الإرهاب أبعاده وآفاق مخاطره وآليات معالجتهوقائع المؤتمرتونس: 15-17 نوفمبر 2007 |
||
![]() |
الحق في الثقافة والتنمية الإنسانية كسبيللدحض الإرهاب وإقامة حوار الأديان الدكتور محمد زين العابدين(*)لا يمكن الجدل افتراضا حول الإرهاب والدينيّة وعودة العقيدة للمجتمعات التقليديّة والحداثية دون الإقرار بكلية ظواهر التطرف وشموليتها. إذ ينسحب اليوم على المجتمعات الإسلامية متغلغلا في ذات الحين صـلب الديانات والحضارات الأخرى وفق ما يمليه واقع القراءات السياسية والإستراتيجية الراهنة. ولئن التزم التطرف بالإرهاب المأساوي وبصفة أخص بالإسلام الحركي المناهض للغرب السياسي، فالقرن الواحد والعشرون قرن قد لازمه الشك في سلطة العقل الواحد والنظام الليبرالي النمطي ومثالية العولمة والكونية الاقتصادية التحررية داخل الفكر الغربي وخارجه. في كتاب الحوار الثـلاثي Trialogue الذي جـــمع بين العلماء رالــف أبراهام Ralph Abraham وتيرانـس ماك كان(1) Mckenna Terence وريبارت شالديرك Rupert Scheldrake في ماهية العلوم وموضع الدين واليقين أخلص ثلاثتهم للقول بضرورة استئناس العلم بما هو غير علمي ولاموضوعي في مقاربة لمواضع الوجداني والروحاني. فالحتمية اليوم من الشروط التي تقلل سلطة المعقول والرشيد وتقر بالخيال والمخيال على أنهما يتحكمان قي قابل الأشياء. فسلطة الروح والعقيدة واللامرئي واللامادي والعود إلى الدين أصبح من العناصر المشككة في سطوة العقل المجرد الذي لطالما أسس للفردانية والذكاء الحداثيين. وإن كانت نهايات القرن العشرين مفعمة بالتحولات السياسيّة والاقتصادية والثقافيّة منذ سقوط حائط برلين وزوال الشيوعية 1989 وإقامة العولمة الرأسمالية الليبرالية المنادية باقتصاد حر وتنافسي وديمقراطيات على شاكلة غربية كنظام أوحد ومنوال يحتذى أو يفرض على المجتمعات بأسرها، فإنّه لا بدّ من التذكير بما ولّد من مواقف متباينة بين الداعم له والمتحامل عليه والمقاوم لأساليبه. وقد نظّر فرانسيس فوكوياما(2) Fukuyama Francis لمزاياه فاعتبر العولمة ثورة كونية جديرة بأن تقاس بالثورة الفرنسيّة وميلاد الجمهورية 1789. العولمة في تقديره نظام بلغ بالإنسانية ذروة الارتقاء نحو الأفضل. فكانت مع هذا الباحث تارة ''نهاية الإنسان'' 1992 وتارة أخرى ''نهاية التاريخ'' 2002 وبينهما ''الثقة والقوة'' 1997. وقد انتهى إلى القول بأن النجاحات العلمية اليوم وسلطة البيوتكنولوجيا أضعفت الإنسان وقللت من سورته بما يحتم الأخذ واقعيا بمزايا الوضع الجديد المعولم وهو بديل لما فيه خير الإنسان وتقدمه. إن فهم الأصولية والتعصب والإرهاب يبدو جليا كجزء من التناقض القائم اليوم في مستوى الفرضيات الموكلة لفهم الدين والحياة بين مؤيد لقيم العلم والمستنصر لعودة العقيدة و الظواهر الإنسانية المعقولية واللامعقـولـية بمـا ولـد مـن تضـارب فكري أسهم في تعميق بعـده الـتـنـظـيري الباحث السياسي سامــوبل هانتــكتون(3) Samuel Huntington القائل بفرضية صدام الحضارات والأديان من منطلق عدم استعداد الإسلام التسليم بقيم الغرب التحررية. من ذلك قولته الشهيرة حول الإسلام والمسلمين '' إن الدم في حدود