلامية‮).‬ ‮

(‬4‮)‬ ‭

‬*‮ ‬الجهل بحقيقة العصر‮.‬ ‭

* ‬وآية الجهل التعامل مع‮ ''‬الآخر‮'' ‬على قاعدة العداء والتباين‮.‬ ‭

*‮ ‬التنكر لتاريخ الأفكار وهي‮ ‬في‮ ‬السياق الإسلامي‮ ‬كأنها مالت إلى الانحراف فقد بدأت بالاجتهاد مع النبي‮ ‬؟ والصحابة والتابعين وتابعيهم فكانت العلاقة بين المسلمين وغيرهم قائمة على أهل الإجابة وأهل الدعوة وليس في‮ ‬العلاقة من مظاهر العداء أو العنف أو المكابرة ثم تحولت العلاقة بعد طغيان التقليد إلى دار الإسلام ودار الكفر أو إلى دار الهلال ودار الصليب والصلة العدوانية في‮ ‬هذا السياق واضحة وهي‮ ‬الغذاء لأهل الإرهاب وللمتعطشين للدماء باطلا‮. ‬وما القول عندما تغيرت المركزية من دار الإسلام إلى دار أوروبا فأضحت دار الإسلام دارا للتخلف ودار أوروبا وقد أصبحت دارا للتقدم؟ أليس في‮ ‬التغير من هذا القبيل دافعا إلى طلب النهوض والوعي‮ ‬المعرفي‮ ‬لا إلى مواجهة أهل التقدم ـ مهما كانت نواياهم ومهما كانت مواقفهم من الإسلام والمسلمين ـ أليس الأصل في‮ ‬أن تجاري‮ ‬القدامى وقد أخذوا العلوم والمعارف وهم في‮ ‬موقف قوة وما الحال والمسلمون اليوم في‮ ‬موقف خصاصة معرفية فظيعة؟‮.‬

هذه الخطوط الكبرى لبحث سنسعى إلى أن نتوسع فيه لاحقا فما هي‮ ‬قوة المعرفة في‮ ‬مواجهة ذهان القوة؟‮.‬

إن أبرز ما به نرى وجها للمواجهة وضمن مقتضيات المعرفة على النسق المعاصر إنما هو الحوار‮. ‬فكما جعلنا الذهان عبارة جامعة تحيل إلى الإرهاب نجعل عبارة الحوار جامعة للمعرفة ويقتضي‮ ‬التعرض لخصائص الحوار‮ ‬معرفيا ـ‮ ‬الوقوف عند أوجه الصدام بين الطرفين‮.‬

الحوار‮: ‬

مرّ‮ ‬الحوار بمراحل عديدة نكتفي‮ ‬بذكر اثنتين منها‮ :‬

المرحلة الأولى وهي‮ ‬الحوار القائم على تبادل المعارف واستفادة الحضارات بعضها من بعض‮. ‬فرغم النزوع إلى الصراع والإسراع إلى الغلبة والقهر،‮ ‬فإنّ‮ ‬المجتمعات قديما أدركت في‮ ‬مراحل متقطعة أنّ‮ ‬التعاون والتعامل بالأخذ والعطاء سبيل إلى بلوغ‮ ‬الغاية من الحياة البشرية‮. ‬ويجوز أن نقول إنّ‮ ‬التوتر في‮ ‬العلاقات والعداوات المنتشرة لم تستطع أن تحجب ضرورة التواصل بين الحضارات‮. ‬ويمكن أن نضرب مثلا ما عرفته الحضارة العربية الإسلامية في‮ ‬عاصمتين لهما كبيرتين هما دمشق في‮ ‬مرحلة أولى وبغداد في‮ ‬مرحلة ثانية‮.‬

