![]() |
|
| Directeur Général | Education | Sciences | Culture | CPID | Coopération | Secrétariat GC & EC| | Accueil | Contact |
|
|
Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesuresActes de la ConférenceTunis: 15-17 Novembre 2007 |
||
![]() |
عوامل الإرهاب وآليات التصديسماحة الشيخ محمد علي التسخيري(*) بسم الله الرحمن الرحيم فإننا نرجح أن نلخص حديثنا بالأمور التالية : وبعد، أولاً: معنى الإرهاب : وهو كل عمل عدواني يتنافى من حيث الوسيلة أو الهدف مع القيم الدينية والطبيعية والقوانين الإنسانية العامة، ويتضمن تهديداً للأمن بأي نوع من أنواعه. وللتوضيح نذكر النقاط التالية : .1 إننا نستعمل المصطلح البشري بدلاً من الدولي لكي نحقق الإجماع الرسمي وغيره للتأكد من الحكم الإنساني العام. .2 لاحظنا عنصري الوسيلة والهدف. .3 أشرنا إلى أنواع الإرهاب بعبارة: (للأمن بأي نوع من أنواعه). .4 ذكرنا المعيارين الديني والبشري معاً لكي ننسجم مع إيماننا أولاً، ونعمم المقياس بشرياً ثانياً. .5 وكما يلاحظ فإن كون العملية عنيفة لا يعد شرطاً في صدق صفة الإرهاب. .6 وتعتبر الصفة العدوانية محور التعريف، لأنها أساس الإدانة. وعلى ضوء هذا التعريف يمكننا أن نتحقق من الصفات الإرهابية التي تطلق على هذا العمل أو ذاك، ونتأكد من أن هذه الصفة لا تنطبق على : أ ) أعمال المقاومة الوطنية التي تمارس ضد المحتلين والمستعمرين والغاصبين لا غير. ب) مقاومة الشعوب للفئات المفروضة عليها بقوة الحديد والنار. ج) رفض الدكتاتوريات وأنماط الاستبداد. د) مقاومة الأفكار اللا إنسانية كالنازية والتمييز العنصري. هـ) الرد بالمثل على أي اعتداء إذا لم يكن هناك مناص من ذلك. و) الجهاد المشروع بضوابطه الأخلاقية وأهدافه الإنسانية التي بينها علماؤنا. وكذلك لا تنطبق على كل تحرك سلمي لا يصاحبه إرهاب حتى ولو لم يكن يحمل هدفاً إنسانياً. كما أنه لا ينطبق على الأعمال المخربة الفردية التي لا تمتلك تأثيراً اجتماعياً. وهذه الأعمال وأمثالها ـ وإن كانت مدانة من جهة أخرى إلا أنها بالتأكيد ليست أعمالاً إرهابية. هذا في حين ينطبق التعريف على : أ) أعمال القرصنة الجوية والبحرية والبرية. ب) كل العمليات الاستعمارية بما فيها الحروب والحملات العسكرية. ج) كل الأعمال الدكتاتورية ضد الشعوب، وكل أنماط الحماية للدكتاتوريات فضلاً عن فرضها على الأمم. د) كل الأساليب العسكرية المخالفة للأعراف الإنسانية: كاستعمال الأسلحة الكيماوية والنووية والبيولوجية، وضرب المناطق الآهلة، ونسف البيوت، وترحيل المدنيين، وأمثال ذلك. هـ) كل تلويث للبيئة الجغرافية، والثقافية والإعلامية، وربما كان الإرهاب الفكري من أخطر أنواع الإرهاب. و) كل تحرك يؤدي إلى ضعضعة الاقتصاد الدولي أو الوطني، والإضرار بحال الفقراء والمحرومين، وتعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وتكبيل الشعوب بأغلال الديون الباهظة. ز) كل تحرك تآمري يعمل على سحق إرادة الشعوب في التحرر والاستقلال، وفرض الأحلاف الشائنة عليها. وهكذا يمكننا أن نتابع ضرب الأمثلة على مصاديق التعريف المذكور. ثانياً : بالرغم من أن كثير من الاجتماعات والمحاولات قد عقدت لمكافحة الإرهاب إلا أنها أخفقت في الغالب : أنها لم تقم على أساس إنساني، دولي، بل استهدفت تحقيق المصالح الضيقة قبل كل شيء. وأنها لم تعالج الظروف التي تخلق الإرهاب، ولم تبحث عن علله الحقيقية. وواضح أن محاربة المعلول وترك العلة ليس عملاً معقولاً. ثالثاً : ثم أن الحرب على هذه الظاهرة الخطيرة بدأت فاشلة لأنها انطلقت تحت قيادة لها تاريخ أسود مقرون بالإرهاب وقهر الشعوب وسحق إرادتها بشتى الأساليب ومنها الحرب المعلنة، وقد قادت خلال الفترة الأخيرة من عمر البشرية عشرات الحروب بل المئات منها لبسط سلطتها ومفاهيمها. ثم أن هذه القيادة لم تتقيد في كثير من تصرفاتها بالقانون الدولي معتمدة مقولات متنافية أساساً معه كمقولة (التفوق على الجميع) و (الحرب الاستباقية) وأمثالها. وبعد هذا فإنها نصبت من نفسها مدعياً وقاضياً وشرطياً منفذاً في آن واحد وهو ما يخالف أبسط قوانين العدالة ويبطل أي تشدق بالعمل بها. رابعاً : وقد أخطأت هذه القيادة إذ ركزت على الإسلام واعتبرته عدواً وهمياً، وأقامت استراتيجيتها على محاربته ووضعت خطة واسعة نشير فيما يلي إلى بعض جوانبها : 1. التشكيك في قيم الحضارة الإسلامية ومفاهيمها وهناك الكثير من الأمثلة التي طالعنا الغرب بها، كتفضيل الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية من قبل مسؤول إيطالي، وتفضيل العقيدة المسيحية في الصفات الإلهية على العقيدة الإسلامية والحملة ضد مفاهيم الجهاد وتصورات الإسلام لحقوق المرأة وغيرها. 2 . تعميق الحقد الغربي والعداء للإسلام وكل ما هو إسلامي ومهاجمة المساجد والمراكز الإسلامية والتضييق ضد الأقليات المسلمة وتوجيه أصابع الاتهام حتى للدول التي كانت تعتبرها صديقة لها، وبالتالي العمل عل منع الهجرة حتى القانونية رغم حاجة أوربا للهجرة. .3 مهاجمة بعض الشعوب الإسلامية بشراسة بتهمة إيوائها للإرهابيين وهذا ما حدث لأفغانستان الجريحة والعراق الجريح ومازالت بعض الشعوب الإسلامية مهددة. .4 الحكم على بعض الدول الإسلامية بأنها محور الشر وما زال الخطر يتهددها كل آن، كما أن بعض الجهات شبه الرسمية هددت باستخدام القنابل الذرية ضد بعض الدول. .5 إهتم التخطيط لحملة إعلامية وبوليسية ضخمة لضرب المؤسسات المالية الإسلامية والمؤسسات الخيرية الدعوية وتم الضغط على الدول لتغلق هذه المؤسسات. .6 كما تم التخطيط لضرب المؤسسات التعليمية الإسلامية وإفقادها استقلالها كما تدخل الغرب بوقاحة لدى الدول الإسلامية لتقوم بتغيير مناهجها التعليمية وفق ما يرتئيه الغرب من تصور. .7 وهناك خطوات نلحظها لتهميش دور المؤسسات الإسلامية الدولية. .8 تصعيد الحملة التي بدأها الغرب بنفسه أو من خلال عملائه قبل الأحداث في مجال نشر المفاسد الأخلاقية والخلاعة والتحلل والاستهانة بالمقدسات وإضعاف اللغة العربية وترويج العامية ومحاربة الحرف العربي (كما في آسيا الوسطى) وإشاعة العلمانية وتعميق الخلافات بين الدول الإسلامية وتداخلها ومحاربة عنصر (الاجتهاد) والتشكيك في صلاحية الإسلام لهذا العصر وضرورة الاتجاه نحو تطبيق قيم الحضارة