Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

   

الإرهاب أبعاده وآفاق مخاطره وآليات معالجته

وقائع المؤتمر

تونس: 15-17 نوفمبر 2007

 

الفهرس

خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي

 

معالي‮ ‬السيد‮ ‬Ban Ki-moon،‮ ‬الأمين العام للأمم المتحدة

معالي‮ ‬السيد أكمل الدين إحسان أوغلي،‮ ‬الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي

معالي‮ ‬الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري‮ ‬

المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة

معالي‮ ‬الدكتور المنجي‮ ‬بوسنينة

المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

أصحاب السعادة والفضيلة

ضيوف تونس الكرام

حضرات السادة والسيدات

أفتتح المؤتمر الدولي‮ ‬حول‮ ''‬الإرهاب‮: ‬الأبعاد والمخاطر وآليات المعالجة‮''‬،‮ ‬مرحبا بالسيد‮ ‬Ban Ki-moon،‮ ‬الأمين العام للأمم المتحدة وبممثلي‮ ‬المنظمات الأممية والدولية والإقليمية والعربية المختصة،‮ ‬وبسائر الخبراء والمفكرين والباحثين والجامعيين من البلدان الشقيقة والصديقة،‮ ‬الذين نعتز بمشاركتهم في‮ ‬هذا المؤتمر،‮ ‬ونرجو لهم إقامة طيبة ببلادنا؛ فتونس كانت وما تزال ملتقى الثقافات والحضارات،‮ ‬وجسراً‮ ‬مفتوحاً‮ ‬على العالم للتواصل والحوار حول كل ما‮ ‬يخدم التقارب والتفاهم بين الأفراد والطوائف والشعوب والدول‮. ‬وإذ أشكر السادة‮ ‬Ban Ki-moon،‮ ‬الأمين العام للأمم المتحدة،‮ ‬وأكمل الدين إحسان أوغلي،‮ ‬الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي،‮ ‬وعبد العزيز التويجري،‮ ‬المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة،‮ ‬على كلماتهم اللطيفة ومشاعرهم النبيلة نحو تونس وشعبها،‮ ‬فإني‮ ‬أنوه بهذه المناسبة‮ ‬بدور منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية المختصة،‮ ‬وفي‮ ‬مقدمتها‮ : ‬الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة‮ ‬ـ اليونسكوـ،‮ ‬والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ الإيسيسكوـ،‮ ‬والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ الألكسوـ‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سعيها الحثيث إلى تكريس الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان،‮ ‬وإشاعة القيم الكونية المشتركة بين الأمم‮. ‬ونحن نعتبر انعقاد هذا المؤتمر ببلادنا،‮ ‬تجسيما لحرصنا جميعا على دعم كل المبادرات الإقليمية والدولية التي‮ ‬تعمل على إحلال الأمان والسلام في‮ ‬العالم‮.‬

حضرات السادة والسيدات ‮

‬إن تفاقم الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية بين دول الشمال ودول الجنوب،‮ ‬واتساع رقعة التوترات والنزاعات في‮ ‬العالم،‮ ‬وعدم إيجاد حلول مشتركة ومنصفة للقضايا الدولية العالقة،‮ ‬علاوة على ازدواجية المعايير في‮ ‬العامل مع هذه القضايا،‮ ‬لمما‮ ‬يؤكد جليا،‮ ‬أن عالمنا اليوم ليس على ما‮ ‬يرام،‮ ‬وأن العلاقات الدولية في‮ ‬وضع‮ ‬يبعث على الانشغال وعدم الاطمئنان‮.‬

والمتأمل فيما‮ ‬يقع شرقا وغربا من حوادث تصدم الضمير الإنساني‮ ‬بعنفها وبشاعتها سرعان ما‮ ‬يدرك خطورة ما وصل إليه تنامي‮ ‬الكراهية والعداوة بين البشر‮. ‬ذلك أن مشاعر الخوف والحذر التي‮ ‬أعقبت أحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر‮ ‬2001،‮ ‬قد دفعت بالعلاقات القائمة بين المجتمعات العربية والإسلامية والمجتمعات الأوروبية والأمريكية،‮ ‬إلى وضع‮ ‬يسوده الشك وسوء الفهم‭.‬

