Terrorisme: Dimensions, Menaces et Contres-mesuresActes de la ConférenceTunis: 15-17 Novembre 2007 |
||
![]() |
التفسير السائد للإرهاب وأسبابه المغيّبةد . حاتـم بـن عثمـان(*) ليست ظاهرة الإرهاب جديدة على العالم والإنسانية عامّة إذ شهدت كل أرجاء المعمورة في حقب تاريخية متفاوتة المدى تناميا للإرهاب بأشكاله المتعددة، كما شهد الإرهاب ذاته أنساقا تصاعدية وخفوتا، وانحصر تارة في بؤر جغرافية معينة وتجاوزها تارة أخرى، وتعدّدت أساليبه ومصادره وكذلك أهدافه ومرجعياته وأسبابه ومبرّراته، وأصبح اليوم ظاهرة عالميّة لا تنحصر في رقعة جغرافيّة معنية أو في فترة زمنيّة بعينها.
ضبابية المصطلح وتعدّد المعاني وتعدّدت بفعل ذلك معاني مفهوم الإرهاب وفق حاجة كل ممارس للإرهاب وكل من كان هدفا معلنا له أو ضحيّة عرضيّة لآثاره، فتعدّدت زوايا النظر إلى الظاهرة، لذلك استعصى التوصل إلى تعريف واضح وموحّد للإرهاب. وظلت معاني مفهوم الإرهاب خاضعة للأدلجة والتوظيف السياسي والمصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الرامية إلى ترويج المفاهيم وفق تصوّر مخصوص لها وحاجة ملحّة إلى نشرها بعد حصرها في معان بعينها تحولها إلى رموز ذات إحالات اعتباطية ولكنّها ثابتة إلى حدّ الجمود. وآل هذا التنميط اللغوي والتوحيد القصري للملفوظات إلى تعسّف على العقل وتكبيل لقدرته على فهم الواقع المتشعّب المتعدد المعاني، وزالت شيئا فشيئا الحاجة إلى الفوارق الدقيقة التي لا يستقيم المعنى بدونها لأنّ القول لم يعد أداة لتجــليه بل أداة توظيـــف له وبسط لنــفــوذ المعنى المراد به فغابت عن تـعريـف الإرهـاب معــاني '' إرهاب الدولة '' و '' الإرهاب الفكري '' وتحوّل '' الإرهاب النووي'' إلـــى قـوّة لــلردع و''الاحتلال العسكري'' إلى مقاومة للإرهاب أو نشر لقيم الحضارة والحداثة أو لغرس قيم السلم. والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأصبح قتل المدنيين بالجيوش النظامية والمرتزقة دفاعا شرعيّا أمّا مواجهة الآلة الحربيّة والقوّة العسكرية العاملة تحت راية الدول فإنّه ينعت بالإرهاب. وشيئاً فشيئاً أصبح الإرهابي في قاموس اللغة السياسية الحديثة هو المسلم والعربي. أمّا عندما يسلّط الإرهابيون بمختلف مشاربهم الموت والدمار على المسلم والعربيّ فإنّ ذلك يعدّ فضيلة وشكلا من أشكال مقاومة الإرهاب لأنّ نتائجه لا تطال إلا المسلم والعربيّ الذي هو إرهابي بطبعه. وإذا كان المسلم والعربي ضحية لإرهاب المسلم والعربي فإنّ ذلك يكون بالنسبة إلى العالم شأنا داخليا في أحسن الحالات إن لم يكن أمرا طبيعيّا بل ومحبّذا في أحيان أخرى، عساه يصرف الإرهابيين عن توجيه أعمالهم الإجراميّة إلى غير العرب والمسلمين.
