Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesuresActes de la ConférenceTunis: 15-17 Novembre 2007 |
||
![]() |
ذهان القوة وقوة المعرفة (بحث في الصراع بين الإرهاب والعلم)د. كمال عمران(*) ذهان القوة تعبير تخيرناه من المعجم الطبي إذ الذهان( بضم الذال) على وزن فعال وهي من المصادر الراجعة إلى المصطلحات المحيلة إلى الأمراض كزكام وصداع وقلاب وصدار ...فالذهان حال مرضية تمس الذهن فتعتريه مظاهر الخلل بالتفريط أو بالإفراط وهما من المعجم الذي أضل قديما وحديثا عن الاعتدال والتوسط. وإن الصلة بين الذهان والتفريط قائمة على معنى الجهل الأول ومقتضاه التفريط في ميزان العقل والصلة بين الذهان والإفراط تستند إلى المعنى المتصل بالتهاون في قيمة الشجاعة بوصفها الاعتدال في القوة الغضبية الحيوانية فالجهل هنا إنما هو البطش بما فيه من معاني العنف والتهور. فالإرهاب من هذه الناحية يمتلك زمام الذهان والذهان قائم على الجهل بمعنى التخلف في المعرفة والانطلاق من التقليد بما هو أخذ عن الرجال دون حجة أو دليل من القرآن والسنة من جهة أولى وعلى الجهل بما هو عنف وبطش وتصرف ينشر الرعب فوق الأرض من جهة أخرى. في محاولة تعريف الإرهاب. إذا أغضينا النظر عن المهادنة الممكنة بين بعض الاتجاهات السياسية والتعامل مع الإرهاب ثم الانقضاض عليه بعد أن تتيقن من المضار الناجمة عنه فإنّ أبرز ما به نسعى إلى تعريف الإرهاب ما يلي : جاء في مقال لجاك دريدا Jacques Drida الفيلسوف الفرنسي تعريف أثير للإرهاب نتعامل معه على قاعدة التفكيك. * الإرهاب مرجعية ضد الحياة البشرية بالقياس إلى كسر القوانين وتجاوزها تجاوزا فظيعا سواء منها ما هو على الصعيد الوطني أو الكوني. * الإرهاب إنما هو جريمة على المستوى المدني والعسكري وإن ضحايا الإرهاب من المدنيين بالدرجة الأولى. * إنما الإرهاب ذو علاقة بالغائيات السياسية وهي تنعكس في الحرص على التأثير في النظام القائم أو في العمل على تغييره وذلك بإرهاب المواطنين من المدنيين بصورة واضحة. ويجدر التمييز في سياق التعريف للإرهاب بين المستوى النضالي والمستوى الذي يقتضي استعمال العنف باطلاً ودونما مراعاة للقوانين وللأعراف الدولية. على أن الوشيجة التي يحسن الانتباه إليها إنما تكمن في كون الحرب بما هي صراع دموي يضمن أسسا ومبادئ نصت عليها لوائح الأمم المتحدة وانتهت إلى تحديد ما يشين من المبالغات في الاعتداء على العدو في حالة الحرب تحت مسمى ''جريمة الحرب '' وذلك في ضوء الإحالة إلى الفرق بين جريمة الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي وتتحمس الدول لإدانتها من ناحية والعمل الإرهابي الذي تتفق كل المواثيق الدولية وكل المنظمات العالمية وكل الحوافز الأخلاقية على التشهير به واعتباره أعظم شبهة تمس حياة الإنسان وتعمل على تهديده في عمق وجوده. والوجه عند المقارنة بين جريم الحرب والإرهاب اعتبار الإرهاب عملا خارجا عن القوانين الدولية. وينضاف إلى التعريف الذي اقترحنا من جاك دريدا تعريـف آخـر اتفق عليـه عدد من الشخصيات