Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

   

توافق مقاصد الشريعة الإسلامية مع مقتضيات التشريعات الدولية الخاصة باللاجئين

د. أحمد الخمليشي

 

الفهرس

الفقرة الثالثة مقارنـة واستنتـاج

في هذه الفقرة نحاول مقارنة أهم المبادئ والأحكام الواردة في التشريع الدولي مع مبادئ وأحكام من القرآن خاصة باللجوء أو يدخل اللجوء في عمومها، ثم ما يبدو استنتاجاً مفيداً من هذه المقارنة.

 

أولا : مقارنة

في كل من التشريعين الإسلامي والدولي أحكام تساعد على الوقاية من اللجوء وأخرى تعالج أوضاع اللاجئين بعد تحقق وجودهم الفعلي.

1. في التشريعات الدولية:

أ) الوقاية من اللجوء:

يمكن الإشارة إلى نوعين من وسائل الوقاية في المجال الدولي :

النوع الأول يتمثل في الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان مثل :

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان1948 ، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1965،والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها 1973، والإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد 1981. واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة 1984.

فمثل هذه الصكوك صدرت باسم حماية حقوق الإنسان وحريته، ولكنها في ذات الوقت تؤدي إلى الوقاية من حالات اللجوء، فتطبيق الدول الموقعة عليها لمضمونها يترتب عنه تلقائياً اختفاء الاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الجنسية، أو الانتماء الطبقي، أو إبداء رأي سياسي، وبالتالي انتهاء اللجوء، ولكن لسوء الحظ فإن العكس هو الذي حدث. ففي فترة صدور هذه الصكوك وتوقيع أغلب الدول عليها تصاعد الخط البياني للاجئين واشتدت مآسيهم بشكل لم يسبق له مثيل.

والنوع الثاني من الوقاية حاولت الأمم المتحدة تطبيقه عقب انتهاء الحرب الباردة، وذلك باتباع تدابير متلاحقة عبر مرحلتين: مرحلة الإنذار المبكر لترقب احتمال نزوح مشردين ولاجئين، ومرحلة معالجة الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذا النزوح بتدابير تتعاون عليها الدول المهددة بنزوح مواطنيها والمجتمع الدولي. ولكن شيئاً من هذا لم يتحقق فارتفع عدد النازحين في العقدين الأخيرين أكثر من ذي قبل، ويكفي التذكير بما حدث في رواندا، والبوسنة والهرسك، وكوسوفا، والسودان ... .

ب) العناية بأوضاع اللاجئين:

التشريع الدولي الأساسي في الموضوع هو اتفاقية 1951 بشأن وضع اللاجئين وبروتوكول1967 الملحق بها. لذلك نقتصر على أهم ما جاء فيها من مبادئ وأحكام:

ـ لجميع البشر دون تمييز حق التمتع بالحقوق والحريات الأساسية (الديباجة).

ـ إقرار الحق في اللجوء مسؤولية المجتمع الدولي (الديباجة).

ـ مشكل اللاجئين ذو طابع اجتماعي وإنساني (الديباجة)

ـ السبب المبرر لطلب اللجوء هو الاضطهاد الفعلي أو المتوقع بسبب العرق، أو الدين، أو الجنسية، أو الانتماء الطبقي، أو إبداء رأي سياسي (م.1).

ـ مرتكبو إحدى الجرائم المنصوص عليها في م.1 فقرة (واو) لا يستفيدون من حق اللجوء.

ـ انقضاء حق اللجوء بأحد الأسباب الواردة في (م.1 ) فقرة (جيم).

ـ خضوع اللاجئ لقوانين وأنظمة بلد الملجأ (م.2).

ـ مساواة اللاجئ بالمواطنين في التمتع بالحقوق الأساسية التي منها:

* حرية ممارسة الشعائر الدينية، وحرية توفير التربية للأطفال (م.4).

* التعليم الابتدائي (م.22 فقرة1 ).

* الإغاثة والمساعدة العامة (م.23).

*الضمان الاجتماعي في مجالات إصابات العمل المهنية، والأمومة، والمرض، والعجز، والشيخوخة، والوفاة، والبطالة، والأعباء العائلية، وأية مخاطر أخرى تنص القوانين والأنظمة على جعلها مشمولة بنظام الضمان الاجتماعي (م.24).

* الامتناع عن تحميل اللاجئين أية أعباء أو رسوم أو ضرائب أيا كانت تسميتها، تغاير أو تفوق تلك المستوفاة من المواطنين في أحوال مماثلة.

ـ مساواة اللاجئ بالأجانب في التمتع بحقوق:

* حيازة الممتلكات المنقولة وغير المنقولة والحقوق الأخرى المرتبطة بها، وبالإيجار وغيره من العقود المتصلة بالممتلكات المنقولة وغير المنقولة (م.13).

* التأسيس والانتماء إلى الجمعيات غير السياسية وغير المستهدفة للربح، والنقابات المهنية (م.15).

