|
|
||||||||||||||||
|
||||||||||||||||
|
|
توافق مقاصد الشريعة الإسلامية مع مقتضيات التشريعات الدولية الخاصة باللاجئيند. أحمد الخمليشي |
||
![]() |
مقدمة نقدية:الداعي إلى هذه المقدمة هو ما جاء في "ورقة معلومات" المرفقة بالرسالة المتضمنة لطلب إعداد هذه الدراسة الوارد من المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكوـ، وهو أن " ثمة شبهة مغرضة تروج في بعض الدوائر الغربية، تقوم على الادعاء بأن ما جاء به الإسلام يتعارض مع المواثيق الدولية في مجال الحقوق وكفالة الحريات للأفراد والجماعات، وتقوم بعض المؤسسات الإعلامية والهيئات السياسية في الغرب، بوصم الإسلام بانتهاكه لحقوق الإنسان فـي إطار حملات الإساءة إلى الإسلام، والنيل من عقيدته وثقافته وحضارته ". " وغني عن البيان أن الإسلام أقر مبادئ حقوق الإنسان منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، انطلاقاً من اعتراف الشريعة الإسلامية بالمساواة التامة بين كل البشر، ولإقرارها بوحدة الأصل الإنساني ". مضمون هذه الفقرة يدعو بإلحاح إلى السؤال التالي: ألا نتحمل نحن المسلمين القسط الأكبر من المسؤولية عن هذه الهجمة التي تتعرض لها شريعة الإسلام؟. أزعـم أننـا نتحمّل فـعلاً هذا القـسط الأوفر من المسؤولية، وفي مقدمة مؤيدات ذلك: ـ غياب "تحيين" الفقه الذي يصوغ "أحكام الشريعة". غياب الضبط للمرجعية المؤهلة لصياغة "أحكام الشريعة".
أولاً : غياب تحيين الفقه اتسعت كثيراً وتطورت مجالات تنظيم المجتمع، سواء بالنسبة لعلاقات أفراده، أو بالنسبة لعلاقاته بالمجتمعات الأخرى، وجزء مهم من قواعد هذا التنظيم يمس "حقوق الإنسان" التي يساء إلى الإسلام باتهامه بانتهاكها، والتي منها حقوق اللاجئين المدرجة في خطة عمل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة. وبالرجوع إلى مضمون التعليم الإسلامي الذي تلقن فيه "أحكام الشريعة" ـ نجده : ـ يقدم جزءاً من تلك الحقوق بالتصور الذي صاغه السابقون مسايرة لأوضاع اجتماعية وثقافية كانت متحكمة في الواقع الذي يعيشونه. ومن أمثلة ذلك "حقوق" العبيد، وأهل الذمة، والأسرى، والحقوق السياسية والاجتماعية للمواطن ...إلخ. ـ لا يهتم نهائياً بالجزء الآخر الذي نتج عن اتساع الأفق المعرفي، وتطور فلسفة الاجتماع والتعايش بين بني الإنسان. ويشمل هذا طائفة الحقوق السياسية والمدنية التي لم يعن بمناقشتها من قبل. ولإثبات صدق ما قلناه، نرجع إلى (إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام)(1). فمن ناحية أورد هذا الإعلان أحكاماً ما يزال الفقه يحتفظ بالاجتهاد الموروث بشأنها: مثلاً نصت م.3 على حقوق الأسرى، والكل يعلم الخيارات الخمسة التي يمنحها الفقه للإمام إزاء الأسرى. وبالرغم من أن هذا الاجتهاد مخالف للآية التي تحصر الحكم في المن، والفداء (الذي حل محله اليوم تعويضات الحرب)، فإن مؤسسات التعليم ما تزال تلقنه باسم أحكام الشريعة. ـ والمادة9 التي تقول إن التعليم واجب على المجتمع والدولة وعليها تأمين سبله ووسائله وضمان تنوعه. بينما المقدم للمتعلمين في أصول