الإسلام''. تشتبه الأمور إذن بين الإسلام الثقافي والإسلام السياسي هنا أي بين الدين كمعتقد والدين كتأويل تنظيمي لبلوغ السلطة والاستئثار بها. ومهما كان الخلاف في الأمر فان الدين ينتشر بالمجتمعات كأمر واقع في جـل البلدان على حد تعبـير دومينـيك لوكور(4) Dominique Lecourt الـذي يقر بـهذه الحقيـقة المتجددة في كتاب '' أمريكا بين التوراة وداروين'' LAmrique entre la Bible et Darwin في جمع بين اليهودية والواقعية السياسية. ولقائل أن يلاحظ ما انطوى على نهايات القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين من أحداث فاجعة خلقت النقمة وزادت في التعصب والإرهاب. وما من شك أن طموح الغرب للتفوق والتّقدم المفرط لم يأخذ بعين الاعتبار حق الشعوب النامية على تحسين أوضاعها ومنها العربيّة والإسلامية، وقد ولدّت هذه الحقيقة خيبة أمل متبادلة بين الشعوب غير المنصفة والأخرى الغربية التي لم تستطع هي الأخرى أن تلقى لنفسها أمانا واستقرارا. لذا كتب آلان مانك(5) Alain Minc كتابا حول '' الخيبة الكبرى'' La grande illusino وإشكالية أوروبا في تحديد ماهيتها. وهذا نيكولا بافري(6) Nicolas Baverez يتحدث عن'' العالم الجديد وفرنسا العجوز'' في حين يقيم جيرار سان بول(7) Gérard Saint-Paul الدليل على سراب أمريكا Un mirage d'Amrique داحضا المنوال وأساليبه. وكأن الشطط السياسي والتطرف الأيديولوجي سمة الظرف الذي ابتعدنا فيه تدريجيا عن قيم الحداثة القائمة على إعمال العقل وإقرار النسبية والأخذ بالعدالة الاجتماعية للتقدم البشري على اختلاف مراجعه ومبانيه. تجاوزنا الحقيقة كما أسس لها بيار مونـداس فرانس(8) Pierre Mendés France فـي كتـابه '' الحقيقة كانت تقُود خطاهم'' La vérité guidait leurs pas تواصلا مع عديد الشخصيات المؤثرة في الحقل السياسي لصلابة مواقفها ونزاهة تتطلعاتها مستشهدا بقولة سان جوسـت Saint-Just: '' إن أردت أن تؤسس لجمهورية فحببّها للقلوب''. ومهما اختلفت المواقف في السياسة بين الفكري والمصلحي والديني فيبقى البحث عن الحكمة أمرا مستعصيا على مدركها. وقـد سأل في خصـوصها لوك فيري(9) Luc Ferry وأندري كونت سبون فيل Andr Comte-Sponville الحداثيين La sagesse des Moderne : '' كيف يمكن أن نعيش؟ هو السؤال المحوري. أي حكمة بعد الدين وبعيداً عن المثالية مع الإبقاء على الدين كقناعة شخصية''. إن موضوع هذا المؤتمر الداعي لدراسة مظاهر الإرهاب في العالم والدعوة إلى النظر في إمكانية تطويقه واستئصاله ينحو هذا المنحى إذ أن السؤال هو الآتي أمام عودة الأصولية والتطرف والتعصب والإرهاب، هل يمكن القول بأن الدين بقي قناعة شخصية وقد تسلح به المتشددون للدفاع على مصالح سياسية أسسوا لها وبها وللجهاد من خلالها. فإن كان واقع الإرهاب يستجدي الوضع الحالي ويقيم تضارب المجتمعات وصعوبة أمرها اليوم فكريا ووجدانياً وسياسياً فكيف لنا أن نقيم الحوار الإنساني بديلا عنه من منطلق دور التنشئة التربوية والعلمية والثقافية. والسؤال المطروح : .1 ما هو دور الثقافة الإبداعيّة والفنيّة في المجتمعات التقليديّة وكيف لها أن تلهم التحرر والخلق والابتكار بعيدا عن الرجعية الدينيّة