* ممارسة العمل مقابل أجر (م.17).

* عمل اللاجئ لحسابه الخاص في الزراعة والصناعة والحرف اليدوية، والتجارة، وإنشاء شركات تجارية وصناعي (م.18).

* متابعة فروع التعليم غير الابتدائي والإعفاء من الرسوم والتكاليف وتقديم المنح الدراسية (م.22/2).

* اختيار محل الإقامة والتنقل بحرية داخل بلد الملجأ (م.26).

2. التشريع الإسلامي:

يوجد كذلك في التشريع الإسلامي وسائل للوقاية من اللجوء، وأحكام لمعاملة اللاجئين. لكن قبل تناول هذين الموضوعين، يبدو من الضروري الإشارة إلى أن تحليلنا يقوم على التمييز بين التفسير الذي أُوِّلَتْ به نصوص الوحي وبين التفسير أو التفسيرات التي تقبلها تلك النصوص، وإن لم يقل بها السابقون. وذلك تفادياً للخطاب غير المعمَّق الذي يكتفي بعرض مبادئ في الحكم، والمساواة وحقوق الإنسان والتضامن وغير هذه المجالات، ويؤكد أن الإسلام أقرها لكن دون أن يتجاوز ذلك إلى مناقشة التطبيق الناشئ عن التفسير الذي ما يزال متداولاً لدى طائفة عريضة من الناطقين باسم الإسلام الذين يملكون تأثيراً واضحاً على تكوين أفكار الناس وثقافتهم. ونكتفي هنا بإثارة هذه الفكرة لأن المجال لايسمح ببسطها، مع التأكيد على إلزامية طرحها، ثم نرجع إلى الموضوع.

أ) الوقاية من اللجوء:

الوقاية من وجود حالات اللجوء تتم بمعالجة الأسباب والوقائع التي تؤدي إليه. وطبقاً للمادة الأولى من اتفاقية 1951 فإن الاضطهاد الواقع أو المتوقع المبرر لطلب اللجوء يكون سببه العرق الذي ينتمي إليه الطالب، أو دينه، أو جنسيته، أو فئته الاجتماعية أو ما يعبر عنه من آرائه السياسية.

العرق والجنسية والفئة الاجتماعية مصدرها العنصرية والطبقية. وفي الفقه نجد آراء في حالات محدودة يمكن ربطها بالعرق أو الفئة الاجتماعية مثل الكفاءة في الزواج، والديات (التعويض) عن القتل والجروح وأحكام الرقيق، ومن يجوز ومن لا يجوز استرقاقه من الأجناس.

لكن هذه الآراء تبقى فهماً مرتبطاً بزمن صدورها وبثقافة وتقاليد المجتمع الموجهة إلى ذلك الفهم. أما القرآن كتاب الله فلا توجد فيه آية واحدة تشي بعنصرية أو طائفية، أو طبقية وإنما على العكس من ذلك نَبَذَ نبذاً قاطعاً كل دعوة عنصرية أو فئوية أو سلوك يشي بأيهما. ونقتصر على التذكير بالآيات الأولى من سورة "عبس" وبقوله تعالى في سورة الحجرات:

{ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا ًمنهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بيس الاِسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولائك هم الظالمون}،(1) {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير }(2) .

قد تكون حالات محدودة من الاضطهاد الديني حدثت لغير المسلمين في العالم الإسلامي لكن التاريخ لم يرو لنا وقائع لاضطهاد جماعي واسع كما حدث للمسلمين مثلا في الأندلس وصقلية.

نعم ثبتت مئات الحالات من الاضطهاد للمتهمين بالزندقة أو الانحراف داخل العقيدة بصرف النظر عن كون الاتهام صحيحاً أو باطلاً. أُهِينَ فريق، وعُذِّب آخر وسجن ثالث، وأُعدم رابع، ومن المضطهدين أو المهددين به من أفلت بجلده والتجأ إلى حاكم أو إقليم أنقذه من سوء المصير.

تلك مرحلة عرفتها كل المجتمعات الدينية في مسيرتها التاريخية(3) .

وبالرجوع إلى نصوص القرآن نجدها تؤكد حرية الإنسان في عقيدته الدينية:{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}(4) { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين }(5) { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر}(6) ولا نعتقد مع هذه الآيات الصريحة وجود أي مبرر لاضطهاد المخالفين في العقيدة.

واختلاف الآراء داخل العقيدة حول بعض الموضوعات السلوكية أو العقلية أو الميتافيزيقية، لم يجعل الإسلام لفردٍ أو طائفةٍ سُلطةَ فرْضِ رأيها على المخالفين باعتباره هو الحق وما عداه ضلال. نعم حدث الاضطهاد، والتفسيق والتكفير بسبب الاختلاف في الرأي، وسبب ذلك في اعتقادنا راجع إلى إغفال مأسسة تدبير الاختلاف الذي هو أمر حتمي بين بني الإنسان.