العالمية المحيطة بالأمانة العامة للأمم المتحدة ومقـتضاه أن الإرهاب: * كل نشاط يحمل غاية تتمثل في اغتيال أناس أبرياء أو في ألحاق الضرر بهم عبر الجروح البليغة وهم أناس من المدنيين أو لنقل هم أناس من غير المقاتلين وهي غاية تسعى إلى إحراج الناس وإلى الضغط على الحكومات بأن تتخذ موقفا ما أو بإكراهها على التعامل مع الأوضاع تعاملا يخضع للمآرب الإرهابية. ثمة أنواع ثلاثة من الإرهاب. 1. الإرهاب الفردي وهو نابع عن نشاط مفعم بالتمرد أو بالانتفاضات. 2. الإرهاب المنظم وهو تابع لظهور إيديولوجيات نابذة للنظم القائمة بالعنف. 3. الإرهاب الراجع إلى الدولة. وقوامه على التسلح بالقوة بدل الديمقراطية وبظلم الإنسان بدل حقوق الإنسان. نحن نسعى إلى أن نتعقب الإرهاب المنظم وهو سوق نافقة للنوع الأول من الإرهاب. ولن نذهب بعيداً في سبر أغوار أنماط الإرهاب خارج جغرافية الكون الإسلامي إذ إنّ ما يشدنا إنما هو المحيط الإسلامي لما طرأت على أهله من انحرافات شرعت للتصرف وللتشدد ومهدت لظهور جيوب من الإرهاب لافتة. والمنطلق في التحليل راجع إلى الجهل الذي أطلقنا عليه عبارة ذهان القوة. الأسباب الدافعة إلى الإرهاب قد نتصور أن التفاوت في الإمكانات المادية س أبرز الدوافع إلى الإرهاب وقد يكون هذا السبب موضوعيا إلا أنه نسبي. فقد وجدنا من المتخرجين من الكليات العلمية والأدبية ما يفند الزعم الذي يكتفي عند التحليل بالدافع المادي. والرأي عندنا أن الجهل بدفتيه هو العامل الرئيسي لدفع أنصار الإرهاب إلى التمسك بأعتابه سواء لحالات مرضية لها علاقة بعلم النفس أو لحالات الجهل المدقع بحقيقة الدين ولنا أن نضع عددا من العناصر التي انتقيناها دون غيرها وإن كان لغيرها من الأهمية ما يقتضيه سياق آخر من البحث ـ في هذا السياق : (1) * الجهل بالقرآن والعلوم الراجعة إليه. * الجهل بالخطاب القرآني وما يقتضيه من الاجتهاد في التماس عجائبه ولا مناص من الأخذ بالعلوم المتطورة للنهل من تلك العجائب. * الافتقار إلى تفسير معاصر للقرآن لا يصنف فيه رجل من رجالات العلم بل مجموعة من أهل الاختصاص الراجع إلى اهتمامات القرآن من لغويات ولسانيات وعلوم صحيحة وعلم اجتماع وعلم نفس وانتروبولوجيا وفلسفة وما إلى ذلك مما ينطوي عليه القرآن من العبارات أو من الإشارات. (2) * الجهل بالسنة وبالحديث أو تأولهما تأويلا ينبني على الجهالة. * الجهل بسماحة النبي ؟ والنهل من سيرته العطرة. * الجهل بما السنة من مرجعية تلازم القرآن وقد ذهب القرطبي إلى القول إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن. * الجهل بالفواصل التاريخية التي تجعل الشرع شرعا ثابتا وتجعل أمور الدنيا متكيفة بمقتضى التطور. (3) * الجهل بالفقه بما هو أحكام قامت على ما هو يقيني وما هو ظني. * التعامي عن الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الاجتهاد في الحدود التي وضعها له أهل الورع من الفقهاء. * الإغضاء عن العقلية التي كان عليها المشرعون الأوائل وفد تميزت بالانفتاح. * فض منهجية الاختلاف وقد بدأت على الرحمة ونشر قيمة المغايرة في أمور الدين (حق أهل الكتاب في إتباع عقائدهم) والدنيا (الأخذ عن العلوم وعن المعارف التي أنتجها أهل الثقافات المختلفة وبها أثرت الثقافة الإسلامية). (4) * الجهل بحقيقة العصر. * وآية الجهل التعامل مع ''الآخر'' على قاعدة العداء والتباين. * التنكر لتاريخ الأفكار وهي في السياق الإسلامي كأنها مالت إلى الانحراف فقد بدأت بالاجتهاد مع النبي ؟ والصحابة والتابعين وتابعيهم فكانت العلاقة بين المسلمين وغيرهم قائمة على أهل الإجابة وأهل الدعوة وليس في العلاقة من مظاهر العداء أو العنف أو المكابرة ثم تحولت العلاقة بعد طغيان التقليد إلى دار الإسلام ودار الكفر أو إلى دار الهلال ودار الصليب والصلة العدوانية في هذا السياق واضحة وهي الغذاء لأهل الإرهاب وللمتعطشين للدماء باطلا. وما القول عندما تغيرت المركزية من دار الإسلام إلى دار أوروبا فأضحت دار الإسلام دارا للتخلف ودار أوروبا وقد أصبحت دارا للتقدم؟ أليس في التغير من هذا القبيل دافعا إلى طلب النهوض والوعي المعرفي لا إلى مواجهة أهل التقدم ـ مهما كانت نواياهم ومهما كانت مواقفهم من الإسلام والمسلمين ـ أليس الأصل في أن تجاري القدامى وقد أخذوا العلوم والمعارف وهم في موقف قوة وما الحال والمسلمون اليوم في موقف خصاصة معرفية فظيعة؟. هذه الخطوط الكبرى لبحث سنسعى إلى أن نتوسع فيه لاحقا فما هي قوة المعرفة في مواجهة ذهان القوة؟. إن أبرز ما به نرى وجها للمواجهة وضمن مقتضيات المعرفة على النسق المعاصر إنما هو الحوار. فكما جعلنا الذهان عبارة جامعة تحيل إلى الإرهاب نجعل عبارة الحوار جامعة للمعرفة ويقتضي التعرض لخصائص الحوار معرفيا ـ الوقوف عند أوجه الصدام بين الطرفين. الحوار: مرّ الحوار بمراحل عديدة نكتفي بذكر اثنتين منها : المرحلة الأولى وهي الحوار القائم على تبادل المعارف واستفادة الحضارات بعضها من بعض. فرغم النزوع إلى الصراع والإسراع إلى الغلبة والقهر، فإنّ المجتمعات قديما أدركت في مراحل متقطعة أنّ التعاون والتعامل بالأخذ والعطاء سبيل إلى بلوغ الغاية من الحياة البشرية. ويجوز أن نقول إنّ التوتر في العلاقات والعداوات المنتشرة لم تستطع أن تحجب ضرورة التواصل بين الحضارات. ويمكن أن نضرب مثلا ما عرفته الحضارة العربية الإسلامية في عاصمتين لهما كبيرتين هما دمشق في مرحلة أولى وبغداد في مرحلة ثانية. كانت الحضارات المتاخمة للجزيرة العربية وللحضارة العربية الناشئة مختلفة. حضارة اليونان وقد عرفت بالفلسفة والعلوم وحضارة الهند وقد عرفت بالحكمة وحضارة الفرس وقد عرفت بالسياسة وحضارة الروم وقد عرفت بالقوة العسكرية وحضارة الأحباش وقد عرفت باللاهوتية. كل هذه الحضارات اجتمعت في دمشق ثمّ في بغداد وأفضى فيها الاحتكاك بين هذه الأجناس إلى ما يصطلح عليه بالتوليد العقلي فتطوّرت المعارف والعلوم ويكفي أن نشير إلى أنّ الحضارة العربية الإسلامية هي التي اكتشفت الصفر في الأعداد ووضعت اللغريتم Logarithme (وهي نقل محرف للخوارزمي) في علم الرياضيات فتغيّرت أنساق العلوم تغيّرا