Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

   

توافق مقاصد الشريعة الإسلامية مع مقتضيات التشريعات الدولية الخاصة باللاجئين

د. أحمد الخمليشي

 

الفهرس

الفقرة الأولى اللجوء : بين واقعيه القديم والحديث

لا وجود لفاصل زمني واضح ينقل مصطلح "اللجوء" من مفهوم قديم إلى آخر حديث، لكن ما لا يختلف فيه اثنان أن دلالته اليوم تختلف اختلافاً جوهرياًِ عنها منذ عشرة قرون أو خمسة عشر قرناً، وهو نتيجة حتمية لسنة التطور التي سبقت الإشارة إليها.

ومن أهم العناصر التي تأثرت بالتغيير:

ـ المفهوم. ـ الأساس. ـ دور الدين. ـ صلاحية منح اللجوء.

 

أولا : المفهوم :

اللجوء حسب مواد اتفاقية عام1951 الخاصة باللاجئين، هو توفير الملجأ أو المأوى للشخص الذي يوجد " بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد أو كل شخص لا يملك جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابقة ولا يستطيع أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف أن يعود إلى ذلك البلد "(م.1),

واللجوء يفرض على المتمتع به الانصياع لقوانين بلد اللجوء وأنظمته والتقيد بالتدابير المتخذة فيه للمحافظة على النظام العام (م 2) . كما يلزم الدولة المانحة بمعاملة للاجئ توفر له على الأقل ذات الرعاية الممنوحة لمواطنيها أو للأجانب حسب أنواع الحقوق المفصلة في الاتفاقية.

أهم العناصر المميزة لمفهوم اللجوء في اتفاقية 1951 :

ـ إن "الاضطهاد" الذي يخاف اللاجئ التعرض له مصدره بلد الموطن سواء كان حاملاً لجنسية هذا البلد أم لا، وبشرط أن يكون الاضطهاد المتوقع يرجع إلى أحد الأسباب المنصوص عليها في المادة الأولى من الاتفاقية.

ـ إن الدولة هي وحدها التي لها صلاحية منح اللجوء.

ـ إن منح اللجوء هو مجرد توفير "ملجأ" أو استقرار مؤقت للاجئ ولا يتعدى ذلك إلى "الالتزام" عنه ضد المعتدين، أو بغفران ذنوبه وزلاته.

بينما نجد الذين يكتبون عن اللجوء قديماً وبالأخص عن اللجوء في الإسلام، يدخلون فيه عدداً من الحالات المرتبطة بتأمين الشخص من الخوف الذي يتوقعه على حياته أو حريته أو حقوقه الأساس الأخرى.

وهكذا نقرأ أمثلة أو سوابق للجوء:

ـ التحاق عدد من المسلمين الأوائل بالحبشة هرباً من اضطهاد قريش لهم بسبب عقيدتهم الدينية، وهذه الواقعة يمكن اعتبارها لجوءاً بالمعنى الحديث للمصطلح، حيث توفرت فيها كل عناصره الجوهرية ما عدا بعض الجوانب الشكلية التي لا أهمية لها.

ـ نجد عدداً من حالات "الإجارة" مثل إجارة المطعم بن عدي للرسول ص بعد وفاة عمه أبي طالب، وإجارة ابن الدغنة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

ـ بيعتا العقبة الثانية والثالثة اللتان ورد فيهما على لسان الرسول الله ص >أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم<.

والإجارة وإن كان المستجير يستظل بها لدفع ما يخافه من خطر على حياته أو حريته، إلا أنها مع ذلك تختلف كل الاختلاف عن اللجوء. فالإجارة هي تعهد المجير وإعلانه على الملأ أن المستجير تحت حمايته،وأن أي سوء يمسه يشكل اعتداء مباشراً على المجير وشرفه ويجلب غضبه وانتقامه من المسيء(1) واللجوء بعيد عن هذا المفهوم ويقتصر على منح اللاجئ حق الاستقرار المؤقت داخل إقليم الدولة المانحة، أما حمايته من التعرض للاعتداء، فيحكمها التزام الدولة بتوفير الأمن والسلامة لجميع المتساكنين في إقليمها، وليس مصدرها القرار المانح للجوء.

ومن ناحية ثانية : الإجارة تكون من خطر اعتداء يتوجسه المستجير في مكان وجوده الفعلي سواء كانت إقامته فيه دائمة أو عابرة.

بينما اللجوء يكون من خوف الاضطهاد في الموطن الأصلي الذي غادره اللاجئ،أما المكان الذي يوجد فيه فعلا فهو "آمن" ولذلك اختاره للجوء والعيش المؤقت.

وكثيراً ما يستدل بآية : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه }(2) باعتبارها مصدراً لحق اللجوء في شريعة الإسلام.

والواقع أن هذا الاستدلال لا أساس له، فالآية تتعلق بالإجارة لأن "المشرك" كان "عدواً" للمسلمين فدخوله إلى أرضهم يعرضه لخطر الفتك به أو الاعتداء عليه على الأقل مثل ما يتعرض له المسلم إذا خاطر بالدخول إلى أرض المشركين.

إن المشرك يستجير من الخطر الذي يتهدده في مكان وجوده العرضي وهو أرض المجير، أما موطنه الأصلي (أرض المشركين) فهو فيه آمن وهذا ما تؤكده الآية صراحة عندما تأمر بإبلاغ المستجير إلى "مأمنه" الذي هو موطنه الأصلي، بينما اللاجئ يتهدده الخطر في موطنه الأصلي ويستظل بالأمان في ملجئه المؤقت أي أرض مانح اللجوء، فالآية إذن خاصة بالإجارة ولا علاقة لها باللجوء بمفهومه الاصطلاحي المتداول اليوم.

