|
|
||||||||||||||||
|
||||||||||||||||
|
|
الإرهاب أبعاده وآفاق مخاطره وآليات معالجتهوقائع المؤتمرتونس: 15-17 نوفمبر 2007 |
||
![]() |
خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي
معالي السيد Ban Ki-moon، الأمين العام للأمم المتحدة معالي السيد أكمل الدين إحسان أوغلي، الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي معالي الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة معالي الدكتور المنجي بوسنينة المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أصحاب السعادة والفضيلة ضيوف تونس الكرام حضرات السادة والسيدات أفتتح المؤتمر الدولي حول ''الإرهاب: الأبعاد والمخاطر وآليات المعالجة''، مرحبا بالسيد Ban Ki-moon، الأمين العام للأمم المتحدة وبممثلي المنظمات الأممية والدولية والإقليمية والعربية المختصة، وبسائر الخبراء والمفكرين والباحثين والجامعيين من البلدان الشقيقة والصديقة، الذين نعتز بمشاركتهم في هذا المؤتمر، ونرجو لهم إقامة طيبة ببلادنا؛ فتونس كانت وما تزال ملتقى الثقافات والحضارات، وجسراً مفتوحاً على العالم للتواصل والحوار حول كل ما يخدم التقارب والتفاهم بين الأفراد والطوائف والشعوب والدول. وإذ أشكر السادة Ban Ki-moon، الأمين العام للأمم المتحدة، وأكمل الدين إحسان أوغلي، الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعبد العزيز التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، على كلماتهم اللطيفة ومشاعرهم النبيلة نحو تونس وشعبها، فإني أنوه بهذه المناسبة بدور منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية المختصة، وفي مقدمتها : الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ـ اليونسكوـ، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ الإيسيسكوـ، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ الألكسوـ ، في سعيها الحثيث إلى تكريس الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان، وإشاعة القيم الكونية المشتركة بين الأمم. ونحن نعتبر انعقاد هذا المؤتمر ببلادنا، تجسيما لحرصنا جميعا على دعم كل المبادرات الإقليمية والدولية التي تعمل على إحلال الأمان والسلام في العالم. حضرات السادة والسيدات إن تفاقم الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية بين دول الشمال ودول الجنوب، واتساع رقعة التوترات والنزاعات في العالم، وعدم إيجاد حلول مشتركة ومنصفة للقضايا الدولية العالقة، علاوة على ازدواجية المعايير في العامل مع هذه القضايا، لمما يؤكد جليا، أن عالمنا اليوم ليس على ما يرام، وأن العلاقات الدولية في وضع يبعث على الانشغال وعدم الاطمئنان. والمتأمل فيما يقع شرقا وغربا من حوادث تصدم الضمير الإنساني بعنفها وبشاعتها سرعان ما يدرك خطورة ما وصل إليه تنامي الكراهية والعداوة بين البشر. ذلك أن مشاعر الخوف والحذر التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001، قد دفعت بالعلاقات القائمة بين المجتمعات العربية والإسلامية والمجتمعات الأوروبية والأمريكية، إلى وضع يسوده الشك وسوء الفهم. واستغل المتطرفون من الجانبين هذه الأوضاع، لإثارة الأحقاد وتأجيج الفتن. فقامت الأصولية الغربية بتكريس كره الأجانب، والتنظير