Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -
الصفحة الرئيسة | الاتصال


 

 

دور المنظمات الخيرية في تحقيق الأمن

الثقافي لطفل المهجر

(الواقع والممكن)

د. عثمان بن صالح العامر(*)

 

مقدمة :

منذ حقب زمنية طويلة كانت هناك جهود جيدة من المنظمات الخيرية الإسلامية تعنى بشؤون الأسرة والطفل في بلاد المهجر من خلال برامج وفعاليات ثقافية وتربوية واجتماعية متنوعة.

وبفعل المتغيرات العالمية المعاصرة لاسيما أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تعرضت تلك المنظمات إلى منعطف خطير أثر عليها سلباً من عدة أوجه، مثل (شرعية الوجود ـ التشكيلات التنظيمية ـ التمويل ـ حرية الحركة والعمل  ـ أنماط العلاقات المؤسسية مع الهيئات والمنظمات الشبيهة) وتعد المشكلة الكبرى التي تواجه هذه المنظمات ذلك التصنيف الجديد الذي لحق بها بعد هذه الأحداث ضمن ما لحق بالإسلام والمسلمين من اتهامات بالإرهاب والتعصب والتزمت والتخلف مما جعل الفعاليات والبرامج الثقافية الموجهة للطفل المسلم في المهجر خاصة والأنشطة المتنوعة لهذه المنظمات عامة ليست فقط محل نظر وشك من قبل الغرب بل محل مقاومة وتتبع.

وإذا أضيف إلى ما تعانيه هذه المنظمات في اللحظة الراهنة من اضطهاد وعنف المقاومة، تلك الأنشطة المضادة من قبل منظمات أخرى تسعى إلى التنصير تارة والتقريب تارة أخرى، فضلاً عن التأثيرات البيئية المباشرة في بلاد المهجر، يتضح مدى ما تتعرض له هوية الطفل المسلم في بلاد المهجر من ذوبان مما يمثل خطراً يخترق ويهدد أمنه الثقافي، الأمر الذي يفرض على المَعْنِِيّين بطفل المهجر والمتخصصين في مجال الثقافة عامة والثقافة الإسلامية خاصة بذل مزيد من الجهد على مسار البحث والدراسة للوصول إلى آليات مناسبة تمكن هذه المنظمات من التعامل مع معطيات الوقت الراهن وتحفظ لها استمراريتها في أداء دورها بشكل عام، وتحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم بشكل خاص. وفي هذا السياق تتعدد محاور البحث وزوايا النظر لدراسة مشكلة هذه المنظمات مما يفوق إمكانات دراسة بعينها ويقتضي جهوداً تشاركية للخروج باستراتيجية ملائمة تستوعب كافة التحديات وسبل مواجهتها مع مراعاة التفاوتات الإقليمية في كم ونوع المعوقات من ناحية والمستفيدين من أطفال المسلمين من ناحية أخرى، وتدني قابلية مقاومة بلد المهجر للثقافة الإسلامية من ناحية ثالثة.

ومساهمة في الجهد والجدل الدائرين على ساحة الفكر والثقافة المعاصرة، تأتي الدراسة الحالية في محاولة لاستكشاف بعض ملامح هذه المنظمات وطبيعة الدور الذي تقوم به في ظل الأخطار التي يتعرض لها الطفل المسلم في بلاد المهجر، وكذلك بحث مفهوم الأمن الثقافي وأهم مقوماته ودور المنظمات الخيرية في تحقيقه. ومن ثم تتضح مشكلة الدراسة.

 

مشكلة الدراسة :

يمكن صياغة مشكلة الدراسة في التساؤل الرئيس التالي :

س : ما دور المنظمات الخيرية في تحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر؟ ويتفرع من هذا التساؤل الأسئلة الفرعية التالية :

س1  : ما أهم التحديات التي تواجه المنظمات الخيرية في الوقت الراهن وما أثرها على الطفل المسلم في بلاد المهجر؟.