ـ حالات "الأمان" التي كانت لها صور متباينة. من أهمها:

* تأمين المحاربين بعد هزيمتهم أو إحكام حصارهم: وعقد الأمان هذا الذي يسمى كذلك بعقد الصلح، غالباً ما يكون في هذه الحالة مقترناً بشروط تفرض على المستفيد من الأمان. وهذه نماذج منه:

عقد أمان الخليفة عمر بن الخطاب (ض) لأهل بيت المقدس الذي جاء فيه:

" بسم الله الرحمن الرحيم.

هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المومنين أهل إيليا من الأمان:

أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها. أنه لا تُسكَنُ كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه، آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية، ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعِهِمْ وصُلُبِهِمْ حتى يبلغوا مأمنهم.

وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين... (3).

عقد أمان عمرو بن العاص لأهل مصر الذي جاء فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم.

هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا يساكنهم النُّوبُ، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم، خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لُصُوتَهُمْ، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدره، وذمتنا ممن أبى بريئة، وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك. ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل مالهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب، فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا ...

على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المومنين وذمم المومنين "(4).

تأمين فرد أو مجموعة أفراد محدودين يأتون من أرض العدو إلى أرض الإسلام:

يقول ابن جزي :" التأمين على ثلاثة أضرب، اثنان على العموم وينفرد بعقدهما السلطان وهما : الصلح والذمة ... والثالث خاص بكافر واحد أو بعدد محصور ويصح من كل مسلم مميز ... " (5).

ويقول القلقشندي في صبح الأعشى:

وأركان هذا الأمان : العاقد للأمان فيصح من كل مسلم مكلف.

والمعقود له "ويصح عقده للواحد والعدد من ذكور الكفار وإناثهم".

وصيغة العقد " وهي كل لفظ يفهم الأمان كناية كان أو صريحاً ".

" وأما شرطه فأن لا يكون على المسلمين ضرر في المستأمن ... وأن لا تزيد مدة الأمان على سنة "(6).

ويتميز هذا النوع من الأمان عن الأنواع الأخرى، بأنه يعقد لفرد أو مجموعة أفراد غير مسلمين، ويعقده الإمام أو نائبه أو أي فرد من المسلمين، كما يتميز عن الإجارة بكونه يعقد باسم الأمة، بينما الإجارة يعتبر المجير وحده هو الملتزم بها إزاء المستجير.

ومن أمثلة هذا النوع من الأمان، ما كتبه الملك الناصر محمد بن قلاوون لملك السرب استيفانوس فراكس، الذي كان يرغب في زيارة القدس رفقة زوجته. ومما جاء في كتاب الأمان:

" .. ولما كانت حضرة الملك الجليل المكرم المبجل، العزيز الموقر استيفانوس فراكس كبير الطائفة النصرانية جمال الأمة الصليبية عماد بني المعمودية، صديق الملوك والسلاطين صاحب السرب ـ أطال الله بقاءه ـ قد شمله إقبالنا المعهود، ووصله إفضالنا الذي يحجز عن ميامينه السوء، وينجز الوعود ـ اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننير سبيله، ونوفر له من الإكرام جسيمه، كما وفرنا لغيره من الملوك مسوله، وأن يُمَكَّنَ من الحضور هو وزوجته ومن معهما من أتباعهما إلى زيارة القدس الشريف وإزالة الإعراض عنهم، وإكرامهم ورعايتهم واستصحاب العناية بهم إلى أن يعودوا إلى بلادهم آمنين على أنفسهم وأموالهم، ويعاملوا بالوصية التامة، ويواصلوا بالكرامة والرعاية، إلى أن يعودوا في كنف الأمن وحريم السلامة. وسبيل كل واقف عليه أن يسمع كلامه ويتبع إبرامه، ولا يمنع عنهم الخير في سير ولا إقامة، ويدفع عنهم الأذى حيث وردوا أو صدروا فلا يحذروا إلمامه. والله تعالى يوفر لكل مستعين من أبوابنا أقساط الأمن وأقسامه، ويُظفِر عزمنا المحمدي بالنصر السرمدي حتى يُطوق الطائع والعاصي حسامه، والعلامة الشريفة أعلاه حجة فيه والخير يكون إن شاء الله تعالى " (7).

أمان التنقل للتجارة أو غيرها، وهذا ما نجده في عشرات اتفاقيات الهدنة التي أبرمت بين حكام المسلمين وغيرهم(8) وأحياناً يصدر الأمان منفرداً غير مرتبط بهدنة أو مصالحة. ومن أمثلته مرسوم السلطان المنصور قلاوون الذي يدعو فيه إلى دخول مصر: " من أي أبوابها شاء الناس دخولاً: من العراق، من العجم، من الروم، من الحجاز، من الهند، من الصين ـ أنه من أراد من الصدور الأجلاء، الأكابر التجار وأرباب التكسب وأهل التسبب من أهل هذه الأقاليم التي عددت والتي لم تعدد، ومن يؤثر الورود إلى ممالكنا إن أقام أو تردد ـ النقلة إلى بلادنا الفسيحة أرجاؤها، الظليلة أفياؤها وأفناؤها، فليعزم عزم من قدر الله له في ذلك الخير والخيرة ويحضر إلى بلاد لا يحتاج ساكنها إلى ميرة ولا إلى ذخيرة ... فمن وقف على مرسومنا هذا من التجار المقيمين باليمن والهند، والصين والسند وغيرهم، فليأخذ الأهبة في الارتحال إليها والقدوم عليها ليجد الفعال من المقال أكبر ... ويحل منها في بلدة طيبة ورب غفور ... وفي سلامة في النفس والمال وسعادة تجلي الأحوال وتمول الآمال ... وتبقي أموالهم على مخلفيهم ... ومن أحضر معه بضائع من بهار وأصناف تحضرها تجار الكارم، فلا يحاف عليه في حق، ولا يكلف أمراً يشق، فقد أبقى لهم العدل ما شاق، ورفع عنهم ما شق ... " (9).