الفقه، أن التعلم لجميع المعارف من فروض الكفاية على الأفراد، إذا قام به البعض سقط الواجب عن الباقي، وإذا تركه الجميع أثموا كلهم واستحقوا العقاب في الآخرة. ولا وجود في أصول الفقه لوجوب تعليم الفرد على الدولة، فبالأحرى الوسائل العملية لتنفيذ هذا الواجب. ـ ومثل ذلك ما جاء في م. 13 و م.17 من كفالة الدولة لحقوق العمال بجميع الضمانات الاجتماعية، والرعاية الصحية والاجتماعية وكفاية الفرد وذويه من المأكل والملبس والمسكن والتعليم والعلاج وسائر الحاجات الأساس، بينما الفقه يخضع عقد العمل بصورة مطلقة لإرادة الطرفين بدءاً من تحديد الأجر وساعات العمل إلى شروط العقد وإنهائه. وبالنسبة لتوفير حاجات الفرد، فإن كل ما يقوله الفقه هو أن ما يوجد في بيت المال يوزع على المحتاجين حتى كفايتهم، وإذا بقي فضل وزع حتى على الأغنياء. لكن موارد بيت المال محصورة في ما يؤخذ من "الكفار" بحرب أو بغير حرب (الغنائم والفيء)، والمسلم لا يجب عليه أداء شيء لبيت المال، وأن الشريعة لم تفرض عليه إلا الزكاة التي توزع على مستحقيها المنصوص عليهم في القرآن، ولا تدخل في موارد بيت المال التي يختص ولي الأمر وحده بإنفاقها حسبما يراه من مصالح المسلمين (2). وقد كانت هذه الثغرة القاتلة (دولة بدون موارد بعد انقطاع الغنائم والفيء) السبب الأساس لعدم تطور الفكر والنظام السياسيين(3) . بل كانت معول الهدم للتلاحم بين المجتمع والسلطة السياسية(4). والفقه لم يسجل عليه فقط العجز عن مناقشة موارد بيت المال وتمويل مرافق المجتمع وحاجاته بعد انقطاع الغنائم والفيء، وإنما قاوم مبادرات جاءت من السلطة السياسية. لقد أورد (إعلان القاهرة) حقوقاً بالصيغة المدونة في الفقه، فبدت قاصرة عن الصورة التي تمارس بها اليوم تلك الحقوق، ونكتفي بمثلين : الأول : ما نصت عليه م.3 من عدم جواز "قتل مَنْ لا مشاركة لهم في القتال كالشيخ والمرأة والطفل ". فالمنع اقتصر على عملية القتل دون الاعتداءات الجسدية وكل الأعمال المهينة، وعلى قتل العاجزين عن القتال من شيوخ ونساء وأطفال ومن في حكمهم. والفقه كان يقول بهذا: ـ لأن قتل النساء المسالمات والأطفال الصغار، هو الذي كان مستهجناً، ولم يكن لإثارة معاملتهم "معاملة إنسانية" مجال، ما دامت أخلاقيات الحرب تجعلهم "عبيداً" و"غنيمة" توزع على الغالبين بالحصص المفصلة في مكانها. ـ ولأن الرجال غير الشيوخ الفانين، لم يكن يتصور اعتبارهم "غير محاربين" وفقاً لطبيعة وأعراف الحروب القديمة. والآن تغيرت مفاهيم كثيرة في الموضوع، لذا نجد م.3 من اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (12 غشت 1949)، تفرض على أطراف النزاع المسلح: أن تعامل في جميع الأحوال "معاملة إنسانية" الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزين عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، وأن تبقى محظورة في جميع الأوقات والأماكن، أفعال الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وعلى الكرامة الشخصية، والمعاملة المهينة والحاطَّة للكرامة. المثال الثاني : ما جاء في م.8 من