س 2 : ما مفهوم الأمن الثقافي وما أهم المقومات اللازمة لتحقيقه للطفل المسلم في بلاد المهجر؟.

س 3 : ما أهم الأبعاد والمرتكزات التي يجب أن تقوم عليها الاستراتيجية الثقافية للمنظمات الخيرية في ظل التحديات الراهنة؟.

 

أهمية الدراسة :

تنبع أهمية الدراسة من ارتباطها بثلاث قضايا محورية في حياة الأمة الإسلامية هي :

أولاً : المنظمات الخيرية والتي تعد تجسيداً لمعاني الخير والعطاء، وتطبيقاً لركن من أركان الإسلام، وأحد المصارف الهامة لأموال الزكاة، وتوجيهها في المجال الدعوي حفاظاً على ثقافة المسلم، والوضعية الراهنة التي تمر بها تلك المنظمات نتيجة مباشرة لأحداث سبتمبر، وغير مباشرة للصراع الحضاري الأبدي واعتبار الإسلام خطراً على كافة النظريات الوضعية بحكم سلامة نهجه وقوة تأثيره في بناء وتشكل الأمم والأفراد.

ثانياً : التأصيل النظري لمفهوم الأمن وتحليل مقوماته الأساسية مع إبراز خصوصية التطبيق حسب طبيعة الحاجة الماسة للطفل المسلم في المهجر والنتائج المترتبة على غياب الفعاليات اللازمة لتحقيق الأمن الثقافي.

ثالثاً : رسم أهم ملامح وأبعاد الاستراتيجية الثقافية والتربوية  للمنظمات الخيرية في اللحظة التاريخية الراهنة ومعطياتها، التي تنطوي على جملة من المتغيرات والمعوقات والتحديات التي تواجه ليس فقط أشكال الأداء الثقافية والتربوية والاجتماعية، وإنما تهدد فكرة وجودها أساساً وحرية حركتها بشكل عام في ظل مبتكرات ثقافية أبدعتها القوى المعادية على خلفية أيدولوجية ترتدي في زيها الظاهري الوهمي محاربة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله وتخفي في منطلقها الحقيقي تجفيف مصادر الدعم لكل ما هو إسلامي.

 

أهداف الدراسة :

تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية :

1. دراسة دور المنظمات الخيرية في تحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر.

2. تشخيص أهم التحديات التي تواجه المنظمات الخيرية وأثرها على الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر.

3. التعرف على مفهوم الأمن الثقافي وتطبيقاته فيما يتعلق بالطفل المسلم في بلاد المهجر.

4. رسم أهم معالم استراتيجية العمل الثقافي للمنظمات الخيرية في ظل التحديات الراهنة.

 

منهج الدراسة :

وفق طبيعة مشكلة الدراسة والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، تستخدم الدراسة المنهج الوصفي التحليلي لتشخيص واقع دور المنظمات في تحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في المهجر حسب مفهوم ومقومات الأمن الثقافي الذي تؤصل له الدراسة نظرياً، كما تستخدم الدراسة نتائج التشخيص (لواقع دور المنظمات) والتأصيل النظري (لمفهوم ومقومات الأمن الثقافي) في طرح بعض الأفكار والتصورات التي يمكن الإفادة منها في بناء استراتيجية عمل لتلك المنظمات تستطيع من خلالها تحقيق قدر أكبر من الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر، ووفق المنهج المستخدم تأتي الدراسة على النحو التالي :

أولاً  : الإطار العام للدراسة.

ثانياً : الواقع المعاصر للمنظمات الخيرية.

ثالثاً : الأمن الثقافي (المفهوم ـ المقومات)

رابعاً : استراتيجية مقترحة لدور المنظمات الخيرية لتحقيق الأمن الثقافي لطفل المهجر.