تأمين المعارضين والمتوجسين خيفة من الحاكم وهو خاص بالمسلمين، لأن أمان غيرهم كان يندرج في أحكام "الذمة" المعروفة.

ولذلك قال القلقشندي :" اعلم أن هذا النوع فرع ألحقه الكتاب بالنوع السابق (عقد الأمان لأهل الكفر) وإلا فالمسلم آمن بقضية الشرع بمجرد إسلامه بـدلــيل قولهص :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ". وإنما جرت عادة الملوك بكتابة الأمان لكل من خاف سطوتهم، لا سيما من خرج عن الطاعة، وخيف استشراء الفساد باستمرار خروجه عن الطاعة خوفاً، حتى صار ذلك هو أغلب ما يكتب من دواوين الإنشاء " (10).

ونكتفي بنموذجين يتعلق أحدهما بأمان فرد، والثاني بأمان جماعة مرفق بشروط، وكلاهما صادر من صمصام الدولة ابن عضد الدولة ابن بويه الديلمي وكتبهما باسمه أبو إسحاق بن هلال الصابي :

العقد الأول :

" ... أنت ذكرت رغبتك في الانحياز إلى جملتنا، والمصير إلى حضرتنا، والسكون إلى ظلنا، والسكنى في كنفنا، والتمست التوثقة منا بما تطيب به نفسك، ويطمئن إليه قلبك، فتقبلنا ذلك وأوجبنا به الحق والذمام لك، وأمناك بأمان الله جل ثناؤه وأمان رسول الله ص، وأمان أمير المومنين أطال الله بقاءه، وأماننا على نفسك وجوارحك، وشعرك، وبشرك، وأهلك، وولدك، ومالك، وذات يدك: أماناً صحيحاً ماضياً نافذاً، واجباً لازماً. ولك علينا بالوفاء به إذا صرت إلينا عهد الله وميثاقه، من غير نقص له ولا فسخ شيء منه، ولا تأول عليك فيه على كل وجه وسبب.ثم إنا نتناولك إذا حضرت بالإحسان والإجمال، والاصطناع والإفضال، موفين بك على أملك، ومتجاوزين حد ظنك وتقديرك. فاسكن إلى ذلك وثق به، وتيقن أنك محمول عليه، ومفض إليه. ومن وقف على كتابنا هذا: من عمال الخراج والمعاون وسائر طبقات الأولياء والمتصرفين في أعمالنا، فليعمل بما فيه، وليحذر من تجاوزه أو تعديه إن شاء الله تعالى " (11).

العقد الثاني :

" ... وإن محمد بن المسيب سأل في أمركم، وذكر رغبتكم في الخدمة، والانحياز إلى الجملة، والتمس أمانكم على نفوسكم وأموالكم، وأهلكم وعشيرتكم، على أن تلزموا الاستقامة، وتسلكوا سبيل السلامة، ولا تخيفوا سبيلاً ولا تسعوا في الأرض فساداً، ولا تخالفوا للسلطان وولاة أعماله أمراً، ولا تؤووا له عدواً، ولا تعادوا له ولياً، ولا تجيروا أحداً خرج عن طاعته، ولا تذموا لأحد طلبه، ولا تخونوه في سر ولا جهر، ولا قول ولا عمل. فرأينا قبول ذلك منكم، وإجابة محمد إلى ما رغب فيه عنكم، وتضمنته العهدة فيما عقد من هذا الأمان لكم على شرائطه المأخوذة عليكم: في الكف عن الرعية والسابلة، وأهل السواد والحاضرة، وترك التعرض للمال والدم، أو الانتهاك لذمة أو محرم، أو الارتكاب لمنكر أو مأثم. فكونوا على هذه الحدود قائمين، وللصحة والاستقامة معتقدين، ولأحداثكم ضابطين، وعلى أيدي سفهائكم آخذين، وأنتم مع ذلك آمنون بأمان الله جل جلاله، وأمان رسول الله ص، وأمان مولانا أمير المومنين، وأماننا: على نفوسكم وأموالكم وأحوالكم، وكل داخل في هذا الأمان وشرائطه معكم: من أهلكم وعشيرتكم وأتباعكم، ومن ضمته حوزتكم.ومن قرأ هذا الكتاب من عمال الخراج والمعاون، والمتصرفين في الحَمَّارة والسَّيَّارة وغيرهم من جميع الأسباب فليعمل بمتضمنه وليحمل جماعة هؤلاء القوم على موجبه إن شاء الله تعالى " (12).

ويمكن أن يضاف إلى أنواع "الأمان" السالفة الذكر، حالة الأمان الذي يناله المستأمن من المكان. ومن أقدم وأهم الأمكنة التي توفر الأمان " الحرم المكي " الذي اختلفت المذاهب الفقهية في مدى الأمان الذي يوفره حتى لمرتكب الجريمة.

مما سبق يتأكد أن مفهوم اللجوء يختلف بين الماضي والحاضر. في الماضي كان يشمل كل الصور التي توفر لفرد أو جماعة حماية من خطر اعتداء أو اضطهاد سواء كانت هذه الحماية في شكل إجارة أو أمان بصوره المتعددة، أو لجوء بمفهومه الضيق. والحامي أو موفر الأمان قد يكون فرداً ـ عادياً، أو ملكاً، أو حاكماً ـ أو قبيلةً، أو مكاناً، يتمتع بالتقديس والاحترام.

أما الآن، فإن اللجوء له مفهوم خاص جداً، تبتدئ هذه الخصوصية بتقييده بوصف "السياسي" وتنتهي بالعناصر التي فرضتها فيه اتفاقية 1951.

 

ثانياً : الأساس :

إن منح اللجوء بمفهومه الواسع قديماً، كانت له دوافع كثيرة، من أهمها:

ـ النخوة والتباهي بالقدرة على النجدة.