مقدمات تعبّد الطريق لنشر ثقافة الإرهاب ولهذا التعميم السريع في ربط الظواهر بالأجناس والدول والديانات مخاطر جمّة تعبّد الطريق أمام ظاهرة الإرهاب وتنشر ثقافة الموت والقتل والانتحار عبر : * نشر الكسل الذهني والقصور العقلي الذي يعمى به الإنسان عن القدرة على التحليل والتمييز ومعالجة الإشكالات لمّا تكون أسس وضعها مغلوطة، وهو نقيض ما يجب أن تربي المدرسة عليه، إذ كيف التوفيق بين واقع المفاهيم السائدة المشوّهة التي تصبح مسلمات وبين أهداف تربوية تدعو إلى إعمال العقل وتوضيح المفاهيم وإشاعة قيم السلم والتآخي البشري واحترام ثقافات وحضارات الشعوب؟ ألا تبدو المدرسة وقتها وكأنها عامل انفصام بين العقل والواقع ؟ * الخلط بين المفاهيم وكسر الحواجز بين حدود المعاني والرموز الدالة عليها يؤول حتما إلى تداخل المتناقضات: الإرهاب والمقاومة، الاستعمار والحرية، الاحتلال والسيادة الوطنية، التعذيب وحقوق الإنسان، إرهاب الدولة والديمقراطية، الحرب والسلـم... . * التعسّف على حضارات وثقافات وديانات وأجناس بوسمها بصفات ونعوت تربطها بالإرهاب، فتتحول هذه النعوت إلى اختزال قصري لتعريف الثقافات والأديان انطلاقا من مركزية غربيّة تنصّب نفسها ذاتا مفكّرة متيقّنة من ذاتها بفعل تمثلها لذاتها ولحقيقتها دون غيرها ودون أي حقيقة مغايرة. عندئذ تنتشر الأنماط التعبيريّة الجاهزة، وتتناقلها وسائل الإعلام وبعض الساسة والمفكرين إلى أن تستقر حقيقة مطلقة لدى العامّة وتتعمّق بفعلها الهوة بين الشعوب والحضارات والثقافات والأديان، وتتنمّى نزعات الخوف والاحتماء من ناحية، ونزعات العداء والكراهية من ناحيه أخرى، ثم تستقرّ القطيعة حقيقة ثابتة ويصبح الإرهاب والإرهاب المضاد أداة التحاور الوحيدة السائدة، وتظل الشعوب أسيرة كليهما. * والأخطر من ذلك كلّه هو أن الخلط يحشر كل العقول النيرة والقوى الديمقراطية وأنصار الحداثة ومحبي السلم والأمن والتعاون بين الدول والشعوب في خانة التعميم السريع والانتماء الجماعي لحضارة أو دين أو جنس بعينه، فينتفي التمييز بين الإرهابي وهوية الإرهابي وبين الإرهابي وكل من انتمى إلى هويّة الإرهابي أو إلى بعض من مكوّنات هذه الهويّة الحضارية من قريب أو من بعيد. * إضعاف القدرة لدى دعاة الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان على نشر القيم الكونية المشتركة في الحرية والديمقراطية والحداثة والعقلانية والتفتح والتسامح، ونشر قيم السلم والتعاون والتضامن بين الأمم والشعوب، إذ يجد هؤلاء أنفسهم بين نار من يتهمهم من الداخل بالتقصير في مواجهة أعداء الأمّة من ناحية، وبين من يحشرهم من الخارج في خانة الانتماء إلى حضارة ودين وثقافة هويّة الإرهابيين من ناحية أخرى، فيجدون أنفسهم في وضع المقاوم على واجهتين : واجهة رفض الإرهاب مهما كان مصدره وهويّته وواجهة رفض التنميط السائد والإصرار على توفير شروط الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات. إن النمطيّة والتعميم السريع والتهجّم على الحضارات والثقافات والديانات وتكريس