 

ثانياً : الواقع المعاصر للمنظمات الخيرية

تتعدد زوايا البحث في تشخيص واقع المنظمات الخيرية ودورها الثقافي عامة وبرامج وفعاليات الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر خاصة، وفي هذا الجزء تسعى الدراسة إلى تحديد ملامح هذا الواقع من خلال رصد أهم التحديات التي تواجه هذه المنظمات خاصة تلك التي طرأت واستجدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

فعلى الرغم من أن الجمعيات الخيرية والإنسانية وغيرها من المنظمات الأهلية عالمياً وإقليمياً ومحلياً، عاشت جملة من المشكلات المرتبطة بالتغيرات الكبرى التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين من القرن الفائت اللذين سجلا اتساعاً كبيراً لهذه الظاهرة على الصعيد العالمي مع تطور مفهوم دورها وبنيتها الداخلية وعلاقتها بالمجتمع السياسي والمجتمع الأهلي،  سواء كان ذلك على الصعيد المحلي أو الصعيد الدولي، على الرغم من ذلك إلا أنها قد شهدت تغيراً كبيراً في مفهوم السيادة وحق التدخل، كما تطورت من ظاهرة تطوعية إلى أن أصبحت أكثر مهنية من ذي قبل سواء في بلدان الشمال أو الجنوب، وجاءت عولمة القطب الواحد لتعيد رسم معالم الهيمنة والتأثير على الصعيد العالمي. ولقد أدركت الحكومات والتجمعات السياسية المختلفة أهمية احتواء هذه الجمعيات فسعت للتأثير عليها وحاولت بعض الاتجاهات والتحركات العالمية توظيفها لغايات سياسية وثقافية، ويمكن القول أن هذه الإشكالية تشكل اليوم واحدة من أصعب المعادلات الحقوقية والقانونية والمدنية في النسيج المجتمعي الإقليمي والعالمي.

ويأتي الصعود الكبير للمنظمات الإسلامية ليعطي بعداً جديداً لهذه المشكلات، فمن جهة تستمد معظم هذه المنظمات نقاط قوتها المالية والبرامجية من مجتمعاتها وبالتالي فهي ليست بحاجة إلى اتباع أجندة غربية لتمويل مالي أو مساعدة لوجستية، ومن جهة أخرى تتميز بالقبول الواسع للمشاركة من قبل المسلمين، ومن هنا تخوفت العديد من الحكومات الغربية من هذه الظاهرة وتخوفها أكبر من استعمالها السياسي(1).

ومثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م بالنسبة للمنظمات الخيرية الإسلامية نكبة بكل المعاني : فقد تحولت من مجرد مضايقات متفرقة ضد كل الجمعيات ذات السمة الإسلامية إلى مواجهة حقيقية استعملت فيها القوانين الاستثنائية وأساليب الأدلة السرية لتغطية التجني الذي أصاب عدداً كبيراً من الجمعيات المعروفة بمهنيتها العالية وحسن أدائها، شملت هذه التصرفات تجميد المداخيل، وتجفيف مصادر الدعم، والتصنيف التعسفي في خانة الإرهاب، والمراقبة المستديمة بشكل ينفر الجمهور ويخيف المتطوعين، بل وقد وصل الأمر إلى تعذيب متطوعين في إحدى الجمعيات الخيرية من قبل القوات الإيطالية التابعة للأيسفور (الكوسوفوذم) في انتهاك فاضح للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية(2).