واستغل المتطرفون من الجانبين هذه الأوضاع،‮ ‬لإثارة الأحقاد وتأجيج الفتن‮. ‬فقامت الأصولية الغربية بتكريس كره الأجانب،‮ ‬والتنظير لصراع الثقافات وصدام الحضارات،‮ ‬وأوغلت الأصولية الإسلامية في‮ ‬الرجعية والتطرف،‮ ‬لتتصرف باسم الإسلام وهو منها براء،‮ ‬ولتفرض اتجاهاتها الفكرية والعقائدية بالعنف والإرهاب‮.‬

إن الإرهاب سلوك عدواني‮ ‬مناف لكل المعايير الأخلاقية والدينية والاجتماعية والحضارية‮. ‬وهو انتهاك سافر لسيادة الدول ولميثاق الأمم المتحدة ولجميع العهود والمواثيق الدولية‮. ‬كما أنه ظاهرة مرضية لازمت تاريخ البشرية منذ القديم،‮ ‬لم‮ ‬يسلم منها مجتمع ولا حضارة،‮ ‬كما لم‮ ‬يختص بها دين بعينه ولم‮ ‬يعرف بها بلد دون‮ ‬غيره‮. ‬وقد تحول الإرهاب في‮ ‬العصر الحديث إلى آفة عابرة للقارات،‮ ‬تربك العلاقات الدولية وتهدد الأمن والاستقرار في‮ ‬العالم‮.‬

لذلك شرعت المجموعة الدولية خلال المدة الأخيرة في‮ ‬العمل على توحيد جهودها لمكافحة الإرهاب،‮ ‬واتخاذ التدابير الكفيلة بمنع حدوثه وانتشاره‮.‬

ونحن نعتقد أن تحقيق هذه الغاية،‮ ‬يتوقف إلى حد بعيد على الأساليب التي‮ ‬نتوخاها في‮ ‬مكافحة الإرهاب،‮ ‬وأبرزها‮: ‬أن لا نقابل العنف بالعنف،‮ ‬وأن لا نعتمد كليا على الحلول الأمنية التي‮ ‬تبقى ضرورية لكنها‮ ‬غير كافية،‮ ‬وأن لا نتهاون بسدّ‮ ‬الذرائع التي‮ ‬تتخذ منها الجماعات الإرهابية سببا لمواصلة الترويج لخطابها التحريضي،‮ ‬وتعبئة النفوس على ردود الفعل المتطرفة‮.‬

إن أنجع علاج في‮ ‬نظرنا،‮ ‬هو العلاج الوقائي‮ ‬الذي‮ ‬يبدأ بالقضاء على الأسباب الدافعة إلى ظهور الإرهاب والظروف المهيئة لانتشاره،‮ ‬بالاعتماد أساسا على تطوير حياة الإنسان اليومية نحو الأفضل،‮ ‬وذلك بنشر التعليم والثقافة،‮ ‬والنهوض بأوضاع المرأة والشباب،‮ ‬وتكريس حقوق الإنسان،‮ ‬وتوسيع مجالات الاستشارة والمشاركة،‮ ‬ومكافحة الفقر،‮ ‬وإشاعة التنمية الشاملة المستديمة بين كل الفئات والجهات‮.‬

وقد بينت الأحداث،‮ ‬أن الإنسان الذي‮ ‬يفتقر إلى أبسط مرافق العيش،‮ ‬ويعاني‮ ‬الجهل والخصاصة والعزلة والتهميش،‮ ‬ويحاصره الشك والفراغ‮ ‬والإهمال والقهر،‮ ‬هو الذي‮ ‬يسقط‮ ‬غالبا فريسة سهلة للتطرف والعمل الإرهابي‮.‬