القطيعة بينها، وإضعاف قوى الحداثة، ومصادرة مفهوم الحرّية والديمقراطية، وحصر معانيها الواسعة والمتعدّدة في رؤية وتجربة تاريخية وجغرافية معينة، وفي تطبيقات مخصوصة ووصفات نظرية جاهزة، يعتبر مؤامرة على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ونسفا لقيم الاختلاف والتعدّد، وسدّا لكل قنوات الحوار، لأنّ أصل الحوار أن لا يكون بين الذات وصورتها، بين الأنا وأناها، بل بين كينونات متحرّكـة ومختلفـة، مـتـعدّدة ومتناقضة أحيانا، بل ومتنافرة في أحيان أخرى، حتى يكون الالتقاء مبرّرا للاخلاف وللقاء معا، أي حتى يصبح الوجود مثبتا بالتعايش. إنّ ما آل إليه التوظيف السياسي العالمي للديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريّة، والدين، والثقافة، والحضارة، والتاريخ، شكّل عامل إشعال لفتيل الإرهاب وأجّج نوازع التوظيف السياسي المقابل لكلّ المفاهيم المذكورة آنفا، فأصبحت المرجعيّة واحدة لدى الفريقين، الإرهابيون الإسلاميون من ناحية وفرسان مقاومة الإرهاب في ما يسمّى بالعالم الحرّ من ناحية أخرى، وكأنّه لا شيء يوجد بينهما، ولا أحد غير الغرب قاوم الإرهاب، في حين أن تونس دعت منذ بداية التسعينات إلى تحرك دولي لمقاومة الإرهاب ولم تجد صدى آنذاك لنداءاتها المتكرّرة. وعندما نشأت ضرورة حصر مفهوم الإرهاب معنى وممارسة، طفقت الرؤى والتصورات والتحاليل تسعى في أرجاء الواقع العالمي السائد علّها تعثر على مبرّرات منطقيّة للإرهاب، ونشأته، وانتشاره، أو على تفسيرات آنية تريح الضمائر المتعطشة إلى توضيح خطاب حقيقتها المتيقن من ذاته.
السائد في تعريف أسباب الإرهاب وهكذا استقرّت القناعة أن للإرهاب تفسيرا واضحا يتمثل في : الفقر، غياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فساد الأنظمة. ويضيف منظرون آخرون عوامل مكمّلة وهي : الجهل والأمية ورفض العرب والمسلمين للحداثة. ويؤكد آخرون بدرجات أرفع في التحليل بأن الدين الإسلامي حامل في ذاته لشروط الإرهاب والدعوة إليه، خلافا لكل الديانات الأخرى ولكل الحضارات والثقافات الأخرى. لذلك نعتقد أن تحليل ظاهرة الإرهاب وأساليبه تستوجب الوقوف أوّلا عند ما هو سائد من تفسير لها لتبين مدى صحّة وفاعليّة حجج أصحاب هذه التفسيرات المطمئنة للنفس والمغرّرة بها وبالعامّة في نفس الوقت، فالبحث عن سبل تجاوز انسداد الأفق الحالي يمرّ بتشخيص ما خفي من أسباب أخرى طواها النسيان أو أهملها السكوت عنها. 1. الـفـقـر : هذه المعضلة الإنسانية ليست حكرا على الدول العربية والإسلامية، بل هي ظاهرة عالمية وأزلية، لم ولن يخلو منها مجتمع من المجتمعات. أمّا إن كان الفقر وحده سببا للإرهاب فهل سيشكل الفقراء في الدول الغنية وعاء جاهزا يغذي جيش الإرهاب بحكم التفاوت المجحف بين الفقراء والأغنياء في هذه الدول، وبحكم ما يشهده الفقراء من مؤشرات للتنمية في بلدانهم لا تشملهم ومن انتشار للرفاه والرخاء ظلوا على هامشه، وهي عوامل من شأنها أن تغذي نوازع النقمة والقطيعة والتمرّد والعنف في هذه المجتمعات، خاصّة إذا ما أقررنا بأنّ الليبيرالية الجديدة وما تنشره في طريقها من توسيع لرقعة الفقر في العالم سوف تزيد من جحافل الفقراء والمهمشين والعاطلين عن العمل في الدول الغنيّة والدول الفقيرة على حدّ سواء. 2. غيــاب الـديمقراطيـة : تكرّس هذان المفهومان حقيقة في الغرب على المستويين النظري والتطبيقي وأصبحا ثقافة شائعة في العقول، ولكنّهما لم يمنعا من ظهور حركات إرهابية متطرّفة في أوروبا خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولا أحد شكّك وقتها في مشروعيّة نعت هذه الحركات بالإرهابيّة وفي رفض اعتبارها حركات نضال أو مقاومة سياسية مشروعة، لا في صفوف اليسار ولا في صفوف اليمين وهي : * حركة '' الفعل المباشر '' في فرنسا (Action dircte) * منظمة '' الألوية الحمراء '' في إيطاليا (Brigades rouges) * جماعة '' بادر ماينهوف '' في ألمانيا (La Bande Baader) تضاف إليها حركات ومنظمات يجمع الكل على اعتبارها إرهابية لأنّها وجدت في دول ديمقراطية تسمح بالتحرك السياسي الميداني العلني وبحقّ التعبير الحرّ ولكن النظام الديمقراطي وحقوق الإنسان والحريات العامّة لم تمنع كذلك هذه الحركات من البروز وممارسة الإرهاب ونعت نفسها بحركات مقاومة انفصالية وهي : * حركة الانفصالين الباسك في اسبانيا (ETA) * حركة الانفصاليين بكرسيكا الفرنسية (FLNC) * وقبلها الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) وكل هذه المنظمات والحركات اتخذت من الديمقراطية والحرية أسّا لشرعية وجودها شأنها في ذلك شأن حركات وتنظيمات إرهابية يمينية متطرفة في كامل دول أوروبا مارست العنف والإرهاب على مناضلي اليسار ومازالت تواصل إرهابها على المهاجرين متخذة من العنصريّة والشوفينية القاتلة قاعدة لها علـى غـرار ما كانت تقوم به حركة الـ Klu Klacks Klan بالولايات المتحدة الأمريكيّة. أما النزعات الجديدة التي أخذت في الانتشار عالميّا باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وضرورة نشر هذه القيم كونيّا ولو بالقوّة، تارة تحت شعار '' حق التدخل الأجنبي '' أو '' الحرب الوقائية للدفاع عن العالم الحرّ أو '' الشرق الأوسط الكبير '' أو '' الشرق الأوسط الجديد '' ، فإنّها شكلت نفس الأرضية لانتشار الإرهاب وبحثه عن مصادر لمشروعية انتشاره تحت نفس الشعار وباسم نفس الديمقراطية والحرية وحق الدفاع عن النفس الذي تمارسه الدول العريقة في الديمقراطية. فما الحلّ ؟ وكيف التمييز بين هذا وذاك ؟ وما الفاصل الذي يعتبر مكمن الحقيقية بينهما؟ إذ أنّ هذه القيم التي من المفروض أن تكون واضحة وواحدة بدأت تفقد معانيها وتحيل إلى نقيضها في أذهان عامّة الناس وتذكرهم بأن النازيّة استقرت نظاما للحكم في ألمانيا باسم الديمقراطية وعلى أنقاضها ومارست العنف والإرهاب باسم الدولة والشعب. 