كانت الحضارات المتاخمة للجزيرة العربية وللحضارة العربية الناشئة مختلفة‮. ‬حضارة اليونان وقد عرفت بالفلسفة والعلوم وحضارة الهند وقد عرفت بالحكمة وحضارة الفرس وقد عرفت بالسياسة وحضارة الروم وقد عرفت بالقوة العسكرية وحضارة الأحباش وقد عرفت باللاهوتية‮. ‬كل هذه الحضارات اجتمعت في‮ ‬دمشق ثمّ‮ ‬في‮ ‬بغداد وأفضى فيها الاحتكاك بين هذه الأجناس إلى ما‮ ‬يصطلح عليه بالتوليد العقلي‮ ‬فتطوّرت‮ ‬المعارف والعلوم ويكفي‮ ‬أن نشير إلى أنّ‮ ‬الحضارة العربية الإسلامية هي‮ ‬التي‮ ‬اكتشفت الصفر في‮ ‬الأعداد ووضعت اللغريتم‮ ‬Logarithme‭ ‬‮(‬وهي‮ ‬نقل محرف للخوارزمي‮) ‬في‮ ‬علم الرياضيات فتغيّرت أنساق العلوم تغيّرا مذهلا‮. ‬ولم تبخل هذه الحضارة بما اكتشفت بل نشرته وجعلته ذا بعد إنساني‮.‬

وكانت القيروان عاصمة البلاد التونسية الأولى في‮ ‬ظل‮ ‬الثقافة العربية الإسلامية مركز إشعاع المغرب العربي‮ ‬وعلى أفريقيا ما تحت الصحراء وعلى اسبانيا وخاصة منها الأندلس‮. ‬وانتشرت من القيروان حضارة عظيمة فتحت على الأندلس فتوحات علمية في‮ ‬الفلك والطب والبيطرة والجبر والهندسة والمناظر‮(‬Optique‮) ‬حتى أصبح أهل الأندلس علماء فاكتشفوا الدورة الدموية وطرقا في‮ ‬الزراعة متطورة وكانت الأندلس بوابة المعرفة والعلم التي‮ ‬نبهت أوروبا للعلم والمكتشفات‮. ‬فكانت تونس والقيروان العاصمة في‮ ‬تلك الفترة التي‮ ‬عاشت فيها أوروبا القرون الوسطى تعيش فترة من العلم زاهية متقدمة وهي‮ ‬لم تبخل به لنفسها بل نشرته واعتبرت أن نتاج الحضارة حق للإنسانية برمتها‮.‬

وقد كانت هذه القاعدة من الأسباب المفضية إلى النقلة الابيستمولوجية كما اصطلح عليها في‮ ‬النهضة الحديثة عندما انتقلت الحضارة من الشرق إلى الغرب‮.‬

كان الحوار في‮ ‬أغلب المراحل القديمة مفاوضات أو معاهدات تعقد بين المتخاصمين أو صفقات تبرم بين المجتمعات من أجل المصالح‮.‬

المرحلة الثانية هي‮ ‬التي‮ ‬نشأت عن تطوّر الذهنيات بحكم المكتشفات العلمية وآثارها الاقتصادية والسياسية‮. ‬فلم‮ ‬يعد من الممكن الاكتفاء بحوار المصالح الظرفية بل ظهرت الحاجة إلى حوار المصالح الاستراتيجية وقد تطوّرت دلالة الحوار ووظائفه ويمكن أن نشير إلى عدد منها إلحاحا على الفائدة المرجوة‮.‬

لعل أبرز عامل من عوامل تطوير معنى الحوار ما طرأ على اللغة من تغيّرات أخرجتها من كونها أداة ووسيلة إلى كونها فعلاً‮ ‬وخلقاً‮.‬

فقد جعلت اللسانيات وما انبثق عنها من مداخل في‮ ‬التعامل مع اللغة الكون اللغوي‮ ‬رؤية للعالم وللإنسان‮. ‬وحظي‮ ‬الحوار بهذه التحولات في‮ ‬المستوى اللغوي‮ ‬بعناصر فاعلة أكسبته طاقة على مزيد التواصل بين البشر وعلى الإقناع بضرورة التعامل بين الحضارات تعاملا علميا مستفيدا من‮ ''‬الثورة‮'' ‬اللسانية التي‮ ‬حررت العقول ولم تكتف بتحرير الألسنة‮.‬