حق كل إنسان في التمتع بالأهلية الشرعية من حيث الإلزام والالتزام، وهو ما يعني قصر الأهلية على إبرام العقود والتصرفات القانونية. والحال أن الأهلية التي يتمتع بها الفرد اليوم تشمل حق ممارسة جميع الحقوق المدنية والسياسية التي في مقدمتها المشاركة في اختيار السلطة السياسية عن طريق ممارسة حقوق الانتخاب والترشيح، والمعارضة في إطار القانون بدل الاكتفاء بما نصت عليه م.23 من اعتبار الولاية أمانة يحرم الاستبداد فيها. فالولاية أو السلطة في مختلف صورها، تجاوزت الحيز الأخلاقي وقيم الضمير الشخصي، وأصبحت في مقدمة المجالات التي ينظمها القانون لصالح حقوق الفرد وتنظيم واجباته كذلك. لعل في الأمثلة التي أثرناها كفاية لتأكيد الحاجة إلى تحيين التفسير الفقهي للنصوص الدينية لاستنباط " أحكام الشريعة الإسلامية " التي يأمر (إعلان القاهرة لحقوق الإنسان) في م.24 و25 بالاحتكام إليها. وليس الهدف من التفسير الجديد للنصوص، مسايرة مفهوم وتطبيقات "حقوق الإنسان" في تفاصيلها لدى الآخرين، فهذا ينافي الإيمان برسالة السماء التي تهدي إلى الصراط المستقيم، وإنما مجرد ربط التفسير بحقائق الواقع المعيش، أو بعبارة أخرى، تطبيق مبدأ أصول الفقه الذي يفرض مراعاة مآل الحكم في التطبيق وحياة الناس. فالكثير من الأحكام الجزئية المدونة في الفقه، كانت متأثرة بأوضاع وثقافة المرحلة الزمنية التي صدرت فيها(5). وإضافة إلى الأمثلة السابقة، سنرى أخرى في موضوع اللجوء الذي كانت تحكمه قيم الشجاعة وتقاليد العشيرة والقبيلة والعقيدة الدينية، وكل ذلك اختفى اليوم، وأصبح اللجوء خاضعاً لما يسمى بالمبادئ الإنسانية في ظل المصالح السياسية للدول وميزان قوتها.
ثانياً : غياب الضبط للمرجعية المؤهلة لصياغة "أحكام الشريعة" : هذه ثغرة أخرى أكبر من سابقتها، لذلك تبدو معالجتها أكثر إلحاحاً، سيما بعد أن أصبحنا نقرأ ونسمع فتاوى متناقضة أو شاذة باسم الإسلام واستشهاداً بآيات من كتاب الله أو أحاديث رويت عن رسول الله ص. مما لا جدال فيه أن تنظيم المجتمع، وعلاقات أفراده وعلاقات المسلمين بالآخر: ـ تناولت الشريعة جزءاً منه بنصوص عامة، أو بنصوص خاصة، وهذه الأخيرة في أغلبيتها المطلقة تحتمل أكثر من تفسير، ومنها ما تعددت بحكم اختلاف ملابسات الواقع وقت نزول النص (العلاقة بغير المسلمين مثلاً) ومنها ما اختلف في صحة وروده (أخبار آحاد) . ـ والجزء الآخر (وهو الأكبر اليوم في حياة الإنسان) يرجع فيه إلى قيم الشريعة ومبادئها الكلية مثل تحقيق العدل، ورفع الظلم، وجلب المصالح، ودرء المفاسد. في هذه الحالات جميعاً، من البدهي أن تنتهي التفسيرات الفردية إلى الاختلاف. السابقون عالجوا الموضوع بالالتزام بالمذهب، ثم بالتقيد بالراجح أو المشهور في حالات الاختلاف داخل المذهب الواحد. ربما كانت هذه الوسيلة كافية في ظل واقع يتسم بحياة شبه انعزالية قليلة التواصل محدودة العلاقات المطلوب تنظيمها، فضلاً عن اقتصار الفقه على مناقشة العلاقات بين الأفراد وسلوكهم وترك مجالات تنظيم المجتمع والشؤون العامة بعيدة عن اهتمامه وتنظيراتـه الفكريـة، واليوم