3. عدم احترام الحريّـة و حقـوق الإنسـان أمّا هذه القيم المفقودة فعلا في العديد من مناطق العالم والتي يؤخذ العالم العربي والإسلامي على أنّه مثال في عدم احترامها فإنّ اعتبارها مصدرا أساسيا للإرهاب يعتبر مغالطة فادحة بالنظر إلى ما سبق أن ذكرنا حول وجود الإرهاب حتى في الدول التي تجذرت فيها قيم الحرية وحقوق الإنسان، إضافة إلى ما أصبح يكتنف هذه القيم من لبس وغموض في الممارسة القائمة على الكيل بمكيالين في تقييم أوضاع الحريات وحقوق الإنسان والقائمة كذلك على استغلال هذه القيم وهدرها ودوسها كلّما دعت المصالح والمآرب السياسية إلى ذلك. إذ تبدو هذه المبادئ النبيلة متغيّرة حسب الأجناس والأقوام والأفكار المسبقة والخارطة البشرية والمصالح الجيوستراتيجية، ممّا جعل الشك يرتاب الشعوب حول ما إذا كانت معاني الحرية وحقوق الإنسان واحدة وحول ما إذا كانت تنسحب على كل البشر، وحول ما إذا كانت المواقف إزاءها صادقة أم ما إذا كانت هذه المبادئ مجرّد عملة للمتاجرة في السوق السياسية والاقتصادية العالميّة ومجرّد بضاعة للاستهلاك كسائر بضائع العولمة الاقتصادية. ولئن كنا نقرّ بأن هذه التفسيرات السائدة حول أسباب الإرهاب تمثّل مجتمعه جزءا من الحقيقة، فإنّها ليست التفسير الوحيد المقنع والثابت لنشأة الإرهاب وانتشاره، ربّما شكلت عاملا مساعدا لأسباب أخرى أخطر وأعمق وأكثر تعقيدا للأوضاع العالمية السائدة والتي تستوجب المعالجة الرصينة والتحليل الشامل للشأن الجماعي عسى أن نتبين سبل الوقاية بعيدا عن الأحكام المسبقة والحلول المسقطة التي غالبا ما تزيد الطين بلّة والأوضاع أكثر تعقيدا وتحوّل التباعد والتنافر السائد إلى قطيعة. العوامل المساعدة على انتشار الإرهاب : من بين الأسباب التي ساهمت في نشأة الإرهاب بل وعملت علـى انتشـاره نذكـر: * انهيار الإيديلوجيات التقليدية التي كانت سائدة في العالم والتي وإن ساهمت في تقسيم الكون إلى شقين متنافرين وأحيانا متناحرين فإنّها كانت عامل توازن من خلال تعدّد الأقطاب، وإن غلب على هذا التعدد الانحسار في قطبين أساسيين. فالإيديلوجيات كانت عامل تأطير وانضباط والتزام رغم التوظيف السياسي والميداني للتنظيمات والحركات الدائرة في فلك هذا القطب أو ذاك، ولكنّ هذا التوظيف الذي بلغ مرحلة العنف والإرهاب في الكثير من المناسبات ظلّ محصورا في الزمان والمكان وخاضعا لإرادة مركزيّة توقفه متى شاءت. * غياب البديل عن الإيديلوجيات الكلاسيكية وما أحدثه هذا الغياب من فراغ في المرجعيّة الفكرية وانسداد للآفاق أمام تصورات جديدة واضحة المعالم والمثل والأهداف تفسح مجال الأمل في المستقبل أمام البشرية. فقد أربك الفراغ السائد كل شعوب العالم ونشر في أرجاء الكون الشعور بالهشاشة والخوف من المجهول القادم وأحدث فجوة عشش في أرجائها الإرهاب ونصّب حقيقته بديلا باعتماده الدين مرجعيّة إطلاقيّة ثابتة لا مجال للنقاش فيها. * عودة الوازع الديني إلى اكتساح المواقع التي فقدها منذ قرنين من الزمن فتراجعت قيم العقلانية والشك ونقد الحقيقة والعلمانية وفصل الدين عن الدولة وإحلال عصر المدنية والمواطنة وسلطة الفرد والمجتمع وفق شروط الحداثة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فعشّشت الظلامية في عقول وجدت في الظروف الراهنة مجالا لنشر الفكر الغيبي والأصولية والانغلاق