Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -
Directeur Général | Education | Sciences | Culture | CPID | Coopération | Secrétariat GC & EC| Accueil | Contact

   

Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesures

Actes de la Conférence

Tunis: 15-17 Novembre 2007

 

Table de matières

عوامل الإرهاب وآليات التصدي

سماحة الشيخ محمد علي‮ ‬التسخيري‮(*) ‬ ‮ ‬

‮ بسم الله الرحمن الرحيم

فإننا نرجح أن نلخص حديثنا بالأمور التالية‮ :‬

وبعد،

أولاً‮: ‬معنى الإرهاب‮ :‬ ‭ ‬

وهو كل عمل عدواني‮ ‬يتنافى من حيث الوسيلة أو الهدف مع القيم الدينية والطبيعية والقوانين الإنسانية العامة،‮ ‬ويتضمن تهديداً‮ ‬للأمن بأي‮ ‬نوع من أنواعه‮.‬

وللتوضيح نذكر النقاط التالية‮ :‬

.‬1‮ ‬إننا نستعمل المصطلح البشري‮ ‬بدلاً‮ ‬من الدولي‮ ‬لكي‮ ‬نحقق الإجماع الرسمي‮ ‬وغيره للتأكد من الحكم الإنساني‮ ‬العام‮.‬‭ ‬ ‭

.‬2‮ ‬لاحظنا عنصري‮ ‬الوسيلة والهدف‮.‬

‭.‬3‮ ‬أشرنا إلى أنواع الإرهاب بعبارة‮: (‬للأمن بأي‮ ‬نوع من أنواعه‮).‬

‭.‬4‮ ‬ذكرنا المعيارين الديني‮ ‬والبشري‮ ‬معاً‮ ‬لكي‮ ‬ننسجم مع إيماننا أولاً،‮ ‬ونعمم المقياس بشرياً‮ ‬ثانياً‮.‬

‭.‬5‮ ‬وكما‮ ‬يلاحظ فإن كون العملية عنيفة لا‮ ‬يعد شرطاً‮ ‬في‮ ‬صدق صفة الإرهاب‮.‬

‭.‬6‮ ‬وتعتبر الصفة العدوانية محور التعريف،‮ ‬لأنها أساس الإدانة‮.‬

وعلى ضوء هذا التعريف‮ ‬يمكننا أن نتحقق من الصفات الإرهابية التي‮ ‬تطلق على هذا العمل أو ذاك،‮ ‬ونتأكد من أن هذه الصفة لا تنطبق على‮ :‬

أ‮ ) ‬أعمال المقاومة الوطنية التي‮ ‬تمارس ضد المحتلين والمستعمرين والغاصبين لا‮ ‬غير‮.‬‭ ‬

ب‮) ‬مقاومة الشعوب للفئات المفروضة عليها بقوة الحديد والنار‮.‬

ج‮) ‬رفض الدكتاتوريات وأنماط الاستبداد‮.‬

د‮) ‬مقاومة الأفكار اللا إنسانية كالنازية والتمييز العنصري‮.‬

هـ‮) ‬الرد بالمثل على أي‮ ‬اعتداء إذا لم‮ ‬يكن هناك مناص من ذلك‮.‬

و‮) ‬الجهاد المشروع بضوابطه الأخلاقية وأهدافه الإنسانية التي‮ ‬بينها علماؤنا‮.‬

وكذلك لا تنطبق على كل تحرك سلمي‮ ‬لا‮ ‬يصاحبه إرهاب حتى ولو لم‮ ‬يكن‮ ‬يحمل هدفاً‮ ‬إنسانياً‮.‬ ‭ ‬

كما أنه لا‮ ‬ينطبق على الأعمال المخربة الفردية التي‮ ‬لا تمتلك تأثيراً‮ ‬اجتماعياً‮.‬‭ ‬

وهذه الأعمال وأمثالها ـ وإن كانت مدانة من جهة أخرى إلا أنها بالتأكيد ليست أعمالاً‮ ‬إرهابية‮.‬

هذا في‮ ‬حين‮ ‬ينطبق التعريف على‮ :‬

أ‮) ‬أعمال القرصنة الجوية والبحرية والبرية‮.‬

ب‮) ‬كل العمليات الاستعمارية بما فيها الحروب والحملات العسكرية‮.‬

ج‮) ‬كل الأعمال الدكتاتورية ضد الشعوب،‮ ‬وكل أنماط الحماية للدكتاتوريات فضلاً‮ ‬عن فرضها على الأمم‮.‬

د‮) ‬كل الأساليب العسكرية المخالفة للأعراف الإنسانية‮: ‬كاستعمال الأسلحة الكيماوية والنووية والبيولوجية،‮ ‬وضرب المناطق الآهلة،‮ ‬ونسف البيوت،‮ ‬وترحيل المدنيين،‮ ‬وأمثال ذلك‮.‬

هـ‮) ‬كل تلويث للبيئة الجغرافية،‮ ‬والثقافية والإعلامية،‮ ‬وربما كان الإرهاب الفكري‮ ‬من أخطر أنواع الإرهاب‮.‬

و‮) ‬كل تحرك‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى ضعضعة الاقتصاد الدولي‮ ‬أو الوطني،‮ ‬والإضرار بحال الفقراء والمحرومين،‮ ‬وتعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية،‮ ‬وتكبيل الشعوب بأغلال الديون الباهظة‮.‬

ز‮) ‬كل تحرك تآمري‮ ‬يعمل على سحق إرادة الشعوب في‮ ‬التحرر والاستقلال،‮ ‬وفرض الأحلاف الشائنة عليها‮.‬

وهكذا‮ ‬يمكننا أن نتابع ضرب الأمثلة على مصاديق التعريف المذكور‮.‬

ثانياً‮ : ‬بالرغم من أن كثير من الاجتماعات والمحاولات قد عقدت لمكافحة الإرهاب إلا أنها أخفقت في‮ ‬الغالب‮ :‬ ‭ ‬

أنها لم تقم على أساس إنساني،‮ ‬دولي،‮ ‬بل استهدفت تحقيق المصالح الضيقة قبل كل شيء‭. ‬وأنها لم تعالج الظروف التي‮ ‬تخلق الإرهاب،‮ ‬ولم تبحث عن علله الحقيقية‮.‬

وواضح أن محاربة المعلول وترك العلة ليس عملاً‮ ‬معقولاً‮.‬

ثالثاً‮ : ‬ثم أن الحرب على هذه الظاهرة الخطيرة بدأت فاشلة لأنها انطلقت تحت قيادة لها تاريخ أسود مقرون بالإرهاب وقهر الشعوب وسحق إرادتها بشتى الأساليب ومنها الحرب المعلنة،‮ ‬وقد قادت خلال الفترة الأخيرة من عمر البشرية عشرات الحروب بل المئات منها لبسط سلطتها ومفاهيمها‮.‬ ‭

‬ثم أن هذه القيادة لم تتقيد في‮ ‬كثير من تصرفاتها بالقانون الدولي‮ ‬معتمدة مقولات متنافية أساساً‮ ‬معه كمقولة‮ (‬التفوق على الجميع‮) ‬و‮ (‬الحرب الاستباقية‮) ‬وأمثالها‮.‬

وبعد هذا فإنها نصبت من نفسها مدعياً‮ ‬وقاضياً‮ ‬وشرطياً‮ ‬منفذاً‮ ‬في‮ ‬آن واحد وهو ما‮ ‬يخالف أبسط قوانين العدالة ويبطل أي‮ ‬تشدق بالعمل بها‮.‬

رابعاً‮ : ‬وقد أخطأت هذه القيادة إذ ركزت على الإسلام واعتبرته عدواً‮ ‬وهمياً،‮ ‬وأقامت استراتيجيتها على محاربته ووضعت خطة واسعة نشير فيما‮ ‬يلي‮ ‬إلى بعض جوانبها‮ :‬

1‮. ‬التشكيك في‮ ‬قيم الحضارة الإسلامية ومفاهيمها وهناك الكثير من الأمثلة التي‮ ‬طالعنا الغرب بها،‮ ‬كتفضيل الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية من قبل مسؤول إيطالي،‮ ‬وتفضيل العقيدة المسيحية في‮ ‬الصفات الإلهية على العقيدة الإسلامية والحملة ضد مفاهيم الجهاد وتصورات الإسلام لحقوق المرأة وغيرها‮.‬

2‮ . ‬تعميق الحقد الغربي‮ ‬والعداء للإسلام وكل ما هو إسلامي‮ ‬ومهاجمة المساجد والمراكز الإسلامية والتضييق ضد الأقليات المسلمة وتوجيه أصابع الاتهام حتى للدول التي‮ ‬كانت تعتبرها صديقة لها،‮ ‬وبالتالي‮ ‬العمل عل منع الهجرة حتى القانونية رغم حاجة أوربا للهجرة‮.‬

‭.‬3‮ ‬مهاجمة بعض الشعوب الإسلامية بشراسة بتهمة إيوائها للإرهابيين وهذا ما حدث لأفغانستان الجريحة والعراق الجريح ومازالت بعض الشعوب الإسلامية مهددة‮.‬ ‭

.‬4‮ ‬الحكم على بعض الدول الإسلامية بأنها محور الشر وما زال الخطر‮ ‬يتهددها كل آن،‮ ‬كما أن بعض الجهات شبه الرسمية هددت باستخدام القنابل الذرية ضد بعض الدول‮.‬

‭.‬5‮ ‬إهتم التخطيط لحملة إعلامية وبوليسية ضخمة لضرب المؤسسات المالية الإسلامية والمؤسسات الخيرية الدعوية وتم الضغط على الدول لتغلق هذه المؤسسات‮.‬ ‭

.‬6‮ ‬كما تم التخطيط لضرب المؤسسات التعليمية الإسلامية وإفقادها استقلالها كما تدخل الغرب بوقاحة لدى الدول الإسلامية لتقوم بتغيير مناهجها التعليمية وفق ما‮ ‬يرتئيه الغرب من تصور‮.‬ ‭

.‬7‮ ‬وهناك خطوات نلحظها لتهميش دور المؤسسات الإسلامية الدولية‮.‬

‭.‬8‮ ‬تصعيد الحملة التي‮ ‬بدأها الغرب بنفسه أو من خلال عملائه قبل الأحداث في‮ ‬مجال نشر المفاسد الأخلاقية والخلاعة والتحلل والاستهانة بالمقدسات وإضعاف اللغة العربية وترويج العامية ومحاربة الحرف العربي‮ (‬كما في‮ ‬آسيا الوسطى‮) ‬وإشاعة العلمانية وتعميق الخلافات بين الدول الإسلامية وتداخلها ومحاربة عنصر‮ (‬الاجتهاد‮) ‬والتشكيك في‮ ‬صلاحية الإسلام لهذا العصر وضرورة الاتجاه نحو تطبيق قيم الحضارة الغربية وغير ذلك كثير‮.‬‭ ‬