يعــيش العالم الإسلامي أزمة حقـيقية تتمثل: ـ في كثرة المفتين والفتاوى إلى حد التناقض وطعن كل مفت في "شرعية" الفتوى المخالفة، وأحياناً حتى في عقيدة مصدرها. وساعد على ذلك كثرة الآراء المدونة عن السابقين. ـ وفي نطق الفتاوى باسم الدين واعتبار كل ما تصدره مؤسسات الدولة من تشريعات "قانوناً وضعياً" أجنبياً عن الشريعة منتهكاً لأحكامها، إن لم يكن هو الطاغوت الذي أمر القرآن بالكفر به. في عدد من الدول الإسلامية يعين أحد العلماء "مفتياً"، كما توجد مجالس وهيئات رسمية للإفتاء، ومنها مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. لكن كل ذلك لم يغير من الأمر شيئاً: فالفتاوى (الحرة) زادت عدداً وتناقضاً، والمفتون الرسميون (أفراداً أو هيئات) لا تكتسي فتاويهم صفة الحكم الملزم، فضلاً عن كونها لا تتناول إلا قضايا محدودة ومعزولة، و"القانون الوضعي" زاد التشهير بمخالفته لأحكام الشريعة ونصوصها. لا ينكر أحد وجود خلفيات تاريخية وثقافية، وعقدية، لما يكتب عن الإسلام بلغة الطعن، والاستهزاء أحياناً، وكذلك أهداف سياسية واقتصادية تدفع إلى اتخاذ المواقف والقرارات المجحفة بعدد من الأقطار الإسلامية والعالم الإسلامي عموماً. ولكن يجب أن ننتبه كذلك إلى أن مما يساعد على ذلك نشر فتاوى بكل وسائل التواصل الحديثة: تبيح سرقة أموال الكفار، ومعاملتهم بالجفاء والحذر، والابتعاد عن جوارهم "أنا بريء من كل مسلم ساكن بين المشركين. والمؤمن والكافر لا تتراءى نارهما"، وتقسم الكرة الأرضية إلى دار إسلام ودار حرب، وكل ساكن في دار الإسلام من غير المسلمين فهو "ذمي" ، والداخل من غير المسلمين إلى دار الإسلام بلا عهد أو أمان سابق فدمه هدر، وأن واجب المسلمين هو "الجهاد" ضد الكفار وإقامة دولة إسلامية تشمل كل القارات وشعوب الأرض ... الخ(6). مثل هذه الفتاوى وأخرى تتناول موضوعات عادية بأحكام متناقضة(7)، يفرض وقفة تأملية عميقة لمراجعة مبدأ الفتوى الفردية باسم الدين. وذلك بالتمييز بين الرأي الاجتهادي للفرد الذي يبقى رأياً شخصياً في تفسير النص الشرعي، وبين الحكم الشرعي الملزم للمجتمع في تنظيم نفسه وعلاقات أفراده. نحن إذن في حاجة إلى الانتقال من ثقافة التقرير للأحكام الشرعية بالاجتهاد الفردي، إلى تأسيس ثقافة جديدة يتم فيها هذا التقرير بنظام مؤسسي. الانتقال من ثقافة الاجتهاد الفردي إلى التقرير بنظام مؤسسي: لا يلغي النظام الجديد الاجتهاد الفردي ولا ينافيه، وإنما على العكس ينطلق في كل ما يقرره من الاجتهادات الفردية والمقارنة بينها وترجيح ما يبدو منها أقرب إلى الحق والصواب. والتقرير المؤسسي يجنّب المجتمَع الإسلاميَّ فوضى الفتاوى المتجلية في التناقض والشذوذ في الرأي، كما يحميه من الآثار السلبية لمقولتي "الأحكام الشرعية" و"القانون الوضعي". والمؤسسة أو المؤسسات التي يعهد إليها بصلاحية التقرير، يبقى تحديدها وتنظيمها مرتبطين بظروف كل دولة، على أن عنصري التمثيل ومساهمة المواطن في اختيار المنتدبين له، لا يبدو الاستغناء عنهما ممكناً في ظل المركز المعترف به للفرد في النظامين السياسي والاجتماعي المعاصرين. إن الانتقال الذي أثرناه ليس سهلاً بحكم الثقافة المتمكنة من الذاكرة الفردية والجماعية. ولكنه ليس مستحيلاً، وهو في الوقت نفسه ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه. لماذا ليس مستحيلاً؟ 