لذلك اعتبرنا منذ الأيام الأولى من تحول السابع من نوفمبر‮ ‬1987،‮ ‬أن صلاح شؤون وطننا‮ ‬يتوقف على صلاح أوضاعه التربوية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية،‮ ‬وإزالة مظاهر الحرمان والخلل التي‮ ‬ينجر عنها شعور بالظلم والحيف ونزوع إلى الإحباط واليأس‮. ‬فاعتمدنا منذ البداية خطة وطنية طموحة للإصلاح والتطوير والتأهيل والتحديث تربط بين التقدم الاقتصادي‮ ‬والرقي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬في‮ ‬سائر قطاعات التنمية،‮ ‬وتهيئ لشعبنا مقومات العزة والكرامة‮.‬

لقد بادرنا بوضع قطاع التربية والتكوين في‮ ‬مقدمة اختياراتنا الوطنية،‮ ‬وجعلنا من التعليم حقا مشروعاً‮ ‬لجميع التونسيين والتونسيات،‮ ‬وأقررنا إجباريته ومجانيته‮. ‬وأقمنا أسسه على ثوابتنا الثقافية والحضارية والدينية،‮ ‬وعلى أنبل القيم الكونية‮. ‬وحرصنا على أن نرسخ لدى ناشئتنا من خلال المواد التي‮ ‬يدرسونها الوعي‮ ‬بالحقوق والواجبات،‮ ‬وأن نعمق إدراكهم بفضائل الحوار واحترام الرأي‮ ‬المخالف،‮ ‬وأن نحفزهم إلى الاجتهاد وإعمال العقل،‮ ‬وإلى نبذ التعصب والعنصرية،‮ ‬وتوخي‮ ‬السلوك الحضاري،‮ ‬والاعتدال في‮ ‬المواقف وردود الفعل،‮ ‬واستيعاب معارف العصر وتقنياته‮. ‬وأتحنا لهم الفرصة منذ مرحلة المدرسة الأساسية لحذق‮ ‬لغتين أجنبيتين تؤمنان لهم التواصل مع ثقافات العالم‮.‬

وتندرج في‮ ‬هذا السياق،‮ ‬العناية التي‮ ‬أوليناها للشباب في‮ ‬اختياراتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية‮. ‬فقد دأبنا على الإصغاء إليه بانتظام،‮ ‬لرصد مشاغله وطموحاته‮. ‬وأشركناه في‮ ‬شؤون الحياة العامة،‮ ‬المحلية والجهوية والوطنية‮. ‬وعمقنا الحوار معه بواسطة استشارات شبابية دورية،‮ ‬كما جرى سنوات‮ ‬1996‮ ‬و2000‮ ‬و2005،‮ ‬حيث اعتمدنا نتائج هذه الاستشارات الثلاث في‮ ‬مخططاتنا التنموية‮. ‬ووفرنا لشبابنا شبكات متنوعة من المراكز والنوادي‮ ‬والمؤسسات والمنشآت الثقافية والرياضية والترفيهية موزعة على مختلف أنحاء الجمهورية،‮ ‬حتى نحفظ له توازنه النفساني‮ ‬والاجتماعي،‮ ‬ونثري‮ ‬تكوينه التربوي،‮ ‬وندعم علاقاته بمحيطه‮.‬

وجعلنا من التشغيل أولوية مطلقة في‮ ‬سياستنا،‮ ‬نسخر لها جميع ما لدينا من إمكانيات وآليات،‮ ‬لكي‮ ‬نضمن لشبابنا المستقبل الآمن والحياة الكريمة‮.‬

واعتبرنا الثقافة سنداً‮ ‬للمد الإصلاحي‮ ‬والتحديثي‮ ‬الذي‮ ‬نقوم به في‮ ‬مجتمعنا‮. ‬وأحطنا المثقفين بالرعاية والعناية والتشجيع،‮ ‬بعيدا عن كل توجيه أو رقابة أو مصادرة‮. ‬ورفعنا من ميزانية الثقافة لتبلغ‮ ‬حاليا‮ ‬1‮ ‬‭%‬‮ ‬من ميزانية الدول ولتصل إلى‮ ‬5‭,‬1‮ ‬‭%‬سنة‮ ‬2009‮. ‬وجعلنا من الثقافة شأنا وطنيا‮ ‬يهم سائر الأفراد والفئات والجهات،‮ ‬بما نهيئ به شعبنا لمواكبة مستجدات العصر ومتغيراته،‮ ‬ونعدّه لرفع ما‮ ‬يواجهه من تحديات وكسب ما‮ ‬يطرح عليه من رهانات‮.‬