الغربية وغير ذلك كثير. 9. وأهم الجوانب محاولة إغلاق الملفات المزعجة لهم وبأي وسيلة منكرة وفي طليعتها قضية فلسطين، فقد أعطت أمريكا الضوء الأخضر لشارون ليقوم بتصفيتها واستفاد هذا من ظروف الرعب وجعل عمليته ضد الفلسطينيين جزءً من المرحلة الثانية للحرب ضد الإرهاب وقام بما يندى له جبين الإنسانية وساعدته أمريكا بكل وقاحة وصراحة ونسي الغرب كل تاريخه في تجميد المقاومة ضد الفاشية والنازية وكل شعاراته في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية وحتى جنايات العدو الصهيوني في مخيم جنين لم تستطع الأمم المتحدة رغم صدور قرار بذلك أن تحقق فيها وهي في الأصل واضحة للعيان وموثقة ومشهود لها من قبل شخصيات دولية. خامساً: وربما كان من نافلة القول بعد هذا أن نتحدث عن دور الإسلام في تحقيق الأمن للإنسان بشتى أنواعه بعد أن عرفنا رفضه لكل الأساليب الطاغوتية الفرعونية جملة وتفصيلاً. فهو يعمل على توفير الأمن الأخلاقي والتربوي {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم}(1) وهو ينفي كل ما يلوث الجو الإنساني الخلقي عبر تحريمه المفاسد الخلقية التي تميت إنسانية الإنسان. كما يعمل على توفير الأمن الاجتماعي من خلال إقامة البناء العائلي ونفي كل ما يوجه الغرائز نحو التحلل أو الإشباع الخاطئ، ومن خلال تقديمه نظاماً للعلاقات الاجتماعية المتعالية ونفيه كل ما يمزق الأمة من مقاييس مادية، كاللون واللغة والعنصر والقبيلة والجغرافيا وغيرها، وكذلك من خلال ضمانه لكل حقوق الإنسان في الوجود والكرامة والحرية والضمان الاجتماعي والاقتصادي، ورفضه كل عوامل التهديم كالبخل والغصب وأكل المال بالباطل وتمركز الثروة والإسراف والتبذير والحرابة والبغي والقتل وغيرها، وكلها تتعاون لتحقيق الهدف، كما يعمل على ضمان المشاركة الشعبية السياسية من خلال مبدأ الشورى ومبدأ الولاية المتبادلة وتعميم المسؤولة ولا نريد أن نستمر في هذا العرض وهم واضح صريح. إن الإسلام يعمل على المستوى الحضاري لتحقيق الأمن والسلام العادل للبشرية منطلقاً من مبادئه الإنسانية، وحتى لو اضطر للحرب فإنه يشنها حرباً نظيفة لا رد فيها إلا على المعتدي أما الأبرياء فلا ينالهم شيء بل وحتى الطبيعية تبقى آمنة سليمة. يوصي الرسول "ص" وعلى آله وصحبه، وأصحابه فيقول » سيروا باسم الله وبالله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها)(2) إن الأمن البيئي والطبيعي والحيواني مضمون إسلامياً وأن قاعدة (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) قاعدة عامة تمنع الإضرار بالبيئة بلا ريب، لأنه إضرار بكل البشرية، وإن الإسلام يجعل الطبيعة مسخرة للإنسان نفسه فعليه أن يشكر نعمتها ولا يكفر بها، (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان ظلوم كفار)(3) وحتى علاقات الحب والعواطف قد تقوم بين المسلم والطبيعة، فيمر الرسول الكريم "ص" على جبل أحد، فيقول: (هذا جبل يحبنا ونحبه).(4) ويبقى الوعد الإلهي قائماً في خلد المسلم هادفاً يسعى إليه حثيثاً، إذ يقول تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم لذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}(5). إنه المجتمع الخليفة الآمن العابد، الآمن من العدو الخارجي والداخلي، وإنه هدف الأنبياء وقد تحقق: عبادة وأمن من الطاغوت. والحقيقة أننا إذا فسرنا الإرهاب بالمنطق الإنساني العام بأنه (كل عمل لا ينسجم مع الوجدان الإنساني من حيث الوسيلة أو هدف ويهدد الأمن بشتى أنواعه) فسنجد أن الإسلام يقف بقوة ضده بل ويعمل على اجتثاث جذوره. سادساً : من الطبيعي أن نقول هنا أننا لا نستطيع أن نقضي على المعلول مع الإبقاء على العلل. إن معظم ما نشاهده من مظاهر الإرهاب يعود إلى عوامل كثيرة منها : أ) انتشار الجهل والحقد واليأس وروح التعصب الأعمى والنظرة الظلامية للآخرين، والتغاضي عن الجوانب الإيجابية وهذا يشمل ظواهر (الإسلاموفوبيا) من جهة و(العداء الأعمى لكل ما هو غربي) من جهة أخرى. ب) انتشار الفقر والجوع والحرمان، وكاد الفقر أن يكون كفرا. ج) انتشار الظلم والاستعمار ونهب إمكانات الشعوب والاستبداد والقهر والعنف وسلب حقوق الإنسان ومصادرة حرياته المشروعة. وعدم فسح المجال الطبيعي للتعبير مما يؤدي للكبت والانفجار بالتالي. د) فقدان الوازع المعنوي وتدني المستويات القيمة وانتشار الروح الحيوانية العمياء ولهذا نجد الإرهابيين يفقدون أدنى المستويات العاطفية ومن هنا نقول : أن الإرهاب لا دين له لأن الدين يشدد قبل كل شيء على الرحمة. هـ) انتشار الأفكار المعادية الإنسانية كالنازية والفاشية والصهيونية والعنصرية والاستعلائية والتكفير وأمثالها. فما لم توضع الخطط العالمية المخلصة للقضاء على هذه العلل أو التخفيف من وطأتها فإنها سوف تضل تزرع الإرهاب. والأذكى من كل هذا ن نجد الدول العظمى التي ارتبط تاريخها بالحروب والدمار والإرهاب على رأس قائمة محاربته وهي حتى في حربها المفروضة ضد الإرهاب ترتكب أبشع أنواع الإرهاب وتدعم نظماً إرهابية فاشية مثل النظام الصهيوني الإرهابي بكل ما في هذه الكلمة من معنى. سابعاً : وقد دعونا في لقاءات مشابهة إلى عمل على المستويين العالمي والإسلامي، وهو : الموقف المقترح على الصعيد الدولي : وكخطوة اشتراتيجية من أجل ردع الإرهاب بكل أشكاله ومضامينه ومصادره، نرى ضرورة قيام منظمة الأمم المتحدة بالتصدي لهذا المشروع وتبنيه، شريطة إحداث آليات جديدة تحول دون قيام الدول الكبرى بحرف المشروع باتجاه مصالحها الخاصة، وممارسة الضغوطات على المنظمة لتسير طوع أهدافها الاستكبارية. ومن هنا يمكن لمنظمة الأمم المتحدة أن تكون مرجعاً عالمياً للحملة الشاملة ضد الإرهاب وفرض السلام العادل في الأرض ونرى أن مقدمات هذه الحملة تتمثل في : 1. المساواة في الحقوق والواجبات بين الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، ومنع هيمنة دولة أو أكثر على قراراتها، ولاسيما ما يرتبط بالآليات غير العادلة التي يضع مجلس الأمن الدولي قراراته من خلالها فهذه الآلية تسببت مثلاً في استمرار الإرهاب في أكثر من بقعة من بقاع العالم، ولاسيما في فلسطين، إذ استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق الفيتو عشرات المرات لمنع إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يكبح جماح الإرهاب الصهيوني. 