9‮. ‬وأهم الجوانب محاولة إغلاق الملفات المزعجة لهم وبأي‮ ‬وسيلة منكرة وفي‮ ‬طليعتها قضية فلسطين،‮ ‬فقد أعطت أمريكا الضوء الأخضر لشارون ليقوم بتصفيتها واستفاد هذا من ظروف الرعب وجعل عمليته ضد الفلسطينيين جزءً‮ ‬من المرحلة الثانية للحرب ضد الإرهاب وقام بما‮ ‬يندى له جبين الإنسانية وساعدته أمريكا بكل وقاحة وصراحة ونسي‮ ‬الغرب كل تاريخه في‮ ‬تجميد المقاومة ضد الفاشية والنازية وكل شعاراته في‮ ‬الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية وحتى جنايات العدو الصهيوني‮ ‬في‮ ‬مخيم جنين‮ ‬لم تستطع الأمم المتحدة رغم صدور قرار بذلك أن تحقق فيها وهي‮ ‬في‮ ‬الأصل واضحة للعيان وموثقة ومشهود لها من قبل شخصيات دولية‮.‬

خامساً‮: ‬وربما كان من نافلة القول بعد هذا أن نتحدث عن دور الإسلام في‮ ‬تحقيق الأمن للإنسان بشتى أنواعه بعد أن عرفنا رفضه لكل الأساليب الطاغوتية الفرعونية جملة وتفصيلاً‮.‬

فهو‮ ‬يعمل على توفير الأمن الأخلاقي‮ ‬والتربوي‮ {‬هو الذي‮ ‬بعث في‮ ‬الأميين رسولاً‮ ‬منهم‮ ‬يتلو عليهم آياته ويزكيهم‮}(‬1‮) ‬وهو‮ ‬ينفي‮ ‬كل ما‮ ‬يلوث الجو الإنساني‮ ‬الخلقي‮ ‬عبر تحريمه المفاسد الخلقية التي‮ ‬تميت إنسانية الإنسان‮.‬

كما‮ ‬يعمل على توفير الأمن الاجتماعي‮ ‬من خلال إقامة البناء العائلي‮ ‬ونفي‮ ‬كل ما‮ ‬يوجه الغرائز نحو التحلل أو الإشباع الخاطئ،‮ ‬ومن خلال تقديمه نظاماً‮ ‬للعلاقات الاجتماعية المتعالية ونفيه كل ما‮ ‬يمزق الأمة من مقاييس مادية،‮ ‬كاللون واللغة والعنصر والقبيلة والجغرافيا وغيرها،‮ ‬وكذلك من خلال ضمانه لكل حقوق الإنسان في‮ ‬الوجود والكرامة والحرية والضمان الاجتماعي‮ ‬والاقتصادي،‮ ‬ورفضه كل عوامل التهديم كالبخل والغصب وأكل المال بالباطل وتمركز الثروة والإسراف والتبذير والحرابة والبغي‮ ‬والقتل وغيرها،‮ ‬وكلها تتعاون لتحقيق الهدف،‮ ‬كما‮ ‬يعمل على ضمان المشاركة الشعبية السياسية من خلال مبدأ الشورى ومبدأ الولاية المتبادلة وتعميم المسؤولة ولا نريد أن نستمر في‮ ‬هذا العرض وهم واضح صريح‮.‬

إن الإسلام‮ ‬يعمل على المستوى الحضاري‮ ‬لتحقيق الأمن والسلام العادل للبشرية منطلقاً‮ ‬من مبادئه الإنسانية،‮ ‬وحتى لو اضطر للحرب فإنه‮ ‬يشنها حرباً‮ ‬نظيفة لا رد فيها إلا على المعتدي‮ ‬أما الأبرياء فلا‮ ‬ينالهم شيء بل وحتى الطبيعية تبقى آمنة سليمة‮.‬ ‭

‬يوصي‮ ‬الرسول "ص" وعلى آله وصحبه،‮ ‬وأصحابه فيقول‮ » ‬سيروا باسم الله وبالله وفي‮ ‬سبيل الله،‮ ‬وعلى ملة رسول الله،‮ ‬لا تغلوا ولا تمثلوا،‮ ‬ولا تغدروا،‮ ‬ولا تقتلوا شيخاً‮ ‬فانياً،‮ ‬ولا صبياً‮ ‬ولا امرأة،‮ ‬ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليها‮)(‬2‮)‬

إن الأمن البيئي‮ ‬والطبيعي‮ ‬والحيواني‮ ‬مضمون إسلامياً‮ ‬وأن قاعدة‮ (‬لا ضرر ولا ضرار في‮ ‬الإسلام‮) ‬قاعدة عامة تمنع الإضرار بالبيئة بلا ريب،‮ ‬لأنه إضرار بكل البشرية،‮ ‬وإن الإسلام‮ ‬يجعل الطبيعة مسخرة للإنسان نفسه فعليه أن‮ ‬يشكر نعمتها ولا‮ ‬يكفر بها،‮ (‬وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان ظلوم كفار‮)(‬3‮)‬‭ ‬

وحتى علاقات الحب والعواطف قد تقوم بين المسلم والطبيعة،‮ ‬فيمر الرسول الكريم "ص" على جبل أحد،‮ ‬فيقول‮: (‬هذا جبل‮ ‬يحبنا ونحبه‮).(‬4‮) ‬ويبقى الوعد الإلهي‮ ‬قائماً‮ ‬في‮ ‬خلد المسلم هادفاً‮ ‬يسعى إليه حثيثاً،‮ ‬إذ‮ ‬يقول تعالى‮: {‬وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في‮ ‬الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم لذي‮ ‬ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً‮ ‬يعبدونني‮ ‬لا‮ ‬يشركون بي‮ ‬شيئاً‮ ‬ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون‮}(‬5).‬

إنه المجتمع الخليفة الآمن العابد،‮ ‬الآمن من العدو الخارجي‮ ‬والداخلي،‮ ‬وإنه هدف الأنبياء وقد تحقق‮: ‬عبادة وأمن من الطاغوت‮.

‬والحقيقة أننا إذا فسرنا الإرهاب بالمنطق الإنساني‮ ‬العام بأنه‮ (‬كل عمل لا‮ ‬ينسجم مع الوجدان الإنساني‮ ‬من حيث الوسيلة أو هدف ويهدد الأمن بشتى أنواعه‮) ‬فسنجد أن الإسلام‮ ‬يقف بقوة ضده بل ويعمل على اجتثاث جذوره‮.‬

سادساً‮ : ‬من الطبيعي‮ ‬أن نقول هنا أننا لا نستطيع أن نقضي‮ ‬على المعلول مع الإبقاء على العلل‮.‬

إن معظم ما نشاهده من مظاهر الإرهاب‮ ‬يعود إلى عوامل كثيرة منها‮ :‬

أ‮) ‬انتشار الجهل والحقد واليأس وروح التعصب الأعمى والنظرة الظلامية للآخرين،‮ ‬والتغاضي‮ ‬عن الجوانب الإيجابية وهذا‮ ‬يشمل ظواهر‮ (‬الإسلاموفوبيا‮) ‬من جهة و(العداء الأعمى لكل ما هو‮ ‬غربي‮) ‬من جهة أخرى‮.‬

ب‮) ‬انتشار الفقر والجوع والحرمان،‮ ‬وكاد الفقر أن‮ ‬يكون كفرا‮.‬

ج‮) ‬انتشار الظلم والاستعمار ونهب إمكانات الشعوب والاستبداد والقهر والعنف وسلب حقوق الإنسان ومصادرة حرياته المشروعة‮. ‬وعدم فسح المجال الطبيعي‮ ‬للتعبير مما‮ ‬يؤدي‮ ‬للكبت والانفجار بالتالي‮.‬

د‮) ‬فقدان الوازع المعنوي‮ ‬وتدني‮ ‬المستويات القيمة وانتشار الروح الحيوانية العمياء ولهذا نجد الإرهابيين‮ ‬يفقدون أدنى المستويات العاطفية ومن هنا نقول‮ : ‬أن الإرهاب لا دين له لأن الدين‮ ‬يشدد قبل كل شيء على الرحمة‮.‬‭ ‬

هـ‮) ‬انتشار الأفكار المعادية الإنسانية كالنازية والفاشية والصهيونية والعنصرية والاستعلائية والتكفير وأمثالها‮.‬

فما لم توضع الخطط العالمية المخلصة للقضاء على هذه العلل أو التخفيف من وطأتها فإنها سوف تضل تزرع الإرهاب‮.‬

والأذكى من كل هذا ن نجد الدول العظمى التي‮ ‬ارتبط تاريخها بالحروب والدمار والإرهاب على رأس قائمة محاربته وهي‮ ‬حتى في‮ ‬حربها المفروضة ضد الإرهاب ترتكب أبشع أنواع الإرهاب وتدعم نظماً‮ ‬إرهابية فاشية مثل النظام الصهيوني‮ ‬الإرهابي‮ ‬بكل ما في‮ ‬هذه الكلمة من معنى‮.‬

سابعاً‮ : ‬وقد دعونا في‮ ‬لقاءات مشابهة إلى عمل على المستويين العالمي‮ ‬والإسلامي،‮ ‬وهو‮ :‬ ‮

‬الموقف المقترح على الصعيد الدولي‮ :‬ ‮ ‬

وكخطوة اشتراتيجية من أجل ردع الإرهاب بكل أشكاله ومضامينه ومصادره،‮ ‬نرى ضرورة قيام منظمة الأمم المتحدة بالتصدي‮ ‬لهذا المشروع وتبنيه،‮ ‬شريطة إحداث آليات جديدة تحول دون قيام الدول الكبرى بحرف المشروع باتجاه مصالحها الخاصة،‮ ‬وممارسة الضغوطات على المنظمة لتسير طوع أهدافها الاستكبارية‮. ‬ومن هنا‮ ‬يمكن لمنظمة الأمم المتحدة أن تكون مرجعاً‮ ‬عالمياً‮ ‬للحملة الشاملة ضد الإرهاب وفرض السلام العادل في‮ ‬الأرض ونرى أن مقدمات هذه الحملة تتمثل في‮ :‬‭ ‬

1‮. ‬المساواة في‮ ‬الحقوق والواجبات بين الدول الأعضاء في‮ ‬منظمة الأمم المتحدة،‮ ‬ومنع هيمنة دولة أو أكثر على قراراتها،‮ ‬ولاسيما ما‮ ‬يرتبط بالآليات‮ ‬غير العادلة التي‮ ‬يضع مجلس الأمن الدولي‮ ‬قراراته من خلالها فهذه الآلية تسببت مثلاً‮ ‬في‮ ‬استمرار الإرهاب في‮ ‬أكثر من بقعة من بقاع العالم،‮ ‬ولاسيما في‮ ‬فلسطين،‮ ‬إذ استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق الفيتو عشرات المرات لمنع إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي‮ ‬يكبح جماح الإرهاب الصهيوني‮.‬

2‮. ‬رفع الظلم على الشعب الفلسطيني‮ ‬والشعوب المجاورة لفلسطين،‮ ‬والتي‮ ‬تتعرض للانتهاكات والإرهاب من قبل الكيان الصهيوني‮.‬‭ ‬