ونحن نعتز بما‮ ‬يتميز به مثقفونا من شعور عال بالمسؤولية المدنية بقي‮ ‬دائماً‮ ‬حياً‮ ‬وقاداً‮ ‬في‮ ‬نفوسهم وعقولهم،‮ ‬يعبرون من خلاله عن مشاغل شعبنا وطموحاته،‮ ‬ويدافعون عن قيمه الروحية والاجتماعية والحضارية‮. ‬فأكدوا بذلك أن الحرية لا‮ ‬يمكن أن تكون حياداً‮ ‬أو استقالة،‮ ‬بقدر ما تكون التزاما وطنيا اختياريا‮ ‬يحفز المثقف إلى الاهتمام بالتحولات والتحديات التي‮ ‬يشهدها مجتمعه،‮ ‬وبالتوترات والأزمات التي‮ ‬تنتاب عالمه‮.‬

لهذا أكبرنا موقف المثقفين التونسيين عندما هبوا في‮ ‬أواخر تسعينات القرن الماضي‮ ‬لمواجهة دعاة التطرف والعنف،‮ ‬بالرد عليهم،‮ ‬وتفنيد آرائهم،‮ ‬وفضح انحرافاتهم،‮ ‬والتنديد بما‮ ‬يمارسونه من إرهاب فكري‮ ‬ومادي‮. ‬فأقاموا الدليل بهذه المواقف،‮ ‬على أن التصدي‮ ‬للتزمت والرجعية والتطرف،‮ ‬ليس مسؤولية الدولة وحدها،‮ ‬وإنما هو مسؤولية مشتركة بين سائر مكونات المجتمع المدني‮.‬

ونعتقد أن تراكم المشاكل في‮ ‬عصرنا،‮ ‬وما رافقه من تطور اتصالي‮ ‬وتكنولوجي‮ ‬هائل،‮ ‬قد زاد في‮ ‬تعاظم دور المثقفين والإعلاميين،‮ ‬ودور الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية والاتحادات المهنية،‮ ‬لكي‮ ‬يكونوا جميعا قدوة في‮ ‬التواصي‮ ‬بقيم الحرية والعدل والوفاق والتسامح داخل مجتمعاتهم،‮ ‬وفي‮ ‬إشاعة المبادئ الإنسانية المشتركة،‮ ‬والتصدي‮ ‬لمظاهر الغلو والتعصب والعنصرية‮.‬

وكان رواد الإصلاح والتنوير وزعماء التحرير والتحديث ببلادنا،‮ ‬قد أدركوا منذ أوائل القرن الماضي،‮ ‬أن رقي‮ ‬الأمم لا‮ ‬يكتمل بدون النهوض بمنزلة المرأة وتطوير أوضاعها في‮ ‬الأسرة والمجتمع‮.‬

وهو ما بادرت تونس بوضعه حيز التطبيق منذ السنة الأولى من الاستقلال،‮ ‬عندما أصدر الزعيم الحبيب بورقيبة‮ ''‬مجلة الأحوال الشخصية‮'' ‬في‮ ‬13‮ ‬غشت‮ ‬1956،‮ ‬قاطعا بذلك الصلة بعهود التخلف الاجتماعي‮ ‬والثقافي،‮ ‬ومؤسسا لمرحلة وطنية جديدة تنصف المرأة وتؤكد مساواتها بالرجل في‮ ‬الحقوق والواجبات‮.‬

وقد قررنا تحول السابع من نوفمبر‮ ‬1987،‮ ‬حماية هذه المجلة وتطويرها وإثرائها‮. ‬واتخذنا في‮ ‬13‮ ‬غشت‮ ‬1992‮ ‬مجموعة من الإجراءات التي‮ ‬ترفع عن المرأة كل مظاهر التمييز،‮ ‬وتدعم تماسك الأسرة واستقرارها،‮ ‬إضافة إلى التنقيحات التي‮ ‬أدخلناها في‮ ‬الغرض،‮ ‬على المجلة الجنائية،‮ ‬ومجلة الشغل،‮ ‬ومجلة الجنسية،‮ ‬وارتقائنا بمبادئ مجلة الأحوال الشخصية إلى مرتبة الدستور،‮ ‬وذلك إيمانا منا،‮ ‬بأن لا تقدم لأي‮ ‬مجتمع بدون وجود شراكة فاعلة ودائمة بين الرجل والمرأة في‮ ‬كل ميادين الحياة‮.‬