2. رفع الظلم على الشعب الفلسطيني والشعوب المجاورة لفلسطين، والتي تتعرض للانتهاكات والإرهاب من قبل الكيان الصهيوني. .3 إحداث آلية دولية تمنع دعم الدول الكبرى للأنظمة والكيانات الدكتاتورية والعنصرية، وكذلك المنظمات والجماعات الإرهابية. .4 محاربة الفقر والجهل والتعصب الأعمى والمرض وكل مظاهر التخلف وكذلك أمراض المدنية الحديثة، ووسائل الإعلام والفن التي تشجع على العنف، والعنصرية وتضعف المعنويات والقيم الأخلاقية على مستوى العالم أجمع، لأنها تمثل الأرضية الطبيعية التي تترعرع فيها النزاعات الإرهابية. ويتم العمل بدلاً من ذلك على : أ) تعميم منطق الحوار بين الحضارات والأديان. ب) تشجيع الديمقراطية المنسجمة مع القيم. ج) المساعدة على تنفيذ برامج التنمية في العالم. د) تقوية المنظمات الدولية وحذف عناصر الهيمنة فيها. هـ) الارتفاع بالمستوى المعنوي والقيم الأخلاقية وتعميق دور الدين في ذلك واحترام الأدوار العائلية في عملية البناء الاجتماعي. و) توجيه الحالة المعلوماتية لخدمة البشرية. ز) أنسنة الفن واستخدامه لصالح الأهداف العليا وغير ذلك. .5 الحيلولة ـ بكل الوسائل ـ دون استغلال الدول الغربية الكبرى للأحداث وتحويلها إلى صراع حضارات وحرب بين الأديان وتصفية حسابات مع بعض الأنظمة، على حساب الشعوب. .6 تخفيف معاناة شعب أفغانستان، والعراق ودعمهما بالغداء والكساء الملجأ والدواء وغيرها من وسائل العيش والعمل على تحقيق الانسحاب التام للقوات الأمريكية وغيرها وعودة الحكم إلى أهله. 7. استمرار الحوار بين عقلاء البشرية من أتباع الأديان والحضارات والمذاهب، وتكثيف وتعميقه، بهدف خلق رأي عام عالمي يمارس دوره في نشر العدالة والسلام والمحبة بين جميع شعوب العالم. ولا شك أن السلام الذي ننشده وتنشده البشرية هو السلام العادل الذي تتكافأ فيه الفرص، ويعطي كل ذي حق حقه، وينصف فيه المظلوم، ويعاقب المعتدي، إذ أن السلام العادل هو الكفيل فقط باقتلاع جذور العنف والإرهاب، أما السلام المفروض وغير العادل فهو تسطيح للمشكلة والإبقاء عليها ناراً تحت الرماد؛ لأن المجرم يتساوى فيه مع الضحية، وتضيع جراءه الحقوق، وتكون سياسة الأمر الواقع هي الحكم. وبالتالي ستعود أعمال العنف كما كانت وربما بكثافة أكبر. وهذا ما يجعل السلام غير العادل سبباً في استمرار المشاكل وبؤر التوتر، وهم ما نشهده في أكثر من بقعة من بقاع العالم. ثامناً : وأخيراً فإننا نستطيع الاستعانة الحوار البناء أن نستفيد من حوار الأديان أولاً والحوار بين الإسلام والغرب ثانياً لتصحيح الصورة لدى الآخر. فهناك تلاق كبير بين الأديان الإبراهيمية في مجالات كثيرة منها : * التركيز على عبادة الله ومحاربة الظلم والطغيان الصفحة 10 ''دفاعاً عن مقولة الحضارة الإسلامية المسيحية'' طارحاً هذه المقولة في قبال مقولة ''صدام الحضارات'' مركزاً على المساهمات المشتركة بين الحضارتين في المسيرة البشرية العامة موضحاً أن الفارق الزمني بين بدئهما، والنزاعات المستمرة بينهما لا يشكلان مانعاً من تلاحمهما الحضاري، وحتى فارق التطور المادي بينهما ما بين 1900 - 1600 يتعادل بتقدم العالم الإسلامي بشرياً بنسبة 50 بالمائة في قبال 20 بالمائة ليلخص إلى النتيجة التالية فيقول : ''أما إذا نظرنا إليهما كوحدة واحدة ومن ضمن إطار تاريخي، فإن العالم الإسلامي المسيحي لديه ما يجمعه أكثر مما يفرقه. فماضي الغرب ومستقبله لا يمكن فهمهما بشكل كامل دون تقدير العلاقة ا لتوأمية التي تربطه بالإسلام طوال أربعة عشر قرناً. والملاحظة نفسها تنطبق على العالم الإسلامي. إن مسألة الحضارة الإسلامية المسيحية كمبدأ تنظيمي هو بالنسبة إلى الفكر المعاصر مسألة متجذرة في الحقيقة التاريخية على مر هذه القرون. وقد يتمنى الواحد منا أن يرى مؤرخو الحضارة الغربية وحضارة الإسلام قيمة تعديل نظراتهم كي يأخذوا هذه الحقيقة بالحسبان. أن الحضارة الإسلامية المسيحية هي مفهوم نحتاجه بشدة إذا كنا سنحول يوماً تراجيدياً مشهوداً(6). إلى لحظة تاريخية للاستيعاب والتكامل الاجتماعي والديني(7) ويقول عنه الأستاذ محمود حداد مترجمه ما يلي : (ولم يتفق الجميع مع أطروحة هانتغتن بل خرج كثير من المثقفين عن هذا الخط الفكري معلنين ضرورة حوار الديانات والحضارات وضرورة التعايش لا التقاتل في ما بينها إلا أن الكتاب يقول أن الإسلام والمسيحية شكل حضارة واحدة من الناحية الاجتماعية)(8). والكتاب رغم بعض النقاط التي نخالفه فيها جدير بالمطالعة. أما الحوار مع الغرب فهو أمر مفيد جداً. إنني أومن بالحوار مع الآخر لأنه منطق إنساني سليم، ومن هذا المنطلق أعتقد أن على المسلمين التحاور مع حملة الفكر الغربي لحل العقدة المستعصية والتي هي في كثير من الأحيان تشكل الأرضية الصالحة لإرهاب. وقد نادى بمثل هذا النداء كتاب ومفكرون كثير. وعلى سبيل المثال يتساءل الأستاذ (احميدة المامون النفير)(9). قائلاً: ''هل من سبيل من تجاوز الطوق الآسر الذي يختزل المكونات الخاصة في الكتلة من التصورات تعتبر دائرة الإنتاج بينما ينظر إلى الدوائر الأخرى على أنها هوامش ومجالات تلق، نعم إن المشكلة تكمن في تصور (هامشية الآخر ومركزية الذات. (والحقيقة أن للتراكمات التاريخية أثرها الكبير في نوعية العلاقة بين المسلمين والغرب. فلقد تبلورت نظرة الغرب إلى الإسلام عبر مراحل زمنية طويلة، تعددت فيها رؤى المستشرقين والمفكرين والباحثين والسياسيين الغربيين، تبعاً للخلفيات والمداخل المنهجية والدينية والفكرية والسياسية لكل رؤية. وعلى الرغم من تعدد هذه الرؤى، إلا أنها تتفق غالباً، على جملة من المبادئ التي تشكلت وتكاملت بالتدريج، حتى باتت تمثل وعي الغرب بالآخر. وهو جزء من وعي الغرب بذاته وفي إطار هذا الوعي منح الغرب لنفسه موقع ''الحقيقة'' و''القوة'' و''المركز'' و''العقل'' و''التقدم'' أبقى للآخر موقع ''التمثيل'' و''الضعف'' و''الأطراف'' و''الجنون'' و''التخلف'' وبالتالي مارس الغرب هذا المنهج في الواقع بأشكال مختلفة كالغزو العسكري والسيطرة الاقتصادية والهيمنة الثقافية والسياسية والحرب النفسية والإعلامية. ومن الرؤى المهمة التي طرحت في الغرب، في عقد التسعينات، رؤية المفكر الإنجليزي ''بيدهام برايان'' التي عرضها في سلسلة المقالات التي نشرها في مجلة ''الايكونوميست''، خلال عام ,1994 ولكنها لم تحظ بالاهتمام الذي حظيت به رؤيتا هانتينغوتون في ''صدام الحضارات'' وفوكوياما في ''نهاية التاريخ'' على الرغم مما تحتويه من نظرات لافتة إلى علاقة الغرب بالإسلام؛ وهي رؤية تكشف، في حقيقتها، عن نوع من الاستراتيجية الغربية تجاه التعامل مع العالم الإسلامي وأوضاعه العامة، ولاسيما ما يربط بمضامين الحضور الإسلامي الفاعل في مسيرة الحضارة الإنسانية. في قبال ذلك تبلورت النظرة الإسلامية للغرب على ضوء تراكمات معرفية وتاريخية دفعت البعض لتصور استحالة التلاقي بينهما لعدم وجود مجالات مشتركة. إننا نعتقد ـ خلافاً لبعض النظرات التي نرى فيها شيئاً من التطرف ـ أن هناك مجالات كثيرة للالتقاء وتوحيد الموقف، خصوصاً مع وجود طبقة منصفة تتأثر بالموقف المنطقي وتتعامل معه بإنسانية. وأمامنا الكثير الكثير من المبدئية التي نشهدها في العالم الغربي، وهي مستعدة حتى للتضحية في مجال تأييدها لقضايانا العربية الإسلامية. فلندخل بهذه الروح وهذا الأمل في مجال عرض أهم القضايا، وكما يلي : الأولى : النظرة العدائية والروح الصليبية والعنف فعادة ما يخيم الحقد عل هذه العلاقة من الجانبين معاً نتيجة التماس التاريخ والصراع المستمر على مدى قرون، وقد اختلط ذلك بتفسيرات دينية ومصالح قومية أخرى توسعية وعنصرية، مما ترك في النفوس خليطاً من العدائية الريبة، مع قدر عظيم من التعميم والتفسير بعين السخط لمختلف المواقف حتى لقد ترسّخت النظرة العدائية للغرب، بقضه وقضيضه، في نفوس المسلمين بقدر ما ترسّخت الروح الصليبية تجاه المسلمين في نفوس أبناء الغرب. ونحن نشهد ذلك في تصريحات أعلى مستوى لدى الطرفين وتتصاعد الوثيرة بعد الحوادث الكبيرة وهذا ما نراه في الحملة العدائية الشعبية ضد المسلمين في الغرب مثلاً والتي تضاعفت خلال عام واحد 16 مرة بشهادة الـ FBI الأمريكية، كما نشهده في الطرف الإسلامي الذي بدأ يرمق كل ما هو غربي بشزر ويود لو يقضى عليه بأية وسيلة حتى ولو كانت مرفوضة إسلامياً ودولياً كما نجده في انفجارات جزيرة بالي باندونيسيا مثلاً وهنا نطرح قضية عالقة أخرى ترتبط بهذه الروح العدائية وهي قضية الإرهاب والعنف. فهي معلولة بلا ريب لتلك الروح، وهي نار مستعرة إذا لم يتم السيطرة عليها فهي لا تبقي ولا تذر. فمن جهة نجد أن الغرب يئن من جراحه في الحادي عشر من سبتمبر وغيرها، من جهة أخرى يئن المسلمون من جراحهم في فلسطين وأفغانستان وغيرها. ومن جهة ثالثة ينصب الغرب نفسه مدّعياً وقاضياً ومنفذاً في هذه المسألة مع اعترافه بأن الإرهاب لم يتحدد تعريفه ولم يتم الفصل بين مصاديقه وموارد المقاومة المشروعة دينياً ودوليا بل نجده يطرح الثنائية اللامعقولة: »فإما أن تكون معناً أو فأنت إرهابي«. تماماً كان الشيوعيون المتشددون يطرحون ثنائية: -إما أن تكون شيوعياً أو فأنت لا تفهم الشيوعية ـ وحينئذ يغلق باب البحث ويفتح باب العنف. الثانية: مسألة الحرية الطبيعية والاجتماعية ربما يتصور أن الغرب يركز على مسألة الحرية التي يمنحها المجتمع للإنسان ويتهم الإسلام بتحديده لها، ولكن الحقيقة أن الغرب دأب على اتهام الإسلام برفضه للحرية الطبيعية (أي التي يمتلكها الإنسان بطبيعته الإنسانية)، متهماً إياه بالجبرية لأنه يؤمن بالقضاء والقدر. وكنت أحسب ان هناك سوء فهم فردياً من قبل بعض الغربيين حينما طالعت ما نقله الدكتور محمد حسين هيكل عن الكاتب الأمريكي (واشنطن ارونك) حين ألف كتاباً عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وشرح في خاتمته قواعد الإسلام الأساسية ومنها عقيدة الجبر فرد عليه المرحوم هيكل بشكل مناسب ولكنني وجدت ''ويل ديورانت'' يؤكد سوء الفهم هذا ويجعل الاعتقاد بالجبرية من المظاهر الواضحة في الفكر الإسلامي)(10) بل وجدت كاتباً إنجليزياً في عصرنا الحاضر هو أبراهام برايان يكتب عن الحضارة الإسلامية متهماً إياها بالجبرية(11). ولا أجدني في حاجة ولا في موضع الإجابة بعد وضوح مبدأ الاختيار الإنساني في القرآن الكريم: (إنا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفورا)(12) ولكنها شبهة يجب أن تزال من الذهن الغربي، وحتى المثقف منه وإلا كان لها آثارها التحليلية الاجتماعية أيضاً. وعلى أي حال فما زال الغرب يتهم الإسلام بتحديد الحريات الاجتماعية كما يتهم المسلمون الغرب نفسه بمنح الحريات الفردية المجال الواسع مما يحولها إلى حريات حيوانية مخربة فيجب إذن أن يجتمع الطرفان وتحدد المساحات المشتركة وهو أمر ممكن إلى حد كبير. الثالثة : مسألة العلاقة بين السلام والعدالة انطلقت دعوة الحوار بين الأديان على أسس منطقية سليمة، وراحت تترك أثرها الجيد في مجال تحقيق التفهم المنشود وتقليل مناطق الصدام، وتوفير مجالات التعاون المستمر على صعيد خدمة القضية الإنسانية والقضية الدينية، القيم المعنوية ونحن نرجو لها التوسع من مرحلة التفاهم بين المتخصصين إلى مرحلة صيرورتها ثقافة عامة تعشقها الشعوب وتتعامل على أساس منها في مختلف قضايا التماس الحضاري بعيداً عن محاولات الاستغلال والتشكيك. ومن أوليات قضية الحوار أي حوار كان- ضرورة الانطلاق من قناعات متفق عليها مسبقاً لتكون هذه القناعات هي الأضوية الكاشفة التي تحل العقد وتفتح السبل المسدودة لعملية الحوار، وتقضي في موارد الخلاف. وما نتصوره أن الإيمان بالفطرة هو من القناعات المشتركة بين جميع الأديان السماوية : والمقصود بالفطرة هو أن الإنسان مخلوق إلهي أودعت الحكمة الإلهية في وجوده وطينته الأصلية مجموعة من القضايا البديهية والقدرات العقلية والميول والغرائز، التي تضمن له سيراً طبيعياً نحو تكامله المرسوم له. وأن الأديان أنما جاءت لتثير له دفائن العقول كما يعبر الإمام علي (عليه السلام) تهيئ الجو الجو المناسب لبروز هذه الطاقات الكامنة على سطح حياته فتهديه سبيلاً إنسانياً يختلف كل الاختلاف عن السلوك الذي تسلكه الحيوانات العجماء التي تتمتع بما يتمتع به من طاقات. أمّا القضية البديهية فهي التي تمنحه القدرة على المعرفة، معرفة نفسه ومعرفة الكون والواقع، وفلسفة الوجود والعلاقات القائمة بين الأشياء وتلك من قبيل الإيمان بمبدأ العلية، والإيمان بمبدأ استحالة التناقض (الجمع بين النقيضين، ارتفاع النقيضين) و (بعض القضايا الأخرى). فهذه قضايا مغروزة في القناعة والوجدان