‭.‬3‮ ‬إحداث آلية دولية تمنع دعم الدول الكبرى للأنظمة والكيانات الدكتاتورية والعنصرية،‮ ‬وكذلك المنظمات والجماعات الإرهابية‮.‬

‭.‬4‮ ‬محاربة الفقر والجهل والتعصب الأعمى والمرض وكل مظاهر التخلف وكذلك أمراض المدنية الحديثة،‮ ‬ووسائل الإعلام والفن التي‮ ‬تشجع على العنف،‮ ‬والعنصرية وتضعف المعنويات والقيم الأخلاقية على مستوى العالم أجمع،‮ ‬لأنها تمثل الأرضية الطبيعية التي‮ ‬تترعرع فيها النزاعات الإرهابية‮.‬

ويتم العمل بدلاً‮ ‬من ذلك على‮ :‬

أ‮) ‬تعميم منطق الحوار بين الحضارات والأديان‮.‬

ب‮) ‬تشجيع الديمقراطية المنسجمة مع القيم‮.‬

ج‮) ‬المساعدة على تنفيذ برامج التنمية في‮ ‬العالم‮.‬

د‮) ‬تقوية المنظمات الدولية وحذف عناصر الهيمنة فيها‮.‬

هـ‮) ‬الارتفاع بالمستوى المعنوي‮ ‬والقيم الأخلاقية وتعميق دور الدين في‮ ‬ذلك واحترام الأدوار العائلية في‮ ‬عملية البناء الاجتماعي‮.‬

و‮) ‬توجيه الحالة المعلوماتية لخدمة البشرية‮.‬

ز‮) ‬أنسنة الفن واستخدامه لصالح الأهداف العليا وغير ذلك‮.‬ ‭

.‬5‮ ‬الحيلولة ـ بكل الوسائل ـ دون استغلال الدول الغربية الكبرى للأحداث وتحويلها إلى صراع حضارات وحرب بين الأديان وتصفية حسابات مع بعض الأنظمة،‮ ‬على حساب الشعوب‮.‬‭ ‬

‭.‬6‮ ‬تخفيف معاناة شعب أفغانستان،‮ ‬والعراق ودعمهما بالغداء والكساء الملجأ والدواء وغيرها من وسائل العيش والعمل على تحقيق الانسحاب التام للقوات الأمريكية وغيرها وعودة الحكم إلى أهله‮.‬

7‮. ‬استمرار الحوار بين عقلاء البشرية من أتباع الأديان والحضارات والمذاهب،‮ ‬وتكثيف وتعميقه،‮ ‬بهدف خلق رأي‮ ‬عام عالمي‮ ‬يمارس دوره في‮ ‬نشر العدالة والسلام والمحبة بين جميع شعوب العالم‮.‬

ولا شك أن السلام الذي‮ ‬ننشده وتنشده البشرية هو السلام العادل الذي‮ ‬تتكافأ فيه الفرص،‮ ‬ويعطي‮ ‬كل ذي‮ ‬حق حقه،‮ ‬وينصف فيه المظلوم،‮ ‬ويعاقب المعتدي،‮ ‬إذ أن السلام العادل هو الكفيل فقط باقتلاع جذور العنف والإرهاب،‮ ‬أما السلام المفروض وغير العادل فهو تسطيح للمشكلة والإبقاء عليها ناراً‮ ‬تحت الرماد؛ لأن المجرم‮ ‬يتساوى فيه مع الضحية،‮ ‬وتضيع جراءه الحقوق،‮ ‬وتكون سياسة الأمر الواقع هي‮ ‬الحكم‮. ‬وبالتالي‮ ‬ستعود أعمال العنف كما كانت وربما بكثافة أكبر‮. ‬وهذا ما‮ ‬يجعل السلام‮ ‬غير العادل سبباً‮ ‬في‮ ‬استمرار المشاكل وبؤر التوتر،‮ ‬وهم ما نشهده في‮ ‬أكثر من بقعة من بقاع العالم‮.‬

ثامناً‮ : ‬وأخيراً‮ ‬فإننا نستطيع الاستعانة الحوار البناء أن نستفيد من حوار الأديان أولاً‮ ‬والحوار بين الإسلام والغرب ثانياً‮ ‬لتصحيح الصورة لدى الآخر‮.‬

فهناك تلاق كبير بين الأديان الإبراهيمية في‮ ‬مجالات كثيرة منها‮ :‬ ‭

‬*‮ ‬التركيز على عبادة الله ومحاربة الظلم والطغيان الصفحة‮ ‬10‮ ''‬دفاعاً‮ ‬عن مقولة الحضارة الإسلامية المسيحية‮'' ‬طارحاً‮ ‬هذه المقولة في‮ ‬قبال مقولة‮ ''‬صدام الحضارات‮'' ‬مركزاً‮ ‬على المساهمات المشتركة بين الحضارتين في‮ ‬المسيرة البشرية العامة موضحاً‮ ‬أن الفارق الزمني‮ ‬بين بدئهما،‮ ‬والنزاعات المستمرة بينهما لا‮ ‬يشكلان مانعاً‮ ‬من تلاحمهما الحضاري،‮ ‬وحتى فارق التطور المادي‮ ‬بينهما ما بين‮ ‬1900‭ - ‬1600‮ ‬يتعادل بتقدم العالم الإسلامي‮ ‬بشرياً‮ ‬بنسبة‮ ‬50‮ ‬بالمائة في‮ ‬قبال‮ ‬20‮ ‬بالمائة ليلخص إلى النتيجة التالية فيقول‮ :‬ ‮

''‬أما إذا نظرنا إليهما كوحدة واحدة ومن ضمن إطار تاريخي،‮ ‬فإن العالم الإسلامي‮ ‬المسيحي‮ ‬لديه ما‮ ‬يجمعه أكثر مما‮ ‬يفرقه‮. ‬فماضي‮ ‬الغرب ومستقبله لا‮ ‬يمكن فهمهما بشكل كامل دون تقدير العلاقة ا لتوأمية التي‮ ‬تربطه بالإسلام طوال أربعة عشر قرناً‮. ‬والملاحظة نفسها تنطبق على العالم الإسلامي‮. ‬إن مسألة الحضارة الإسلامية المسيحية كمبدأ تنظيمي‮ ‬هو بالنسبة إلى الفكر المعاصر مسألة متجذرة في‮ ‬الحقيقة التاريخية على مر هذه القرون‮. ‬وقد‮ ‬يتمنى الواحد منا أن‮ ‬يرى مؤرخو الحضارة الغربية وحضارة الإسلام قيمة تعديل نظراتهم كي‮ ‬يأخذوا هذه الحقيقة بالحسبان‮. ‬أن الحضارة الإسلامية المسيحية هي‮ ‬مفهوم نحتاجه بشدة إذا كنا سنحول‮ ‬يوماً‮ ‬تراجيدياً‮ ‬مشهوداً‮(‬6‮).‬

إلى لحظة تاريخية للاستيعاب والتكامل الاجتماعي‮ ‬والديني‮(‬7‮)‬ ‭ ‬

ويقول عنه الأستاذ محمود حداد مترجمه ما‮ ‬يلي‮ :‬ ‭

‬‮(‬ولم‮ ‬يتفق الجميع مع أطروحة هانتغتن بل خرج كثير من المثقفين عن هذا الخط الفكري‮ ‬معلنين ضرورة حوار الديانات والحضارات وضرورة التعايش لا التقاتل في‮ ‬ما بينها إلا أن الكتاب‮ ‬يقول أن الإسلام والمسيحية شكل حضارة واحدة من الناحية الاجتماعية‮)(‬8‮)‬.‬

والكتاب رغم بعض النقاط التي‮ ‬نخالفه فيها جدير بالمطالعة‮.‬

أما الحوار مع الغرب فهو أمر مفيد جداً‮.‬ ‭ ‬

إنني‮ ‬أومن بالحوار مع الآخر لأنه منطق إنساني‮ ‬سليم،‮ ‬ومن هذا المنطلق أعتقد أن على المسلمين التحاور مع حملة الفكر الغربي‮ ‬لحل العقدة المستعصية والتي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬كثير من الأحيان تشكل الأرضية الصالحة لإرهاب‮.‬ ‭

‬وقد نادى بمثل هذا النداء كتاب ومفكرون كثير‭. ‬وعلى سبيل المثال‮ ‬يتساءل الأستاذ‮ (‬احميدة المامون النفير‮)(‬9‮)‬.‬ ‭

‬قائلاً‮: ''‬هل من سبيل من تجاوز الطوق الآسر الذي‮ ‬يختزل المكونات الخاصة في‮ ‬الكتلة من التصورات تعتبر دائرة الإنتاج بينما‮ ‬ينظر إلى الدوائر الأخرى على أنها هوامش ومجالات تلق،‮ ‬نعم إن المشكلة تكمن في‮ ‬تصور‮ (‬هامشية الآخر ومركزية الذات‮.‬

‮(‬والحقيقة أن للتراكمات التاريخية أثرها الكبير في‮ ‬نوعية العلاقة بين المسلمين والغرب‮.‬ ‭ ‬

فلقد تبلورت نظرة الغرب إلى الإسلام عبر مراحل زمنية طويلة،‮ ‬تعددت فيها رؤى المستشرقين والمفكرين والباحثين والسياسيين الغربيين،‮ ‬تبعاً‮ ‬للخلفيات والمداخل المنهجية والدينية والفكرية والسياسية لكل رؤية‮. ‬وعلى الرغم من تعدد هذه الرؤى،‮ ‬إلا أنها تتفق‮ ‬غالباً،‮ ‬على جملة من المبادئ التي‮ ‬تشكلت وتكاملت بالتدريج،‮ ‬حتى باتت تمثل وعي‮ ‬الغرب بالآخر‮. ‬وهو جزء من وعي‮ ‬الغرب بذاته وفي‮ ‬إطار هذا الوعي‮ ‬منح الغرب لنفسه موقع‮ ''‬الحقيقة‮'' ‬و‮''‬القوة‮'' ‬و‮''‬المركز‮'' ‬و‮''‬العقل‮'' ‬و‮''‬التقدم‮'' ‬أبقى للآخر موقع‮ ''‬التمثيل‮'' ‬و‮''‬الضعف‮'' ‬و‮''‬الأطراف‮'' ‬و‮''‬الجنون‮'' ‬و‮''‬التخلف‮'' ‬وبالتالي‮ ‬مارس الغرب هذا المنهج في‮ ‬الواقع بأشكال مختلفة كالغزو العسكري‮ ‬والسيطرة الاقتصادية والهيمنة الثقافية والسياسية والحرب النفسية والإعلامية‮.‬