لصراع الثقافات وصدام الحضارات، وأوغلت الأصولية الإسلامية في الرجعية والتطرف، لتتصرف باسم الإسلام وهو منها براء، ولتفرض اتجاهاتها الفكرية والعقائدية بالعنف والإرهاب. إن الإرهاب سلوك عدواني مناف لكل المعايير الأخلاقية والدينية والاجتماعية والحضارية. وهو انتهاك سافر لسيادة الدول ولميثاق الأمم المتحدة ولجميع العهود والمواثيق الدولية. كما أنه ظاهرة مرضية لازمت تاريخ البشرية منذ القديم، لم يسلم منها مجتمع ولا حضارة، كما لم يختص بها دين بعينه ولم يعرف بها بلد دون غيره. وقد تحول الإرهاب في العصر الحديث إلى آفة عابرة للقارات، تربك العلاقات الدولية وتهدد الأمن والاستقرار في العالم. لذلك شرعت المجموعة الدولية خلال المدة الأخيرة في العمل على توحيد جهودها لمكافحة الإرهاب، واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع حدوثه وانتشاره. ونحن نعتقد أن تحقيق هذه الغاية، يتوقف إلى حد بعيد على الأساليب التي نتوخاها في مكافحة الإرهاب، وأبرزها: أن لا نقابل العنف بالعنف، وأن لا نعتمد كليا على الحلول الأمنية التي تبقى ضرورية لكنها غير كافية، وأن لا نتهاون بسدّ الذرائع التي تتخذ منها الجماعات الإرهابية سببا لمواصلة الترويج لخطابها التحريضي، وتعبئة النفوس على ردود الفعل المتطرفة. إن أنجع علاج في نظرنا، هو العلاج الوقائي الذي يبدأ بالقضاء على الأسباب الدافعة إلى ظهور الإرهاب والظروف المهيئة لانتشاره، بالاعتماد أساسا على تطوير حياة الإنسان اليومية نحو الأفضل، وذلك بنشر التعليم والثقافة، والنهوض بأوضاع المرأة والشباب، وتكريس حقوق الإنسان، وتوسيع مجالات الاستشارة والمشاركة، ومكافحة الفقر، وإشاعة التنمية الشاملة المستديمة بين كل الفئات والجهات. وقد بينت الأحداث، أن الإنسان الذي يفتقر إلى أبسط مرافق العيش، ويعاني الجهل والخصاصة والعزلة والتهميش، ويحاصره الشك والفراغ والإهمال والقهر، هو الذي يسقط غالبا فريسة سهلة للتطرف والعمل الإرهابي. لذلك اعتبرنا منذ الأيام الأولى من تحول السابع من نوفمبر 1987، أن صلاح شؤون وطننا يتوقف على صلاح أوضاعه التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وإزالة مظاهر الحرمان والخلل التي ينجر عنها شعور بالظلم والحيف ونزوع إلى الإحباط واليأس. فاعتمدنا منذ البداية خطة وطنية طموحة للإصلاح والتطوير والتأهيل والتحديث تربط بين التقدم الاقتصادي والرقي الاجتماعي في سائر قطاعات التنمية، وتهيئ لشعبنا مقومات العزة والكرامة. لقد بادرنا بوضع قطاع التربية والتكوين في مقدمة اختياراتنا الوطنية، وجعلنا من التعليم حقا مشروعاً لجميع التونسيين والتونسيات، وأقررنا إجباريته ومجانيته. وأقمنا أسسه على ثوابتنا الثقافية والحضارية والدينية، وعلى أنبل القيم الكونية. وحرصنا على أن نرسخ لدى ناشئتنا من خلال المواد التي يدرسونها الوعي بالحقوق والواجبات، وأن نعمق إدراكهم بفضائل الحوار واحترام الرأي المخالف، وأن نحفزهم إلى الاجتهاد وإعمال العقل، وإلى نبذ التعصب والعنصرية، وتوخي السلوك الحضاري، والاعتدال في المواقف وردود الفعل، واستيعاب معارف العصر وتقنياته. وأتحنا لهم الفرصة منذ مرحلة المدرسة الأساسية لحذق لغتين أجنبيتين تؤمنان لهم التواصل مع ثقافات العالم. وتندرج في هذا السياق، العناية