مذهلا. ولم تبخل هذه الحضارة بما اكتشفت بل نشرته وجعلته ذا بعد إنساني. وكانت القيروان عاصمة البلاد التونسية الأولى في ظل الثقافة العربية الإسلامية مركز إشعاع المغرب العربي وعلى أفريقيا ما تحت الصحراء وعلى اسبانيا وخاصة منها الأندلس. وانتشرت من القيروان حضارة عظيمة فتحت على الأندلس فتوحات علمية في الفلك والطب والبيطرة والجبر والهندسة والمناظر(Optique) حتى أصبح أهل الأندلس علماء فاكتشفوا الدورة الدموية وطرقا في الزراعة متطورة وكانت الأندلس بوابة المعرفة والعلم التي نبهت أوروبا للعلم والمكتشفات. فكانت تونس والقيروان العاصمة في تلك الفترة التي عاشت فيها أوروبا القرون الوسطى تعيش فترة من العلم زاهية متقدمة وهي لم تبخل به لنفسها بل نشرته واعتبرت أن نتاج الحضارة حق للإنسانية برمتها. وقد كانت هذه القاعدة من الأسباب المفضية إلى النقلة الابيستمولوجية كما اصطلح عليها في النهضة الحديثة عندما انتقلت الحضارة من الشرق إلى الغرب. كان الحوار في أغلب المراحل القديمة مفاوضات أو معاهدات تعقد بين المتخاصمين أو صفقات تبرم بين المجتمعات من أجل المصالح. المرحلة الثانية هي التي نشأت عن تطوّر الذهنيات بحكم المكتشفات العلمية وآثارها الاقتصادية والسياسية. فلم يعد من الممكن الاكتفاء بحوار المصالح الظرفية بل ظهرت الحاجة إلى حوار المصالح الاستراتيجية وقد تطوّرت دلالة الحوار ووظائفه ويمكن أن نشير إلى عدد منها إلحاحا على الفائدة المرجوة. لعل أبرز عامل من عوامل تطوير معنى الحوار ما طرأ على اللغة من تغيّرات أخرجتها من كونها أداة ووسيلة إلى كونها فعلاً وخلقاً. فقد جعلت اللسانيات وما انبثق عنها من مداخل في التعامل مع اللغة الكون اللغوي رؤية للعالم وللإنسان. وحظي الحوار بهذه التحولات في المستوى اللغوي بعناصر فاعلة أكسبته طاقة على مزيد التواصل بين البشر وعلى الإقناع بضرورة التعامل بين الحضارات تعاملا علميا مستفيدا من ''الثورة'' اللسانية التي حررت العقول ولم تكتف بتحرير الألسنة. ومن عوامل تطوير الحوار الفلسفة الحداثية التي خرجت عن طريقة في التفكير كانت تسعى إلى ''الماهية'' أي إلى جوهر الأشياء وبواطنها وانتقلت إلى البحث في العلاقات الرابطة بين الظواهر بمنطق النسبية لا الثبوت والإطلاق. لقد أفاد الحوار من هذه الزوايا الجديدة التي أبطلت معاني الانغلاق والإقصاء والرفض فغيّرت من نسيج العلاقة بين الأفراد والمجتمعات والبلدان والحضارات. ولئن كان صحيحا أن رواسب الماضي القائمة على التناحر والهيمنة تظهر من حين إلى آخر وأن علامات السيطرة وفرض الأفكار والطرق لم تزل زوالا واضحا، فإن الأرضية المتوفرة في هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين تشجع المؤمنين بالسلم والأمن في العالم كما تحث الأكاديميين الملتزمين بالعلم والمعرفة كما تدفع المنظمات والجمعيات العالمية إلى استثمار الفرصة وإثراء الحوار بين الحضارات. وما يفصل بين نوعي الحوار، حوار المصلحة الظرفية وحوار المصلحة الاستراتيجية، أي بين حوار العلاقات الموروثة القديمة