1. إن معرفة أحكام الشريعة والعمل بها يقومان على مبدأ التكليف الشخصي للفرد.{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا،ً من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}(8). 2. إضفاء صفة "الحكم الشرعي" الملزم على رأي فرد لم يقرره نص شرعي آمر، فلا وجود لنص يلزم الأمة باتباع رأي اجتهادي أبداه هذا الفرد أو ذاك، وإنما الذي يبدو الجزم به مؤكداً هو أن الإسلام أمر بالتعاون في فهم نصوصه والاستعانة في ذلك بمن هم أكثر دراية بها وهم الذين نعبر عنهم اليوم بمصطلح "المتخصصون"، وترك أمر التنظيم الفعلي للموضوع موكولاً إلى المسلمين حسب ظروف الزمان والمكان. 3. مما يؤيد أن الالتزام بالتفسير الفردي أو الجماعي لنصوص الدين، أمر اتفاقي وعرفي ـ ما نجده لدى الكنيسة المسيحية التي سنت طريقة محددة للإفتاء أو التقرير المؤسسي باسم الدين. ونتيجة لذلك لا يجرؤ رجل دين مسيحي ـ بوصفه رجل دين وعالم بأحكامه ـ على إصدار فتوى تحليل أو تحريم، أو إباحة أو فرض سلوك ما باسم المسيحية، وحتى إن حدث هذا فلا أحد يصغي إلى فتواه باعتبارها حكماً دينياً ملزماً. لماذا كان الانتقال من الأشخاص إلى المؤسسات ضرورياً؟ في مجالي العبادات والأخلاق، لا تحدث الفتاوى الفردية مشاكل اجتماعية، إلاَّ في حالات محددة، باعتبار أن التنفيذ يرجع إلى اختيار المتلقي الذي يأخذ بما يترجَّح لديه من الفتاوى المتناقضة في سلوكه الشخصي المنفصل عن سلوك الآخرين. إنما المشكل يثور في تنظيم المجتمع والعلاقات بين أفراده، أي المجالات التي ينظمها "القانون" في المجتمعات الحديثة حيث يتعذر فيها تعدد الحلول للواقعة الواحدة. وعندما يتعلق الأمر بـ"حكم الدين" ، فإن التعدد يتجاوز مشكل صعوبة التطبيق إلى إثارة تبادل الاتهام بالضلال والانحراف، وقد ينحدر الاندفاع العاطفي إلى استعمال العنف ضد الرأي المخالف، والواقع الذي نعيشه خير دليل على ذلك. تقرير الأحكام الدينية المنظمة للعلاقات الاجتماعية بآراء فردية، يؤدي حتماً إلى تعددها الذي يخلق التصادم في التطبيق، ويهدم تماسك المجتمع، ويفسد وحدته العقدية. لذلك يكون من الضروري تجاوزه إلى التقرير المؤسسي الذي يقي الأمة كل تلك المفاسد، ويحقق مصلحتها بالاستقرار والتماسك ومبدأ الشريعة الأسمى: جلب المصالح ودرء المفاسد. سيرى البعض في مضمون هذه المقدمة، خروجاً عن الموضوع، والبعض الآخر سيعتبر الدعوة إلى تحيين الفقه الإسلامي انسلاخاً من الهوية وتجنياً على التراث، والدعوة إلى تجاوز تقرير الأحكام الشرعية بالاجتهاد الفردي تنكراً لسلوك أجمعت عليه الأمة منذ القرون الأولى لنزول الرسالة إلى اليوم. والجواب باختصار أن الدعوة إلى تحيين الفقه: من ناحية أولى يفرضه وجود عدد غير قليل من الأحكام الفقهية الاجتهادية لم يعد قابلاً للتطبيق بسبب تطور فلسفة بناء المجتمع والمبادئ المؤطرة للتعايش الإنساني. وسنرى أمثلة خاصة باللجوء السياسي. ومن ناحية ثانية : التحيين لا يعني الاستبعاد الكلي للفقه الموروث والانطلاق في البناء من الصفر: فجزء غير قليل من أحكامه ما تزال صالحة للتطبيق، كما أن تعدد الآراء والاجتهادات يوفر إمكانية اختيار الرأي الملائم وإن يكن القائلون به قليلين(9). أما إثارة التمسك بالإجماع على إسناد تقرير الأحكام الشرعية إلى الاجتهاد الفردي، فلا تبدو قائمة على أساس. فالمعروف أن طائفة غير قليلة من الفقهاء ومنذ تدوين الفقه إلى اليوم، تنكر التقليد الفردي، وبالأحرى التقليد الجماعي لما يترتب عليه من التحجير على الأمة وإلغاء المفهوم الديني للتكليف. إن المناقشة الجدية ـ في اعتقادنا ـ تفرض مراعاة كون الظروف التي أنشأت الاجتهاد الفردي وأضفت صفة أحكام الشريعة على ما يتوصل إليه من آراء، غير الظروف التي نحياها والتي يتأكد معها بشكل يقيني، تعذر اعتماد الفرد لتقرير الأحكام الملزمة. فهل يتصور مثلاً إلزام المجتمع والدولة بالأحكام التي يقررها "فقيه مجتهد" لوضعية اللاجئين؟. بالتأكيد الجواب بالنفي لعدة أسباب لا داعي للإطالة بها، علماً بأن المدلين بآرائهم الاجتهادية عديدون، ويختلفون قطعاً في جزء منها على الأقل فما الحل؟. الجواب عن هذا السؤال خارج عن الموضوع الذي نعالجه، ونكتفي بالإشارة إليه باختصار في الفقرة الثالثة الآتية. بعد هذا التقديم النقدي، يثور سؤال هو: لماذا جاء في العنوان : المقارنة بين مقاصد الشريعة الإسلامية وبين التشريعات الدولية الخاصة باللاجئين، عوض المقارنة بين هذه التشريعات وبين الأحكام الفقهية في الموضوع؟. الجواب يشرحه الأمران الآتيان: الأول: إن اللجوء اليوم يختلف في عناصر جوهرية عن اللجوء عند القدماء، وهو ما يجعل عدداً من الأحكام الفقهية التي صدرت قبل قرون غير قابلة للتطبيق. الثاني: إن أوضاع اللجوء ذات طبيعة متجددة، وهو ما يفرض ربط أحكامها بمقاصد الشريعة، لأنها لا تتأثر بالزمان والمكان، لأنه قد تتغير ملابسات الجزئيات التي تنطبق عليها فيتغير حكم الجزئية دون المعنى السامي للمقصد الذي يبقى ما دامت على الأرض حياة. لذلك نتناول الموضوع في ثلاث فقرات : ـ اللجوء بين واقعَيْه القديم والحديث. ـ الطبيعة المتجددة لأحكام اللجوء. ـ مقارنة واستنتاج. ـــــــــــــــ (1) الصادر عن المؤتمر الإسلامي التاسع عشر لوزراء الخارجية ـ القاهرة، 5 أغسطس 1990م. (2) نقرأ الكثير من الفتاوى التي تجيز لولي الأمر في حالة فراغ بيت المال، أن يأخذ من الأغنياء "ذعيرة" أو "مؤونة" لصالح بيت المال. لكن هذه الفتاوى آنية وقاصرة على "تمويل الجهاد" أو الاستعداد له، ولم نعثر على فتوى واحدة أثارت فكرة إلزام المسلم (المواطن) بالمساهمة في أداء دائم تتكون منه المالية العامة التي ترصد لبناء مؤسسات التعليم والمستشفيات والطرق وغير ذلك من المرافق والحاجات الضرورية للمجتمع واستقراره وتقدمه. (3) ويؤكد ذلك أن تطور الفكر والنظام السياسيين لدى الآخرين، انطلق من فكرة إلزام المواطن بأداء الضريبة المقترنة بمبدأ: من