ومن الرؤى المهمة التي‮ ‬طرحت في‮ ‬الغرب،‮ ‬في‮ ‬عقد التسعينات،‮ ‬رؤية المفكر الإنجليزي‮ ''‬بيدهام برايان‮'' ‬التي‮ ‬عرضها في‮ ‬سلسلة المقالات التي‮ ‬نشرها في‮ ‬مجلة‮ ''‬الايكونوميست‮''‬،‮ ‬خلال عام‮ ‬‭,‬1994‮ ‬ولكنها لم تحظ بالاهتمام الذي‮ ‬حظيت به رؤيتا هانتينغوتون في‮ ''‬صدام الحضارات‮'' ‬وفوكوياما في‮ ''‬نهاية التاريخ‮'' ‬على الرغم مما تحتويه من نظرات لافتة إلى علاقة الغرب بالإسلام؛ وهي‮ ‬رؤية تكشف،‮ ‬في‮ ‬حقيقتها،‮ ‬عن نوع من الاستراتيجية الغربية تجاه التعامل مع العالم الإسلامي‮ ‬وأوضاعه العامة،‮ ‬ولاسيما ما‮ ‬يربط بمضامين الحضور الإسلامي‮ ‬الفاعل في‮ ‬مسيرة الحضارة الإنسانية‮.‬

في‮ ‬قبال ذلك تبلورت النظرة الإسلامية للغرب على ضوء تراكمات معرفية وتاريخية دفعت البعض لتصور استحالة التلاقي‮ ‬بينهما لعدم وجود مجالات مشتركة‮.‬

إننا نعتقد ـ خلافاً‮ ‬لبعض النظرات التي‮ ‬نرى فيها شيئاً‮ ‬من التطرف ـ أن هناك مجالات كثيرة للالتقاء وتوحيد الموقف،‮ ‬خصوصاً‮ ‬مع وجود طبقة منصفة تتأثر بالموقف المنطقي‮ ‬وتتعامل معه بإنسانية‮. ‬وأمامنا الكثير الكثير من المبدئية التي‮ ‬نشهدها في‮ ‬العالم الغربي،‮ ‬وهي‮ ‬مستعدة حتى للتضحية في‮ ‬مجال تأييدها لقضايانا العربية الإسلامية‮.‬

فلندخل بهذه الروح وهذا الأمل في‮ ‬مجال عرض أهم القضايا،‮ ‬وكما‮ ‬يلي‮ :‬

الأولى‮ : ‬النظرة العدائية والروح الصليبية والعنف ‮

‬فعادة ما‮ ‬يخيم الحقد عل هذه العلاقة من الجانبين معاً‮ ‬نتيجة التماس التاريخ والصراع المستمر على مدى قرون،‮ ‬وقد اختلط ذلك بتفسيرات دينية ومصالح قومية أخرى توسعية وعنصرية،‮ ‬مما ترك في‮ ‬النفوس خليطاً‮ ‬من العدائية الريبة،‮ ‬مع قدر عظيم من التعميم والتفسير بعين السخط لمختلف المواقف حتى لقد ترسّخت النظرة العدائية للغرب،‮ ‬بقضه وقضيضه،‮ ‬في‮ ‬نفوس المسلمين بقدر ما ترسّخت الروح الصليبية تجاه المسلمين في‮ ‬نفوس أبناء الغرب‮.‬ ‭

‬ونحن نشهد ذلك في‮ ‬تصريحات أعلى مستوى لدى الطرفين وتتصاعد الوثيرة بعد الحوادث الكبيرة وهذا ما نراه في‮ ‬الحملة العدائية الشعبية ضد المسلمين في‮ ‬الغرب مثلاً‮ ‬والتي‮ ‬تضاعفت خلال عام واحد‮ ‬16‮ ‬مرة بشهادة الـ‮ ‬FBI‮ ‬الأمريكية،‮ ‬كما نشهده في‮ ‬الطرف الإسلامي‮ ‬الذي‮ ‬بدأ‮ ‬يرمق كل ما هو‮ ‬غربي‮ ‬بشزر ويود لو‮ ‬يقضى عليه بأية وسيلة حتى ولو كانت مرفوضة إسلامياً‮ ‬ودولياً‮ ‬كما نجده في‮ ‬انفجارات جزيرة بالي‮ ‬باندونيسيا مثلاً‮ ‬وهنا نطرح قضية عالقة أخرى ترتبط بهذه الروح العدائية وهي‮ ‬قضية الإرهاب والعنف‮.‬

‭ ‬فهي‮ ‬معلولة بلا ريب لتلك الروح،‮ ‬وهي‮ ‬نار مستعرة إذا لم‮ ‬يتم السيطرة عليها فهي‮ ‬لا تبقي‮ ‬ولا تذر‮.‬ ‭

‬فمن جهة نجد أن الغرب‮ ‬يئن من جراحه في‮ ‬الحادي‮ ‬عشر من سبتمبر وغيرها،‮ ‬من جهة أخرى‮ ‬يئن المسلمون من جراحهم في‮ ‬فلسطين وأفغانستان وغيرها‮.‬

ومن جهة ثالثة‮ ‬ينصب الغرب نفسه مدّعياً‮ ‬وقاضياً‮ ‬ومنفذاً‮ ‬في‮ ‬هذه المسألة مع اعترافه بأن الإرهاب لم‮ ‬يتحدد تعريفه ولم‮ ‬يتم الفصل بين مصاديقه وموارد المقاومة المشروعة دينياً‮ ‬ودوليا بل نجده‮ ‬يطرح الثنائية اللامعقولة‮: »‬فإما أن تكون معناً‮ ‬أو فأنت إرهابي‮«.‬

تماماً‮ ‬كان الشيوعيون المتشددون‮ ‬يطرحون ثنائية‮: -‬إما أن تكون شيوعياً‮ ‬أو فأنت لا تفهم الشيوعية ـ وحينئذ‮ ‬يغلق باب البحث ويفتح باب العنف‮.‬

الثانية‮: ‬مسألة الحرية الطبيعية والاجتماعية‮ ‬

ربما‮ ‬يتصور أن الغرب‮ ‬يركز على مسألة الحرية التي‮ ‬يمنحها المجتمع للإنسان ويتهم الإسلام بتحديده لها،‮ ‬ولكن الحقيقة أن الغرب دأب على اتهام الإسلام برفضه للحرية الطبيعية‮ (‬أي‮ ‬التي‮ ‬يمتلكها الإنسان بطبيعته الإنسانية‮)‬،‮ ‬متهماً‮ ‬إياه بالجبرية لأنه‮ ‬يؤمن بالقضاء والقدر‮.‬ ‭

‬وكنت أحسب ان هناك سوء فهم فردياً‮ ‬من قبل بعض الغربيين حينما طالعت ما نقله الدكتور محمد حسين هيكل عن الكاتب الأمريكي‮ (‬واشنطن ارونك‮) ‬حين ألف كتاباً‮ ‬عن الرسول الأكرم‮ (‬صلى الله عليه وآله‮) ‬وشرح في‮ ‬خاتمته قواعد الإسلام الأساسية ومنها عقيدة الجبر فرد عليه المرحوم هيكل بشكل مناسب ولكنني‮ ‬وجدت‮ ''‬ويل ديورانت‮'' ‬يؤكد سوء الفهم هذا ويجعل الاعتقاد بالجبرية من المظاهر الواضحة في‮ ‬الفكر الإسلامي‮)(‬10‮) ‬بل وجدت كاتباً‮ ‬إنجليزياً‮ ‬في‮ ‬عصرنا الحاضر هو أبراهام برايان‮ ‬يكتب عن الحضارة الإسلامية متهماً‮ ‬إياها بالجبرية‮(‬11).‬

ولا أجدني‮ ‬في‮ ‬حاجة ولا في‮ ‬موضع الإجابة بعد وضوح مبدأ الاختيار الإنساني‮ ‬في‮ ‬القرآن الكريم‮: (‬إنا هديناه السبيل إمّا شاكراً‮ ‬وإمّا كفورا‮)(‬12‮) ‬ولكنها شبهة‮ ‬يجب أن تزال من الذهن الغربي،‮ ‬وحتى المثقف منه وإلا كان لها آثارها التحليلية الاجتماعية أيضاً‮.‬ ‭

‬وعلى أي‮ ‬حال فما زال الغرب‮ ‬يتهم الإسلام بتحديد الحريات الاجتماعية كما‮ ‬يتهم المسلمون الغرب نفسه بمنح الحريات الفردية المجال الواسع مما‮ ‬يحولها إلى حريات حيوانية مخربة فيجب إذن أن‮ ‬يجتمع الطرفان وتحدد المساحات المشتركة وهو أمر ممكن إلى حد كبير‮.‬‭ ‬

الثالثة‮ : ‬مسألة العلاقة بين السلام والعدالة

انطلقت دعوة الحوار بين الأديان على أسس منطقية سليمة،‮ ‬وراحت تترك أثرها الجيد في‮ ‬مجال تحقيق التفهم المنشود وتقليل مناطق الصدام،‮ ‬وتوفير مجالات التعاون المستمر على صعيد خدمة القضية الإنسانية والقضية الدينية،‮ ‬القيم المعنوية ونحن نرجو لها التوسع من مرحلة التفاهم بين المتخصصين إلى مرحلة صيرورتها ثقافة عامة تعشقها الشعوب وتتعامل على أساس منها في‮ ‬مختلف قضايا التماس الحضاري‮ ‬بعيداً‮ ‬عن محاولات الاستغلال والتشكيك‮.‬ ‭ ‬

ومن أوليات قضية الحوار أي‮ ‬حوار كان‮- ‬ضرورة الانطلاق من قناعات متفق عليها مسبقاً‮ ‬لتكون هذه القناعات هي‮ ‬الأضوية الكاشفة التي‮ ‬تحل العقد وتفتح السبل المسدودة لعملية الحوار،‮ ‬وتقضي‮ ‬في‮ ‬موارد الخلاف‮.‬

وما نتصوره أن الإيمان بالفطرة هو من القناعات المشتركة بين جميع الأديان السماوية‮ :‬ ‭

‬والمقصود بالفطرة هو أن الإنسان مخلوق إلهي‮ ‬أودعت الحكمة الإلهية في‮ ‬وجوده وطينته الأصلية مجموعة من القضايا البديهية والقدرات العقلية والميول والغرائز،‮ ‬التي‮ ‬تضمن له سيراً‮ ‬طبيعياً‮ ‬نحو تكامله المرسوم له‮.‬

وأن الأديان أنما جاءت لتثير له دفائن العقول كما‮ ‬يعبر الإمام علي‮ (‬عليه السلام‮) ‬تهيئ الجو الجو المناسب لبروز هذه الطاقات الكامنة على سطح حياته فتهديه سبيلاً‮ ‬إنسانياً‮ ‬يختلف كل الاختلاف عن السلوك الذي‮ ‬تسلكه الحيوانات العجماء التي‮ ‬تتمتع بما‮ ‬يتمتع به من طاقات‮.‬

أمّا القضية البديهية فهي‮ ‬التي‮ ‬تمنحه القدرة على المعرفة،‮ ‬معرفة نفسه ومعرفة الكون والواقع،‮ ‬وفلسفة الوجود والعلاقات القائمة بين الأشياء وتلك من قبيل الإيمان بمبدأ العلية،‮ ‬والإيمان بمبدأ استحالة التناقض‮ (‬الجمع بين النقيضين،‮ ‬ارتفاع النقيضين‮) ‬و‮ (‬بعض القضايا الأخرى‮). ‬فهذه قضايا مغروزة في‮ ‬القناعة والوجدان الإنساني‮ ‬لا‮ ‬يحتاج للاستدلال عليها وإلا دخل في‮ ‬طريق مسدود؛ لأن الاستدلال نفسه‮ ‬يتوقف عليها كما هو واضح أما القدرات العقلية فهي‮ ‬نفس قدرة النفس الإنسانية على التأمل والتفكير وتجريد القضايا من ملابسها والصعود من مرحلة الجزئيات إلى مرحلة الكلّيات،‮ ‬والقيام بقياس الأشياء للوصول إلى تصورات جديدة والتخطيط الذهني‮ ‬لمراحل‮ ‬غير موجودة على صعيد الواقع القائم‮. ‬أن هذه القدرة الذهنية هي‮ ‬من مختصات الإنسان وهي‮ ‬سر مسيرته التكاملية وإبعاده ونموه‮.‬