ويظهر هذا الأساس واضحاً في الإجارة أو الجوار الذي كان سائداً في المجتمعات العشائرية والقبلية التي تقوم الحياة فيها على قيم الشجاعة، والكرم، والاعتزاز بالذود عن الحريم والحمى، واكتساب المنعة والنفوذ. وكان الجوار أو النجدة، يتنافس فيه على إحراز هذه القيم ولو كلف ذلك أغلى التضحيات، والتقاعس عنه يجلب العار والهوان.

ولتلخيص الموضوع، نشير إلى أبيات شعرية للحطيئة في مدح المتسارع إلى نجدة المستغيث وحمايته وأخرى للفرزدق في ذم المتخاذلين عن النجدة وإنقاذ المتسجير من الخطر الذي يتهدده.

يقول الحطيئة يمدح بني عدي :

"وفتيــان صــدق من عـــدي عليـهـم *** صحائف بصرى (13)علقت بالعواتــق

إذا ما دعوا لم يسألوا مـن دعاهــم *** ولم يمسكوا فوق القـلوب الخـوافـق

وطاروا إلى الجرد العتاق فألجموا *** وشـدُّواعلى أوساطهم بالمـناطـــق

أولائك آباء الغريب وغاثة الــــ *** صريخ ومأوى المرمليـن الدرادق "(14)

أما الفرزدق، فيعير بني كليب بعدم استجابتهم لصرخة عباد بن علقمة الذي يدعى ابن أخضر، بَصْرَى فيقول :

كفعل كليــب يوم يدعـو ابن أخضــر *** وقد نشبـت فيه الرماح الشـواجـر(15)

فلم يأته منـــــها وبــين بـيـــوتــــــها *** أصـيب ضياعاً يــوم ذلك ناجـر (16)

وهم حضروه غائبين بنـصــــرهــم *** ونصـر اللئيم غائـب وهو حاضـر.

وهم أسلموه فاكتسـوا ثوب لامـــة (17) *** سـيبقـى لهم مـا دام للزيـت عاصـر ".

واستمر هذا الأساس للجوء مع الملوك والحكام الذين كانوا يمنحونه باسمهم الشخصي، ولم يكن للشخصيــة المعنويـة لـلدولة وجود في تصورات الناس وثقافتهم(18). أما الآن فإن الأساس الذي يقوم عليه منح اللجوء هو حقوق الإنسان. واختلاف الأساس بين القديم والحديث يترتب عليه الاختلاف في تحديد مستحق اللجوء. فمن قبل كان منح الجوار أو تقديم النجدة للمستغيث مرتبطاً بقدرة المانح ورغبته(19) دون أي اعتبار للأسباب التي ألجأت المستغيث إلى طلب الجوار. وقد سبقت الإشارة إلى قول النعمان بن المنذر:" وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون أمواله " (20).

أما الآن فإن اللجوء مرتبط بالأساس الذي يبرره وهو حماية حقوق الإنسان، وهذا ما نستنتجه من المادة الأولى من اتفاقية 1951، سواء في فقرتها "ألف" التي حددت أسباب الخوف من الاضطهاد المبرر لطلب اللجوء، أو بالنسبة للفقرات:"جيم" و"دال" و"هاء" و"واو" المتعلقة بالحالات التي لا تنطبق عليها الاتفاقية أو ينقضي بها التطبيق.

وارتباطاً بالأساس المبرر لحق اللجوء، عنيت اتفاقية1951 بالحقوق التي يجب أو ينبغي أن يتمتع بها اللاجئ من الاجتماع العائلي والتنقل، وممارسة عمل أو مهنة، والشعائر الدينية، والتعليم ... وكل هذا لم يكن يثير الاهتمام قديماً فيما كان يسمى بالجوار والخفر.

وإذا قلنا إن أساس منح اللجوء قديماً هو إظهار الشجاعة والنخوة والتزكية للمركز الاجتماعي، فإنه ينطبق على المجتمعات العشائرية والقبلية، ولا ينافي وجود حالات لا تبتعد دواعي منح اللجوء فيها عن دواعي اللجوء الحديث، ومن أبرزها اللجوء الذي منحه النجاشي للمهاجرين إليه بدينهم في بداية الدعوة هرباً من الاضطهاد الذي سلطته قريش على المومنين بالرسالة الجديدة.

 

ثالثاً : دور الدين

كانت المجتمعات تتشكل بالرابطة الدينية ووحدة العقيدة، وإذا وجدت مجموعات محدودة لا تدين بدين الأغلبية، فإن كل مجموعة منها تعيش منعزلة في حياتها الدينية والمدنية.

والمنتمون إلى نفس العقيدة يعتبرون أنفسهم إخوة وأمة واحدة وإن فصلت بينهم الحدود التي فرضها تعدد الأنظمة السياسية.

والمسلمون في هذا مثل غيرهم، لم يكن الوافد من قطر آخر يعتبر "أجنبياً" يحتاج إلى طلب اللجوء للحصول على الإقامة، وإنما يصبح واحداً من سكان الإقليم الذي وفد عليه له ما لهم وعليه ما عليهم بمجرد استقراره بين ظهرانهم أيا كان السبب الذي اضطره إلى مغادرة بلده الأصلي. وبالتالي فإن المبدأ هو عدم إجباره على الرجوع من حيث أتى أو تسليمه إلى سلطة البلد الذي نزح منه ما لم يوجد اتفاق سابق كما سيأتي. وإلى جانب هذا المبدأ يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

1. عدم جواز تسليم المسلم ولو كان إسلامه طارئاً:

إذا دخل غير المسلم إلى أرض الإسلام لسبب مؤقت على أساس أن يرجع بعد انتهائه إلى بلده، لكنه اعتنق الإسلام ورفض الرجوع، فإنه لا يجوز تسليمه وإن طلبته سلطات بلده، ومن تطبيقات هذه الحالة: الرهن (21) والرسول.