ففي إطار مبدأ: {وأمرهم شورى بينهم} كان ينبغي وضع وسائل منضبطة لتدبير الاختلاف المترتب حتماً على تطبيق مبدأ الشورى وبالأخص في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فرضه القرآن في أكثر من آية. إن غياب الإجراءات المؤسسية التي يحتكم إليها الجميع في وصف سلوك أو رأي بالمعروف أو بالمنكر، سمح لكل أحد أن يعتبر رأيه هو المعروف، والرأي المخالف منكراً يوصف بالفسوق أو الزندقة وحتى بالكفر، وشجعت على ذلك ثقافة الفتاوي الفردية التي تحلل باسم الشريعة وتقرر في عقائد الناس بشبهات سلوك أو رأي قد يتعلق بوقائع غيبية لا سبيل لعقل الإنسان إلى إدراك حقيقتها أو تصورها ... .

وآخر سبب للاضطهاد المبرر للجوء الرأي السياسي، وهو أهم سبب أوذي به الأفراد والجماعات، وأدى في حالات غير قليلة إلى نزوح قسري فردي أو جماعي. حدث هذا على مر القرون في التاريخ الإسلامي، وما يزال يحدث. والجدير بالذكر أن اللاجئين المسلمين يشكلون ثمانين في المائة من مجموع اللاجئين في العالم.

وإذا كان عدد من المجتمعات اليوم قد تخلصت من اضطهاد الرأي السياسي المخالف بعد طول معاناة، واستقرت فيها ثقافة المؤسسات بناء وممارسة وسلوكاً، فإن غالبية المجتمعات الإسلامية ماتزال تسعى إلى تحقيق الحياة السياسية المؤسسية القائمة على الحوار والتداول واختفاء سلوك الاستئثار والإقصاء.

ويرجع ذلك في اعتقادنا إلى عدة أسباب في مقدمتها:

ـ الفكر السياسي الذي نشأ في المجتمع الإسلامي وإن ظهرت فيه بوادر التصور المؤسسي مثل الخلافة، وأهل الحل والعقد، والقضاء، والحسبة، وبيت المال ... إلا أنه أغفل تنظيم الممارسة فتلاشت خصائص المؤسسات وذابت في الأفراد أو اقتصر حظها على التنظير والجدل دون أن تحدد لها وسيلة لتحقيقها على أرض الواقع مثل مؤسسة أهل الحل والعقد.

ـ ما يزال تيار قوي في المجتمعات الإسلامية يردد مضمون الفكر السياسي السالف الذكر باعتباره النظام الذي قرره الإسلام للدولة. وهو ما يجعل الخطاب السياسي يتسم بالحدة التي كثيراً ما تؤدي إلى مضايقات ومتابعات وأحياناً إلى أكثر من ذلك.

ـ وسائل التواصل التي يسرت الاحتكاك اليومي بما يعيشه العالم من أفكار، ووقائع حياة، تستميل طوائف من المجتمع وتنقل التعايش بينها من الحوار الهادئ لتدبير الاختلاف إلى المواجهة ومحاولة كل فريق فرض رأيه وإقصاء ما عداه.

ـ انتشار الأمية وبالتالي تدني مستوى الوعي الذي يفسح المجال للخطابات السطحية والعاطفية التي تخلق اندفاعات خاطئة تنعكس آثارها على الحياة السياسية والتعايش السلمي بين المواطنين.

هذه أهم الأسباب التي رفعت نسبة اللجوء في الدول الإسلامية، وهي لا تختلف في ذلك عن باقي الدول التي تمر بنفس المرحلة في البناء المؤسسي ومستوى الوعي والأفق المعرفي، فالأمر لا علاقة له بالعقيدة الدينية وإنما يرجع إلى درجة الوعي الفردي والجماعي برسالة الحياة ومدى الاستفادة في أدائها من التوجيهات الدينية وتجارب الإنسان. ولذلك فإن الوقاية من ظاهرة اللجوء التي تعاني منها المجتمعات الإسلامي تفرض معالجة الأسباب السالفة الذكر وفي مقدمتها نشر الوعي والمعرفة التي تجعل المواطن فاعلا مساهما في إرشاد المسيرة إلى الغد الأفضل، وليس آلة مسخرة أو عضواً سلبياً لا يشعر بشيء من المسؤولية عن حال الأمة ومآلها.

أما إذا رجعنا إلى مبادئ الشريعة وكلياتها فإننا نجد فيها كثيراً من الوسائل للوقاية من المضايقة والاضطهاد الناشئين عن اختلاف الآراء السياسية. ومنها:

1. أن التكليف فردي ليس فقط بالنسبة للتكاليف الشخصية الخاصة بعلاقة المسلم بخالقه مثل شعائر العبادات، وإنما تشمل المسؤولية الفردية كذلك الواجبات المفروضة على المجتمع عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين يتكيف مفهومهما ووسائل القيام بهما تبعاً لطبيعة الآليات التي ارتضاها المجتمع لتنظيم نفسه، {وكُلَّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى}(7).