والعنف والإرهاب. * انتشار الليبرالية المجحفة خيارا أوحد في العالم طفق يبسط قيما هزّت أركان القيم السائدة في المجتمعات وغيرت أنماط عيشها وتفكيرها، ونمت لديها الشعور بالحاجة إلى الإحتماء والدفاع عن الهويّة والسعي لإيجاد مكان لها في عالم غيّب قيم التعاون والتضامن وبسط على الكون قيم المنافسة والاستهلاك والفردانّية والقوّة الماديّة والتكتلات الإقليمية والتجمعات الجهوية وانفتاح الأسواق وانتفاء الحدود وزوال الإجراءات القمرقية الحمائية وانتشار أنماط جديدة موحّدة للذوق والأكل واللباس والفنّ و الكلمة والصورة والصوت والشكل ومقاييس القبح والجمال والخير والشرّ ... * صمت المثقفين خلال عقد كامل من الزمن على الأقلّ هيمن على عشرية التسعينات، ولم تنطلق بوادر كسره بشكل متناثر خجول إلا مع بداية الألفية الجديدة. * الزوال التدريجي للدور التقليدي للجامعة والجامعيين والقيادة الفكرية التي كانت تمثلها، وهو ما أضعف مكانة المعرفة وحوّل الذكاء إلى قيمة ماديّة مرتبطة بالإنتاج. * انزياح الثقافة أمام هيمنة التقنية والتكنولوجيا الحديثة ممّا حوّل التقنية من أداة للسيطرة على الطبيعة إلى أداة أسر للإنسان واستبعاده بما أصبحت تمثله من تحقيق لشروط رفاهه المادي. * تنامي الشعور بالغبن والحيف والظلم لدى شعوب تعمّق لديها الإحساس بفقدان حقّها في تقرير مصيرها بنفسها وفي حلّ قضاياها العادلة وفق قيم العدل والسلم التي تبدو وكأنّها لا تشملها أو أنّها تستثنيها عنوة. أنشأت كل هذه العوامل الجديدة على العالم هروبا من الواقع السائد والتجاء للديانات بحثا عن الثوابت أمام المتغيرات، بحثا عن الحقائق المطلقة أمام الحقائق المتبدّلة المتعدّدة المتناقضة حتى بشأن ما كان يعتبر قيما راسخة أفرزتها قرون من البحث عن السيطرة ثم عن التعايش. وهكذا عاد الحديث عن الهوية بقوّة وجرّ وراءه الملايين في اتجاه الشوفينية والانغلاق والتقوقع، وصاحبه عود للنزاعات العرقية بل العنصرية، وساد الخوف من الآخر البعيد والقريب المختلف، وأصبح العالم يشهد نقيض ما كان يطمح إليه. وبدل أن تعمل العولمة على تقريب الشعوب والسعي على نشر قيم التفاهم والتعاون لم تنجح إلا في إقرار التباعد وسوء الفهم والتنافر، وتعميق الهوة بين الحضارات والقارات، وبين الأغنياء والفقراء، وإقامة الحواجز القائمة على الانتقاء والتفريق، ونشر الحقد والضغينة عبر الفضائيات والانترنات باسـم حريّة التعبيـر. من شروط التجاوز ومقامة الإرهاب : أمام هذا التردي الخطير لأوضاع العالم وما أفرزه من انحراف فكري واستغلال بغيض للديانات والأعراق والثقافات والحضارات ممّا شكل أرضيّة مثلى للإرهاب، لم يبق من خيار أمام الإنسانية إلاّ العمل على تعديل عقارب ساعتها إنقاذا لنفسها بشروط موازية تتمثل في : * تحديد المفاهيم وإصلاح ما أفسده التسرّع في التلاعب بالمعاني. * ضبط معنى الإرهاب وتعريفه لا بالعود إلى مختلف زوايا تفسيره أو تبريره، ولا بالانطلاق من أساليب مقاومته وفق المصالح والأهداف المتضاربة، ولا كذلك بالنظر إلى نتائجه لدى هذا أو