ومن عوامل تطوير الحوار الفلسفة الحداثية التي‮ ‬خرجت عن طريقة في‮ ‬التفكير كانت تسعى إلى‮ ''‬الماهية‮'' ‬أي‮ ‬إلى جوهر الأشياء وبواطنها وانتقلت إلى البحث في‮ ‬العلاقات الرابطة بين الظواهر بمنطق النسبية لا الثبوت والإطلاق‮. ‬لقد أفاد الحوار من هذه الزوايا الجديدة التي‮ ‬أبطلت معاني‮ ‬الانغلاق والإقصاء والرفض فغيّرت من نسيج العلاقة‮ ‬بين الأفراد والمجتمعات والبلدان والحضارات‮. ‬ولئن كان صحيحا أن رواسب الماضي‮ ‬القائمة على التناحر والهيمنة تظهر من حين إلى آخر وأن علامات السيطرة وفرض الأفكار والطرق لم تزل زوالا واضحا،‮ ‬فإن الأرضية المتوفرة في‮ ‬هذه السنوات الأولى من القرن الحادي‮ ‬والعشرين تشجع المؤمنين بالسلم والأمن في‮ ‬العالم كما تحث الأكاديميين الملتزمين بالعلم والمعرفة كما تدفع المنظمات والجمعيات العالمية إلى استثمار الفرصة وإثراء الحوار بين الحضارات‭.‬

وما‮ ‬يفصل بين نوعي‮ ‬الحوار،‮ ‬حوار المصلحة الظرفية وحوار المصلحة الاستراتيجية،‮ ‬أي‮ ‬بين حوار العلاقات الموروثة القديمة وحوار العلاقات الجديدة،‮ ‬طريقة ومنهج وعلم تتلخص في‮ ‬الحجاج‮ ‬Argumentation‮.‬

وليس الحجاج هنا الجدل أو السجال إنّه علم موضوع‮ ‬يجعل الحوار بين الأطراف قائما على قواعد علمية هي‮ ‬كالبلاغة الجديدة في‮ ‬الكلام بين البشر في‮ ‬العصر الراهن‮.‬

وما‮ ‬يميّز الحوار في‮ ‬الدلالة الحداثية هو الانطلاق من مبدإ هو أنّ‮ ‬الحقيقة مبثوثة في‮ ‬أجزاء مختلفة وأنّها موجودة بنصيب عند أهل الحضارات المتنوعة وأنّ‮ ‬التآزر والتعاون هما اللذان‮ ‬يؤديان إلى الانتفاع بأكثر نصيب منها‮.‬

على هذا الأساس نتبين أنّ‮ ‬مفهوم الحضارة‮ ‬يستند إلى الأرضية المعرفية وأنّ‮ ‬مفهوم الحوار‮ ‬ينتمي‮ ‬إلى البعد العلمي‮ ‬وأن الربط بينهما‮ ‬يستدعي‮ ‬الانطلاق من المنهجية السليمة‮.‬

وعلى هذا الأساس أيضا‮ ‬يمكن الإفادة من حوار الحضارات لأنّ‮ ‬معظم البشر‮ ‬يفضلون الحوار على الصدام والسلم على الحرب‭.

الرهان‮:‬

نحتاج في‮ ‬التعامل مع حوار الحضارات إلى أسباب موضوعية وأخرى منهجية لتحقيق الغاية‮.‬