وأما الميول الغريزية فهي‮ ‬التي‮ ‬تقوده نحو كماله وتدفعه الاستفادة من طاقاته في‮ ‬هذا المجال‮ :‬ ‭

‬ومن هذه الميول‮ : ‬ميله نحو الكمال،‮ ‬والسير نحو الكمال المطلق،‮ ‬ومحاولة سد جوانب العجز في‮ ‬وجوده،‮ ‬والركون إلى هذا المطلق القادر وأداء حقه وشكر نعمه والقيام بحق طاعته‮. ‬فهذه أمور‮ ‬يجدها الإنسان مغروزة في‮ ‬الطينة الإنسانية وإن اختلفت تجلياتها وتعددت أساليبها‮. ‬وربما‮ ‬غطت الشبهات على هذه الميول وكبتتها‮.‬

ومنها أيضاً‮ ‬غريزة حب الذات والعمل على تحقيق طموحاتها فهي‮ ‬من الغرائز الأصلية في‮ ‬الإنسان والتي‮ ‬لا‮ ‬يمكن تجاوزها والقضاء عليها،‮ ‬كما تصورت الماركسية‮ ‬يوماً‮ ‬ما أنها ظاهرة فوقية‮ ‬يمكن حذفها من الوجود الإنساني‮ ‬من خلال تحريم الملكية‮.‬

ومنها التذوق الفني‮ : ‬والابتهاج لعناصر الجمال التي‮ ‬يزخر بها هذا الكون‮.‬

ولسنا نريد استعراض كل العناصر الفطرية،‮ ‬وإنما نريد أن نطلق هذه الحقيقة هي‮: ‬أن الاقتناع بأن‮ ''‬العدالة شيء حسن دائماً‮'' ‬و‮ ''‬أن الشيء الحسن‮ ‬ينبغي‮ ‬فعله‮'' ‬هي‮ ‬من القناعات الفطرية التي‮ ‬لا تحتاج إلى دليل‮... ‬فإذا اقتنع الإنسان بأن الموضوع المعين حسن اقتنع بأنه مما‮ ‬ينبغي‮ ‬فعله دونما تشكيك فهو موضوع مطلق،‮ ‬كما أن من المواضيع المطلقة حكم الوجدان الإنساني‮ ‬بأن قضية‮ (‬إطاعة المنعم الحقيقي،‮ ‬والمالك الحقيقي‮ ‬للكون والإنسان‮) ‬هي‮ ‬قضية مطلقة لا تتخلف أيضاً‮. ‬هناك من القضايا التي‮ ‬زرعت في‮ ‬الوجود الإنساني‮ ‬كمصاديق لمسألة العدالة‮ (‬أصلاً‮) ‬الصدق،‮ ‬والأمانة،‮ ‬والرحمة،‮ ‬والإيثار،‮ ‬والسلام‮.‬

فهذه الأمور حسنة في‮ ‬أصلها،‮ ‬ونقصد من عبارة‮ (‬في‮ ‬أصلها‮) ‬أنها قد تطرأ عليها بعض الحالات التي‮ ‬تفقد معها حسنها الطبيعي‮ ‬الفطري‮ ‬وتخرج من كونها تجليات للعدالة ومصاديق واقعية لها لتعود من تجليات الظلم والتعدي‮.‬

ونستنتج من هذا أن الفطرة الإنسانية تحكم بنوعين من الحكم‮.‬

أحدهما مطلق من قبيل العدالة نفسها وطاعة الخالق الحكيم‮.‬

والثاني‮ ‬مقيد ونسبي‮ ‬من قبيل‮: ‬الصدق والسلام‮.‬

فقد‮ ‬يكون الصدق في‮ ‬بعض الأماكن نتيجة ما‮ ‬يؤول إليه من تبعات ظلماً‮ ‬لا عدالة،‮ ‬وكذلك السلام أحياناً‮ ‬بما‮ ‬يؤدي‮ ‬إليه من جرأة على حرمات الإنسانية فإذا كانت العدالة قيمة مطلقة فإن السلام قيمة نعمل على تحقيقها إذا عادت وجهاً‮ ‬من وجوه العدالة ونرفضها إن كانت ظلماً‮ ‬ولكن التساؤل الأساس هو‮ :‬ ‭ ‬

ما هي‮ ‬معايير العدالة؟ وكيف نتأكد من تحقيقها؟ ‮ ‬

إن الأديان السماوية كلها تؤكد على معايير‮ : ‬

الأول‮ : ‬معيار تعبدي‮ ‬نستفيد فيه من علم العالم المطلق،‮ ‬وهو الله تعالى وهو تعليمات الدين الثابتة،‮ ‬والتي‮ ‬نتأكد من كونها صادرة من الله سبحانه ذلك أننا نتأكد قيل ذلك من علم الله الشامل،‮ ‬ومن لطفه ورحمته بالإنسان المخلوق ومن عدالته وتمتعه بكل صفات الكمال فهو لا‮ ‬يريد بالإنسان إلا الخير ولا‮ ‬يخدع الإنسان إنما‮ ‬يكشف له كل الواقع ويريد له كل الخير‮.‬

الثاني‮ : ‬معيار وجداني‮ ‬يكفي‮ ‬فيه الرجوع إلى الفطرة نفسها‮.‬

وما‮ ‬يساعدنا في‮ ‬اكتشاف العمق النظري‮ ‬هو كون هذه القناعة أية قناعة كانت‮- ‬من ملازمات البيئة الإنسانية ولذلك نجدها متوفرة لدى كل أبناء الإنسان في‮ ‬مختلف ظروفهم حالاتهم الفردية والاجتماعية وأزمنتهم وأمكنتهم‮. ‬لكي‮ ‬نتأكد من هذا المعنى نستطيع أن نطرح هذا السؤال على أي‮ ‬إنسان‮ ''‬هل تعتر أن السلوك الفلاني‮ ‬سلوكاً‮ ‬إنسانياً‮ ‬أم سلوكاً‮ ‬حيوانياً‮ ‬مثلاً‮: ‬قتل اليتامى والعجزة المستضعفين للتلهي‮ ‬والتشهي؟‮'' ‬مثل هذه السلوك‮ ‬يعد سلوكا وحشياً‮ ‬من قبل أي‮ ‬إنسان بلا ريب والقرآن الكريم أحياناً‮ ‬يعيد الإنسان إلى تأمله الوجداني‮ ‬وقناعته الفطرية؛‮ (‬أحل لكم الطيباتً‮)(‬13) ‬ويترك أمر تعيين الطيبات للإنسان؛‮ (‬إنما حرّم ربّي‮ ‬الفواحش‮)(14‮) ‬ويترك أمر تعيين الفواحش أيضاً‮ ‬ويعتبر الخروج عن الحالة الإنسانية‮ (‬فسقاً‮) ‬وانحرافاً‮ ‬عن الطبيعة؛‮ {‬نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون‮}(‬15‮)‬

وهكذا ننتهي‮ ‬إلى هذه الحقيقة وهي‮ :‬

أن الأديان تؤمن بالفطرة الإنسانية،‮ ‬وأن الفطرة تقرر كون العدالة مطلوباً‮ ‬مطلقاً‮ ‬وكون السلام مطلوباً‮ ‬إذا شكل مصداقاً‮ ‬من مصاديق العدالة وتجلياً‮ ‬لها ومن هنا كان التأكد الدائم على‮ (‬السلام العادل‮) ‬تأكيداً‮ ‬إنسانياً‮ ‬صحيحاً‮.‬

السلام العالمي‮ ‬والموقف منه

قلنا لا ريب في‮ ‬كون الأمان مطلباً‮ ‬إنسانياً‮ ‬فطرياً‮ ‬يستمد جذوره من أهم‮ ‬غريزة وجدت في‮ ‬فطرة الإنسان،‮ ‬وهي‮ ‬غريزة‮ ''‬حب الذات‮'' ‬وهذه الغريزة تعمل مع باقي‮ ‬الغرائز بشكل متناسق لتحقيق سير إنساني‮ ‬متوازن نحو الأهداف التكاملية العليا للإنسان‮... ‬فلا‮ ‬يكفي‮ ‬وجود الدوافع الغريزية لتأمين السير المتوازن وإنما‮ ‬يجب تأمين جو طبيعي‮ ‬للذات الفردية وللذات النوعية كي‮ ‬تدفعها تلك الدوافع نحو آفاقها المنشودة‮.‬

وتأكيداً‮ ‬من الفطرة نفسها على توفير الجو الآمن،‮ ‬نجد العناية الإلهية قد‮ ‬غرست فيها بديهيات الحكمة،‮ ‬والميول نحو العدل،‮ ‬والنفور من الظلم والاعتداء،‮ ‬بل ومنحتها القدرة على تعيين الكثير من مصاديق العدل والظلم،‮ ‬مما‮ ‬يمهد لها السبيل للاتصال بالخالق العظيم وتقديم معاني‮ ‬الولاء له،‮ ‬وحينئذ تنفتح لها آفاق الوحي‮.‬

فيجب إذن التفاهم حول هذه العلاقة نظرياً‮ ‬لنصل إلى التفاهم حول المصاديق‮.‬

النقطة الرابعة‮ : ‬المحورية الحضارية ‮

من الطبيعي‮ ‬جداً‮ ‬أن‮ ‬يقدم الإسلام نفسه محوراً‮ ‬أو نموذجاً‮ ‬للحضارة الإنسانية باعتباره خاتمة النماذج الحضارية،‮ ‬التي‮ ‬قدمها خالق الإنسان بمقتضى لطفه واعتبر الأمة الإسلامية النموذج والشاهد على كل الناس‮:{‬وكذلك جعلناكم امة وسطاً‮ ‬لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً‮}(‬16‮).‬

وقد قدم الغرب نفسه محوراً‮ ‬حضاريا ـ‮ ‬يجب أن تقتضي‮ ‬به الأمم،‮ ‬بل اعتبر نفسه‮ ‬غاية التاريخ ونهايته‮. ‬كما‮ ‬يعبر فوكوياما المفكر الأمريكي‮ ‬الياباني‮ ‬الأصل،‮ ‬ورغم أن صموئيل هانتكتون قد اختلف معه في‮ ‬السبيل فقال بفكرة الصراع الحضاري‮ ‬إلا أنه‮ ‬يتحد معه في‮ ‬النتيجة وهي‮ ‬انتصار الحضارة الغربية الليبرالية على كل الحضارات في‮ ‬النهاية‮. ‬وهي‮ ‬فكرة رددها برايان الأنف الذكر ولكن عبر التوسل إلى العالم الإسلامي‮ ‬لكي‮ ‬يطوي‮ ‬بعض المراحل ليصل إلى هذا المستوى‮ ''‬وقد تصور أن العالم الإسلامي‮ ‬يمر في‮ ‬القرن الخامس عشر الهجري‮ ‬بنفس ما مر به العالم الغربي‮ ‬في‮ ‬القرن الخامس عشر الميلادي‮ ‬من نهضة أوصلته إلى هذا المستوى اليوم‮.''