التي أوليناها للشباب في اختياراتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فقد دأبنا على الإصغاء إليه بانتظام، لرصد مشاغله وطموحاته. وأشركناه في شؤون الحياة العامة، المحلية والجهوية والوطنية. وعمقنا الحوار معه بواسطة استشارات شبابية دورية، كما جرى سنوات 1996 و2000 و2005، حيث اعتمدنا نتائج هذه الاستشارات الثلاث في مخططاتنا التنموية. ووفرنا لشبابنا شبكات متنوعة من المراكز والنوادي والمؤسسات والمنشآت الثقافية والرياضية والترفيهية موزعة على مختلف أنحاء الجمهورية، حتى نحفظ له توازنه النفساني والاجتماعي، ونثري تكوينه التربوي، وندعم علاقاته بمحيطه. وجعلنا من التشغيل أولوية مطلقة في سياستنا، نسخر لها جميع ما لدينا من إمكانيات وآليات، لكي نضمن لشبابنا المستقبل الآمن والحياة الكريمة. واعتبرنا الثقافة سنداً للمد الإصلاحي والتحديثي الذي نقوم به في مجتمعنا. وأحطنا المثقفين بالرعاية والعناية والتشجيع، بعيدا عن كل توجيه أو رقابة أو مصادرة. ورفعنا من ميزانية الثقافة لتبلغ حاليا 1 % من ميزانية الدول ولتصل إلى 5,1 %سنة 2009. وجعلنا من الثقافة شأنا وطنيا يهم سائر الأفراد والفئات والجهات، بما نهيئ به شعبنا لمواكبة مستجدات العصر ومتغيراته، ونعدّه لرفع ما يواجهه من تحديات وكسب ما يطرح عليه من رهانات. ونحن نعتز بما يتميز به مثقفونا من شعور عال بالمسؤولية المدنية بقي دائماً حياً وقاداً في نفوسهم وعقولهم، يعبرون من خلاله عن مشاغل شعبنا وطموحاته، ويدافعون عن قيمه الروحية والاجتماعية والحضارية. فأكدوا بذلك أن الحرية لا يمكن أن تكون حياداً أو استقالة، بقدر ما تكون التزاما وطنيا اختياريا يحفز المثقف إلى الاهتمام بالتحولات والتحديات التي يشهدها مجتمعه، وبالتوترات والأزمات التي تنتاب عالمه. لهذا أكبرنا موقف المثقفين التونسيين عندما هبوا في أواخر تسعينات القرن الماضي لمواجهة دعاة التطرف والعنف، بالرد عليهم، وتفنيد آرائهم، وفضح انحرافاتهم، والتنديد بما يمارسونه من إرهاب فكري ومادي. فأقاموا الدليل بهذه المواقف، على أن التصدي للتزمت والرجعية والتطرف، ليس مسؤولية الدولة وحدها، وإنما هو مسؤولية مشتركة بين سائر مكونات المجتمع المدني. ونعتقد أن تراكم المشاكل في عصرنا، وما رافقه من تطور اتصالي وتكنولوجي هائل، قد زاد في تعاظم دور المثقفين والإعلاميين، ودور الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والاتحادات المهنية، لكي يكونوا جميعا قدوة في التواصي بقيم الحرية والعدل والوفاق والتسامح داخل مجتمعاتهم، وفي إشاعة المبادئ الإنسانية المشتركة، والتصدي لمظاهر الغلو والتعصب والعنصرية. وكان رواد الإصلاح والتنوير وزعماء التحرير والتحديث ببلادنا، قد أدركوا منذ أوائل القرن الماضي، أن رقي الأمم لا يكتمل بدون النهوض بمنزلة المرأة وتطوير أوضاعها في الأسرة والمجتمع. وهو ما بادرت تونس بوضعه حيز التطبيق منذ السنة الأولى من الاستقلال، عندما أصدر الزعيم الحبيب بورقيبة ''مجلة الأحوال الشخصية'' في 13 غشت 1956، قاطعا بذلك الصلة بعهود التخلف الاجتماعي والثقافي، ومؤسسا لمرحلة وطنية جديدة تنصف المرأة وتؤكد مساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات. وقد قررنا تحول السابع من نوفمبر 1987، حماية