أما الأسباب الموضوعية فأوّلها الانطلاق من العلم والمعرفة‮. ‬فنحن نعيش القرية الكونية جميعاً‮ ‬تحت راية قوانين كانت في‮ ‬القرن التاسع عشر مستمدة من علم الكيمياء وأصبحت في‮ ‬القرن العشرين مأخوذة من الفيزياء وأضحت في‮ ‬القرن الحادي‮ ‬والعشرين مستنبطة من البيولوجيا‮. ‬أليست الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا علوما مشتركة بين البشر في‮ ‬مستوى نتائجها على الأقل‮. ‬فكل ما نشأ عنها من صناعات وتكنولوجيات‮ ‬يتقاسمها البشر أو هم‮ ‬يأخذون منها بقدر مهما تفاوت فإنّه ضروري‮ ‬لتكون الحياة مواكبة لروح العصر‮. ‬فكل مكتشفات العلم تنتشر بحكم قانون الاتصال والمنظومات الإعلامية المتطورة وتصبح بين أيدي‮ ‬البشر ولعل أكثر البشر ذكاء‮ ‬ـ وهو لايحتاج حتما إلى الإمكانات المادية ـ هم الذّين‮ ‬يتمتعون بالقدر الكبير من تلك المكتشفات ونتائجها‮. ‬وكذلك المعرفة فهي‮ ‬في‮ ‬كل الفنون الإنسانية أو الطّبيعية أو‮ ‬غيرهما متوفرة أمام كل إنسان قادر على امتلاكها أو الحرص عليها وهذا ما‮ ‬يبرر الكلام على مجتمع المعرفة ومجتمع المعلومات‮. ‬هذان السبيلان،‮ ‬العلم والمعرفة،‮ ‬هما من الطرق لبناء الحوار بين الحضارات في‮ ‬الأسس الممكنة‮. ‬فليس للعلم والمعرفة جنسية واحدة أو جغرافيا واحدة أو تاريخ واحد،‮ ‬إنّهما‮ ‬ينشآن ويتطوّران بالالتقاء بين كل تلك العناصر ومهما بدا أن حضارة ما هي‮ ‬التي‮ ‬تقود العلم والمعرفة فإنّ‮ ‬المنطق‮ ‬يشير إلى أنّ‮ ‬المرجعية تعود إلى تلاقح الأجناس وتداخل جهودها وتكامل أهدافها‮.‬

ولعل من أبرز النتائج التي‮ ‬تؤكد قيمة السبيل المرتبطة بالعلم والمعرفة وما‮ ‬يعرفانه من تطوّرات نوع الثقافة الجديدة التي‮ ‬بدأت تنتشر بين الأجيال الصاعدة‮. ‬أي‮ ‬عند النشء،‮ ‬في‮ ‬كل مكان من العالم،‮ ‬وهو‮ ‬يحملون ثقافة الافتراضي‮ (‬Virtuel‮) ‬الناجمة عن الكون الرقمي‮ ‬وعن فضاء زماني‮ ‬يعبر عنه بالسيبرنتيك‮ ‬Cyberntique‭ ‬وهو المحيط الراجع إلى التكنولوجية المتطوّرة وإلى عالم الانترانت والإبحار فيه‮. ‬فهل‮ ‬يمكن أن نحرم أي‮ ‬طفل في‮ ‬العالم من هذه الثقافة؟ فالطفل في‮ ‬تونس أو في‮ ‬كوريا الجنوبية على سبيل المثال هو الذي‮ ‬يسعى بطريقة تكاد تكون عفوية إلى الافتراضي‮ ‬وهم‮ ‬يختلفون عن أبائهم وأجدادهم من أصحاب الثقافة القائمة على الخيالي‮ ‬أي‮ ‬على علاقة بينهم وبين الواقع معقولة بالخيال‮. ‬في‮ ‬حين أن للنشء خيالا سابقا على الواقع‮.‬

صحيح أن التفاوت بين المجتمعات كبير في‮ ‬الإمكانات التكنولوجية إلاّ‮ ‬أنّ‮ ‬القليل الذي‮ ‬يصل إلى الأجيال الصاعدة من أصحاب الظروف الصعبة كاف ليزرع فيهم ثقافة الافتراضي‮.‬

ونحن هنا إزاء طريق إلى الحوار بين الحضارات ممكن لأنّه‮ ‬ينبني‮ ‬على أصل موضوعي‮ ‬هو توفّر العلم والمعرفة والثقافة القائمة على الافتراضي‮ ‬وعلى أصل نفساني‮ ‬هو زرع الأمل في‮ ‬الناشئة‭.‬

والسبب الثاني‮ ‬هو الانتقال من صراع القوميات وما تبعه من صراع المصالح والهيمنة كما تجلتا في‮ ‬الحدث الاستعماري‮ ‬إلى البعد الحضاري‮. ‬فهل هو صدام الحضارات كما قال به الأمريكي‮ ‬هنتكتن أم هو حوار الحضارات كما‮ ‬يأمل فيه مثقفو العالم المؤمنون بالسلم والتعاون؟‮.‬