عن الرهن يقول أبو الحسن الشيباني:

" فلو أن رهنهم حين أسلموا قال لهم المشركون إن لم تردوا علينا رهننا قتلنا رهنكم أو جعلناهم عبيداً لنا، فكره الرهن أن يردوهم عليهم، فإنه لا يحل للإمام أن يردهم وإن علم أنهم يقتلون رهن المسلمين، لأن حرمة نفس هؤلاء كحرمة نفس أولائك. وإن قال رهنهم بعد أن أسلموا ادفعونا إليهم وخذوا رهنكم، فإن كان أكبر الرأي من الإمام أنهم يقتلونهم لم يجز أن يدفعهم إليهم أيضاً، لأن إذن المرء غير معتبر في قتله في حكم الإباحة فكذلك في تعريضه للقتل. وإن كنا لا ندري ما يصنعون بهم فلا بأس بدفعهم إليهم، لأنه ليس في دفعهم برضاهم ظلم منا إياهم، والدفع ليس بسبب لهلاكهم والظاهر أنهم لا يرضون بذلك إلا إذا كانوا آمنين على أنفسهم " (22).

وبالنسبة للرسول الذي اعتنق الإسلام، اختلف الفقه حول جواز تسليمه ورده إلى الدولة غير المسلمة التي بعثته. من قالوا بجواز رده بنوا رأيهم على ما فعله الرسول ص مع أبي جندل، ومن منعوا الرد قالوا إن رد أبي جندل كان تنفيذاً للشرط الوارد في صلح الحديبية، وقد نسخت ذلك آية {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء}(23) فلا يسلم الرسول الذي أسلم ولو وجد شرط التسليم في معاهدة سابقة كما يقول ابن حبيب من المذهب المالكي(24).

2. قبول المسلم الوافد لا يخضع لأحكام اللاجئ:

المبدأ العام أن دخول مسلم إلى أرض الإسلام واستقراره فيه، لا يحتاج إلى وثيقة لجوء أو "ترخيص" بالاستقرار، سواء كان دخوله اختيارياً أو اضطرارياً.

وفي الحالات القليلة التي يضطر فيها إلى إصدار وثيقة مكتوبة ـ كحالات اللجوء الجماعي ـ تنص الوثيقة على تمتع اللاجئين بجميع حقوق السكان الأصليين "المواطنين".

ومن أمثلتها الظهير الذي أصدره بالمغرب الخليفة الموحدي الرشيد بن المامون في شعبان عام 637هـ لتوطين النازحين من الأندلس، ونصه:

" هذا ظهير كريم أمر به أمير المومنين ابن أمير المومنين ابن أمير المومنين، ابن أمير المومنين، ابن أمير المومنين ـ أيدهم الله تعالى بنصره وأمدهم بمعونته ويسره ـ للمنتقلين من بلنسية وجزيرة شقر، وشاطبة، ومن جرى من سائر بلاد الشرق مجراهم وعراه من عِبَر الأيام ما عراهم، حين أنهى ذو الوزارتين الشيخ الأجل الأكرم الأعز الأفضل: أبو علي ابن الشيخ الأجل الأكرم أبي جعفر بن خلاص، أدام الله تعالى أثرته وكرامته، ما أصابهم من الجلاء ودهاهم من أمر الأعداء، وسعى لهم سعي من يقضي فيهم ... ويلتمس لهم مكاناً للقرار، ومنزلا لإلقاء عصا التسيار. وعند ذلك إذن لهم، أعلى الله تعالى إذنه، وجدد مجده ويمنه في النقلة إلى رباط الفتح عمره الله تعالى بقضيضهم وقضهم، وأن يتخذوا مساكنه وأرضه بدلا من مساكنهم وأرضهم، ويعمروا فيه بدلا يقيل منهم أولى من قبل، ويحملهم إن شاء الله تعالى وخير البلاد ما حمل، فإنه مناخ التاجر والفلاح، وملتقى الحادي الملاح، والمرافق من بر أو بحر، موجودة في فصول السنة، موذنة لقاطنه بالمعيشة الهنية، والحال الحسنية، ولهم أفضل ما عهده رعايا هذا الأمر العزيز أدامه الله تعالى من التوسعة على قويهم كي يزدادوا قوة، والرفق بضعيفهم حتى ينال يساراً وكروة، وأن يتوسعوا في الحرث، ففي أرضه هناك متسع، ويتبسطوا في كل ما لهم منه مكافئ، وبه منتفع ويغرسوا الكروم وأنواع ... على عادتهم ببلادهم، ويتأثلوا الأملاك لأنفسهم وأولادهم وأولاد أولادهم. وكل ما يعمرون من الضياع، ويقتنون من الأصول والكراع فله حكم ... على الإطلاق والدوام، ولا يلزمون فيه شيئاً من وجوه الإلزام، ولا يطلبون بغير حقوق الشرع التي جعلها الله تعالى في أموال أهل الإسلام، وأقوالهم في مقاديرها مصدقة وأمانيهم كلها لهم، واللاحقين بهم محققة والولاة والعمال ـ حفظهم الله تعالى ـ مأمورون بأن يحفظوهم من كل أذى يلم بجانب من جوانبهم، ويعوق عن مأرب صغير أو كبير من مآربهم، وأن يكرموا غاية الإكرام، نبهاءهم وأعيانهم، ويولونهم من حسن الجوار ما ينسيهم أوطانهم حتى تدفع عنهم كل شبهة من شبه الحيف، ويجمع لهم بين الرعاية وحرمة البلوى، والعناية بحق الضيف، احتساباً منه على الله تعالى أمره، وأوزع شكره، ينسحب على جماعتهم وأفرادهم، ويحملهم على موجب اعتلامهم بهذا الأمر العلي أدامه الله تعالى وملاه بهم. فمن وقف عليه من الكافة والعمال أكرمهم الله تعالى، فليعمل بحسبه، ولا يعدل عن كريم مذهبه إن شاءالله تعالى. وهو تعالى المستعان، لا رب سواه، كتب في الحادي والعشرين لشعبان المكرم من سنة سبع وثلاثين وستمائة " (25).