‬ وهذه الفكرة رددها سياسيون وقانونية‮ ‬غربيون آخرون وبشيء من الاستعلائية والمقارنة المجحفة حتى بين بعض التصورات الإسلامية المسيحية‮.‬ وفي‮ ‬رأيي‮ ‬أن ترك الأمور على إجمالها والمقارنة بين المجملين لن‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى نتيجة فعلينا أن نحلل كل حضارة إلى مبادئها التفصيلية،‮ ‬ثم نقوم بمقارنة هذه المبادئ إلى بعضها،‮ ‬معتمدين على المفروضات الإنسانية المشتركة والوجدان المشترك آملين الوصول إلى نتائج مشتركة وإلاّ‮ ‬بقينا ندور في‮ ‬حلقة مفرغة‮.‬

النقطة الخامسة‮ : ‬العالمية والعولمة

وهنا أيضاً‮ ‬لنسمح لكل طرف كي‮ ‬يطرح تصوره،‮ ‬ثم لنتفق على المبادئ الأساسية التي‮ ‬تعتمد القبول بالتعددية والتعاون والنظام العالمي‮ ‬المشترك خدمة لكل البشرية وتفادياً‮ ‬لإهدار طاقاتها وإمكاناتها‮.‬‭ ‬

في‮ ‬الواقع هناك اليوم ثلاثة نظم متنافسة هي‮ ‬الإسلام،‮ ‬الاشتراكية،‮ ‬الرأسمالية‮. ‬وهي‮ ‬تمتلك جمعياً‮ ‬توجهات عالمية،‮ ‬وهنا أؤكد على أنه لا فرق من حيث هذا التعريف بين العولمة والعالمية‮. ‬وقد ذكرنا أن الإسلام باعتباره آخر حلقة من حلقات الدين الإلهي‮ ‬جاء ليصلح البشرية،‮ ‬باعتباره طريق خلاصها الذي‮ ‬أراد خالق البشرية،‮ ‬وهو بذلك‮ ‬يركز على الفطرة الإنسانية المشتركة بين أبناء البشر،‮ ‬ويعتمد منطق الحوار والإقناع،‮ ‬ويعرض نفسه السبيل الوحيد لخلاص البشرية،‮ ‬هذا الإسلام استخدم،‮ ‬لتحقيق أهدافه،‮ ‬عملية التغيير الفردي‮ ‬التغيير الجماعي،‮ ‬وسعى لحذف الحدود الجغرافية والحدود اللونية واللغوية،‮ ‬وإقامة مجتمع عالمي‮ ‬يطبق قانوناً‮ ‬واحداً،‮ ‬ويتبع قانوناً‮ ‬واحداً،‮ ‬ويمتلك أحاسيس مشتركة،‮ ‬وأهداف إنسانية واحدة‮. ‬هذا الاتجاه العالمي‮ ‬يبدو في‮ ‬كثير من النصوص الإسلامية،‮ ‬مثل قوله تعالى‮: {‬قل‮ ‬يا أيها الناس إني‮ ‬رسول الله إليكم جميعا‮}(‬17‮)‬،‮ ‬وقوله تعالى‮: {‬وإن‮ ‬يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هم إلا ذكر للعالمين‮}(‬18)‬

وهناك نصوص كثيرة تؤكد على عالمية الإسلام منذ انطلاقته الأولى،‮ ‬خلافاً‮ ‬لما‮ ‬يدعيه بعض المستشرقين والمؤرخين،‮ ‬من أن العالمية الإسلامية جاءت بالتدريج لا مجال هنا للتفصيل في‮ ‬هذا المجال‮.‬

فالإسلام إذا انطلق باتجاه عالمي‮ ‬ومازال،‮ ‬عبر العصور،‮ ‬يؤكد هذا الاتجاه،‮ ‬يؤكد وحدة المنطق الإسلامي،‮ ‬والمسير والهدف،‮ ‬هذا هو رأي‮ ‬الإسلام،‮ ‬أما الاشتراكية فهي‮ ‬أيضاً‮ ‬عندما طرحت فلسفتها عن التاريخ طرحت مسألة المادية التاريخية،‮ ‬والمراحل التي‮ ‬اشتهرت في‮ ‬هذه المادية،‮ ‬حيث تنتقل البشرية من مرحله العبودية إلى المراحل الإقطاعية،‮ ‬إلى الرأسمالية التجارية،‮ ‬الراحل الرأسمالية الصناعية،‮ ‬إلى المرحلة الاشتراكية،‮ ‬وبالتالي‮ ‬إلى المرحلة الشيوعية،‮ ‬عبر بعض القوانين ومنها صراع الأضداد الاجتماعية‮. ‬هذا التصور أعطى الاشتراكية نظرتها العالمية في‮ ‬إيجاد تحول عالمي‮ ‬في‮ ‬مسيرة الإنسانية‮. ‬وواضح أن الاشتراكية اعتمدت في‮ ‬هذا المجال قضية صراع الطبقات،‮ ‬والثورة والنظام الحديدي‮ ‬الاشتراكي‮ ‬الذي‮ ‬يوصل المجتمع إلى الجنة التي‮ ‬يتصورها الاشتراكيون،‮ ‬وهي‮ ‬الشيوعية‮)(‬19‮) ‬وقد فشلت هذه الرؤية سواء على الصعيد النظري‮ ‬أو على الصعيد التطبيقي‮ ‬في‮ ‬أثبات ذاتها‮.‬

هذا بالنسبة إلى الاشتراكية،‮ ‬أما بالنسبة إلى الرأسمالية،‮ ‬فقد انطلقت منذ بداية حركتها دون أساس إيديولوجي‮)(20) ‬،‮ ‬ولم تكن تهتم بالأساس الإيديولوجي،‮ ‬وأنما همها تنظيم الحياة،‮ ‬وأقام نظامها على أساس الحرية الفردية الرأسمالية،‮ ‬وعندما انطلقت وواجهت اتساع الأفكار المعادية لها،‮ ‬راحت تأخذ من الاشتراكية شعاراتها وتستبدلها بشعارات مقابلة،‮ ‬من قبيل العدالة الاجتماعية،‮ ‬حيث استبدلتها بمسألة حقوق الإنسان،‮ ‬والتنمية الاقتصادية،‮ ‬حيث استبدلتها بمسألة السوق الحرة ونمو الإنتاج،‮ ‬بالتالي‮ ‬فإنها أخذت شعار الأممية البروليتارية واستبدلته بشعار العولمة الرأسمالية،‮ ‬إذ عندما انطلقت انطلقت محلية وكان تركيزها على الغرب،‮ ‬ولم تطرح نفسها بشكل عالمي،‮ ‬إلا بعد أن توفرت ظروف مناسبة لذلك‮.‬

النقطة السادسة‮ : ‬العولمة الاجتماعية ومشاكل السكان والتنمية‮ ‬ ‮

‬الملاحظ في‮ ‬مسيرة التفكير الاجتماعي‮ ‬الغربي‮ ‬والحاكم في‮ ‬النهاية على مسيرة صياغة الوثائق الاجتماعية الدولية ومنها وثيقة القاهرة ووثيقة كوبنهاكن ووثيقة بكين وغيرها،‮ ‬أن هناك منطلقات تحكم هذه العقلية وأهمها ما‮ ‬يلي‮ :‬

أولا‮ : ‬منطلق نظرية مالتوس القائلة بأن معدلات النمو الإنساني‮ ‬أسرع من معدلات النمو الطبيعي‮ ‬للموارد والإمكانات في‮ ‬الطبيعة‮.‬

ثانياً‮ : ‬منطلق أنه لا‮ ‬يمكن بل‮ ‬ينبغي‮ ‬توضح العقبات أمام الاستجابة الحرة للغرائز الجنسية لأن ذلك‮ ‬يؤدي‮ ‬للكبت،‮ ‬والتمرد،‮ ‬ويخالف حقوق الإنسان‮.‬

ثالثاً‮ : ‬عدم الإيمان بما‮ ‬يسمى بالقيم الإنسانية أو القيم الأخلاقية الاجتماعيةـ بل تصور أن توفر مثل هذه القيم في‮ ‬المجتمع‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى عدم الاستجابة للثقافة الغربية على المستوى العالمي‮ ‬ـ ولذا‮ ‬يجب العمل على محوها اجتماعياً‮ ‬لكي‮ ‬تنفتح الشعوب أمام عملية الغزو الثقافي‮ ‬الجامع وفرض التصورات الغربية لا على الأذهان فحسب بل وحتى على القوانين الفرعية الاجتماعية في‮ ‬المجالات المدنية باعتبارها عملية إدخال لروح حقوق الإنسان في‮ ‬المجالات القانونية،‮ ‬وباعتبار الغرب قيّماً‮ ‬مزعوماً‮ ‬على حقوق الإنسان هذه‮. ‬وهي‮ ‬أخطر مراحل هذا الهجوم حتما‮.‬

رابعاً‮ : ‬الروح العلمانية التي‮ ‬واجه بها الغرب سلطة الكنيسة وتخلص براثنها ليتجه الاتجاه المادي‮ ‬ويصنع حضارته التي‮ ‬جمعت بين هذا الاتجاه والتقدم العلمي،‮ ‬ومن هنا فهو‮ ‬يتصور أن منهجه هذا هو الذي‮ ‬يجب أن‮ ‬ينفذ في‮ ‬شتى انحاء العالم‮.‬

وهو بذلك‮ ‬يتحسس من كل ما هو ديني‮ ‬أو‮ ‬يمت إلى الدين بصلة،‮ ‬ومن هذه المنطلقات وأمثالها جاء هذا التخطيط الرهيب ليعتمد الأسس التالية‮ :‬ ‭

.‬1‮ ‬تأييد التحرر الكامل من القيود الدينية وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬المجال العائلي‮ ‬والاجتماعي‮.‬ ‭

.‬2‮ ‬تقليل النمو السكاني‮ ‬بشتى الوسائل،‮ ‬ومنها الإجهاض‮.‬

‭.‬3‮ ‬فرض المفاهيم الغربية عن حقوق الإنسان على الساحات الفكرية والعملية والقانونية‮.‬

4‮. ‬التأكيد على فكرة العولمة الاجتماعية وتدخل الأمم المتحدة في‮ ‬ثقافات الشعوب وبنيتها الاجتماعية‮. ‬ونلاحظ أن الإسلام لا‮ ‬يعترف بمجمل هذه المنطلقات؛ فالقرآن الكريم‮ ‬يؤكد أن الله تعالى أودع في‮ ‬الطبيعة كل ما‮ ‬يحتاجه الإنسان وهو أمر‮ ‬يستنبطه الوجدان الإنساني‮ ‬الذي‮ ‬يلاحظ كل هذا الانسجام والتخطي‮ ‬في‮ ‬الكون‮.‬