إنّ‮ ‬العصر الذي‮ ‬نعيشه في‮ ‬بدايات القرن الحادي‮ ‬والعشرين هو عصر الحضارات‮. ‬فتوجد الحضارة الغربية وتوجد الحضارة الإسلامية وتوجد حضارة‮ ‬الشرق الأقصى كالصينية والكورية ولها خصوصيات ثقافية بارزة تحيل إلى ملاحظتين‮.‬

الملاحظة الأولى هي‮ ‬الإفادة من ظاهرة الاختلاف‮. ‬إنّ‮ ‬للتنوّع في‮ ‬الثقافات مظهرين،‮ ‬المظهر الأول هو الاختلاف القائم على العصبية والتعصب والانغلاق وهو المؤذن بالنزاع والصراع وباشتعال فتيل الإرهاب‮. ‬والمظهر الثاني‮ ‬هو الاختلاف القائم على مبدإ الاحترام ولا نعني‮ ‬بالاحترام البعد الأخلاقي‮ ‬النظري‮ ‬بل البعد العملي‮ ‬وهو‮ ‬يتمثل في‮ ‬الاستفادة من الاختلاف لأنّه قادرا أن‮ ‬يكون عنصر إثراء ودعم‮.‬

فعندما‮ ‬يصبح الاختلاف بهذا المعنى قاعدة للحوار فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنّه لا‮ ‬يثر التنافر بين الحضارات بل‮ ‬يدعو إلى التقارب وإلى التعامل الثري‮ ‬مع مواطن الاختلاف التي‮ ‬تتحول إلى مواقع تبادل للمصلحة‭.‬

والملاحظة الثانية هي‮ ‬التمييز بين الخصوصيات والكونيات‮. ‬فلكل حضارة الحق في‮ ‬الحفاظ على خصوصياتها في‮ ‬ضوء الصون الضروري‮ ‬للثقافات على شرط أن تكون الهويات منفتحة لا منغلقة وهو الطريق إلى الكونيات في‮ ‬عالم متسارع سريع التحولات مشبك‮. ‬فإذا كانت الخصوصية تبني‮ ‬المواطنة في‮ ‬إطار العالمية كما تدعو إلى ذلك منظمة اليونسكو‭.‬

فالمسلم المتشبث بهويته بالطريقة المستنيرة هو المؤهل‮ ‬ـ مثلاً‮ ‬ـ على الحوار مع‮ ‬غيره من أهل الملل المختلفة المتشبث هو الآخر بهويته بالطريقة المنفتحة وهما معا قادران على مستوى الأفراد وخاصة على مستوى المجتمع والوطن والانتماء الحضاري‮ ‬على بناء أنموذج في‮ ‬حوار الحضارات ناجح بل قادر على أن‮ ‬يصبح المثال الذي‮ ‬يتوخاه الآخرون‮. ‬إنّ‮ ‬العالم اليوم بحاجة إلى الأنموذج الناطق عن آثار حوار الحضارات والفوائد الناجمة عنه ماديا ومعنويا‭.‬

والملاحظة الثالثة هي‮ ‬القيم الناشئة‮. ‬ونكتفي‮ ‬منها بما‮ ‬يتصل بالبيئة والفقر‮.‬

إنّ‮ ‬من أبرز القيم المشتركة بين الحضارات قيمة التضامن‮. ‬ولها في‮ ‬بلادنا في‮ ‬تونس أبعاد حضارية كونية‮. ‬فبعد أن كانت تجربة خاصة بالواقع التونسي‮ ‬طوّرت السلوك الثقافي‮ ‬عند التونسيين فجعلهم قادرين على التكافل وصولا إلى نتائج في‮ ‬تجاوز الفقر ومقاومته باهرة أصبحت هذه التجربة دعوة على منبر الأمم المتحدة نابعة من رئيس الجمهورية التونسية إلى صندوق تضامن عالمي‮ ‬وقد تبنت الأمم المتحدة هذه الدعوة وهي‮ ‬تبشر بعلاقات جديدة بين البلدان والحضارات تدعم الحوار‭.‬

وأصبحت قيمة التضامن متصلة بالبيئة والتلوث‮. ‬وأبرز ما‮ ‬يجسم هذه القيمة طبقة الأوزون والآثار السلبية التي‮ ‬تهدد البشر في‮ ‬كل بلدان العالم‭.‬ ‭ ‬