وأصبحت المرأة التونسية اليوم وجها ناصعا من وجوه الحداثة في‮ ‬تونس،‮ ‬إذ هي‮ ‬حاضرة في‮ ‬سائر مجالات العمل والإنتاج والنضال‮. ‬وتتحمل أعلى المناصب في‮ ‬المؤسسات التنفيذية والتشريعية والإدارية،‮ ‬وتتعاطى مختلف الأنشطة التربوية والثقافية والرياضية،‮ ‬وتمارس شتى المهن الاقتصادية والعلمية والتقنية،‮ ‬وتباشر قسطها من المسؤولية داخل مكونات نسيجنا الجمعياتي‮. ‬وهي‮ ‬تملك من الوعي‮ ‬وقوة الشخصية،‮ ‬ومن التجذر الأصيل في‮ ‬هويتها العربية الإسلامية،‮ ‬والمواكبة الرشيدة لعصرها،‮ ‬ما‮ ‬يؤهلها للمحافظة على مكاسبها،‮ ‬ولتكون عنصر استقرار وتوازن في‮ ‬مجتمعها،‮ ‬وحصنا حصينا أمام دعاة الردة والرجعية‮.‬

ولاشك أنكم تدركون تشعب التحولات والمشاغل التي‮ ‬غيرت في‮ ‬عصرنا من دور الأب والأم في‮ ‬العديد من الوظائف بسبب ضغوطات الحياة الاجتماعية والاقتصادية،‮ ‬بما لم‮ ‬يعد‮ ‬يسمح لهما‮ ‬غالباً‮ ‬بتخصيص الوقت الكافي‮ ‬لرعاية الأبناء والإحاطة بهم‮. ‬وهو ما أصبح‮ ‬يستدعي‮ ‬منا جميعاً‮ ‬تعميق التفكير في‮ ‬هذه المسألة،‮ ‬والبحث عن سبل التكامل الناجح بين أدوار المدرسة والأسرة ومكونات المجتمع المدني،‮ ‬حتى لا نترك لدعاة التطرف والعنف أي‮ ‬مجال لاستغلال هذا الفراغ‮ ‬لصالحهم‮.‬

وحرصنا إلى جانب اهتمامنا بأوضاع شعبنا الاجتماعية،‮ ‬على الاهتمام بمنظومة حقوق الإنسان في‮ ‬أبعادها الشاملة لمختلف قطاعات التنمية،‮ ‬وكرسنا من خلالها حق كل التونسيين والتونسيات في‮ ‬التمتع بمرافق العيش الأساسية والحصول على أسباب الرزق والرفاه‮.

‬ فأنشأنا سنة‮ ‬1993‮ ''‬صندوق التضامن الوطني‮''‬،‮ ‬وسنة‮ ‬1997‮ ''‬البنك التونسي‮ ‬للتضامن‮''‬،‮ ‬وسنة‮ ‬1999‮ ''‬الصندوق الوطني‮ ‬للتشغيل‮''‬،‮ ‬وذلك قصد تنويع الآليات الكفيلة بتعزيز التآلف والتضامن بين سائر المواطنين والمواطنات،‮ ‬وتخفيف وطأة العيش على الفقراء منهم والمحتاجين،‮ ‬وتوفير أكثر ما‮ ‬يمكن من فرص المساعدة والمساندة أمام صغار الصناعيين والحرفيين والفلاحين لتحسين أوضاعهم المهنية،‮ ‬وفتح المزيد من الآفاق أمام حاملي‮ ‬الشهادات العليا لممارسة العمل الحر وإحداث المشاريع وإيجاد مواطن الشغل‮. ‬كما استهدفنا أكثر من مليون تونسي‮ ‬بالمرافق الحيوية والتجهيزات الضرورية وما‮ ‬يتبعها من أسباب الإعمار والإنماء،‮ ‬فأخرجناهم من العزلة والتهميش،‮ ‬وحولنا مناطقهم إلى أماكن‮ ‬يطيب فيها العيش،‮ ‬وألحقناهم بالحياة النشيطة،‮ ‬وأدمجناهم في‮ ‬الدورة الاقتصادية‮.