ولكن الذي‮ ‬أوجد المشكلة في‮ ‬الواقع هو ظلم الإنسان في‮ ‬توزيع المحصول الطبيعي‮ ‬توزيعاً‮ ‬عادلاً،‮ ‬وكفره بأنعم الله تعالى‮: {‬وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفا‮}(‬21‮).‬ ‭

‬كما أن الغرائز هي‮ ‬دوافع عمياء صممت في‮ ‬وجود الإنسان لتحقق له المضي‮ ‬في‮ ‬المسيرة ولكن تحت هداية عقلية وتخطيط تشريعي‮ ‬واقعي‮ ‬فلا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يطلق لها العنان،‮ ‬وإلا تحولت إلى عواصف هوجاء تعصف بالوجود الإنساني،‮ ‬كما أن الإيمان بالقيم الأخلاقية نابع من الإيمان بالله تعالى وهو مقتضي‮ ‬الفطرة الإنسانية والوجدان،‮ ‬ومن طلب ما عدا ذلك فقد بخس الإنسانية حقها وأخرجها إلى حيوانية عجماء‮ {‬أولئك كالأنعام بل هم أضل‮}(22‮)‬‭ ‬

وأخيراً‮ ‬أن الإسلام دين الحياة المترابطة ولا‮ ‬يمكن أن تنتظم الحياة إلا به،‮ ‬فالعلمانية مرفوضة جملة وتفصيلاً،‮ ‬وعلى هذا الأساس فإن النتائج التي‮ ‬اعتمدها هؤلاء مرفوضة أيضا‮.‬ ‭

‬إلا أن هناك نقطة مهمة‮ ‬يجب ملاحظتها أيضاً‮ ‬وهي‮ ‬أن هناك بدائل مشروعة تطرح نفسها في‮ ‬البين فيجب توخيها وعدم اتخاذ الموقف السلبي‮ ‬الكامل،‮ ‬فمسألة تنظيم العائلة أمر لاحظه الإسلام وسمح به بل وربما أوجبه إذا تطلبت المسيرة الاجتماعية ذلك نتيجة للظروف الطارئة،‮ ‬فإذا عاد النمو السكاني‮ ‬خطراً‮ ‬على منطقة ما وتخطيطها نتيجة عوامل لا‮ ‬يد للدولة الإسلامية فيها ـ كان من الممكن لولي‮ ‬الأمر أن‮ ‬يأمر بذلك كما أمكن للأفراد أن‮ ‬ينظموا المسيرة وفقاً‮ ‬لما‮ ‬يحقق المصلحة الاجتماعية،‮ ‬والأب والأم هنا أحرار في‮ ‬مسألة التنظيم هذه‮. ‬ولكن ذلك‮ ‬يتم بالطرق المشروعة وليس الإجهاض أحدها قطعاً،‮ ‬فهو أمر‮ ‬غير مسموح به إلا في‮ ‬الحالات النادرة كتعرض حياة الأم للخطر أو ابتلاء الجنين بمرض عضال‮ ‬غير قابل للعلاج مثلاً‮.‬

وحقوق الإنسان بمعناها الحقيقي‮ ‬يضمنها الإسلام ويعمل عل توفيرها للأفراد في‮ ‬إطار واقعي‮ ‬سليم‮.‬

وللإسلام مفهومه الخاص عن العولمة إذ‮ ‬يقيمه على أساس من الفطرة الإنسانية وهي‮ ‬مشتركة بين أفراد البشر لا تنمحي‮ ‬وإن كانت آثارها قد تضعف وتقوى‮.‬

وعلى أي‮ ‬حال فينبغي‮ ‬التعامل بحذر وإيجابية مع الوثائق المطروحة وإلا ابتلينا بسلبياتها فرضاً‮ ‬وخسرنا إيجابياتها‮.‬

أمّا المشكلة التعليمية‮ (‬التعليم للجنسين‮)‬،‮ ‬فإنه ليس للإنسان أن‮ ‬يتصور تحفظاً‮ ‬للإسلام في‮ ‬مجال التعليم،‮ ‬فالإسلام دين العلم،‮ ‬وهو‮ ‬يحبذ تعليم الإنسان في‮ ‬أي‮ ‬مرحلة كانت فلا مشكلة لدينا في‮ ‬تعليم الإنسان حقوقه الفردية والاجتماعية،‮ ‬ولا مانع مطلقاً‮ ‬من كشف الحقائق أمام الإنسان‮.‬

إنما الإشكال‮ ‬يكمن في‮ ‬أن‮ ‬يستغل التعليم وأساليبه لتحقيق أهداف لا إنسانية وحينئذ‮ ‬يقف الإسلام ضد هذا الاستغلال‮.‬

والتعليم بمسألة الجنس والعلاقة الجنسية وآثارها من الأمور الطبيعية،‮ ‬للتوقي‮ ‬من الآثار السلبية للجهل،‮ ‬وللتخطيط للإشباع الحكيم،‮ ‬وتحقيق هدف الخلقة الإنسانية في‮ ‬ضمان استمرار النوع البشري،‮ ‬ليقوم بإعمار الأرض وبناء المجتمع الصالح وتنظيم العلاقات الاجتماعية وكذلك لإشباع حاجاته الجنسية الطبيعية والتمتع بالحياة‮.‬

كل ذلك أمر طبيعي،‮ ‬وطبيعي‮ ‬أن‮ ‬يدعو له الإسلام ويحبذه،‮ ‬إلا أن الخطر‮ ‬يكمن في‮ ‬عملية الاستغلال،‮ ‬ذلك لأنه‮ ‬يمس جانباً‮ ‬حساساً‮ ‬مشتعلاً‮ ‬في‮ ‬حياة الإنسان خصوصاً‮ ‬الإنسان الشاب ومن هنا‮ ‬يأتي‮ ‬عنصر الاستغلال الأمر الذي‮ ‬يدعو إلى الاحتياط،‮ ‬ومن هنا أيضاً‮ ‬أصر الوفد الإسلامي‮ ‬الإيراني‮ ‬في‮ ‬كل هذه اللقاءات على أن‮ ‬يكون التعليم في‮ ‬السن المناسب وتحت إشراف الوالدين مستهدفاً‮ ‬الحيلولة دون الانتهاء إلى نتائج سلبية فردية أو اجتماعية‮... ‬جسمية أو روحية‮. ‬ومن هنا فإن المطلوب أن توضع خطة حكيمة لتعليم أولادنا وبناتنا ما‮ ‬يحتاجون إليه من معلومات ترتبط بهذا الجانب،‮ ‬وأحكام هذا الباب متناثرة في‮ ‬أبواب فقهية متعددة مثل الطهارة والنكاح والعقوبات وغيرها‮.‬‭ ‬

أما التستر على الأمر بحجة الاستحياء،‮ ‬وعدم هتك الأسرار فهو إلى حد ما طبيعي،‮ ‬ولا‮ ‬يعني‮ ‬أن لا تنقل المعلومات اللازمة لنوقعهم أو نعرضهم للوقوع في‮ ‬هذه الخطيئة أو القلق‮.‬

وحول مشكلة الإجهاض،‮ ‬فهناك بعض الدول التي‮ ‬تبيح الإجهاض في‮ ‬قوانينها الداخلية بشكل طبيعي،‮ ‬وهناك الاتجاه الآخر الذي‮ ‬تقوده الكنيسة وهي‮ ‬تحرم أية عملية إجهاض مطلقاً‮ ‬بل أي‮ ‬عملية تنظيم النسل وتخطيط للأسرة من خلال أقراص منع الحمل وأمثالها،‮ ‬اللهم إلا ما كان من قبيل التخطيط للمقاربة الجنسية في‮ ‬الأوقات التي‮ ‬يقل فيها احتمال انعقاد النطفة كبعض الأيام في‮ ‬الشهر‮.‬

وهناك الاتجاه الإسلامي‮ ‬الوسط فهو‮ ‬يمانع فيها ويحرم القيام بالإجهاض منذ انعقاد النطفة،‮ ‬ولا مانع من القيام بكل عمل‮ ‬يقف بوجه هذا الانعقاد كالعزل الذي‮ ‬أحله رسول الله ؟ لأصحابه‮.‬

كما لا‮ ‬يمانع من الإجهاض إذا تعرضت حياة الأم للخطر المحقق،‮ ‬أو ابتلى الجنين بمرض عضال لا‮ ‬يقبل العلاج على بعض الآراء طبعا‮.‬

وعلى أي‮ ‬فيجب أن لا‮ ‬يحبذ هذا العمل ولا‮ ‬يعتبر وسيلة لتنظيم النسل مطلقاً‮.‬

ولكن إذا تم السماح لهذه العملية شرعاً‮ ‬فيجب أن‮ ‬يتم بالطرق الصحيحة المأمونة بلا ريب‮.‬

كما أنّ‮ ‬الإسلام‮ ‬يحرم مطلقاً‮ ‬أن تقوم الأم بهذه العملية لعدم الرغبة في‮ ‬الإنجاب،‮ ‬أو لوجود بعض النتائج السلبية،‮ ‬الاقتصادية والاجتماعية‮.‬

إنّ‮ ‬الجنين مهما كان السبب في‮ ‬تكونه‮ (‬حتى ولو كان ذلك محرماً‮) ‬إنسان محترم،‮ ‬له حق الحياة‮. ‬ولا‮ ‬يجوز الاعتداء عليه ويجب توفير كل الظروف الملائمة لتكامله وولادته صحيحاً‮ ‬سالماً‮.‬

وتبقى هناك مسألتان‮ :‬

1‮. ‬مشكلة الشباب‮: ‬لجيل الشباب بمقتضى طبيعته الحيوية وتحولات حياته الكثيرة من المشاكل،‮ ‬وأنماط السلوكيات التي‮ ‬يفرط فيها أحياناً‮ ‬ولا‮ ‬يجد متنفساً‮ ‬لها في‮ ‬المجتمع أحياناً‮ ‬أخرى‮. ‬من قبيل المشاكل الجنسية ومشكلة الزواج،‮ ‬والنزوع للتحرر من آية قيود،‮ ‬والتمرد على التقاليد،‮ ‬وطرح التساؤلات العديدة وقلق الشخصية وترددها بين الطفولة والرجولة ومشاكل التعليم‮.‬

وهذه الحالات تتطلب منا مواجهة حكيمة كما أسلفنا‮- ‬من خلال الدراسة الميدانية،‮ ‬واللقاءات الودية والحرة،‮ ‬والعمل على ملء الفراغ‮ ‬الشبابي‮ ‬بشتى الأساليب الإيجابية والابتعاد عن جوّ‮ ‬العنف والتحلل والتمرد،‮ ‬وتوفير فرص التعويض الإيجابي‮ ‬بدلا من كبت العقد النفسية،‮ ‬وإشاعة الأخلاق الفاضلة بالحكمة والموعظة الحسنة،‮ ‬بدلا من استخدام أساليب الوأد،‮ ‬والإجابة على التساؤلات وأمثال ذلك‮.‬