إن التعاون على هذه المشكلة بين الدول ضروري‮ ‬للوصول إلى نتائج تصون البشر وتحميهم لأنّ‮ ‬الخطر لا‮ ‬يهدد مجتمعا دون آخر وحضارة دون أخرى إنّه‮ ‬يهدد الإنسانية بصفة كلية‮. ‬فإذا كانت قيمة التعاون على هذه الأهمية فإنّها طريق إلى حوار الحضارات موضوعية بلا جدال‮.‬

أليس من الضروري‮ ‬أن‮ ‬يلتفت الإنسان إلى المواطن المؤدية إلى الحوار حتى تتغير المعادلات والعلاقات،‮ ‬وليست هذه الملاحظة ساذجة أو حالمة،‮ ‬إنّها عقلية وطريقة في‮ ‬الفهم ونفسية‮.‬

وأما الأسباب المنهجية فهي‮ ‬تتسع لمراتب منها اكتساب القدرة على الفصل بين الانتماء إلى حضارة ما وضرورة التعامل بين الحضارات‮. ‬نحيل إلى قيمة أخلاقية وسلوكية ومنهجية وهي‮ ‬الحق في‮ ‬المغايرة‮. ‬الحق لغة القوانين وهي‮ ‬أساسية في‮ ‬حوار الحضارات لأنّ‮ ‬القانون ضامن بمعرفة الحدود واحترامها والمغايرة طبيعية لأنّ‮ ‬الناس خلقوا مختلفين وكل إنسان هو‮ ‬غير لإنسان آخر وكل مجتمع هو‮ ‬غير لمجتمع آخر وكل حضارة هي‮ ‬غير لحضارة أخرى‮. ‬فالحق في‮ ‬المغايرة قبول لما للآخر من خصوصية وإقبال على الحوار بين الحضارات بالنظر إلى نقاط الالتقاء لا إلى نقاط التباين والافتراق‮.‬

وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن المنهجية تقتضي‮ ‬الفصل بين عناصر الحوار فما هو ممكن قادر على ربط الصلة وإثراء التعاون‮ ‬يتمكن ويجد العناية الكافية ويصبح المادة للإستراتيجية في‮ ‬الحوار وما هو محلّ‮ ‬نقاش واختلاف‮ ‬يؤجل ويسكت عنه‮.‬

ومن منهجية التخطيط في‮ ‬حوار الحضارات اعتبار المراحل المتعاقبة والسير إلى الغاية بحسب الأهداف المسطرة سيرا‮ ‬ينطلق من النتائج المحققة ويجعلها أسبابا لنتائج جديدة‮.‬

ومن المنهجية الضرورية توخي‮ ‬طريقة الحياد وهي‮ ‬الفصل بين الانتماء الإيديولوجي‮ ‬أو العرفي‮ ‬أو الديني‮ ‬والتعامل مع الآخرين‮. ‬وقد أطلقنا على هذا الجانب الحياد باعتبار الجهد الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يبذل لتحقيق الأسباب المؤدية إلى الحوار‮. ‬لهذه المسافة بين رواسب العداوات أو سوء الظن أو الآراء المسبقة من ناحية والاستعداد للنظر في‮ ‬إمكانات التفاهم والتعاون والتكامل من ناحية أخرى،‮ ‬قيمة منهجية في‮ ‬الحوار بين الحضارات‮.‬

الحوار كما حاولنا أن نحلل هو أداة المعرفة الطولى في‮ ‬هذا العصر الذي‮ ‬ينبذ الإرهاب وهو‮ ‬يخرج عن المنهج وعن الآليات ليحتل موضعا كبيرا في‮ ‬قضايا المعرفة المؤهلة بامتياز للخروج من حالات التوتر المقتضية للإرهاب إلى حالات التفاهم وليس كالمعرفة من سبيل إلى تحقيق ذلك بالامتياز الذي‮ ‬نراه لها‮.‬

ـــــــــــــــ

(*) ‮‮‬أستاذ جامعي،‮ ‬ممثل الجمهورية التونسية في‮ ‬المجلس التنفيذي‮ ‬لليونسكو‮

 

   

Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture

-‬ISESCO‭- ‬1429H/2008

Untitled Document