هذه المجلة وتطويرها وإثرائها. واتخذنا في 13 غشت 1992 مجموعة من الإجراءات التي ترفع عن المرأة كل مظاهر التمييز، وتدعم تماسك الأسرة واستقرارها، إضافة إلى التنقيحات التي أدخلناها في الغرض، على المجلة الجنائية، ومجلة الشغل، ومجلة الجنسية، وارتقائنا بمبادئ مجلة الأحوال الشخصية إلى مرتبة الدستور، وذلك إيمانا منا، بأن لا تقدم لأي مجتمع بدون وجود شراكة فاعلة ودائمة بين الرجل والمرأة في كل ميادين الحياة. وأصبحت المرأة التونسية اليوم وجها ناصعا من وجوه الحداثة في تونس، إذ هي حاضرة في سائر مجالات العمل والإنتاج والنضال. وتتحمل أعلى المناصب في المؤسسات التنفيذية والتشريعية والإدارية، وتتعاطى مختلف الأنشطة التربوية والثقافية والرياضية، وتمارس شتى المهن الاقتصادية والعلمية والتقنية، وتباشر قسطها من المسؤولية داخل مكونات نسيجنا الجمعياتي. وهي تملك من الوعي وقوة الشخصية، ومن التجذر الأصيل في هويتها العربية الإسلامية، والمواكبة الرشيدة لعصرها، ما يؤهلها للمحافظة على مكاسبها، ولتكون عنصر استقرار وتوازن في مجتمعها، وحصنا حصينا أمام دعاة الردة والرجعية. ولاشك أنكم تدركون تشعب التحولات والمشاغل التي غيرت في عصرنا من دور الأب والأم في العديد من الوظائف بسبب ضغوطات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بما لم يعد يسمح لهما غالباً بتخصيص الوقت الكافي لرعاية الأبناء والإحاطة بهم. وهو ما أصبح يستدعي منا جميعاً تعميق التفكير في هذه المسألة، والبحث عن سبل التكامل الناجح بين أدوار المدرسة والأسرة ومكونات المجتمع المدني، حتى لا نترك لدعاة التطرف والعنف أي مجال لاستغلال هذا الفراغ لصالحهم. وحرصنا إلى جانب اهتمامنا بأوضاع شعبنا الاجتماعية، على الاهتمام بمنظومة حقوق الإنسان في أبعادها الشاملة لمختلف قطاعات التنمية، وكرسنا من خلالها حق كل التونسيين والتونسيات في التمتع بمرافق العيش الأساسية والحصول على أسباب الرزق والرفاه. فأنشأنا سنة 1993 ''صندوق التضامن الوطني''، وسنة 1997 ''البنك التونسي للتضامن''، وسنة 1999 ''الصندوق الوطني للتشغيل''، وذلك قصد تنويع الآليات الكفيلة بتعزيز التآلف والتضامن بين سائر المواطنين والمواطنات، وتخفيف وطأة العيش على الفقراء منهم والمحتاجين، وتوفير أكثر ما يمكن من فرص المساعدة والمساندة أمام صغار الصناعيين والحرفيين والفلاحين لتحسين أوضاعهم المهنية، وفتح المزيد من الآفاق أمام حاملي الشهادات العليا لممارسة العمل الحر وإحداث المشاريع وإيجاد مواطن الشغل. كما استهدفنا أكثر من مليون تونسي بالمرافق الحيوية والتجهيزات الضرورية وما يتبعها من أسباب الإعمار والإنماء، فأخرجناهم من العزلة والتهميش، وحولنا مناطقهم إلى أماكن يطيب فيها العيش، وألحقناهم بالحياة النشيطة، وأدمجناهم في الدورة الاقتصادية. وساعدتنا هذه المبادرة والإنجازات، على تحسين مؤشرات التنمية البشرية ببلادنا على المستويين الكمي والنوعي، من أهمها : تجاوز نسبة تمدرس الفتيان والفتيات في سن 6 سنوات 99%، وبلوغ معدل الدخل الفردي للمواطن التونسي 384,4 د في السنة، وانخفاض نسبة الفقر إلى 8,3 %، وتجاوز حجم الطبقة الوسطى نسبة 80 % وارتفاع التغطية الاجتماعية إلى ما يفوق 90 %وارتقاء مؤمل الحياة عند الولادة إلى أكثر من 74 