2‮. ‬مشكلة المرأة‮: ‬للمرأة أيضاً‮ ‬مشاكلها الخاصة بها،‮ ‬من قبيل المشاكل الاجتماعية التي‮ ‬قد تعثر الزواج،‮ ‬كمشاكل الطلاق،‮ ‬ومشاكل الضعف في‮ ‬مواجهة الحالات العنيفة كالحرب والتهجير والتقاليد المجحفة،‮ ‬ومشاكل الدخول في‮ ‬المعترك الاجتماعي‮ ‬الإداري‮ ‬والاقتصادي‮ ‬والسياسي‮ ‬والتعليمي،‮ ‬فينبغي‮ ‬إذن العمل الجاد على اكتشاف هذه المشكلات،‮ ‬ووضع الحلول المناسبة مسترشدين بالحلول الإسلامية الأصلية،‮ ‬ورافضين لكل حالات التطرف المقيت،‮ ‬الذي‮ ‬يسلب المرأة حقوقها الإنسانية الإسلامية ويعقدها عن المساهمة في‮ ‬عملية البناء الاجتماعي‮ ‬الواسع بل في‮ ‬العملية الحضارية الإنسانية أسوة بالعظيمات من النساء اللواتي‮ ‬تركن بصماتهن على الصعيد التاريخي‮.‬

إنها طاقة كبرى‮ ‬يجب أن لا نكفر بنعمتها ونتركها هكذا تذوب وتنزوي،‮ ‬نعمل على أن تسخّر لصالح الإنسانية‮.‬

النقطة السابعة‮ : ‬الديمقراطية

إنّ‮ ‬الليبرالية الغربية تمنح كل السلطات للشعب،‮ ‬فله التقنين والتعيين للحكام‮.‬

إلاّ‮ ‬أن الديمقراطية الغربية تتحول إلى مجرد حقوق اسمية في‮ ‬كثير من الأحيان حينما‮ ‬يتدخل المال والتزوير والتحالفات المصلحية‮.‬ في‮ ‬حين‮ ‬يرى الإسلام أن الدين بمقتضى انطلاقه من خالق الإنسان له الحق في‮ ‬تعيين نوع تدخل الإنسان في‮ ‬مجال التقنين والتعيين‮. ‬ومن خلال هذا المبدأ قام الإسلام بالأمور التالية‮ :‬

1‮. ‬عالج الجانب الثابت من الحاجات الإنسانية بأحكام ثابتة لا تتناولها‮ ‬يد التغيير نعم قد تتغير بعض أساليب التطبيق باختلاف الزمان والمكان والاجتهادات كاختلاف أساليب تطبيق التكافل والتوازن الاجتماعي‮ ‬باختلاف المجتمعات الإسلامية‮.‬‭ ‬

2‮. ‬فسح المجال للحاكم الإسلامي‮ ‬في‮ ‬التشاور مع الأمة لتحقيق المصالح المتغيرة وإشباعها بأفضل الطرق في‮ ‬مجال المباحات‮.‬

3‮. ‬وضع الشروط اللازمة لانتخاب الكوادر التنفيذية على كل المستويات وبالتالي‮ ‬نستطيع أن نعبر عن الحكم الإسلامي‮ ‬بأنه حكم الشعب ضمن الإطار الديني‮.‬

إذن فهناك نقاط التقاء كثير‮ ‬يمكن التوصل فيها إلى حد مشترك مع الديمقراطية الغربية‮.‬

النقطة الثامنة‮: ‬العلمانية ‮

‬وهي‮ ‬فكرة نشأت في‮ ‬أحضان‮ ‬غربية ونتيجة صراعات بين أنصار التحرر والتزمّت الكنسي‮ ‬انتهت إلى عزل الكنيسة عن الحياة الاجتماعية تقريباً‮ ‬ـ بالتالي‮ ‬فصل الدين عن الحياة‮.‬ ‭

‬إلا أن طبيعة الإسلام وتعاليمه الحياتية وتخطيطه لأسلوب الحكم وتطبيقاته العلمية تتناقض مع هذه الفكرة‮.. ‬ونحن لا نرى مجالاً‮ ‬للتفاهم على حد مشترك في‮ ‬هذا المجال‮.‬

النقطة التاسعة‮: ‬حقوق الإنسان ‮ ‬

وفي‮ ‬هذه النقطة لا نجد اختلافاً‮ ‬كبيراً‮ ‬في‮ ‬المفهوم وفي‮ ‬نوعية القيود التي‮ ‬يجب أن تقيد هذه الحقوق،‮ ‬من حيث ضرورة كون هذه الحقوق معقولة إلا أن الاختلاف قائم في‮ ‬مجالات أخرى من قبيل‮ ''‬منشأ الحقوق‮'' ‬وهو الإنسان ذاته الذي‮ ‬يقررها ويقرر حدودها ومصاديقها وبالتالي‮ ‬يتبع الأمر اجتهادات الإنسان‮. ‬أم هو الله خالق الإنسان ومالكه وهو الذي‮ ‬يمتن بها على هذا المخلوق،‮ ‬ثم‮ ‬يعين له حدود هذه الحقوق والتي‮ ‬تضمن أن تكون استفادة الإنسان منها محققة لتكامله الفردي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬وغير مخلة بالتوازن المطلوب،‮ ‬بعد أن كان الحق ذا طرفين‮ : ‬من له الحق ومن عليه الحق‮.‬

وعلى أي‮ ‬حال فنحن نعتقد أن الإيمان بنظرية الفطرة الإنسانية ضروري‮ ‬للإيمان بالحقوق الإنسانية،‮ ‬فالإنسان الذي‮ ‬يمكن أن نتصور له حقوقاً‮ ‬هو الموجود الذي‮ ‬يمتلك بطبعه عناصر فطرية تولد معه وتبقى معه ما دام إنساناً‮ ‬فإذا انقلب إلى وحش فقد هذه الحقوق‮ {‬ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون‮}(‬23‮).‬‭ ‬

والحقيقة أننا إذا لم نؤمن بالفطرة الإنسانية فقدنا المعيار في‮ ‬تشخيص الحقوق وربما كان الذين كتبوا الإعلان العالمي‮ ‬لحقوق الإنسان‮ ‬ينطلقون من هذا المنطلق دون أن‮ ‬يشعروا أو‮ ‬يصرحوا بذلك ـ حينما قرروا في‮ ‬مقدمة الإعلان‮ ''‬ضرورة معرفة الحيثية الذاتية للإنسان لتحقيق الحرية والعدالة والسلام‮.‬

‮(‬وبالتالي‮ ‬نجد اختلافاً‮ ‬واسعاً‮ ‬بين الغرب والإسلام في‮ ‬مصاديق هذه الحقوق إلا أن هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬عدم إمكان الوصول إلى مساحات مشتركة كثيرة وهذا‮ ‬يتضح مع المقارنة بين الإعلان العالمي‮ ‬والإعلان الإسلامي‮ ‬لحقوق الإنسان‮)(‬24‮) ‬

النقطة العاشرة‮ : ‬دعم الحركة الصهيونية ‮

‬إن العداء بين الحركة الصهيونية والأمة الإسلامية بات قوياً‮ ‬لا تزيده الأيام إلا رسوخا؛ نتيجة الطبيعة العنصرية من جهة والتأصل الإجرامي‮ ‬لدى الصهاينة،‮ ‬من جهة أخرى وها نحن نتجاوز قرناً‮ ‬من الزمان ملؤه التعدي‮ ‬على حقوق المسلمين المعترف بها دولياً‮ ‬وقد تجاوزت انتهاكات العدو الصهيوني‮ ‬العشرات بل المئات من قرارات الأمم المتحدة وبشكل‮ ‬يندى له جبين الإنسانية‮.‬

إلا أنا نجد الغرب وعلى رأسه اليوم أمريكا‮ ‬يقف مدافعاً‮ ‬عنه وداعماً‮ ‬له بشتى أنواع الدعم،‮ ‬بل ومتجاوزاً‮ ‬حتى شعاراته هو من حماية حقوق الإنسان،‮ ‬بل معتبراً‮ ‬إيّاه النظام الديمقراطي‮ ‬المقدم للعالم الثالث‮.‬

والغرب بهذا‮ ‬يثبت كذب منطق حمايته لحقوق الإنسان،‮ ‬ويكيل بمكيالين في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬ويثير حقد العالم الإسلامي‮ ‬بل حقد كل إنسان‮ ‬يحتاج إنسانيته‮.‬

هذا وقد حاول الكثيرون الوصول إلى بعض المساحات المشتركة ولكن كل هذه المحاولات تحطمت على صخرة الطبيعة العنصرية والعدوانية الصهيونية‮. ‬وهي‮ ‬مسألة لا نجد فيها أي‮ ‬مجال للمساومة‮.‬‭ ‬

ـــــــــــــــ

(*) ‬الأمين العام للمجمع العالمي‮ ‬للتقريب بين المذاهب ـ ايران‮.‬

(1) سورة الجمعة،‮ ‬الآية‮ ‬2‮.‬

(2) كنز العمال، ج4، ص 223، والكافي، ج5 ص 27، وغيرها.

(3) سورة إبراهيم،‮ ‬الآية‮ ‬34‮.‬

(4) روته الصحاح.

(5) ‬سورة النور،‮ ‬الآية‮ ‬55‮.‬ ‮

(‬6‮) ‬يقصد‮ ‬11‮ ‬سبتمبر‮ ‬2001م‮.‬

‮(‬7‮) ‬الكتاب المذكور،‮ ‬ص‮ ‬‭.‬56‭-‬55 ‮

(‬8‮) ‬ن.م.ص‮ ‬‭.‬10‮ ‬

‮(‬9‮) ‬من مقدمة على كتاب‮ (‬الشرق والغرب حين‮ ‬يلتقيان‮) ‬للمرحوم مصطفى النفير‮. ‬

(10) قصة الحضارة، ج 13، ص 5.

(11) سلسلة مقالات في الاكونومست اللندنية عام 1994.

(12) ‬سورة الإنسان،‮ ‬الآية‮ ‬3‮.‬

(13) سورة المائدة،‮ ‬الآية‮ ‬4‮. ‬

(14) سورة الأعراف،‮ ‬الآية‮ ‬33‮.

(15) سورة الحشر،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬19

(16) ‬سورة البقرة الآية‮ ‬143‮.

(17) سورة الأعراف‮. ‬الآية‮ ‬158‮.‬

(18) سورة القلم‮. ‬الآية‮ ‬51‮.

(19) للوقوف على تفصيل هذا الأمر، راجع بحوث الشهيد الصدر في اقتصادنا، ص 53-238، حول الموضوع.

(20) ن. م، ص 237-250.

(21) سورة‮ ‬إبراهيم،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬34

(22) سورة الأعراف،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬179

(23) سورة الحشر‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬19

(24) راجع كتابنا (حول الدستور الإسلامي) ص 157.

 

   

Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture

-‬ISESCO‭- ‬1429H/2008

Untitled Document