3. قد لا يكون للدين أثر على تسليم اللاجئ:

على مر العصور دعت المصالح السياسية إلى إبرام اتفاقيات صداقة نصت على الالتزام بتسليم ورد كل طرف من يلتجئ إليه مسلماً كان أو غير مسلم. وهذه الاتفاقيات قد تكون بين حاكمين مسلمين، أو بين حاكم مسلم وآخر غير مسلم. من أمثلة الأولى : الاتفاقية التي تمت بين شرف الدولة وزين الملة أبي الفوارس وأخيه صمصام الدولة وشمس الملة أبي كاليجار وهما ابنا عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه في منتصف صفر سنة 376هـ.

ومما جاء فيها:

أنهما اتفقا على " الإقران لأعداء الدولة والإرصاد لهم، والاجتماع على دفع كل ناجم، وقمع كل مقاوم وإرغام أنف كل ضار متجبر: وإضراع خد كل متطاول مستكبر، حتى يكون الموالي لأحدهم منصوراً من جماعتهم، والمعادي له مقصوداً من سائر جوانبهم، فلا يجد المنابذ على أحدهم مفزعاً عند أحد من الباقين ولا اعتصاماً به، ولا التجاء إليه، ولا يقبل أحدهما مستأمناً إليه من جهة صاحبه من جندي ولا عامل، ولا كاتب، ولا صاحب، ولا متصرف في وجه من وجوه التصرفات كلها، ولا يجير عليه هارباً ولا يعصم منه موارياً" (26).

ومن أمثلة الحالة الثانية :

أ) الهدنة التي عقدها السلطان الملك الظاهر "بيبرس" وولده الملك السعيد مع افريز اولدكال مقدم جميع بيت آسبتار سرجوان بالبلاد الساحلية ومع جميع الإخوة الاسبتارية سنة 669هـ.

ومما جاء فيها:

" ... وإذا تسحب(27) من المسلمين أحد على اختلاف أجناسه إن كان مملوكاً أو غير مملوك أو معتوقاً أو غير معتوق أو كائناً من كان من المسلمين على اختلاف منازلهم وإن كان غلاماً أو غير غلام ـ يرد بجميع ما يوجد معه، إن كان قليلاً أو كثيراً يرد.ولو أن المتسحب دخل الكنيسة وجلس فيها يمسك بيده ويخرج ويسلم لنوابنا جميع ما معه، وإن كان خيلاً أو قماشاً، أو دراهم أو ذهباً وما يتعامل الناس به، يسلم بما معه إلى نوابنا على ما شرحناه، وكذلك إذا تسحب أحد من جهتهم من الفرنج أو النصارى إلى أبوابنا الشريفة، أو وصل إلى جهة نوابنا يمسك ويسلم بما يحضر معه: من الخيل والأقمشة والعدة وجميع ما يصل إن كان قليلاً أو كثيراً، يمسكه نوابنا ويسلمون ذلك بما معه لنائب المقدم الماستر المقيم بالمرقب وأخذوا الخطوط بذلك بتسلميه بما حضر معه " (28).

ب) رسالة السلطان محمد الرابع ملك غرناطة المؤرخة في أواسط جمادى الآخرة عام 726هـ إلى ملك أرغون دون خايم، جواباً عن كتاب هذا الأخير الذي يقترح فيه تمديد بنود الصلح المبرم مع والد محمد الرابع.

مما ورد فيها:" لا تعينوا علينا عدواً من المسلمين ولا النصارى في بر ولا بحر بوجه من وجوه الإعانة ومثل ذلك يكون العمل معكم من جهتنا ومنها (شروط الصلح) أنه إن هرب من أرضنا أحد خرج من طاعتنا فلا تضموه، ولا تسرحوا له قوتاً ولا شيئاً من الأشياء، ولا تعينوا علينا أحداً على خالص الأحوال، ومثال ذلك يكون العمل معكم من جهتنا " (29).

والخلاصة أن الدين كان له دور واضح في منح اللجوء وفي طرد اللاجئ، ولذلك فإن المسلم لم يكن في حاجة إلى طلب اللجوء لدخول "دار الإسلام" بل إن الفقه يجمع على أن المسلم ملزم دينياً بالهجرة من "دار الكفر" متى كان وجوده فيها يعرضه لمضايقة أو صعوبة في ممارسة حياته وفق ما تفرضه عليه عقيدته، وبالغ بعضهم فاعتبر الهجرة واجبة حتى ولو لم يتعرض لأية مضايقة أو صعوبة.

ومن الناحية العملية لم يكن المسلم الوافد من "دار الكفر" يتوقف استقراره في بلاد الإسلام على منحه حق اللجوء وإنما يكتسب كامل حقوق "المواطنة" بمجرد التحاقه بأهل ملته.

نعم في حالات متفرقة فرض الواقع والمصالح السياسية إبرام اتفاقيات يتعهد فيها حاكم بلد إسلامي بإرجاع كل مسلم التجأ إليه ورده إلى البلد التي نزح منها، سواء كان الحكم في هذا البلد إسلامياً أو غير إسلامي.

 

رابعاً : صلاحية منح اللجوء

المصادر الفقهية جميعها تتفق على أن اللجوء (الجوار) يمكن أن تمنحه الدولة أو الأفراد، وتستعرض النقاش الخاص بالشروط المطلوب توفرها في الفرد المعترف له بصلاحية منح اللجوء.

لكن العرف الحالي وطبقاً لاتفاقية 1951 ، لا يملك صلاحية منح اللجوء إلا الدولة الكاملة السيادة، وهذا أمر بدهي. فما كان يقوم به الأفراد من منح الجوار فرضه الوضع الذي لم تكن فيه الدولة تمارس مهمة المحافظة على الأمن العام، وإنما كان فيه الفرد ومن ورائه أو حواليه العشيرة ـ هو الذي يتولى الدفاع عن أمنه الشخصي، والذود عن حماه.

