توافق مقاصد الشريعة الإسلامية مع مقتضيات التشريعات الدولية الخاصة باللاجئيند. أحمد الخمليشي |
||
![]() |
تقديملم تترك الشريعة الإسلامية أمراً من الأمور الحياتية، إلاَّ ورسمت له ضوابط وحدت له حدوداً. وغاية الشريعة الغراء التي جاء بها القرآن الكريم وبينتها السنة النبوية الشريفة، تدور أحكامها على مراعاة المقاصد الثلاثة، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات ومكمّلات كل منها. ومن بين ما تناولته الشريعة السمحة قضية اللجوء واللاجئين. ولعل أول حدث صَاحَبَ ظهورَ الدين الحنيف أمر النبي عليه الصلاة والسلام، لأتباعه من قريش بالهجرة إلى الحبشة، حيث يعد هذا الحدث أول لجوء لما يزيد على ثمانين نفراً من أصحاب الدعوة الجديدة إلى أرض الحبشة، فراراً بدينهم وخوفاً من اضطهاد قومهم لهم. و يمكن اعتبار حالات الإجارة التي تحدثت عنها كتب السيرة، نوعاً من اللجوء. فهذا المطعم بن عدي يجير رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب. وقد تحدث القرآن الكريم عن الإجارة لدى قوله تعالى{ وإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ}(1). ومعنى الإجارة هو تعهد المجير وإعلانه على الملأ، أن المستجير تحت رعايته. لكن علينا الحذر من الخلط بين مفهوم اللجوء ومفهوم الإجارة، لأن المسافة بينهما قائمة المعنى والدلالة من حيث إن موطن المستــجير أو اللاجىء مخـــتلـف في كـلتا الحالتـين. كــما أن الآية الكريمة تشير إلى إجارة المشرك بعد انسلاخ الأشهر الحرم. أما اللجوء، فإنه يؤسس هذا الحق على الكرامة الإنسانية، بغض النظر عن عقيدة المستجير وديانته. والمثال الثالث على اللجوء نستقيه من بنود عقد بيعة العقبة الثانية والثالثة اللتين نصتا بالقول على : "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم." كما يمكن اعتبار عقود الأمان أو الصلح نوعاً من أنواع تدبير اللجوء. وهذه نماذج فقط من اهتمام الشريعة الإسلامية باللجوء، مع الفارق البين في الغاية والأحكام، ولكنها محطات رئيسة إلى تنبُّه الشريعة الإسلامية لمثل هذه القضية. ومع تطور المجتمعات الإنسانية، وتفاعل الإنسان مع حركة التاريخ والكون، ظهرت تشريعات دولية ساهمت في تأصيل قانون الحروب، قبل قيام تلك الحروب وأثناءها وبعدها وما ينتج عنها من نتائج. ومن بين ذلك وفود اللاجئين على دول غير دولها الأصلية، سواء لأسباب إنسانية أو اقتصادية أو سياسية. ومواكبة لهذه الحركية التاريخية، واستجابة للمتطلبات الجديدة بالإنزال الفقهي على الوقائع، كان لابد من تبيّن مدى توافق مقاصد الشريعة الإسلامية مع التشريعات الدولية الخاصة باللاجئين، في وقت يعاني العالم الإسلامي من هذه الظاهرة بشكل كبير؛ إذ توجد فيه أعداد كثيرة من اللاجئين الهاربين من الحروب أو الاضطهاد أو غير ذلك من الأسباب. كما أن لهذا الموضوع علاقة بهجرة ولجوء أعداد كبيرة من المسلمين إلى الغرب، وضرورة إيجاد حلول لمشاكلهم في ضوء الشريعة الإسلامية والقوانين الدولية، ومن خلال فقـه إسلامي معاصر يراعي الزمان والمكان والعـرف والحال، والــــذي بدأت معالمه في الظهـــور تحت عنــوان " فقه الأقليات". وكان الهدف من هذه الدراسة منصباً على تبيّن التوافق بين مقاصد الشريعة، وليس على أحكامها، لسبب وجيه، مفاده أن الأحكام تدور مع العلة وجوداً وعدماً، حسب القاعدة الشهيرة، وإذا لم تكن هناك حاجة إلى حكم شرعي في وقت معين ولظاهرة معينة، فليس معنى ذلك أن الشريعة قد أهملته. لذا وجب ربط الأحكام والظواهر الطارئة مع مقاصد الشريعة التي تُعنى بالفعل الإنساني متدرجة في ذلك من الضروريات الخمس إلى الحاجيات والتحسينات. وتأتي هذه الدراسة نتيجة استشعار الخصاص الواضح في هذا الموضوع، مما تنبهت له المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ وحرصت على إعداد هذه الدراسة التي ستسدّ بحول الله، هذه الثغرة وتحفز الدارسين والفقهاء للاهتمام بهذا الموضوع وإيلائه ما يستحق من العناية. وسعياً إلى استشراف المستقبل وربط الماضي بالحاضر، وحرصاً منها على توفير وثائق مرجعية حول قضايا اللاجئين ومدى ملاءمة التشريعات الدولية مع مقاصد الشريعة، يسر المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة أن تصدر هذه الدراسة القيمة لأحد العلماء المتميزين ممن لهم قدم راسخة في الشريعة الإسلامية والقانون، هو الأستاذ الدكتور أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحَسَنية للدراسات الإسلامية العليا في الرباط، راجية من المولى عز وجل أن يعم النفع بها. والله ولي التوفيق.
الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ــ إيسيسكو ــ ـــــــــــــــ (1) سورة التوبة، الآية 6.
|
|
منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1430هـ/2009م |
|
أعلى الصفحة |
| جميع الحقوق محفوظة للإيسيسكو 2010 | |