وهذا يشعر كل فرد بالمسؤولية فيسعى إلى التسلح بالمعرفة التي تمكنه من أداء مسؤوليته في إطار التكامل والتعايش مع الآخرين.

2. مبدأ الشورى الذي يجعل التقرير في الأمور العامة من صلاحيات كل أفراد المجتمع يمارسونه بالطريقة التي يختارونها مسايرة لظروف الزمان والمكان.

3. إقامة مؤسسات "أولو الأمر" التي يحدد الدستور أو القانون مجال اختصاص كل واحدة منها، وتلزم قراراتها الجميع(8) .

بالتأكيد إن تطبيق هذه المبادئ يحول دون الاستبداد بالرأي وتنتفي معه الحاجة إلى العمل السياسي خارج القانون.

وبعبارة أخرى، فإن مبادئ الشريعة المرتبطة بالتقرير في الشأن العام تصون المجتمع من الانزلاق إلى الممارسات التي تنحرف بمضمون القانون وتطبيقه، وبمفهوم العمل السياسي، وتؤدي بالتالي إلى الاضطهاد وإلى فرار مواطنين للبحث عن ملجأ آمن خارج وطنهم.

وتنبغي الإشارة هنا إلى موضوعٍ أساسٍ له أثره الواضح على تطور الفكر السياسي في المجتمعات الإسلامية. ويتعلق الأمر بقراء ة النصوص الدينية على ضوء الواقع المعيش وتجارب الحضارة الإنسانية. فما تزال قراءة القرنين الأول والثاني من الهجرة النبوية هي السائدة. ونلمس هذا في الأدبيات الإسلامية المختلفة وحتى عند كثير من المساهمين في "الصحوة الإسلامية". ولذلك بقيت غائبة عناصر جوهرية في بناء الدولة أو تتناول بتصور سطحي مثل تحديد صلاحيات المؤسسات الدستورية في التقرير، والموارد المالية لتسيير أجهزة الدولة ومرافقها، والجهة المختصة بإصدار النصوص القانونية والتنظيمية وتعديلها أو تغييرها حيث ما يزال الخطاب قاصراً على الحديث عن "المجتهد" دون الاهتمام حتى بوجوده أو عدم وجوده، فبالأحرى بيان كيفية ممارسته لإصدار النصوص الملزمة في سائر مرافق المجتمع وحاجاته أو في بعضها إذا كان في الإمكان تعدد جهة التشريع لمجتمع واحد.

ب) معاملة اللاجئين:

لن نطيل الكلام في موضوع معاملة اللاجئين، لأننا نعتقد أن موقف الإسلام من الموضوع لا يحتاج إلى بيان أو تعليق.

فهنالك المبدأ الأخلاقي الرفيع في التعامل مع مطلق الآخر الذي لا يقدر عليه الكثير من الناس: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} (9).

ـ الدعوة المكررة فيما يقرب عشر آيات إلى العناية "بابن السبيل" واللاجئ أقرب من ينطبق عليه "ابن السبيل" فقد أرغم على ترك موطنه والنزوح من بلده تائها في الأرض يبحث عن ملجأ آمن إما بمفرده، أو رفقة أسرته أو وسط الآلاف ممن شردتهم حرب خارجية أو داخلية أو نزوات التصفية العرقية.

وإذا كان ابن السبيل قديماً فرداً أو بضعة أفراد تكفي المجهودات الفردية لتوفير العناية لهم، فإن الوضع تغير اليوم حيث يقدر النازحون قسراً عن أوطانهم بما يزيد على خمسين مليوناً، وتدفقاتهم الضخمة يستحيل أن تواجه بمجهود مجموعة أفراد أو مجهود دولة واحدة(10).

كل هذا يفرض الانخراط في المجهود العالمي الذي تقوده الأمم المتحدة، والسعي إلى صياغة الأحكام الخاصة بوضع اللاجئين من المنظور الذي دعا منه الإسلام إلى العناية بابن السبيل وبالأخص في مجال الإغاثة المادية لطوابير النازحين.

ـ الآيات العديدة التي تحمد للأنصار صنيعهم مع المهاجرين وهم لاجئون خرجوا من بلدهم مكة نتيجة ما تعرضوا له من المضايقة والاضطهاد الذي حاق بهم بسبب عقيدتهم الدينية التي اعتنقوها.

وإذا كانت هذه الآيات تتعلق بمعاملة لاجئين مسلمين، فإن القرآن أمر كذلك بمعاملة غير المسلمين بالبر والقسطاس ما داموا غير محاربين ولا بادئين بالعدوان.

{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين } (11).

وطالب اللجوء ليس محارباً ولا بادئاً بقتال.

هذا ونجد اتفاقية 1951تعرضت لعدد من الأحكام التفصيلية التي تخول اللاجئ ممارسة طائفة من الحقوق بالتساوي مع المواطنين أو مع الأجانب.