يدفع يراقب. (4) فانعدام الموارد ألجأ الحكام إلى فرض الأداء العشوائي الذي كان قاطرة لكثير من المفاسد: رشوة، وساطة، استغلال نفوذ، غش وخيانة أمانة، تجاوزات، انتهاك الأعراض والحريات. وفي أحيان غير قليلة الضرب والتعذيب والقتل ... . كل هذا طبع العلاقة بين "ولي الأمر" و"الرعية" بالحذر وعدم الثقة والاتهام المتبادل ... وهو ما نزال نعيش بعض آثاره إلى الآن، وفي مقدمتها: تجريد أداء الضرائب من صفة الواجب الديني والوطني واعتباره "غرامة" غير عادلة مفروضة بقوة السلطة، وبالتالي فإن التهرب من الأداء لا يمس بقيم الدين ولا بأخلاق الوطنية حسب الاعتقاد السائد في بعض الأوساط. (5) من ذلك مما يتصل بالموضوع الذي نحن بصدده، الرأي الذي يقول: ـ إن الكافر (غير المسلم) إذا دخل أرض الإسلام قبل الحصول على الأمان، كان دمه هدراًً وهو فيء للمسلمين ولو دخل مضطراً كأن جنحت به سفينة. وإن سرقة مال غير المسلم داخل في الغنيمة التي هي:" ما أخذ على وجه الغلبة ويجري مجراه ما أخذ على وجه السرقة والاختلاس ". وقد قرأنا وسمعنا فتاوى بهذه الآراء تنشر في أكثر من مكان. (6) صحيح أن هذا من الأفكار الشاذة التي توجد لدى المسلمين ولدى غيرهم، فهناك من دعا إلى قصف مكة والمدينة بالأسلحة النووية، ومن ينفق الملايير في مشارق الأرض ومغاربها لزحزحة الناس عن عقائدهم وتغييرها بهدف تحقيق "مملكة المسيح" العالمية. ولكن ما يهمنا هو السعي بإلحاح إلى إصلاح أخطائنا، وليس الاتكاء على أخطاء الآخرين والانشغال بها. والفتاوى التي أشرنا إليها وأمثالها، لا تعبر عن حكم الإسلام، ولا عن رأي المسلمين في الموضوعات التي تناولتها، ولكن "فوضى" الإفتاء، وتقديمها باسم الإسلام ممن ينتحل صفة من تؤهلهم ثقافة المجتمع للإفتاء (العلماء)، ييسران قبولها من طائفة المريدين والأتباع، وكفى دليلاً على ذلك الواقع المشاهد. (7) العيب ليس في الاختلاف الناتج عنه تناقض الرأيين في حكم الواقعة الواحدة، وإنما العيب في إضفاء وصف "حكم الله" أو "حكم الشريعة" على رأي المفتي، وهذا ما ينبغي إعادة النظر فيه. (8) سورة الإسراء، آيات (15-13). (9) مثلا الرأي السائد في الفقه يقول بأن شمول رسالة الإسلام للإنسانية كلها، يفرض على المسلمين تبليغ دعوته إلى جميع من على الأرض من غير المسلمين، مع تخييرهم بين الدخول في الإسلام وبين الاستسلام وأداء الجزية، فإن لم يستجيبوا لأي من العرضين، وجب على المسلمين قتالهم عن طريق الجهاد الذي هو من الفروض الأساسية الواجبة على المسلمين. ولكن إلى جانب هذا الرأي السائد، هنالك رأي آخر يقول إن فرض الجهاد أي قتال الكفار لإدخالهم إلى الإسلام انتهى وجوبه بفتح مكة. أي إنه بعد الفتح لم يبق إلا الدعوة بالحسنى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }. وممن يقول بهذا الرأي: الفقيه عبد الله بن الحسن ـ بداية المجتهد لابن رشد ـ (1/368) والفقيه سحنون (القوانين الفقهية لابن جزي، ص (106).
|
|
منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1430هـ/2009م |
|
| جميع الحقوق محفوظة للإيسيسكو 2000 - 2012 |