وحوار العلاقات الجديدة، طريقة ومنهج وعلم تتلخص في الحجاج Argumentation. وليس الحجاج هنا الجدل أو السجال إنّه علم موضوع يجعل الحوار بين الأطراف قائما على قواعد علمية هي كالبلاغة الجديدة في الكلام بين البشر في العصر الراهن. وما يميّز الحوار في الدلالة الحداثية هو الانطلاق من مبدإ هو أنّ الحقيقة مبثوثة في أجزاء مختلفة وأنّها موجودة بنصيب عند أهل الحضارات المتنوعة وأنّ التآزر والتعاون هما اللذان يؤديان إلى الانتفاع بأكثر نصيب منها. على هذا الأساس نتبين أنّ مفهوم الحضارة يستند إلى الأرضية المعرفية وأنّ مفهوم الحوار ينتمي إلى البعد العلمي وأن الربط بينهما يستدعي الانطلاق من المنهجية السليمة. وعلى هذا الأساس أيضا يمكن الإفادة من حوار الحضارات لأنّ معظم البشر يفضلون الحوار على الصدام والسلم على الحرب. الرهان: نحتاج في التعامل مع حوار الحضارات إلى أسباب موضوعية وأخرى منهجية لتحقيق الغاية. أما الأسباب الموضوعية فأوّلها الانطلاق من العلم والمعرفة. فنحن نعيش القرية الكونية جميعاً تحت راية قوانين كانت في القرن التاسع عشر مستمدة من علم الكيمياء وأصبحت في القرن العشرين مأخوذة من الفيزياء وأضحت في القرن الحادي والعشرين مستنبطة من البيولوجيا. أليست الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا علوما مشتركة بين البشر في مستوى نتائجها على الأقل. فكل ما نشأ عنها من صناعات وتكنولوجيات يتقاسمها البشر أو هم يأخذون منها بقدر مهما تفاوت فإنّه ضروري لتكون الحياة مواكبة لروح العصر. فكل مكتشفات العلم تنتشر بحكم قانون الاتصال والمنظومات الإعلامية المتطورة وتصبح بين أيدي البشر ولعل أكثر البشر ذكاء ـ وهو لايحتاج حتما إلى الإمكانات المادية ـ هم الذّين يتمتعون بالقدر الكبير من تلك المكتشفات ونتائجها. وكذلك المعرفة فهي في كل الفنون الإنسانية أو الطّبيعية أو غيرهما متوفرة أمام كل إنسان قادر على امتلاكها أو الحرص عليها وهذا ما يبرر الكلام على مجتمع المعرفة ومجتمع المعلومات. هذان السبيلان، العلم والمعرفة، هما من الطرق لبناء الحوار بين الحضارات في الأسس الممكنة. فليس للعلم والمعرفة جنسية واحدة أو جغرافيا واحدة أو تاريخ واحد، إنّهما ينشآن ويتطوّران بالالتقاء بين كل تلك العناصر ومهما بدا أن حضارة ما هي التي تقود العلم والمعرفة فإنّ المنطق يشير إلى أنّ المرجعية تعود إلى تلاقح الأجناس وتداخل جهودها وتكامل أهدافها. ولعل من أبرز النتائج التي تؤكد قيمة السبيل المرتبطة بالعلم والمعرفة وما يعرفانه من تطوّرات نوع الثقافة الجديدة التي بدأت تنتشر بين الأجيال الصاعدة. أي عند النشء، في كل مكان من العالم، وهو يحملون ثقافة الافتراضي (Virtuel) الناجمة عن الكون الرقمي وعن فضاء زماني يعبر عنه بالسيبرنتيك Cyberntique وهو المحيط الراجع إلى التكنولوجية المتطوّرة وإلى عالم الانترانت والإبحار فيه. فهل يمكن أن نحرم أي طفل في العالم من هذه الثقافة؟ فالطفل في تونس أو في كوريا الجنوبية على سبيل المثال هو الذي يسعى بطريقة تكاد تكون عفوية إلى الافتراضي وهم يختلفون عن أبائهم وأجدادهم من أصحاب الثقافة القائمة على الخيالي أي على علاقة بينهم وبين الواقع معقولة بالخيال. في حين أن للنشء خيالا سابقا على الواقع. صحيح أن التفاوت بين المجتمعات كبير في الإمكانات التكنولوجية إلاّ أنّ القليل الذي يصل إلى الأجيال الصاعدة من أصحاب الظروف الصعبة كاف ليزرع فيهم ثقافة الافتراضي. ونحن هنا إزاء طريق إلى الحوار بين الحضارات ممكن لأنّه ينبني على أصل موضوعي هو توفّر العلم والمعرفة والثقافة القائمة على الافتراضي وعلى أصل نفساني هو زرع الأمل في الناشئة. والسبب الثاني هو الانتقال من صراع القوميات وما تبعه من صراع المصالح والهيمنة كما تجلتا في الحدث الاستعماري إلى البعد الحضاري. فهل هو صدام الحضارات كما قال به الأمريكي هنتكتن أم هو حوار الحضارات كما يأمل فيه مثقفو العالم المؤمنون بالسلم والتعاون؟. إنّ العصر الذي نعيشه في بدايات القرن الحادي والعشرين هو عصر الحضارات. فتوجد الحضارة الغربية وتوجد الحضارة الإسلامية وتوجد حضارة الشرق الأقصى كالصينية والكورية ولها خصوصيات ثقافية بارزة تحيل إلى ملاحظتين. الملاحظة الأولى هي الإفادة من ظاهرة الاختلاف. إنّ للتنوّع في الثقافات مظهرين، المظهر الأول هو الاختلاف القائم على العصبية والتعصب والانغلاق وهو المؤذن بالنزاع والصراع وباشتعال فتيل الإرهاب. والمظهر الثاني هو الاختلاف القائم على مبدإ الاحترام ولا نعني بالاحترام البعد الأخلاقي النظري بل البعد العملي وهو يتمثل في الاستفادة من الاختلاف لأنّه قادرا أن يكون عنصر إثراء ودعم. فعندما يصبح الاختلاف بهذا المعنى قاعدة للحوار فهذا يعني أنّه لا يثر التنافر بين الحضارات بل يدعو إلى التقارب وإلى التعامل الثري مع مواطن الاختلاف التي تتحول إلى مواقع تبادل للمصلحة. والملاحظة الثانية هي التمييز بين الخصوصيات والكونيات. فلكل حضارة الحق في الحفاظ على خصوصياتها في ضوء الصون الضروري للثقافات على شرط أن تكون الهويات منفتحة لا منغلقة وهو الطريق إلى الكونيات في عالم متسارع سريع التحولات مشبك. فإذا كانت الخصوصية تبني المواطنة في إطار العالمية كما تدعو إلى ذلك منظمة اليونسكو. فالمسلم المتشبث بهويته بالطريقة المستنيرة هو المؤهل ـ مثلاً ـ على الحوار مع غيره من أهل الملل المختلفة المتشبث هو الآخر بهويته بالطريقة المنفتحة وهما معا قادران على مستوى الأفراد وخاصة على مستوى المجتمع والوطن والانتماء الحضاري على بناء أنموذج في حوار الحضارات ناجح بل قادر على أن يصبح المثال الذي يتوخاه الآخرون. إنّ العالم اليوم بحاجة إلى الأنموذج الناطق عن آثار حوار الحضارات والفوائد الناجمة عنه ماديا ومعنويا. والملاحظة الثالثة هي القيم الناشئة. ونكتفي منها بما يتصل بالبيئة والفقر. إنّ من أبرز القيم المشتركة بين الحضارات قيمة التضامن. ولها في بلادنا في تونس أبعاد حضارية كونية. فبعد أن كانت تجربة خاصة بالواقع التونسي طوّرت السلوك الثقافي عند التونسيين فجعلهم قادرين على التكافل وصولا إلى نتائج في تجاوز