لا نجد طبعاً في القرآن، مثل هذه الصياغة ولا في الفقه كذلك، لأن تدخل القانون في تفصيل تلك الحقوق وفي ممارستها والتمييز بين "المواطن" و"الأجنبي"، لم يحدثا إلا في مرحلة متأخرة من تطور الأنظمة السياسية ونضوج فكرة "الدولة"، وتنظيم المجتمع.

مع ذلك نجد في مبادئ التعامل التي أمر بها الإسلام ما يواكب تطور وضع اللاجئين وما ينبغي أن يتمتعوا به من حقوق.

ونكتفي بمبدأ واحد هو ما أمر به القرآن من التعامل بالإحسان، فعشرات الآيات تثني على "المحسنين" الذين يحبهم الله، ويجازيهم ولا يضيع لهم أجراً ... وواضح أن "الإحسان" في بعده الأقصى يتجاوز ما جاء في اتفاقية1951 وهو ما يؤكد ـ إذا كان الأمر في حاجة إلى تأكيد ـ أن دين الله أنزل ليهدي للتي هي أقوم وليسير بالإنسان في مدارج السمو سلوكاً وتعاملاً، بعد أن أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً.

على أنه ليس المطلوب أن لا يشرع حكم يتعلق بوضع اللاجئين حتى يكون مأخوذاً بصورة مباشرة من نص قرآني أو حديثي أو من مبدأ معين، وإنما المطلوب أن لا يكون متعارضاً مع نص صريح وثابت أو مع كلية من كليات الشريعة.

 

ثانيا : استنتاج

من أهم ما يستنتج مما سبق :

1. المقارنة يتعين أن تكون مع نصوص الوحي:

أشرنا إلى أن الأحكام المنظمة للجوء سريعة التغير بحكم عدم استقرار وثبات ملابسات الواقع الذي تحدث فيه أسباب اللجوء(12).

ولهذا السبب فإن عدداً من الآراء الاجتهادية في الموضوع لا تكاد تمضي عليها فترة زمنية حتى تصبح غير محققة للأهداف التي شرعت من أجلها وبالتالي لا تتلاءم مع الواقع الجديد.

فتنظيم وضع اللاجئين يشمله مجال "المعاملات" التي تقوم أحكامها على الحكم التي تهدف إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد.

ينطبق هذا على المجالات التي توجد بشأنها نصوص خاصة في الكتاب والسنة، فبالأحرى موضوع اللجوء الذي لم تتناوله هذه النصوص، وإنما تسري عليه مبادئ الشريعة وكلياتها التي لا تتأثر بالزمان والمكان لأنها لا تخص وقائع بعينها، وإنما يرتبط تطبيقها بتوفر العنصر القيمي الذي تحميه وتحققه في الواقعة الجزئية المعنية.

ولا يعني هذا الإعراض عن الاجتهادات الفقهية القديمة وإهمالها، بل الرجوع إليها والاستئناس بها لا غنى عنه، وقد يكون منها ما لا يزال قابلاً للتطبيق، لكن لا يكتفي بالنقل، وإنما يعرض الرأي على النص وعلى الواقع معاً لاستخلاص الحكم الذي يحقق فعلاً المقاصد العليا للشريعة، ومبادئها السامية التي جاءت بها لخير البشر.

ومن الجدير بالملاحظة أن الرجوع إلى نصوص الشريعة واستخلاص الأحكام الملائمة للحياة المعيشة منها، تمت الدعوة إليه منذ أكثر من قرن، ولكنها لم تتجاوز الخطاب التنظيري، فلم يتغير شيء من الفقه المنقول وكانت النتيجة انفصاله عن الحياة، وظهور التيارات التي أوقدت نار الفتنة والشغب، نسأل الله الإعانة على إخمادها.

إن إيجاد وسيلة (مؤسسة) للاجتهاد مقبولة وفاعلة، يشكل أكبر عقبة أمام المجتمع الإسلامي. لو اجتازها سيجد الطريق أمامه فسيحة ومعبدة للاندماج في مسيرة الحضارة الإنسانية والتأثير في توجيهها.

ومن ناحية ثانية، فإننا لا نقصد من ربط أحكام اللجوء بنصوص الوحي، أن كل حكم لا يتقرر إلا استناداً إلى نص معين، وإنما يكفي أن يكون الحكم غير متعارض مع نص خاص أو نص عام في الشريعة.

فلا سبيل لمسايرة الطبيعة المتغيرة والمتجددة لنظام اللجوء إلا باعتماد المفهوم السالف الذكر للمرجعية الإسلامية لهذا النظام.

ان هذا التوجه يتيح للدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الإيسيسكو :

ـ الانطلاق من الوقائع المتباينة والمتغيرة لهذه الوقائع، ثم تحديد ما يدخل منها في مفهوم اللجوء السياسي.