وبعبارة أخرى منح الجوار من الأفراد مرحلة تاريخية مرت بها بعض المجتمعات وانتهت، والإسلام لم يشرعها وإنما عايشها كواقع اجتماعي داخل في مبدئه العام "خذ العفو وامر بالعرف".

ربما لا يزال للجوار والخفر وجود محدود في بعض المجتمعات التي لم تتخط بعد النظام العشائري وتقاليده وأعرافه ولكن هذه أوضاع معزولة، ومرحلة سائرة إلى زوال أمام نظام الدولة المحتكر للسيادة ولتنظيم أمن الأشخاص وحرياتهم وسلوكاتهم الاجتماعية.

الاختلاف إذن واضح بين الماضي والحاضر في موضوع صلاحية منح اللجوء، ولم يعد مقبولاً الآن القول بحق الفرد في هذا المنح داخل الفقه الإسلامي وخارجه، لأنه يصادم المبادئ المنظمة للمجتمع السياسي. ولذلك يبدو محل تساؤل ما يورده بعض الكتاب المعاصرون من أن الفرد يخوله الإسلام منح حق اللجوء السياسي مثله في ذلك مثل الدولة، وأن الإسلام بهذا يتفوق على القانون الدولي المعاصر.

إن الوقائع المدونة في بداية تاريخ الإسلام كانت مسايرة للأعراف الملائمة للحياة الأمنية والاجتماعية في الوسط العشائري والقبلي، ومن التعسف ـ فيما نعتقد ـ القول بأن الإسلام يخول الفرد حق منح اللجوء في ظل النظام السياسي للدولة الذي يعيشه مجتمع الإنسان اليوم، وضمنه الدول الإسلامية.

الإسلام يتفوق على تطبيقات القانون الدولي المعاصر، إذا ما طبقت قيمه على اللجوء السياسي المؤسسة على مبادئ الأخلاق المنافية لتغليف الأفعال والتصرفات برداء القانون الظاهري ولباس الشرعية الشكلية الذي تتسم به نسبة غير قليلة من قرارات منح اللجوء أو رفضه في الواقع الذي نعيشه.

أما نسبة هذا التفوق إلى الاعتراف للأفراد بمنح اللجوء لمن يشاؤون في القرن الواحد والعشرين، فيبدو بعيداًعن التحليل المنطقي لوقائع التاريخ ولمفهوم الدولة ومؤسساتها.

من مضمون هذه الفقرة يتأكد مدى التطور الذي لحق "اللجوء" كسلوك اجتماعي ومؤسسة قانونية تنضبط ممارستها بأعراف وتقاليد متوارثة، ولكنها كذلك متجددة ومتغيرة تأثراً بملابسات التعايش الاجتماعي المحيط بها، وبالثقافة الموجهة للسلوك الفردي والجمعي.

التطور والتجدد لحقا "اللجوء" في مفهومه، وفي الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه، فضلاً عن علاقته بالعقيدة الدينية، والجهة المالكة لصلاحية منحه.

ـــــــــــــــ

(1) في العقد الفريد لابن عبد ربه، حكاية عن النعمان بن المنذر:" وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به وعسى أن يكون غائبا عن داره فيصاب فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما خفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون أمواله " ج 2 ، ص 7.

والمجير وإن كان في الغالب يعتمد قوته المادية في حماية المستجير، فإنه أحياناً لا يعتمد إلا على نفوذه المعنوي والأدبي لدى المجار عليه الذي يهدد المستجير. من ذلك ما يرويه صاحب الأغاني عن الكميت الذي اتهم بالتشيع للهاشميين فكتب الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلى عامله في العراق بأن يبعث له برأسه، فنصحه أحد أقارب هشام بوسيلة للنجاة قائلا إن هشام مات ولده معاوية قريباً " وقد جزع عليه جزعاً شديداً، فإذا كان من الليل فاضرب رواقك على قبره وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق فإذا دعا بك تقدمت إليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك ويقولوا: هذا استجار بقبر أبينا ونحن أحق من أجاره.

فلما نظر هشام في الصباح إلى القبر قال:"من هذا؟ فقالوا لعله مستجير بالقبر فقال يجار من كان إلا الكميت فإنه لا جوار له. فقيل: فإنه الكميت. قال يحضر أعنف إحضار. فلما دعى به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه. فلما نظر هشام إليهم اغرورقت عيناه واستعبر، وهم يقولون يا أمير المؤمنين استجار بقبر أبينا وقد مات ومات حظه من الدنيا فاجعله هبة لنا ولا تفضحنا فيمن استجار به، فبكى هشام حتى انتحب" وعفا عن الكميت. الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني 17/13.

(2) سورة التوبة، آية6 .

(3) الوثائق السياسية والإدارية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، محمد حميد الله، ص488 .

(4) المرجع نفسه، ص 502 .

(5) القوانين الفقهية لابن جزي، ص113 .

(6) صبح الأعشى في صناعة الإنشا، لأبي العباس أحمد القلقشندي، 322/13.

(7) صبح الأعشى للقلقشندي، 327/13.

(8) وقد يتم ذلك بين حاكمين مسلمين مثل اتفاقية الصلح التي أبرمت بين السلطان الظاهري فرج بن برقوق وبين تيمور كوركان صاحب ما وراء النهر، في جمادى الأولى عام 805 هـ ، وذلك بعد هجومه على الشام والاستيلاء على دمشق. فقد جاء في الاتفاق أن كلا منهما يحترم حدود مملكة الآخر" ولا يتعرض إلى ما يتعلق به من ممالك وقلاع، وحصون وسواحل وموان وغير ذلك من سائر الأنواع ورعاياهما من جميع الطوائف والأجناس، وما هو مختص ببلاد كل منهما ومعروف به بين الناس حاضرها وباديها، وقاصيها ودانيها، وعامرها وغامرها وباطنها وظاهرها، ولا إلى من فيها من الرعية والتجار المسافرين، وسائر الغادين والرائحين في السبل والطرق متفرقين ومجتمعين " صبح الأعشى107-103/14 .