سنة. وعملنا في نطاق ترسيخ هوية شعبنا والمحافظة على خصوصياته الثقافية والحضارية، على حماية ديننا الإسلامي من كل تحريف، وعلى نشر مبادئه السمحة وما تميزت به من حث على الاجتهاد وإعمال العقل، والتواصي بقيم الوسطية والاعتدال والتسامح، ونبذ الانغلاق والمغالاة والتعصب. ونشير في هذا السياق، إلى أن المبادئ التي جاء بها الإسلام، تشترك فيها معه الديانتان السماويتان اليهودية والمسيحية، مما يحمل القائمين على الأديان الثلاثة، مسؤولية تكريس الفضائل التي تجمع بينها، وتثبيت الحوار بين معتنقيها، في كنف الوفاق والتعايش والاحترام المتبادل. ولابد أن نؤكد في هذا المقام أيضاً، أن الجماعات الإرهابية المحسوبة على الإسلام، والتي هي بصدد إلحاق أفدح الإساءات بالإسلام والمسلمين، لا تمثل ديننا الحنيف في شيء، إذ هي ظاهرة شاذة، أفرزتها ظروف معينة في المجتمعات العربية والإسلامية، وستزول بزوال هذه الظروف. أما الدين الإسلامي، فلا علاقة له بالتطرف والعنف والإرهاب لأنه دين وسطية وسلام وحوار وتسامح. وهو ما تجسمه تجسيما قاطعا عدة آيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى : {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، ولا إكراه في الدين، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} صدق الله العظيم. هذا علاوة على ما يحتوي عليه تاريخ المسلمين من فضائل ومآثر، تبرز سماحة الإسلام، ورفعة مقاصده، وبره بالإنسان والأخوة الإنسانية. وإذ تجدد تونس بهذه المناسبة تنديدها بالخلط السائد اليوم في الغرب بين الإرهاب والإسلام، وتعبر عن أسفها لما يتعرض له المسلمون من مضايقات وحملات تشويه غير مبررة، فإنا سنمضي قدماً في تعزيز الحوار بين الشعوب والثقافات والحضارات والأديان، قصد الإسهام في الحد من سوء التفاهم ومظاهر التباعد والتباغض التي تسود العلاقات الدولية. وهو ما أصبح قاعدة ثابتة في توجهاتنا واختياراتنا، إذ أصدرنا في 21 أفريل 1995 وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ـ اليونسكو ـ ''عهد قرطاج للتسامح''، وأحدثنا في نوفمبر 1002 ''كرسيا جامعيا لحوار الحضارات والأديان''، وأسسنا في ديسمبر 2002 ''جائزة رئيس الجمهورية العالمية للدراسات الإسلامية'' إثراء للفكر الاجتهادي في ديننا الحنيف. كما أنشأنا في ماي 2005 وبالتعاون مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ''منتدى تونس للسلام''. وأقمنا في جوان 2005 ''مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة''. وأصدرنا في فيفري 2006 وبالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ الإيسيسكو ـ ''إعلان تونس من أجل التحالف بين الحضارات''. ولا تخلو سنة، دون أن تنظم فيها بعض المؤسسات والمنظمات والجمعيات المدنية التونسية، لقاءات وندوات حول الحوار بين الشعوب والثقافات والحضارات والأديان. وستثابر بلادنا على احتضان مثل هذه اللقاءات والندوات لإيمانها العميق بدورها الأخلاقي على المستوى الدولي، وحرصها على أن تضم جهودها إلى جهود قوى الخير في العالم، من أجل تكريس ثقافة الحوار، وتعميمها وتعميقها وتوسيع مجالاتها، باعتبارها الأسلوب الأفضل والإطار الأسلم، للتخلص من تراكمات الأحكام المسبقة، والصور النمطية المألوفة، ومشاعر الكراهية والعنصرية