الفقر ومقاومته باهرة أصبحت هذه التجربة دعوة على منبر الأمم المتحدة نابعة من رئيس الجمهورية التونسية إلى صندوق تضامن عالمي وقد تبنت الأمم المتحدة هذه الدعوة وهي تبشر بعلاقات جديدة بين البلدان والحضارات تدعم الحوار. وأصبحت قيمة التضامن متصلة بالبيئة والتلوث. وأبرز ما يجسم هذه القيمة طبقة الأوزون والآثار السلبية التي تهدد البشر في كل بلدان العالم. إن التعاون على هذه المشكلة بين الدول ضروري للوصول إلى نتائج تصون البشر وتحميهم لأنّ الخطر لا يهدد مجتمعا دون آخر وحضارة دون أخرى إنّه يهدد الإنسانية بصفة كلية. فإذا كانت قيمة التعاون على هذه الأهمية فإنّها طريق إلى حوار الحضارات موضوعية بلا جدال. أليس من الضروري أن يلتفت الإنسان إلى المواطن المؤدية إلى الحوار حتى تتغير المعادلات والعلاقات، وليست هذه الملاحظة ساذجة أو حالمة، إنّها عقلية وطريقة في الفهم ونفسية. وأما الأسباب المنهجية فهي تتسع لمراتب منها اكتساب القدرة على الفصل بين الانتماء إلى حضارة ما وضرورة التعامل بين الحضارات. نحيل إلى قيمة أخلاقية وسلوكية ومنهجية وهي الحق في المغايرة. الحق لغة القوانين وهي أساسية في حوار الحضارات لأنّ القانون ضامن بمعرفة الحدود واحترامها والمغايرة طبيعية لأنّ الناس خلقوا مختلفين وكل إنسان هو غير لإنسان آخر وكل مجتمع هو غير لمجتمع آخر وكل حضارة هي غير لحضارة أخرى. فالحق في المغايرة قبول لما للآخر من خصوصية وإقبال على الحوار بين الحضارات بالنظر إلى نقاط الالتقاء لا إلى نقاط التباين والافتراق. وهذا يعني أن المنهجية تقتضي الفصل بين عناصر الحوار فما هو ممكن قادر على ربط الصلة وإثراء التعاون يتمكن ويجد العناية الكافية ويصبح المادة للإستراتيجية في الحوار وما هو محلّ نقاش واختلاف يؤجل ويسكت عنه. ومن منهجية التخطيط في حوار الحضارات اعتبار المراحل المتعاقبة والسير إلى الغاية بحسب الأهداف المسطرة سيرا ينطلق من النتائج المحققة ويجعلها أسبابا لنتائج جديدة. ومن المنهجية الضرورية توخي طريقة الحياد وهي الفصل بين الانتماء الإيديولوجي أو العرفي أو الديني والتعامل مع الآخرين. وقد أطلقنا على هذا الجانب الحياد باعتبار الجهد الذي ينبغي أن يبذل لتحقيق الأسباب المؤدية إلى الحوار. لهذه المسافة بين رواسب العداوات أو سوء الظن أو الآراء المسبقة من ناحية والاستعداد للنظر في إمكانات التفاهم والتعاون والتكامل من ناحية أخرى، قيمة منهجية في الحوار بين الحضارات. الحوار كما حاولنا أن نحلل هو أداة المعرفة الطولى في هذا العصر الذي ينبذ الإرهاب وهو يخرج عن المنهج وعن الآليات ليحتل موضعا كبيرا في قضايا المعرفة المؤهلة بامتياز للخروج من حالات التوتر المقتضية للإرهاب إلى حالات التفاهم وليس كالمعرفة من سبيل إلى تحقيق ذلك بالامتياز الذي نراه لها. ـــــــــــــــ (*) أستاذ جامعي، ممثل الجمهورية التونسية في المجلس التنفيذي لليونسكو
|
|
Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture-ISESCO- 1429H/2008 |
|
| Copyright © ISESCO 2000 - 2012 |