المنغلقة على نفسها؟. .2 كيف راهنت تونس على الإنسان كوسيلة وغاية لإقامة الثقافة كحقّ من حقوق التنمية الإنسانيّة المتطلعة نحو المستقبل الخلاق؟. إن السلفية الحركية ظاهرة سياسيّة تؤمن بماضوية العمل الإستراتيجي وضرورة عودته إلى الجمع بين الديني والسياسي. التزمت أفرادا وجماعات وتنظيمات بمنظور تاريخي مستلهم من القرون الوسيطة من خلال الحكم الإسلامي وطوعت قراءته على أنه صالح لكل زمان ومكان. كما زاد هذه القناعة تجليا شنّ الغرب لحروب عديدة على الدول الإسلامية طوال العقود الماضية كما استوطن استراتيجيا ومصلحيا لنهب ثرواتها. لذا يبدو الإرهاب تفاعلا بين توق جانح للاستيلاء على السلطة وشعورا بالتعدي المسلط من قبل بعض الدول الغربية. ثم إن التنظير حول كراهية الغرب للإسلام وجدت متنفسا في ما يشهده الشرق الأوسط من تأجج الصراع الإسرائيلي العربي منذ 1948 إلى جانب واقع الخليج العربي واجتياح العراق في مارس 2003 ووضع أفغانستان وما يروج اليوم من احتمال ضرب إيران لفرضية سعيها لامتلاك السلاح النووي. وما يزيد الأمر تعقيدا تأثر بعض الشباب المسلم بهذا الخطاب إذ تزيد الحاجة والشعور بالإحباط من تأثرهم بالخطاب السلفي فيؤمنون برسالته ويقدمون على التضحية بأنفسهم تعبيرا عن قناعة سياسية ودينيّة. ولكن الأمر تجاهل كذلك بالقيم الإنسانية ومبدأ التّنوع والاختلاف إذ هو وعي لإسلام يرفض النسبية والتأويل والوسطية كجملة من المبادئ المهمة للتعايش والسلم والتضافر بين البشرية. لذا فإن المجتمعات بما توليه قياداتها من تدعيم لمحتويات التربية والثقافة إذ أن الاجتهاد في تطوير مضامين العقل وسبل التعايش الاجتماعي ضرورة لامحيد عنها تدرك المجتمعات بفضلها تحررها الفكري الملازم لتجدرها الديني والتاريخي فتطور من ثقافتها وتوطد من حقوق أفرادها وبخاصة منها حقوق المرأة والطفل بصورة تنموية ناجعة. هي قناعة الرئيس زين العابدين بن علي الذي قرر أن يرتقي المعول الثقافي بما يؤمن توزيعا لا مركزيا يعطي الجهات ما تستحقه من زاد بشري ولوجستي ومادي يجعل الثقافة بعداً وسياقاً مؤطراً للشباب ومتنفسا لهم وعنصرا مدعما للتنمية الشاملة والمستدامة. إذ أن الإرهاب يستقي مصادر الفراغ العاطفي والفكري والإبداعي والأولى أن تلعب الفنون الدور المنادي بالحرية والاجتهاد والابتكار والجمالية بعيداً عن الانغلاق والانزواء والانطواء. وهو الأخذ بعين الاعتبار الطاقات والمواهب الكامنة في الإنسان. لذلك سعت تونس لمقاربة الإرهاب ومقاومته ثقافيا كذلك من خلال إجراءات اتخذتها وهي: * أن تكون الثقافة فاعلة ومفتوحة على الموارد المادية واللامادية والفكرية والعاطفية. هي الفنون والآداب وطرق الحياة والحقوق الأساسية كجملة القيم والعادات والعقائد. * بأن تسهم في تجذير الهوية مع ضرورة تفاعلها وتضافرها مع الثقافات الأخرى أخذا وعطاء على الصعيد الدولي ومراوحة الثقافات التقليدية والقيم الكونية والتأكيد على التّنوع والاختلاف. * بتمكين المجتمع المدني من أن يلعب دورا ملحوظا في تكريس الديمقراطيات الثقافية وفي بلورة الأريحـية الإبداعية والفنـية مع توفير الهيـكلية المؤسسـاتية والمرافقة الخاصة بالإدارة