Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

   

توافق مقاصد الشريعة الإسلامية مع مقتضيات التشريعات الدولية الخاصة باللاجئين

د. أحمد الخمليشي

 

الفهرس

خاتمة :

لم أتوقف كثيراً في مقارنة أحكام التشريع الدولي بشأن وضع اللاجئين، مع مقاصد الشريعة ومبادئها، باستعراض قائمة مطولة من الأحكام، ومحاولة ربط كل حكم بمبدأ من مبادئ الشريعة أو بنص من نصوصها العامة.

والسبب يرجع إلى أن الأهم في الوقت الحاضر، هو تحديد المقاربة التي نتعامل بها مع نصوص الشريعة في موضوع اللاجئين وفي جميع مرافق حياة المجتمع وحاجاته التنظيمية.

فالثقافة السائدة ما تزال تقصر التعامل مع نصوص الوحي على طائفة معينة، وهذه في أغلبها لم تتحرر بعد من أسر النسخ والنقل للآراء التي ظهرت في زمن غير هذا الزمن لمعالجة واقع اختفت معالمه اليوم، وحل محله واقع آخر من الطبيعي أن يتعذر على السابقين التفكير فيه.

أعدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حول مشكل اللاجئين في العالم العربي الوثيقة رقم 1 بالتعاون مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي وقدمتها إلى المؤتمر الوزاري لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد أيام 28 ـ 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. ومما جاء فيها:

3. يمثل احترام اللاجئين وملتمسي اللجوء سمة أساسية من سمات الدين الإسلامي. وذلك أن القرآن الكريم والشريعة الإسلامية، يقران بمبدأ "منح الأمان" (الإجارة) أي ضمان الحماية لمن يلتمسون اللجوء في "دار الإسلام" وبمجرد منح الحماية، يصبح اللاجئ "مستأمناً" (شخصاً يتمتع بالحماية) ويقع على المجتمع المسلم واجب معاملة "المستأمن" بكرامة واحترام طول مدة إقامته، ويحظر تسليمه ما دام "مستأمناً" حتى وإن كان ذلك في مقابل إطلاق سراح شخص مسلم. ويعني هذا أن التقاليد الإسلامية تعترف في إطار قواعدها بمبدأ "عدم الطرد" الذي يمثل حجر الزاوية للقانون الدولي الحديث للاجئين ".

هكذا تؤكد الوثيقة أن "اللاجئ" في الإسلام هو "المستأمن" الذي يقول الفقه: إنه الكافر الذي يدخل إلى "دارالإسلام" لأي غرض كان من التجارة أو السياحة، أو صلة الرحم، أو هرباً من دار الكفر لسبب ما، ويزيد قسم من الفقه السفير والرسول، ويتم دخوله بأمان يعطيه إياه "الإمام" أو أي أحد من المسلمين بلغ سن التمييز. وإقامة المستأمن تكون بين أربعة أشهر وسنة يخير بعدها بين الخروج من دار الإسلام وبين أداء "الجزية" والاندماج في "أهل الذمة".

إذا كان هذا هو اللجوء وأحكامه "في الإسلام"، فإن مقارنته باتفاقية 1951 يبدو ضرباً من العبث ...

لكل هذا ركزنا على الدعوة إلى الأفكار الآتية:

1. المقارنة يتعين أن تكون مع النصوص الدينية التي تتم قراءتها في ظل الواقع المعيش بكل ظروفه وملابساته.

2. لكل من أنس من نفسه القدرة، أن يدلي برأيه بأسلوب المناقشة والإقناع، وليس بلغة التبليغ والإخبار.

3. التقرير وإضفاء الصفة الإلزامية على الحكم تقوم به المؤسسة الدستورية الموكول إليها الاختصاص آخذة في اعتبارها الآراء المختلفة وبالأخص الآراء المبررة الصادرة عن ذوي الكفاءة والاختصاص.

4. التقرير ذو طابع مؤقت، فيمكن تعديل الحكم أو إلغاؤه في أي وقت مراعاة للظروف المستجدة، أو استجابة لما كشف عنه التطبيق من خطأ في التقرير.

هذا ما نعتقده:

أولا: أداء لمسؤولية التكليف التي يتحملها المسلمون أفراداً ومجتمعاً.

وثانيا: نهجاً متبصراً قادراً على الإجابة عن أسئلة الواقع، وعلى الاندماج في مسيرة حضارة الإنسان والمساهمة في توجيهها وترشيدها.

وبعبارة أخرى ربما أكثر وضوحاً:

ورثنا عن السلف مصطلحات تعبر عن أفكار اعتمدوها وسائل لتنظيم المجتمعين: الإسلامي، والإنساني، وهي مصطلحات وأفكار اجتهادية بطبيعة الحال. مثلا:

في مجال فهم نصوص الشريعة وتقرير أحكامها:

المجتهد ـ المقلد ـ الخاصة ـ العامة ـ الإجماع ـ المذهب ـ الفتوى ... .

في مجال العلاقة بالآخر:

دار الإسلام ـ دار الحرب ـ الذمي ـ المستأمن ـ المحارب ـ المجير ـ الخفر ... .

والواقع الذي نعيشه في بداية الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، تغير كثيراً في كل ظروفه وملابساته عما كان عليه قبل عشرة قرون أو أكثر. وهو ما يفرض الاجتهاد في البحث عن الأحكام التي تلائمه. لكن الاجتهاد في الأحكام يسبقه قطعاً الاجتهاد في المفاهيم والتصورات التي وضعت لها المصطلحات السالفة الذكر، وبدون هذا الاجتهاد الثاني يتعذر الحديث عن الاجتهاد في الأحكام المنظمة لأوضاع اللاجئين في القرن الواحد والعشرين الميلادي. والله الهادي إلى سواء السبيل.

 

   

منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1430هـ/2009م

Untitled Document