الإنساني لا يحتاج للاستدلال عليها وإلا دخل في طريق مسدود؛ لأن الاستدلال نفسه يتوقف عليها كما هو واضح أما القدرات العقلية فهي نفس قدرة النفس الإنسانية على التأمل والتفكير وتجريد القضايا من ملابسها والصعود من مرحلة الجزئيات إلى مرحلة الكلّيات، والقيام بقياس الأشياء للوصول إلى تصورات جديدة والتخطيط الذهني لمراحل غير موجودة على صعيد الواقع القائم. أن هذه القدرة الذهنية هي من مختصات الإنسان وهي سر مسيرته التكاملية وإبعاده ونموه. وأما الميول الغريزية فهي التي تقوده نحو كماله وتدفعه الاستفادة من طاقاته في هذا المجال : ومن هذه الميول : ميله نحو الكمال، والسير نحو الكمال المطلق، ومحاولة سد جوانب العجز في وجوده، والركون إلى هذا المطلق القادر وأداء حقه وشكر نعمه والقيام بحق طاعته. فهذه أمور يجدها الإنسان مغروزة في الطينة الإنسانية وإن اختلفت تجلياتها وتعددت أساليبها. وربما غطت الشبهات على هذه الميول وكبتتها. ومنها أيضاً غريزة حب الذات والعمل على تحقيق طموحاتها فهي من الغرائز الأصلية في الإنسان والتي لا يمكن تجاوزها والقضاء عليها، كما تصورت الماركسية يوماً ما أنها ظاهرة فوقية يمكن حذفها من الوجود الإنساني من خلال تحريم الملكية. ومنها التذوق الفني : والابتهاج لعناصر الجمال التي يزخر بها هذا الكون. ولسنا نريد استعراض كل العناصر الفطرية، وإنما نريد أن نطلق هذه الحقيقة هي: أن الاقتناع بأن ''العدالة شيء حسن دائماً'' و ''أن الشيء الحسن ينبغي فعله'' هي من القناعات الفطرية التي لا تحتاج إلى دليل... فإذا اقتنع الإنسان بأن الموضوع المعين حسن اقتنع بأنه مما ينبغي فعله دونما تشكيك فهو موضوع مطلق، كما أن من المواضيع المطلقة حكم الوجدان الإنساني بأن قضية (إطاعة المنعم الحقيقي، والمالك الحقيقي للكون والإنسان) هي قضية مطلقة لا تتخلف أيضاً. هناك من القضايا التي زرعت في الوجود الإنساني كمصاديق لمسألة العدالة (أصلاً) الصدق، والأمانة، والرحمة، والإيثار، والسلام. فهذه الأمور حسنة في أصلها، ونقصد من عبارة (في أصلها) أنها قد تطرأ عليها بعض الحالات التي تفقد معها حسنها الطبيعي الفطري وتخرج من كونها تجليات للعدالة ومصاديق واقعية لها لتعود من تجليات الظلم والتعدي. ونستنتج من هذا أن الفطرة الإنسانية تحكم بنوعين من الحكم. أحدهما مطلق من قبيل العدالة نفسها وطاعة الخالق الحكيم. والثاني مقيد ونسبي من قبيل: الصدق والسلام. فقد يكون الصدق في بعض الأماكن نتيجة ما يؤول إليه من تبعات ظلماً لا عدالة، وكذلك السلام أحياناً بما يؤدي إليه من جرأة على حرمات الإنسانية فإذا كانت العدالة قيمة مطلقة فإن السلام قيمة نعمل على تحقيقها إذا عادت وجهاً من وجوه العدالة ونرفضها إن كانت ظلماً ولكن التساؤل الأساس هو : ما هي معايير العدالة؟ وكيف نتأكد من تحقيقها؟ إن الأديان السماوية كلها تؤكد على معايير : الأول : معيار تعبدي نستفيد فيه من علم العالم المطلق، وهو الله تعالى وهو تعليمات الدين الثابتة، والتي نتأكد من كونها صادرة من الله سبحانه ذلك أننا نتأكد قيل ذلك من علم الله الشامل، ومن لطفه ورحمته بالإنسان المخلوق ومن عدالته وتمتعه بكل صفات الكمال فهو لا يريد بالإنسان إلا الخير ولا يخدع الإنسان إنما يكشف له كل الواقع ويريد له كل الخير. الثاني : معيار وجداني يكفي فيه الرجوع إلى الفطرة نفسها. وما يساعدنا في اكتشاف العمق النظري هو كون هذه القناعة أية قناعة كانت- من ملازمات البيئة الإنسانية ولذلك نجدها متوفرة لدى كل أبناء الإنسان في مختلف ظروفهم حالاتهم الفردية والاجتماعية وأزمنتهم وأمكنتهم. لكي نتأكد من هذا المعنى نستطيع أن نطرح هذا السؤال على أي إنسان ''هل تعتر أن السلوك الفلاني سلوكاً إنسانياً أم سلوكاً حيوانياً مثلاً: قتل اليتامى والعجزة المستضعفين للتلهي والتشهي؟'' مثل هذه السلوك يعد سلوكا وحشياً من قبل أي إنسان بلا ريب والقرآن الكريم أحياناً يعيد الإنسان إلى تأمله الوجداني وقناعته الفطرية؛ (أحل لكم الطيباتً)(13) ويترك أمر تعيين الطيبات للإنسان؛ (إنما حرّم ربّي الفواحش)(14) ويترك أمر تعيين الفواحش أيضاً ويعتبر الخروج عن الحالة الإنسانية (فسقاً) وانحرافاً عن الطبيعة؛ {نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون}(15) وهكذا ننتهي إلى هذه الحقيقة وهي : أن الأديان تؤمن بالفطرة الإنسانية، وأن الفطرة تقرر كون العدالة مطلوباً مطلقاً وكون السلام مطلوباً إذا شكل مصداقاً من مصاديق العدالة وتجلياً لها ومن هنا كان التأكد الدائم على (السلام العادل) تأكيداً إنسانياً صحيحاً. السلام العالمي والموقف منه قلنا لا ريب في كون الأمان مطلباً إنسانياً فطرياً يستمد جذوره من أهم غريزة وجدت في فطرة الإنسان، وهي غريزة ''حب الذات'' وهذه الغريزة تعمل مع باقي الغرائز بشكل متناسق لتحقيق سير إنساني متوازن نحو الأهداف التكاملية العليا للإنسان... فلا يكفي وجود الدوافع الغريزية لتأمين السير المتوازن وإنما يجب تأمين جو طبيعي للذات الفردية وللذات النوعية كي تدفعها تلك الدوافع نحو آفاقها المنشودة. وتأكيداً من الفطرة نفسها على توفير الجو الآمن، نجد العناية الإلهية قد غرست فيها بديهيات الحكمة، والميول نحو العدل، والنفور من الظلم والاعتداء، بل ومنحتها القدرة على تعيين الكثير من مصاديق العدل والظلم، مما يمهد لها السبيل للاتصال بالخالق العظيم وتقديم معاني الولاء له، وحينئذ تنفتح لها آفاق الوحي. فيجب إذن التفاهم حول هذه العلاقة نظرياً لنصل إلى التفاهم حول المصاديق. النقطة الرابعة : المحورية الحضارية من الطبيعي جداً أن يقدم الإسلام نفسه محوراً أو نموذجاً للحضارة الإنسانية باعتباره خاتمة النماذج الحضارية، التي قدمها خالق الإنسان بمقتضى لطفه واعتبر الأمة الإسلامية النموذج والشاهد على كل الناس:{وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}(16). وقد قدم الغرب نفسه محوراً حضاريا ـ يجب أن تقتضي به الأمم، بل اعتبر نفسه غاية التاريخ ونهايته. كما يعبر فوكوياما المفكر الأمريكي الياباني الأصل، ورغم أن صموئيل هانتكتون قد اختلف معه في السبيل فقال بفكرة الصراع الحضاري إلا أنه يتحد معه في النتيجة وهي انتصار الحضارة الغربية الليبرالية على كل الحضارات في النهاية. وهي فكرة رددها برايان الأنف الذكر