وساعدتنا هذه المبادرة والإنجازات،‮ ‬على تحسين مؤشرات التنمية البشرية ببلادنا على المستويين الكمي‮ ‬والنوعي،‮ ‬من أهمها‮ : ‬تجاوز نسبة تمدرس الفتيان والفتيات في‮ ‬سن‮ ‬6‮ ‬سنوات‮ ‬99‭%‬،‮ ‬وبلوغ‮ ‬معدل الدخل الفردي‮ ‬للمواطن التونسي‮ ‬384‭,‬4‮ ‬د في‮ ‬السنة،‮ ‬وانخفاض نسبة الفقر إلى‮ ‬8‭,‬3‮ ‬‭%‬،‮ ‬وتجاوز حجم الطبقة الوسطى نسبة‮ ‬80‮ ‬‭%‬‮ ‬وارتفاع التغطية الاجتماعية إلى ما‮ ‬يفوق‮ ‬90‮ ‬‭%‬وارتقاء مؤمل الحياة عند الولادة إلى أكثر من‮ ‬74‮ ‬سنة‮.‬

وعملنا في‮ ‬نطاق ترسيخ هوية شعبنا والمحافظة على خصوصياته الثقافية والحضارية،‮ ‬على حماية ديننا الإسلامي‮ ‬من كل تحريف،‮ ‬وعلى نشر مبادئه السمحة وما تميزت به من حث على الاجتهاد وإعمال العقل،‮ ‬والتواصي‮ ‬بقيم الوسطية والاعتدال والتسامح،‮ ‬ونبذ الانغلاق والمغالاة والتعصب‮.‬

ونشير في‮ ‬هذا السياق،‮ ‬إلى أن المبادئ التي‮ ‬جاء بها الإسلام،‮ ‬تشترك فيها معه الديانتان السماويتان اليهودية والمسيحية،‮ ‬مما‮ ‬يحمل القائمين على الأديان الثلاثة،‮ ‬مسؤولية تكريس الفضائل التي‮ ‬تجمع بينها،‮ ‬وتثبيت الحوار بين معتنقيها،‮ ‬في‮ ‬كنف الوفاق والتعايش والاحترام المتبادل‮.‬

ولابد أن نؤكد في‮ ‬هذا المقام أيضاً،‮ ‬أن الجماعات الإرهابية المحسوبة على الإسلام،‮ ‬والتي‮ ‬هي‮ ‬بصدد إلحاق أفدح الإساءات بالإسلام والمسلمين،‮ ‬لا تمثل ديننا الحنيف في‮ ‬شيء،‮ ‬إذ هي‮ ‬ظاهرة شاذة،‮ ‬أفرزتها ظروف معينة في‮ ‬المجتمعات العربية والإسلامية،‮ ‬وستزول بزوال هذه الظروف‮.‬

أما الدين الإسلامي،‮ ‬فلا علاقة له بالتطرف والعنف والإرهاب لأنه دين وسطية وسلام وحوار وتسامح‮. ‬وهو ما تجسمه تجسيما قاطعا عدة آيات من القرآن الكريم،‮ ‬كقوله تعالى‮ : {‬وكذلك جعلناكم أمة وسطاً،‮ ‬ولا إكراه في‮ ‬الدين،‮ ‬وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة،‮ ‬وجادلهم بالتي‮ ‬هي‮ ‬أحسن،‮ ‬وإن جنحوا للسلم فاجنح لها‮} ‬صدق الله العظيم‮. ‬هذا علاوة على ما‮ ‬يحتوي‮ ‬عليه تاريخ المسلمين من فضائل ومآثر،‮ ‬تبرز سماحة الإسلام،‮ ‬ورفعة مقاصده،‮ ‬وبره بالإنسان والأخوة الإنسانية‮.‬