ـ اقتراح كل الحلول الإنسانية الممكنة ما دامت لا تصادم نصاً ثابتاً من نصوص الشريعة الجزئية والعامة.

ـ إضافة ما يمكن إدراجه من القواعد الأخلاقية في الصياغة القانونية الملزمة تفادياً لما يجري الآن من تحايل مقنع على الالتزام بجوهر مواد الاتفاقية وبنودها.

وهي في كل ذلك لا تتقيد إلا بعدم المخالفة لنص صريح من نصوص الشريعة أو مناقضة أحد أحكامها القطعية أو أصل من أصولها الثابتة. وهو ما يترك مجالاً واسعاً للاجتهاد، ولاختيار الأحكام التي تحقق الخير والصلاح، وتتفادى الإضرار باللاجئ وببلد الملجأ.

2. تقرير أحكام اللجوء:

أثرنا هذا الموضوع لما يبدو له من أهمية بالغة في الواقع المزدوج الذي نعيشه، ولم يوضع بعد على مشرحة المناقشة للانتهاء به إلى حل منطقي مقبول.

فالكتابات والمناقشات، وكذلك التكوين المقدم في تدريس الفقه الإسلامي والعلوم الشرعية في الجامعات عموماً، كلها تؤكد أن تقرير القواعد الملزمة (التشريع) في تنظيم المجتمع الإسلامي من اختصاص "المجتهد" وحده لا يشاركه فيه غيره، لكن كل هذا يبقى جدلاً نظرياً لا علاقة له بالواقع المعيش. لأن قضية "المجتهد" لم تناقش قط الوسيلة العملية لتحديده ـ على الأقل في المذاهب السنية ـ وبالأحرى الاعتراف العام به من الأمة، وبيان كيفية الالتزام بفتاويه وآرائه. وهو ما جعل الحديث المتشعب عن شروط الاجتهاد وأنواعه وعن التقليد والتزامات المقلد ـ حديثا معاداً "ينقل ولا يتعقل".

ومن الناحية العملية نجد جميع دول العالم الإسلامي بدون استثناء تتوفر على مؤسسات تمارس فعلاً إصدار النصوص التشريعية والتنظيمية.

وإذا كان الموضوع لا يسمح بالمناقشة العامة لهذه الثنائية القائمة على تناقض واضح ـ فإن ذلك لا يعفي من تقديم وجهة نظر خاصة بتقرير الأحكام المنظمة لوضعية اللاجئين التي يسري عليها طبعاً ما يسري على جميع مرافق المجتمع التي ينظمها القانون في الأنظمة السياسية المعاصرة.

رأينا أن الأحكام المنظمة للجوء ترتبط في مرجعيتها الإسلامية بكليات الشريعة ومبادئها العامة، بمعنى أن يكون الحكم مستنداً إلى إحدى تلك الكليات أو لا يتعارض مع أي واحدة منها. فالأمر محصور إذن في الاجتهاد في تطبيق كليات الشريعة.

والكليات بوصفها معاني عقلية عامة كالعدل والمساواة، وعدم المساس بالحقوق الأساس للإنسان، فإن تفسيرها لا يخضع لقواعد التفسير المنصوص عليها في أصول الفقه التي تطبق فقط على تفسير النصوص الخاصة لأنها وحدها التي تنطبق عليها تلك القواعد المتعلقة بمنطوق الخطاب وفحواه. ولذلك فإن تفسير الكليات في تطبيقها على وقائع الحياة يساهم فيه كل متوفر على سقف معرفي يمكنه من إدراك الواقع وتقديم أفكار لحل مشاكله، وهذا ما قصده الشاطبي عندما قال :

" فالحاصل من هذه الجملة أن النظر في الكليات يشارك الجمهور فيه العلماء على الجملة، وأما النظر في الجزئيات فيختص بالعلماء " (13).

ومن ناحية ثانية إلى جانب "الاجتهاد" الذي استأثر بجدل كثير من الأصوليين والفقهاء أشار هؤلاء الأخيرون لماماً إلى "السياسة الشرعية" التي تتقرر بها بعض الأحكام في مجال تدبير مرافق الدولة وسياستها العامة وأسند الاختصاص بشأنها إلى الإمام أو الحاكم السياسي عموماً.

ولم تحدد الفوارق المميزة لكل من المصطلحين عن الآخر، سواء بالنسبة للمفهوم أو جهة الاختصاص، لأن ذلك كان متعذراً، ويتعذر اليوم أكثر الحديث عن تعدد الجهات المختصة بالتشريع لاستحالة تحديد المجالات التي يشرع فيها (يقرر الحكم الملزم) بطرق الاجتهاد الأصولي وفصلها عن المجالات التي يتم التشريع فيها بالسياسة الشرعية، لأن جميع مرافق المجتمع وحاجاته التنظيمية تتداخل فيها أحكام مأخوذة من النصوص الشرعية الجزئية طبقاً لقواعد أصول الفقه، وأخرى مستقاة من كليات الشريعة ومبادئها أو من جلب المصالح ودرء المفاسد إذا فسرنا السياسة الشرعية بهذا المبدأ الشامل.