ذاك في هذه الرقعة من الأرض أو تلك، بل باعتماد مقياس واضح يتمثل في جعل القيم الإنسانية المشتركة هي المعيار الوحيد للحكم على المواقف والسلوكات. ويمكن حصر هذه القيم في: العدل والسلم وحق الشعوب في تقرير مصيرها، التفتح، التسامح، التعاون والتضامن، عدم التدخل في شؤون الغير، احترام سيادة الشعوب وأمنها واستقرارها، نبذ العنف والتطرف والتمييز العنصري والديني والعرقي. وهي قيم اعتمدتها الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يمثل المرجع والفيصل في القراءات المتعدّدة لكونيّة قيم الديمقراطية والحرية. وكل ما حاد عن ذلك من ممارسات ومواقف لدى الدول أو الشعوب أو المجموعات والأفراد يعتبر تعبيدا لطرق الإرهاب وممارساته المختلفة. * مقاومة كل أشكال الإرهاب بشكل واضح وصريح دون توظيف سياسي ظرفي أو دائم، علني أو سري له. * العمل على نشر القيم الكونية ضمن التزام دولي يندرج في إطار مقاومة الإرهاب والتأسيس لعلاقات دولية جديدة أساسها بناء جسور التفاهم واحترام الاختلاف ونشر ثقافـة السلـم واحتـرام كــل الثقافـات والأديـان والحضارات. ولايتم ذلك إلاّ بالتأسيس لهذه القيم في المدرسة وفي كل وسائل الإعلام والاتصال الحديثة التي أصبحت أداة رئيسية لنشر المعرفة. ولكن ما نشهده اليوم هو أن هذه الوسائل قد تحولت بالزيغ والانحراف إلى مخابر لإعداد سموم الحقد والبغضاء والكراهية والأفكار المسبقة والمواقف الاعتباطية والبحث عن الآخر العدوّ لبيع سلعة الخوف وبضاعة التحقير والتعالي، في الكتب، وألعاب الأطفال، والصور والرسوم المتحرّكة، والأفلام، ومنابر الحوار، والملفات التلفزيونية حيث ينصّب فلاسفة الشاشات ومؤلفو الرداءات أنفسهم فطاحل جددا في العلوم السياسية، فتنكروا لما تعلموا في علوم الإنسان ودجنوا المعرفة لخدمة التفرقة بين بني البشر. * مواصلة الحوار بين الحضارات والأديان والثقافات، لا فقط عبر الخبراء والمختصين ورجال السياسة والطرق الديبلوماسية والندوات الفكرية واللقاءات العرضية، بل لدى الأوساط الشعبية وكل الشرائح الاجتماعية بكل وسائل الترويج المتاحة في ما يسمّى بمجتمع المعلومات وعصر الانترنات وما لفّ حولها من مفاهيم شملت كل شيء إلا نشر قيم الحوار والتفاهم والسلم والعدل، وكأن هذه المسألة ليست إلاّ موضوع ندوات مخصّصة لها يلتقي فيها عقلاء متشبعون بنفس قناعات مخاطبيهم. * وكما قال الرئيس زين العابدين بن علي في كلمة افتتاح الندوة الدولية المنعقدة بتونس يومي 2 و3 نوفمبر 2007 حول '' الديمقراطية والتنمية في عالم متغيّر '' . إنّه لا مجال للقضاء على التطرّف والعنف والإرهاب في ظل اتساع الفجوة التنموية وتفاوت نسق التنمية بين البلدان وهو ما من شأنه أن يعمّق الفروق بين الشعوب ويزيد في مشاعر الخيبة والإحباط لدى العديد منها'' شكراً. ـــــــــــــــ (*) المنسق الوطني لبرنامج تعليم الكبار في تونس.
|
|
Publications de l'Organisation Islamique pour l'Éducation, les Sciences et la Culture-ISESCO- 1429H/2008 |
|
| Copyright © ISESCO 2000 - 2012 |