والتصرف. * باستغلال التراث والموروث للتدليل على العمق الحضاري التونسي والعربي والإسلامي فنا وعلما ووجدانا كلغة للتواصل بين الشعوب ورهانا للثراء البشري دونما تمايز أو أفضلية. * كما راهنت تونس على التقنيات الحديثة وتأهيل التحولات الاقتصادية مع تقليص الهوة الفكرية والمادية بين الأفراد والجماعات بما بجعل البعد الاجتماعي والتضامني شرطا من شروط توزيع أعدل للإبداع وتبادل أوفر للقيم المعرفية والسيميائية كدلالات لشأن الإنساني وشرط من شروط الحياة مع استغلال قنوات العولمة ومبدأ التفاعلية والوسائطية لتقريب الشعوب ومزيد التعريف بخصوصياتها. لطـالما آمنت تونس بأن السلم الدولية أساس التآلف والتكامل بين الشعوب وأن العدالة الاجتماعية رافدها وأن الثقافة سبيل الإنسان لحياة أفضل. كما يمكن للآليات الثقافية أن تدعم وعي الإنسان بنفسه وبغيره وأن تكون عنصرا من عناصر الإدماج الاجتماعي وسندا لحوار الحضارات والأديان في عالم يسوده الانصهار والتّنوع من جهة والتعصب والعرقية من جهة أخرى. لذا تخدم التعددية الثقافية أهداف العمل السياسي الأوكد عسى يستقيم الجمع بين الأحادي والكوني والديني والدنيوي في صلة بين التاريخ والمقبل والخاص والعام ويتم للإنسان بذلك توقه لإنسانية بناءة للسلم والخير على اختلاف البشر ديانات وحضارات ولغات وعادات وتقاليد. ففكر الرئيس بن علي تصور وعمل دائبين خدمة للحقوق الإنسانية والإبداعات الفنية وتفعيلا للثقافة التنموية لصد الإرهاب باحتوائه واستباق وقوعه. وسياسة تونس تدحض الإرهاب من منطلق أن الإنسان جوهر الـحياة وغايتـها المثلى كما أن الحياة ارتقاء بالوجود نحو المنشود الأبقى و قد قال عز و جل : {و أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}. ـــــــــــــــ (*) أستاذ جامعي ـ تونس ـ . د. في علم الاجتماع السياسي، جامعة ريني ديكارت. رئيس مخبر البحث في الثقافة والتكنولوجيات الحديثة والتنمية. (1) RUPERT (Sheldrake), TERENCE (Mc Kenna), RALPH (Abraham), Trialogues aux confins de l’Occident, éd. Saint-Michel, Paris, 19992, 237p. (2) FUKUYAMA (Francis), La fin de l'homme,d. La Table ronde, Paris,p 2002,366. (3) HUNTINGTON (Samuel), Qui sommes nous? Identités nationales et choc des cultures, éd. Odile Jacobs, Paris, 2004, 397 p. (4) LECOURT (Dominique), L'Amérique entre la Bible et Darwin, éd, PUF, Paris,p 1992, 228. (5) MINC (Alain), La grande illusion, éd. Grasset et Fasquelle, Paris, 1989,p 265. (6) BAVEREZ (Nicolas), Nouveau monde vieille France, éd. Perrin, Paris, 2006,p 393. (7) SAINT PAUL (Gérard), Un mirage d’Amérique, éd. Création-Production, Paris,1989, p187. (8) FRANCE ( Pierre Mendès), La vérité guidait leurs pas, éd, Gallimard, Paris,p 1976, 258. (9) COMTE- SPONVILLE (André ) FERRY ( Luc), La sagesse des modernes, éd. Robert Laffont, Paris,p 1988, 562.
|
|
منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1429هـ/2008م |
|
أعلى الصفحة |
| جميع الحقوق محفوظة للإيسيسكو 2010 | |