ولكن عبر التوسل إلى العالم الإسلامي لكي يطوي بعض المراحل ليصل إلى هذا المستوى ''وقد تصور أن العالم الإسلامي يمر في القرن الخامس عشر الهجري بنفس ما مر به العالم الغربي في القرن الخامس عشر الميلادي من نهضة أوصلته إلى هذا المستوى اليوم.'' وهذه الفكرة رددها سياسيون وقانونية غربيون آخرون وبشيء من الاستعلائية والمقارنة المجحفة حتى بين بعض التصورات الإسلامية المسيحية. وفي رأيي أن ترك الأمور على إجمالها والمقارنة بين المجملين لن يؤدي إلى نتيجة فعلينا أن نحلل كل حضارة إلى مبادئها التفصيلية، ثم نقوم بمقارنة هذه المبادئ إلى بعضها، معتمدين على المفروضات الإنسانية المشتركة والوجدان المشترك آملين الوصول إلى نتائج مشتركة وإلاّ بقينا ندور في حلقة مفرغة. النقطة الخامسة : العالمية والعولمة وهنا أيضاً لنسمح لكل طرف كي يطرح تصوره، ثم لنتفق على المبادئ الأساسية التي تعتمد القبول بالتعددية والتعاون والنظام العالمي المشترك خدمة لكل البشرية وتفادياً لإهدار طاقاتها وإمكاناتها. في الواقع هناك اليوم ثلاثة نظم متنافسة هي الإسلام، الاشتراكية، الرأسمالية. وهي تمتلك جمعياً توجهات عالمية، وهنا أؤكد على أنه لا فرق من حيث هذا التعريف بين العولمة والعالمية. وقد ذكرنا أن الإسلام باعتباره آخر حلقة من حلقات الدين الإلهي جاء ليصلح البشرية، باعتباره طريق خلاصها الذي أراد خالق البشرية، وهو بذلك يركز على الفطرة الإنسانية المشتركة بين أبناء البشر، ويعتمد منطق الحوار والإقناع، ويعرض نفسه السبيل الوحيد لخلاص البشرية، هذا الإسلام استخدم، لتحقيق أهدافه، عملية التغيير الفردي التغيير الجماعي، وسعى لحذف الحدود الجغرافية والحدود اللونية واللغوية، وإقامة مجتمع عالمي يطبق قانوناً واحداً، ويتبع قانوناً واحداً، ويمتلك أحاسيس مشتركة، وأهداف إنسانية واحدة. هذا الاتجاه العالمي يبدو في كثير من النصوص الإسلامية، مثل قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا}(17)، وقوله تعالى: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هم إلا ذكر للعالمين}(18) وهناك نصوص كثيرة تؤكد على عالمية الإسلام منذ انطلاقته الأولى، خلافاً لما يدعيه بعض المستشرقين والمؤرخين، من أن العالمية الإسلامية جاءت بالتدريج لا مجال هنا للتفصيل في هذا المجال. فالإسلام إذا انطلق باتجاه عالمي ومازال، عبر العصور، يؤكد هذا الاتجاه، يؤكد وحدة المنطق الإسلامي، والمسير والهدف، هذا هو رأي الإسلام، أما الاشتراكية فهي أيضاً عندما طرحت فلسفتها عن التاريخ طرحت مسألة المادية التاريخية، والمراحل التي اشتهرت في هذه المادية، حيث تنتقل البشرية من مرحله العبودية إلى المراحل الإقطاعية، إلى الرأسمالية التجارية، الراحل الرأسمالية الصناعية، إلى المرحلة الاشتراكية، وبالتالي إلى المرحلة الشيوعية، عبر بعض القوانين ومنها صراع الأضداد الاجتماعية. هذا التصور أعطى الاشتراكية نظرتها العالمية في إيجاد تحول عالمي في مسيرة الإنسانية. وواضح أن الاشتراكية اعتمدت في هذا المجال قضية صراع الطبقات، والثورة والنظام الحديدي الاشتراكي الذي يوصل المجتمع إلى الجنة التي يتصورها الاشتراكيون، وهي الشيوعية)(19) وقد فشلت هذه الرؤية سواء على الصعيد النظري أو على الصعيد التطبيقي في أثبات ذاتها. هذا بالنسبة إلى الاشتراكية، أما بالنسبة إلى الرأسمالية، فقد انطلقت منذ بداية حركتها دون أساس إيديولوجي)(20) ، ولم تكن تهتم بالأساس الإيديولوجي، وأنما همها تنظيم الحياة، وأقام نظامها على أساس الحرية الفردية الرأسمالية، وعندما انطلقت وواجهت اتساع الأفكار المعادية لها، راحت تأخذ من الاشتراكية شعاراتها وتستبدلها بشعارات مقابلة، من قبيل العدالة الاجتماعية، حيث استبدلتها بمسألة حقوق الإنسان، والتنمية الاقتصادية، حيث استبدلتها بمسألة السوق الحرة ونمو الإنتاج، بالتالي فإنها أخذت شعار الأممية البروليتارية واستبدلته بشعار العولمة الرأسمالية، إذ عندما انطلقت انطلقت محلية وكان تركيزها على الغرب، ولم تطرح نفسها بشكل عالمي، إلا بعد أن توفرت ظروف مناسبة لذلك. النقطة السادسة : العولمة الاجتماعية ومشاكل السكان والتنمية الملاحظ في مسيرة التفكير الاجتماعي الغربي والحاكم في النهاية على مسيرة صياغة الوثائق الاجتماعية الدولية ومنها وثيقة القاهرة ووثيقة كوبنهاكن ووثيقة بكين وغيرها، أن هناك منطلقات تحكم هذه العقلية وأهمها ما يلي : أولا : منطلق نظرية مالتوس القائلة بأن معدلات النمو الإنساني أسرع من معدلات النمو الطبيعي للموارد والإمكانات في الطبيعة. ثانياً : منطلق أنه لا يمكن بل ينبغي توضح العقبات أمام الاستجابة الحرة للغرائز الجنسية لأن ذلك يؤدي للكبت، والتمرد، ويخالف حقوق الإنسان. ثالثاً : عدم الإيمان بما يسمى بالقيم الإنسانية أو القيم الأخلاقية الاجتماعيةـ بل تصور أن توفر مثل هذه القيم في المجتمع يؤدي إلى عدم الاستجابة للثقافة الغربية على المستوى العالمي ـ ولذا يجب العمل على محوها اجتماعياً لكي تنفتح الشعوب أمام عملية الغزو الثقافي الجامع وفرض التصورات الغربية لا على الأذهان فحسب بل وحتى على القوانين الفرعية الاجتماعية في المجالات المدنية باعتبارها عملية إدخال لروح حقوق الإنسان في المجالات القانونية، وباعتبار الغرب قيّماً مزعوماً على حقوق الإنسان هذه. وهي أخطر مراحل هذا الهجوم حتما. رابعاً : الروح العلمانية التي واجه بها الغرب سلطة الكنيسة وتخلص براثنها ليتجه الاتجاه المادي ويصنع حضارته التي جمعت بين هذا الاتجاه والتقدم العلمي، ومن هنا فهو يتصور أن منهجه هذا هو الذي يجب أن ينفذ في شتى انحاء العالم. وهو بذلك يتحسس من كل ما هو ديني أو يمت إلى الدين بصلة، ومن هذه المنطلقات وأمثالها جاء هذا التخطيط الرهيب ليعتمد الأسس التالية : .1 تأييد التحرر الكامل من القيود الدينية وخصوصاً في المجال العائلي والاجتماعي. .2 تقليل النمو السكاني بشتى الوسائل، ومنها الإجهاض. .3 فرض المفاهيم الغربية عن حقوق الإنسان على الساحات الفكرية والعملية والقانونية. 