(9) المرجع نفسه ـ 339/13ـ 342. وعقب عليه القلقشندي بقوله:" هذا المكتوب وإن لم يكن صريح أمان فإنه في معنى الأمان كما أشار إليه ابن المكرم ".

(10) صبح الأعشى، 329/13.

(11) صبح الأعشى،337/13.

(12) صبح الأعشى، 338/13.

(13) بَصْرَى موضع بالشام تنسب إليه السيوف.

(14) المرملين: الذين لا زاد لهم. والدرادق من الصبيان الصغار.

(15) الشواجر: المختلفة المتداخلة.

(16) ناجر، أحد.

(17) لامة: فعل يلام عليه فاعله.

(18) من ذلك ما جاء في رسالة السلطان برقوق إلى تيمورلنك بشأن القان أحمد الذي التجأ إليه: " وما كفى ما فعلت من القان أحمد المشار إليه حتى تطلبه منا. اعلم أن القان أحمد المشار إليه قد استجار بنا وقصدنا وصار ضيفنا. وقد ورد من قصدنا وجب حقه علينا. وقال تعالى لسيد الخلق أجمعين في حق الكفار {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مامنه}.

فكيف بالمسلمين إذا استجاروا بالمسلمين ... ولو لم يكن ذلك كيف يجوز في شرع المروءة والنخوة والوفاء أن نسلم ضيفنا ونزيلنا والمستجير بنا؟ ... ومن عادتنا وشأننا وطباع جنسنا، أننا لا نسلم ضيفنا ولا نزيلنا ولا من استجار بنا لأحد، وإن كنت لا تصدق ذلك فعندك من هم من جنسنا، سلهم يعرفوك، فنحن لا يضام لنا نزيل نقري الضيف ونعامله بالجميل" ـ صبح الأعشى للقلقشندي ـ 308/7 ـ 319.

(19) ما تزال القدرة والرغبة تتحكمان في منح اللجوء أحياناً حتى في عصرنا الحاضر، وأكثر ما يحدث ذلك بين دول الجنوب في حالات تدهور العلاقات بين سلطاتها السياسية، كما يحدث النقيض في حالة توافق النظامين السياسيين، فيحرم من اللجوء مستحقوه بل ويرجعون جبراً إلى قبضة النظام الذي هربوا منه.

(20) العقد الفريد لابن عبد ربه ـ .7/2

(21) يقصد بالرهن الأشخاص الذين تسلمهم سلطات بلدهم إلى سلطة بلد آخر ضماناً لتنفيذ الأولى التزامات تعهدت بها للثانية وفق ما كان معروفاً إلى عهد غير بعيد في العالم الإسلامي وخارجه.

(22) شرح السير الكبير للشيباني 43/4.

(23) سورة الأنفال، آية 58.

(24) انظر البيان والتحصيل لابن رشد45/3 .

(25) عصر المرابطين لمحمد عبد الله عنان 773/2 و738.

(26) صبح الأعشى للقلقشندي ـ 92/14 ـ 95.

(27) تسحب: ترفع عن الخضوع للملك بمغادرة مملكته إلى مملكة الطرف الآخر.

(28) صبح الأعشى للقلقشندي ـ 42/4 و 48وقد يكون رد اللاجئ إلزامياً ولكن بعد إعطائه الأمان مثل معاهدة أبرمت سنة 682هـ بين السلطان الملك المنصور "قلاوون" الصالحي صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية وولده الملك الصالح "علي" ولي عهده وبين حكام الفرنج بعكا وما معها من بلاد سواحل الشام، كان مما ورد فيها:

" ... إنه متى هرب أحد ـ كائنا من كان من بلاد السلطان وولده إلى عكا والبلاد الساحلية المعينة في هذه الهدنة، وقصد الدخول في دين النصرانية وتنصر بإرادته يرد جميع ما يروح معه ويبقى عرياناً، وإن كان ما يقصد الدخول في دين النصرانية ولا تنصر، رد إلى أبوابهما العالية بجميع ما يروح معه بشفاعة ثقة بعد أن يعطى الأمان. وكذلك إذا حضر أحد من عكا والبلاد الساحلية الداخلة في هذه الهدنة، وقصد الدخول في دين الإسلام وأسلم بإرادته يرد جميع ما معه ويبقى عرياناً، وإن كان ما يقصد الدخول في دين الإسلام ولا يسلم، يرد إلى الحكام بعكا والمقدمين بجميع ما يروح معه بشفاعة بعد أن يعطى له الأمان " ـ نفس المرجع ص 51 و56.

وأضافت هذه المعاهدة أمراً ربما لا نظير له وهو الإرجاع الإجباري للمواطنين الذين استقروا في البلد الآخر بصرف النظر عن عقيدتهم. فقد ورد فيها:

" ... ينادى في البلاد الإسلامية والبلاد الفرنجية الداخلة في هذه الهدنة: أنه من كان من فلاحي بلاد المسلمين يعود إلى بلاد المسلمين مسلماً كان أو نصرانياً، وكذلك من كان من فلاحي بلاد الفرنج مسلماً كان أو نصرانياً، معروفاً قرارياً من الجهتين. ومن لم يعد بعد المناداة يطرد من الجهتين، ولا يمكن فلاحو بلاد المسلمين من المقام في بلاد الفرنج المنعقدة عليها هذه الهدنة، ولا فلاحو بلاد الفرنج من المقام في بلاد المسلمين التي انعقدت عليها هذه الهدنة، ويكون عود الفلاح من الجهة إلى الجهة الأخرى بأمان ".

(29)الوثائق السياسية والإدارية في الأندلس وشمال إفريقيا، د. محمد ماهر حمادة، ص465 و466.

 

   

منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1430هـ/2009م

Untitled Document