وإذ تجدد تونس بهذه المناسبة تنديدها بالخلط السائد اليوم في‮ ‬الغرب بين الإرهاب والإسلام،‮ ‬وتعبر عن أسفها لما‮ ‬يتعرض له المسلمون من مضايقات وحملات تشويه‮ ‬غير مبررة،‮ ‬فإنا سنمضي‮ ‬قدماً‮ ‬في‮ ‬تعزيز الحوار بين الشعوب والثقافات والحضارات والأديان،‮ ‬قصد الإسهام في‮ ‬الحد من سوء التفاهم ومظاهر التباعد والتباغض التي‮ ‬تسود العلاقات الدولية‮. ‬وهو ما أصبح قاعدة ثابتة في‮ ‬توجهاتنا واختياراتنا،‮ ‬إذ أصدرنا في‮ ‬21‮ ‬أفريل‮ ‬1995‮ ‬وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ـ اليونسكو ـ‮ ''‬عهد قرطاج للتسامح‮''‬،‮ ‬وأحدثنا في‮ ‬نوفمبر‮ ‬1002‮ ''‬كرسيا جامعيا لحوار الحضارات والأديان‮''‬،‮ ‬وأسسنا في‮ ‬ديسمبر‮ ‬2002‮ ''‬جائزة رئيس الجمهورية العالمية للدراسات الإسلامية‮'' ‬إثراء للفكر الاجتهادي‮ ‬في‮ ‬ديننا الحنيف‮. ‬كما أنشأنا في‮ ‬ماي‮ ‬2005‮ ‬وبالتعاون مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي‮ ''‬منتدى تونس للسلام‮''. ‬وأقمنا في‮ ‬جوان‮ ‬2005‮ ''‬مركز البحوث والدراسات في‮ ‬حوار الحضارات والأديان المقارنة‮''. ‬وأصدرنا في‮ ‬فيفري‮ ‬2006‮ ‬وبالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ الإيسيسكو ـ‮ ''‬إعلان تونس من أجل التحالف بين الحضارات‮''.‬

ولا تخلو سنة،‮ ‬دون أن تنظم فيها بعض المؤسسات والمنظمات والجمعيات المدنية التونسية،‮ ‬لقاءات وندوات حول الحوار بين الشعوب والثقافات والحضارات والأديان‮.‬

وستثابر بلادنا على احتضان مثل هذه اللقاءات والندوات لإيمانها العميق بدورها الأخلاقي‮ ‬على المستوى الدولي،‮ ‬وحرصها على أن تضم جهودها إلى جهود قوى الخير في‮ ‬العالم،‮ ‬من أجل تكريس ثقافة الحوار،‮ ‬وتعميمها وتعميقها وتوسيع مجالاتها،‮ ‬باعتبارها الأسلوب الأفضل والإطار الأسلم،‮ ‬للتخلص من تراكمات الأحكام المسبقة،‮ ‬والصور النمطية المألوفة،‮ ‬ومشاعر الكراهية والعنصرية التي‮ ‬يحملها كل طرف عن الآخر‮.‬

ومن حسن حظنا،‮ ‬أن وسائل الاتصال الحديثة بمختلف شبكاتها ولاسيما منها الأنترنات،‮ ‬تتيح لنا اليوم المزيد من فرص التلاقي‮ ‬والتخاطب بشكل لم‮ ‬يسبق له مثيل،‮ ‬ويمكن متى‮ ‬غلبّنا الجانب الأخلاقي‮ ‬في‮ ‬استخدامها،‮ ‬أن نسهم في‮ ‬إثراء مجالات التفاهم والتعاون فيما بيننا‮.‬

وإذ نعرب عن ارتياحنا للوعي‮ ‬المتنامي‮ ‬بفضائل الحوار،‮ ‬محليا وإقليميا ودولياً،‮ ‬فإننا نرى هذا الحوار لايكون مجدياً،‮ ‬إلا إذا حافظت جميع الأطراف على نزاهته ومصداقيته ونبل أهدافه،‮ ‬لكي‮ ‬يقودنا بعد ذلك إلى تحالف قوي‮ ‬ضد السلبيات والمظالم التي‮ ‬تهدد السلام والاستقرار في‮ ‬العالم‮.‬