على أن ما بلغه اليوم النظام السياسي ومفهوم الدولة من التنظيم المؤسسي والاعتراف بمركز الفرد داخل المجتمع والعناية بحقوقه، فضلاً عن تشعب المجالات المطلوب تنظيمها وما يطلبه كل مجال من تخصص أو تخصصات معرفية متنوعة ـ كل هذا يؤكد أن فكرة إصدار الفرد للقواعد الملزمة وفرض تقليده على من عداه، غير مقبولة، وغير قابلة للتطبيق كذلك.

نعم هناك متخصصون يجب الرجوع إليهم والاستئناس بآرائهم والاستفادة منها لكن دون أن تكون فوق المناقشة والقابلية للتعديل والرد.

لكل هذا يبدو أن صلاحية التقرير وتشريع الأحكام الخاصة باللاجئين في القوانين الداخلية، والمصادقة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالموضوع ـ تملكه المؤسسة أو المؤسسات المختصة دستورياً بإصدار النصوص القانونية والتنظيمية، وبالمصادقة على الاتفاقيات الدولية المماثلة.

3. طبيعة التقرير:

إذا تقررت أحكام تنظم اللجوء في تشريع داخلي أو اتفاقية دولية، فهل هذه الأحكام أبدية أم قابلة للتعديل والتغيير؟

عند الرجوع إلى أصول الفقه نجد موقفين مختلفين إن لم يكونا متناقضين.

فمن ناحية يؤكد الأصوليون أن جميع الأحكام الاجتهادية ظنية، وقد اقترن بها هذا الوصف لأن النصوص التي استنبطت منها ظنية الدلالة، أو الثبوت أو هما معاً، فلا يتصور أن يؤخذ منها حكم قطعي. لذلك يكتفي المجتهد بإعلان الحكم الذي ترجح لديه وغلب على ظنه أنه المقصود من النص ويترك الاحتمال أو الاحتمالات الأخرى لدلالة النص، وفي حالات غير قليلة يأخذ مجتهد أو مجتهدون آخرون بالاحتمال أو الاحتمالات التي استبعدها المجتهد الأول.

هذا الواقع المتفق عليه، يقتضي أن الحكم الاجتهادي وإن كان العمل به واجباً (14) إلا أن صفتيه الظنية والاجتهادية تبقيانه موضوعاً للمناقشة وإمكانية تعديله أو العدول عنه إلى رأي مخالف في أي وقت.

ولكن من ناحية ثانية اعتبر الحكم الاجتهادي غير قابل للإلغاء من أي أحد: من لا تتوفر فيهم شروط الاجتهاد يجب عليهم تقليده دون مناقشة، ومن توفرت فيه شروط الاجتهاد، كل ما يمكنه هو أن يعلن عن رأي مخالف فيظهر رأيان أو ثلاثة أو خمسة وأحياناً أكثر وجميعها لها صفة "الحكم الشرعي" الذي يجب اتباعه. ثم تم الالتجاء إلى فرض التقليد المذهبي تلافياً لتناسل الاجتهادات إلى ما لا نهاية، وأنهي "الاجتهاد المطلق" فاكتسب بذلك الحكم الاجتهادي الثبات وغاب عن مسايرة مستجدات الحياة من المعارف، والأفكار، والوقائع، والسلوك.

إن ما حدث كان نتيجة عدم الاهتداء إلى وسيلة متوافق عليها لضبط تعديل الاجتهاد السابق أو إلغائه. وهو ما كان راجعاً إلى عدة أسباب منها: بساطة التنظيم السياسي للمجتمع (الدولة) وانتشار الأمية، ومحدودية الوعي والأفق المعرفي، وانعزال الأفراد والمجموعات الأبوية في حياتهم وعلاقاتهم عن باقي الأفراد والمجموعات المكونة ـ نظرياً ـ لمجتمع واحد، وما يتبع ذلك من غياب الشعور بوجود مصالح مشتركة (أو عامة بالتعبير الحديث) وبالحاجة إلى تنظيم جماعي لإنجازها وتحقيقها. فالتصور الذي كان سائداً هو أن الفرد غير مخاطب إلا بعمله الشخصي منعزلا عن الجماعة، وليس مطلوباً منه العمل الجماعي الهادف إلى تلبية الحاجات العامة للمجتمع وبناء مرافقه الحيوية.

ويصدق ما قلناه، ما استقر في أصول الفقه من أن الفرد هو المطالب بأن ينجز شخصياً جميع ما يدخل في دائرة المصالح العامة من إصلاح الطرق ومنابع المياه إلى الوظائف العامة كالقضاء مروراً بتعلم كل فروع العلوم، والحِرَف، والمِهَن، والتجارة، وحتى تأمين ما يحتاجه الناس من دكاكين الجزارة والحلاقة ... وذلك تحت مصطلح "فروض الكفاية".