4. التأكيد على فكرة العولمة الاجتماعية وتدخل الأمم المتحدة في ثقافات الشعوب وبنيتها الاجتماعية. ونلاحظ أن الإسلام لا يعترف بمجمل هذه المنطلقات؛ فالقرآن الكريم يؤكد أن الله تعالى أودع في الطبيعة كل ما يحتاجه الإنسان وهو أمر يستنبطه الوجدان الإنساني الذي يلاحظ كل هذا الانسجام والتخطي في الكون. ولكن الذي أوجد المشكلة في الواقع هو ظلم الإنسان في توزيع المحصول الطبيعي توزيعاً عادلاً، وكفره بأنعم الله تعالى: {وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفا}(21). كما أن الغرائز هي دوافع عمياء صممت في وجود الإنسان لتحقق له المضي في المسيرة ولكن تحت هداية عقلية وتخطيط تشريعي واقعي فلا يمكن أن يطلق لها العنان، وإلا تحولت إلى عواصف هوجاء تعصف بالوجود الإنساني، كما أن الإيمان بالقيم الأخلاقية نابع من الإيمان بالله تعالى وهو مقتضي الفطرة الإنسانية والوجدان، ومن طلب ما عدا ذلك فقد بخس الإنسانية حقها وأخرجها إلى حيوانية عجماء {أولئك كالأنعام بل هم أضل}(22) وأخيراً أن الإسلام دين الحياة المترابطة ولا يمكن أن تنتظم الحياة إلا به، فالعلمانية مرفوضة جملة وتفصيلاً، وعلى هذا الأساس فإن النتائج التي اعتمدها هؤلاء مرفوضة أيضا. إلا أن هناك نقطة مهمة يجب ملاحظتها أيضاً وهي أن هناك بدائل مشروعة تطرح نفسها في البين فيجب توخيها وعدم اتخاذ الموقف السلبي الكامل، فمسألة تنظيم العائلة أمر لاحظه الإسلام وسمح به بل وربما أوجبه إذا تطلبت المسيرة الاجتماعية ذلك نتيجة للظروف الطارئة، فإذا عاد النمو السكاني خطراً على منطقة ما وتخطيطها نتيجة عوامل لا يد للدولة الإسلامية فيها ـ كان من الممكن لولي الأمر أن يأمر بذلك كما أمكن للأفراد أن ينظموا المسيرة وفقاً لما يحقق المصلحة الاجتماعية، والأب والأم هنا أحرار في مسألة التنظيم هذه. ولكن ذلك يتم بالطرق المشروعة وليس الإجهاض أحدها قطعاً، فهو أمر غير مسموح به إلا في الحالات النادرة كتعرض حياة الأم للخطر أو ابتلاء الجنين بمرض عضال غير قابل للعلاج مثلاً. وحقوق الإنسان بمعناها الحقيقي يضمنها الإسلام ويعمل عل توفيرها للأفراد في إطار واقعي سليم. وللإسلام مفهومه الخاص عن العولمة إذ يقيمه على أساس من الفطرة الإنسانية وهي مشتركة بين أفراد البشر لا تنمحي وإن كانت آثارها قد تضعف وتقوى. وعلى أي حال فينبغي التعامل بحذر وإيجابية مع الوثائق المطروحة وإلا ابتلينا بسلبياتها فرضاً وخسرنا إيجابياتها. أمّا المشكلة التعليمية (التعليم للجنسين)، فإنه ليس للإنسان أن يتصور تحفظاً للإسلام في مجال التعليم، فالإسلام دين العلم، وهو يحبذ تعليم الإنسان في أي مرحلة كانت فلا مشكلة لدينا في تعليم الإنسان حقوقه الفردية والاجتماعية، ولا مانع مطلقاً من كشف الحقائق أمام الإنسان. إنما الإشكال يكمن في أن يستغل التعليم وأساليبه لتحقيق أهداف لا إنسانية وحينئذ يقف الإسلام ضد هذا الاستغلال. والتعليم بمسألة الجنس والعلاقة الجنسية وآثارها من الأمور الطبيعية، للتوقي من الآثار السلبية للجهل، وللتخطيط للإشباع الحكيم، وتحقيق هدف الخلقة الإنسانية في ضمان استمرار النوع البشري، ليقوم بإعمار الأرض وبناء المجتمع الصالح وتنظيم العلاقات الاجتماعية وكذلك لإشباع حاجاته الجنسية الطبيعية والتمتع بالحياة. كل ذلك أمر طبيعي، وطبيعي أن يدعو له الإسلام ويحبذه، إلا أن الخطر يكمن في عملية الاستغلال، ذلك لأنه يمس جانباً حساساً مشتعلاً في حياة الإنسان خصوصاً الإنسان الشاب ومن هنا يأتي عنصر الاستغلال الأمر الذي يدعو إلى الاحتياط، ومن هنا أيضاً أصر الوفد الإسلامي الإيراني في كل هذه اللقاءات على أن يكون التعليم في السن المناسب وتحت إشراف الوالدين مستهدفاً الحيلولة دون الانتهاء إلى نتائج سلبية فردية أو اجتماعية... جسمية أو روحية. ومن هنا فإن المطلوب أن توضع خطة حكيمة لتعليم أولادنا وبناتنا ما يحتاجون إليه من معلومات ترتبط بهذا الجانب، وأحكام هذا الباب متناثرة في أبواب فقهية متعددة مثل الطهارة والنكاح والعقوبات وغيرها. أما التستر على الأمر بحجة الاستحياء، وعدم هتك الأسرار فهو إلى حد ما طبيعي، ولا يعني أن لا تنقل المعلومات اللازمة لنوقعهم أو نعرضهم للوقوع في هذه الخطيئة أو القلق. وحول مشكلة الإجهاض، فهناك بعض الدول التي تبيح الإجهاض في قوانينها الداخلية بشكل طبيعي، وهناك الاتجاه الآخر الذي تقوده الكنيسة وهي تحرم أية عملية إجهاض مطلقاً بل أي عملية تنظيم النسل وتخطيط للأسرة من خلال أقراص منع الحمل وأمثالها، اللهم إلا ما كان من قبيل التخطيط للمقاربة الجنسية في الأوقات التي يقل فيها احتمال انعقاد النطفة كبعض الأيام في الشهر. وهناك الاتجاه الإسلامي الوسط فهو يمانع فيها ويحرم القيام بالإجهاض منذ انعقاد النطفة، ولا مانع من القيام بكل عمل يقف بوجه هذا الانعقاد كالعزل الذي أحله رسول الله ؟ لأصحابه. كما لا يمانع من الإجهاض إذا تعرضت حياة الأم للخطر المحقق، أو ابتلى الجنين بمرض عضال لا يقبل العلاج على بعض الآراء طبعا. وعلى أي فيجب أن لا يحبذ هذا العمل ولا يعتبر وسيلة لتنظيم النسل مطلقاً. ولكن إذا تم السماح لهذه العملية شرعاً فيجب أن يتم بالطرق الصحيحة المأمونة بلا ريب. كما أنّ الإسلام يحرم مطلقاً أن تقوم الأم بهذه العملية لعدم الرغبة في الإنجاب، أو لوجود بعض النتائج السلبية، الاقتصادية والاجتماعية. إنّ الجنين مهما كان السبب في تكونه (حتى ولو كان ذلك محرماً) إنسان محترم، له حق الحياة. ولا يجوز الاعتداء عليه ويجب توفير كل الظروف الملائمة لتكامله وولادته صحيحاً سالماً. وتبقى هناك مسألتان : 1. مشكلة الشباب: لجيل الشباب بمقتضى طبيعته الحيوية وتحولات حياته الكثيرة من المشاكل، وأنماط السلوكيات التي يفرط فيها أحياناً ولا يجد متنفساً لها في المجتمع أحياناً أخرى. من قبيل المشاكل الجنسية ومشكلة الزواج، والنزوع للتحرر من آية قيود، والتمرد على التقاليد، وطرح التساؤلات العديدة وقلق الشخصية وترددها بين الطفولة والرجولة ومشاكل التعليم. وهذه الحالات تتطلب منا مواجهة حكيمة كما أسلفنا- من خلال الدراسة الميدانية، واللقاءات الودية والحرة، والعمل على ملء الفراغ الشبابي بشتى الأساليب الإيجابية والابتعاد عن جوّ العنف والتحلل والتمرد، وتوفير فرص التعويض الإيجابي بدلا من كبت العقد النفسية، وإشاعة الأخلاق الفاضلة بالحكمة والموعظة الحسنة، بدلا من استخدام أساليب الوأد، والإجابة على التساؤلات وأمثال ذلك. 2. مشكلة المرأة: للمرأة أيضاً مشاكلها الخاصة بها، من قبيل المشاكل الاجتماعية التي قد تعثر الزواج، كمشاكل