التي يحملها كل طرف عن الآخر. ومن حسن حظنا، أن وسائل الاتصال الحديثة بمختلف شبكاتها ولاسيما منها الأنترنات، تتيح لنا اليوم المزيد من فرص التلاقي والتخاطب بشكل لم يسبق له مثيل، ويمكن متى غلبّنا الجانب الأخلاقي في استخدامها، أن نسهم في إثراء مجالات التفاهم والتعاون فيما بيننا. وإذ نعرب عن ارتياحنا للوعي المتنامي بفضائل الحوار، محليا وإقليميا ودولياً، فإننا نرى هذا الحوار لايكون مجدياً، إلا إذا حافظت جميع الأطراف على نزاهته ومصداقيته ونبل أهدافه، لكي يقودنا بعد ذلك إلى تحالف قوي ضد السلبيات والمظالم التي تهدد السلام والاستقرار في العالم. وكنا نادينا في هذا المجال، باعتماد مقاربة شاملة في العلاقات الدولية تقوم على التلازم بين السلم والأمن والتنمية. واقترحنا سنة 1989، إبرام عقد للسلم والتقدم بين دول الشمال ودول الجنوب. ودعونا سنة 2002، إلى إنشاء صندوق عالمي للتضامن ومقاومة الفقر، تم إقراره بالإجماع من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة. وإن تونس التي أدركت مبكراً مخاطر التطرف والإرهاب، كانت سباقة منذ تسعينات القرن الماضي، إلى التحذير من عواقب هذه الظاهرة وتبعاتها الوخيمة، ونادت بضرورة تكثيف التعاون للوقاية منها والقضاء عليها. كما أننا دعونا سنة 2003، إلى عقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة، لوضع استراتيجية دولية لمكافحة الإرهاب ومعالجة أسبابه، وإعداد مدونة سلوك في المجال تلتزم بها جميع الأطراف. ونحن على يقين بأن وعي الدول اليوم بخطورة الإرهاب، وانخراطها في الاتفاقيات الأممية والقارية والإقليمية المتعلقة بمكافحته واجتثاث أسبابه، ولاسيما منها الاتفاقيات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات والمؤسسات الدولية المختصة، من شأنه أن يهيئ الظروف الملائمة لإرساء تعاون دولي شامل وناجع في مكافحة الإرهاب، وإقامة شراكة متضامنة ومتكافئة لتقليص الفوارق التنموية بين البلدان. كما أننا نؤمن إيمانا قوياً بأن حدة الأوضاع العالمية الراهنة لا يمكن أن تنال من عزمنا على إصلاحها وتغييرها ودرء أخطارها، إذا ما تحلينا جميعاً بالشجاعة اللازمة لإنهاء المظالم التي تعيشها بعض الشعوب وأشهرها مظلمة الشعب الفلسطيني الشقيق، وإذا ما حرصنا على توخي العدالة والشمولية في معالجة القضايا المطروحة دون انتقائية أو تفضيل لإحداها على أخرى. حضرات السادة والسيدات، إن أمن الدول واستقرارها وازدهارها، من أمن العالم واستقراره وازدهاره. وهو ما يجب أن يعمق البعد الكوني في تفكيرنا وسلوكنا، باعتبار هذا البعد التزاماً أخلاقيا يكرس التواصل والتفاهم فيما بيننا، بقطع النظر عن تنوع خصوصياتنا الجنسية والدينية والثقافية، ودون اعتبار لمسافات التقدم والنمو التي تفصل بعضنا عن بعض؛ فالإنسانية وحدة لا تتجزأ، وعاملنا واحد، ومصيرنا واحد، ولا سبيل لنا غير التعاون والتضامن، لنواجه معا ما يتهددنا من أضرار ومخاطر ولنجلب معا ما نحتاج إليه من مصالح ومنافع. وفي الختام، أجدد لكم التحية والترحاب، راجياً لمؤتمركم كامل النجاح والتوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|
|
منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1429هـ/2008م |
|
| جميع الحقوق محفوظة للإيسيسكو 2000 - 2012 |