وليس هنا مجال الحديث عن الآثار السلبية لفكرة "فروض الكفاية". ونكتفي بالإشارة إلى أن الاشتغال بها حال دون التفكير في "واجبات الأمة" التي في مقدمتها فهم شريعة الله وتطبيقها والتخطيط العلمي والعملي لإنجاز المصالح العامة للمجتمع، من تعليم ومرافق أساسية للحياة.

والواقع المعيش يثبت أن تدبير أي شأن من شؤون المجتمع يخضع للمراجعة المستمرة مسايرة للطوارئ وتغير الملابسات المحيطة بالتنفيذ، وإذا أضيف إلى ذلك أن التدبير يتم بأحكام اجتهادية ظنية، تأكد أن التقرير للأحكام الملزمة يبقى قابلاً للتعديل والإلغاء في كل وقت.

ولا يشذ عن هذه المبدأ العام وضع اللاجئين الذي يتطور باستمرار كما رأينا في الفقرة الأولى من هذا البحث.

ـــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات، آية .11

(2) سورة الحجرات، آية 13.

(3) ووقائع التاريخ تثبت أن المسلمين عموماً كانوا أقل اضطهاداً وقسوة في معاملة المتهمين بالزندقة وانحراف المعتقد والارتداد في الدين مقارنة بما اقترفه معتنقو ملل أخرى. وتكفي الإشارة إلى الأمر الذي أصدره بفرنسا في يونيو 1559هنري الثاني يأمر فيه القضاة بالحكم بالإعدام على كل البروتستنتايين الذين يرفضون الرجوع إلى الكاثوليكية، وما قام به بعده فرنسيس الثاني من تجديد الأمر السابق مع إضافة وجوب هدم جميع المباني التي تعقد فيها اجتماعات دعاة الإصلاح البروتستنتي وإعدام الأشخاص والأقارب الذين يأوون مهرطقاً محكوماً عليه أو يقصرون في إبلاغ الحكام عنه. وفي الشهور الخمسة الأخيرة من عام1559 أحرق ثمانية عشر شخصاً أحياء لتماديهم في الهرطقة، ولرفضهم حضور القداس أو تناول القربان الكاثوليكي ...( قصة الحضارة) ـ 175/29.

(4) سورة البقرة، الآية 256.

(5) سورة يونس، الآية 99.

(6) سورة الكهف، الآية 29.

(7) سورة الإسراء، الآيات 13و 14و15.

(8) ناقش الفقه مفهوم أولي الأمر، فاختلفت آراء الفقهاء التي فسرته بأهل الحل والعقد، أو العلماء أو الأمراء. ويبدو أن مصطلح "أولو الأمر" يتحدد مفهومه بشكل التنظيم الذي يسير عليه كل مجتمع، والمؤسسات الموكول إليها الاختصاص التقريري فرئيس الدولة مثلا، والبرلمان، والقضاء، والسلطة التنفيذية، والمحكمة الدستورية، والمجالس المحلية وغيرها، يجب الامتثال لما تقرره داخل الاختصاص الدستوري أو القانوني المسند إليها، وكل ما اختلف فيه يحال على صاحب الاختصاص منها، وقرارها فيه يشكل أمراً واجب النفاذ إزاء الجميع.

(9) سورة فصلت، الآية 34 و35.

(10) مثلا في عام 1994 اجتاز مليون رواندي الحدود إلى زايير خلال أربعة أيام ـ إشكالية اللجوء على الصعيدين الدولي والعربي / عبد الحميد الوالي، ص. 51.

(11) سورة الممتحنة، الآية 8.

(12) إن اتفاقية جنيف ذاتها، أصبحت في حاجة إلى التنقيح والتعديل، كما تؤكد ذلك التقارير المقدمة من المندوبية السامية للاجئين، التي واجهت أوضاعاً لم تكن في خلد واضعي الاتفاقية. مثل ظاهرة النزوح القسري عن الوطن نتيجة حرب خارجية (أفغانستان مثلا) أو أهلية (السودان) أو عرقية (رواندا، البوسنة والهرسك) وإغلاق الدول لحدودها بفرض التأشيرة على كل راغب في الدخول إلى أراضيها، والهجرة السرية بحثاً عن لقمة العيش ... .

(13) الموافقات للشاطبي 238/4.

(14) وجوب العمل بالحكم الاجتهادي الظني يقتضيه: =

ـ أن الشريعة أنزلت ليعمل بها المكلفون وفق ما يستطيعون فهمه من نصوصها.

ـ أن النصوص الظنية الدلالة أو الثبوت ـ وهي موضوع الاجتهاد ـ لا يمكن أن يستنبط منها إلا الحكم الظني.

ـ عدم تطبيق الحكم الاجتهادي الظني يترتب عليه حتماً تعطيل الشريعة وتجميد نصوصها.

 

   

منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1430هـ/2009م

Untitled Document