وكنا نادينا في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬باعتماد مقاربة شاملة في‮ ‬العلاقات الدولية تقوم على التلازم بين السلم والأمن والتنمية‮. ‬واقترحنا سنة‮ ‬1989،‮ ‬إبرام عقد للسلم والتقدم بين دول الشمال ودول الجنوب‮. ‬ودعونا سنة‮ ‬2002،‮ ‬إلى إنشاء صندوق عالمي‮ ‬للتضامن ومقاومة الفقر،‮ ‬تم إقراره بالإجماع من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة‮.‬

وإن تونس التي‮ ‬أدركت مبكراً‮ ‬مخاطر التطرف والإرهاب،‮ ‬كانت سباقة منذ تسعينات القرن الماضي،‮ ‬إلى التحذير من عواقب هذه الظاهرة وتبعاتها الوخيمة،‮ ‬ونادت بضرورة تكثيف التعاون للوقاية منها والقضاء عليها‮. ‬كما أننا دعونا سنة‮ ‬2003،‮ ‬إلى عقد مؤتمر دولي‮ ‬تحت رعاية الأمم المتحدة،‮ ‬لوضع استراتيجية دولية لمكافحة الإرهاب ومعالجة أسبابه،‮ ‬وإعداد مدونة سلوك في‮ ‬المجال تلتزم بها جميع الأطراف‮.‬

ونحن على‮ ‬يقين بأن وعي‮ ‬الدول اليوم بخطورة الإرهاب،‮ ‬وانخراطها في‮ ‬الاتفاقيات الأممية والقارية والإقليمية المتعلقة بمكافحته واجتثاث أسبابه،‮ ‬ولاسيما منها الاتفاقيات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات والمؤسسات الدولية المختصة،‮ ‬من شأنه أن‮ ‬يهيئ الظروف الملائمة لإرساء تعاون دولي‮ ‬شامل وناجع في‮ ‬مكافحة الإرهاب،‮ ‬وإقامة شراكة متضامنة ومتكافئة لتقليص الفوارق التنموية بين البلدان‮.‬

كما أننا نؤمن إيمانا قوياً‮ ‬بأن حدة الأوضاع العالمية الراهنة لا‮ ‬يمكن أن تنال من عزمنا على إصلاحها وتغييرها ودرء أخطارها،‮ ‬إذا ما تحلينا جميعاً‮ ‬بالشجاعة اللازمة لإنهاء المظالم التي‮ ‬تعيشها بعض الشعوب وأشهرها مظلمة الشعب الفلسطيني‮ ‬الشقيق،‮ ‬وإذا ما حرصنا على توخي‮ ‬العدالة والشمولية في‮ ‬معالجة القضايا المطروحة دون انتقائية أو تفضيل لإحداها على أخرى‮.‬

حضرات السادة والسيدات،

‬إن أمن الدول واستقرارها وازدهارها،‮ ‬من أمن العالم واستقراره وازدهاره‮. ‬وهو ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يعمق البعد الكوني‮ ‬في‮ ‬تفكيرنا وسلوكنا،‮ ‬باعتبار هذا البعد التزاماً‮ ‬أخلاقيا‮ ‬يكرس التواصل والتفاهم فيما بيننا،‮ ‬بقطع النظر عن تنوع خصوصياتنا الجنسية والدينية والثقافية،‮ ‬ودون اعتبار لمسافات التقدم والنمو التي‮ ‬تفصل بعضنا عن بعض؛ فالإنسانية وحدة لا تتجزأ،‮ ‬وعاملنا واحد،‮ ‬ومصيرنا واحد،‮ ‬ولا سبيل لنا‮ ‬غير التعاون والتضامن،‮ ‬لنواجه معا ما‮ ‬يتهددنا من أضرار ومخاطر ولنجلب معا ما نحتاج إليه من مصالح ومنافع‮.‬

وفي‮ ‬الختام،‮ ‬أجدد لكم التحية والترحاب،‮ ‬راجياً‮ ‬لمؤتمركم كامل النجاح والتوفيق‮.‬

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‮.‬

 

   

منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1429هـ/2008م

Untitled Document