الطلاق، ومشاكل الضعف في مواجهة الحالات العنيفة كالحرب والتهجير والتقاليد المجحفة، ومشاكل الدخول في المعترك الاجتماعي الإداري والاقتصادي والسياسي والتعليمي، فينبغي إذن العمل الجاد على اكتشاف هذه المشكلات، ووضع الحلول المناسبة مسترشدين بالحلول الإسلامية الأصلية، ورافضين لكل حالات التطرف المقيت، الذي يسلب المرأة حقوقها الإنسانية الإسلامية ويعقدها عن المساهمة في عملية البناء الاجتماعي الواسع بل في العملية الحضارية الإنسانية أسوة بالعظيمات من النساء اللواتي تركن بصماتهن على الصعيد التاريخي. إنها طاقة كبرى يجب أن لا نكفر بنعمتها ونتركها هكذا تذوب وتنزوي، نعمل على أن تسخّر لصالح الإنسانية. النقطة السابعة : الديمقراطية إنّ الليبرالية الغربية تمنح كل السلطات للشعب، فله التقنين والتعيين للحكام. إلاّ أن الديمقراطية الغربية تتحول إلى مجرد حقوق اسمية في كثير من الأحيان حينما يتدخل المال والتزوير والتحالفات المصلحية. في حين يرى الإسلام أن الدين بمقتضى انطلاقه من خالق الإنسان له الحق في تعيين نوع تدخل الإنسان في مجال التقنين والتعيين. ومن خلال هذا المبدأ قام الإسلام بالأمور التالية : 1. عالج الجانب الثابت من الحاجات الإنسانية بأحكام ثابتة لا تتناولها يد التغيير نعم قد تتغير بعض أساليب التطبيق باختلاف الزمان والمكان والاجتهادات كاختلاف أساليب تطبيق التكافل والتوازن الاجتماعي باختلاف المجتمعات الإسلامية. 2. فسح المجال للحاكم الإسلامي في التشاور مع الأمة لتحقيق المصالح المتغيرة وإشباعها بأفضل الطرق في مجال المباحات. 3. وضع الشروط اللازمة لانتخاب الكوادر التنفيذية على كل المستويات وبالتالي نستطيع أن نعبر عن الحكم الإسلامي بأنه حكم الشعب ضمن الإطار الديني. إذن فهناك نقاط التقاء كثير يمكن التوصل فيها إلى حد مشترك مع الديمقراطية الغربية. النقطة الثامنة: العلمانية وهي فكرة نشأت في أحضان غربية ونتيجة صراعات بين أنصار التحرر والتزمّت الكنسي انتهت إلى عزل الكنيسة عن الحياة الاجتماعية تقريباً ـ بالتالي فصل الدين عن الحياة. إلا أن طبيعة الإسلام وتعاليمه الحياتية وتخطيطه لأسلوب الحكم وتطبيقاته العلمية تتناقض مع هذه الفكرة.. ونحن لا نرى مجالاً للتفاهم على حد مشترك في هذا المجال. النقطة التاسعة: حقوق الإنسان وفي هذه النقطة لا نجد اختلافاً كبيراً في المفهوم وفي نوعية القيود التي يجب أن تقيد هذه الحقوق، من حيث ضرورة كون هذه الحقوق معقولة إلا أن الاختلاف قائم في مجالات أخرى من قبيل ''منشأ الحقوق'' وهو الإنسان ذاته الذي يقررها ويقرر حدودها ومصاديقها وبالتالي يتبع الأمر اجتهادات الإنسان. أم هو الله خالق الإنسان ومالكه وهو الذي يمتن بها على هذا المخلوق، ثم يعين له حدود هذه الحقوق والتي تضمن أن تكون استفادة الإنسان منها محققة لتكامله الفردي الاجتماعي وغير مخلة بالتوازن المطلوب، بعد أن كان الحق ذا طرفين : من له الحق ومن عليه الحق. وعلى أي حال فنحن نعتقد أن الإيمان بنظرية الفطرة الإنسانية ضروري للإيمان بالحقوق الإنسانية، فالإنسان الذي يمكن أن نتصور له حقوقاً هو الموجود الذي يمتلك بطبعه عناصر فطرية تولد معه وتبقى معه ما دام إنساناً فإذا انقلب إلى وحش فقد هذه الحقوق {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون}(23). والحقيقة أننا إذا لم نؤمن بالفطرة الإنسانية فقدنا المعيار في تشخيص الحقوق وربما كان الذين كتبوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينطلقون من هذا المنطلق دون أن يشعروا أو يصرحوا بذلك ـ حينما قرروا في مقدمة الإعلان ''ضرورة معرفة الحيثية الذاتية للإنسان لتحقيق الحرية والعدالة والسلام. (وبالتالي نجد اختلافاً واسعاً بين الغرب والإسلام في مصاديق هذه الحقوق إلا أن هذا لا يعني عدم إمكان الوصول إلى مساحات مشتركة كثيرة وهذا يتضح مع المقارنة بين الإعلان العالمي والإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان)(24) النقطة العاشرة : دعم الحركة الصهيونية إن العداء بين الحركة الصهيونية والأمة الإسلامية بات قوياً لا تزيده الأيام إلا رسوخا؛ نتيجة الطبيعة العنصرية من جهة والتأصل الإجرامي لدى الصهاينة، من جهة أخرى وها نحن نتجاوز قرناً من الزمان ملؤه التعدي على حقوق المسلمين المعترف بها دولياً وقد تجاوزت انتهاكات العدو الصهيوني العشرات بل المئات من قرارات الأمم المتحدة وبشكل يندى له جبين الإنسانية. إلا أنا نجد الغرب وعلى رأسه اليوم أمريكا يقف مدافعاً عنه وداعماً له بشتى أنواع الدعم، بل ومتجاوزاً حتى شعاراته هو من حماية حقوق الإنسان، بل معتبراً إيّاه النظام الديمقراطي المقدم للعالم الثالث. والغرب بهذا يثبت كذب منطق حمايته لحقوق الإنسان، ويكيل بمكيالين في هذا المجال، ويثير حقد العالم الإسلامي بل حقد كل إنسان يحتاج إنسانيته. هذا وقد حاول الكثيرون الوصول إلى بعض المساحات المشتركة ولكن كل هذه المحاولات تحطمت على صخرة الطبيعة العنصرية والعدوانية الصهيونية. وهي مسألة لا نجد فيها أي مجال للمساومة. ـــــــــــــــ (*) الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب ـ ايران. (1) سورة الجمعة، الآية 2. (2) كنز العمال، ج4، ص 223، والكافي، ج5 ص 27، وغيرها. (3) سورة إبراهيم، الآية 34. (4) روته الصحاح. (5) سورة النور، الآية 55. (6) يقصد 11 سبتمبر 2001م. (7) الكتاب المذكور، ص .56-55 (8) ن.م.ص .10 (9) من مقدمة على كتاب (الشرق والغرب حين يلتقيان) للمرحوم مصطفى النفير. (10) قصة الحضارة، ج 13، ص 5. (11) سلسلة مقالات في الاكونومست اللندنية عام 1994. (12) سورة الإنسان، الآية 3. (13) سورة المائدة، الآية 4. (14) سورة الأعراف، الآية 33. (15) سورة الحشر، الآية .19 (16) سورة البقرة الآية 143. (17) سورة الأعراف. الآية 158. (18) سورة القلم. الآية 51. (19) للوقوف على تفصيل هذا الأمر، راجع بحوث الشهيد الصدر في اقتصادنا، ص 53-238، حول الموضوع. (20) ن. م، ص 237-250. (21) سورة إبراهيم، الآية .34 (22) سورة الأعراف، الآية .179 (23) سورة الحشر الآية .19 (24) راجع كتابنا (حول الدستور الإسلامي) ص 157.
|
|
Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture-ISESCO- 1429H/2008 |
|
Haut de la page |
| - Copyright © ISESCO 2010 - | |