وقد أبرز الخطاب الصحفي العربي العديد من أوجه التحدي من خلال الأحداث والمواقف اليومية التي يشهدها واقع هذه المنظمات. وإذا كانت هذه التحديات تعكس أهم ملامح المناخ التي تعيشه المنظمات الخيرية في الوقت الراهن وتأثيراته السلبية على خططها وبرامجها الثقافية، فإن ثمة بعداً آخر يبرز فعاليات منظمات مضادة تتركز جهودها على اختراق جميع الجدر، التي من شأنها حماية الأفق الثقافي للمسلمين في المهجر وتجعل من النشء المسلم في هذه البلاد بؤرة اهتمامها. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها إحدى المجلات الإسلامية الأمريكية المتخصصة على أبناء المسلمين وتحولاتهم الاعتقادية دلت نتائجها على أن تسعة أطفال من أصل عشرة يولدون لأبوين مسلمين في أمريكا يصبحون عند بلوغهم سن الرشد ملحدين، أو أنهم لا يبدون الولاء بالانتماء إلى أي ديانة، وثمة قناعة عامة بأن الأسرة المسلمة أو العائلة المهاجرة تستغرق ثلاثة أجيال حتى تذوب تماماً في المجتمع الأمريكي، ويحذر (جفري لانج) من ذوبان الجيل الثاني من أبناء المسلمين في الضياع الغربي منبهاً إلى أن التعليم هو أول خطوط الحفاظ على الهوية الإسلامية، ويرى أن مسألة الهوية والحفاظ عليها مرهون بمدى قدرة التعليم الإسلامي على محاورة الثقافة الغربية والإجابة عن تساؤلاتها بعمق ومدى توافقه مع الفكر التقدمي الصارم في الغرب والمناخ الثقافي السائد(3).

وتشير استطلاعات الرأي التي أجريت حديثاً عن أحوال المسلمين في أمريكا إلى انتهاك الحقوق المدنية والترويع، وأن أكثر أنواع التمييز التي تعرض لها مسلموا أمريكا كانت الإساءات اللفظية، ثم الاستقصاء الديني والعرقي ثم التمييز في أماكن العمل(4).

وتؤكد بعض التقارير المعنية بأبناء المهاجرين المسلمين والعرب في لندن بأن النشء ينصاعون للأهل في البداية ومع انخراطهم في الوسائط الاجتماعية والتربوية يتمردون وأحياناً ينتحرون، وأنهم يعيشون أزمة هوية متعددة الوجوه وتزداد عمقاً كلما تم تجاهل نقاط الاتفاق التي من شأنها أن تقربه من المجتمع الذي يعيش فيه، ناهيك عن الإهمال الذي يعيشونه بحكم أنهم ذوي احتياجات وسمات خاصة وخصائص مغايرة(5).

وتوضح تحليلات الكثير من المسؤولين في المؤسسات الخيرية أن محاولة الإيقاع بالعمل الخيري لها أبعاد دينية وسياسية وإيديولوجية، القصد منها إبعاد هذه المنظمات عن الساحة ليخلو الجو ويصفو للمنظمات التبشيرية كي تسرح وتمرح في أوساط المسلمين في بلاد المهجر وغيرها(6)، مما يؤكد أن لب القضية في استهداف المنظمات الخيرية وجهودها في بلاد المهجر هو النشء المسلم، تقطعه عن جذوره، وتفصله عن مرجعيته، وتشكله وفق الثقافة الغربية، وتذوب فيها، فتضيع معالم هويته، ويمثل ذلك بعض الهجوم على الأمن الثقافي للطفل في بلاد المهجر.

فما مفهوم الأمن الثقافي وما أهم مقوماته وكيف يمكن مواجهة هذه التحديات وتحقيق الأمن الثقافي وما الدور الذي يمكن أن تقوم به المنظمات الخيرية في هذا المجال.

ثالثاً : الأمن الثقافي (المفهوم والمقومات).

 

مفهوم الأمن الثقافي :

يعد مفهوم الأمن عامة من المفاهيم ذات الثراء في المعنى، وفيما يلي بيان موجز لذلك(7) :

1. عدم الخيانة : فالأمن والأمان والأمانة والأمنة نقيض الخوف، ولذا يقال أمن فلان يأمن أمناً وأماناً إذا لم يخف، وقد أمنته ضد أخفته، ورجل أَمَنَة أي يأمن من كل واحد، وقيل يأمنه الناس ولا يخافون غائلته.

2. التصديق : فأصل الإيمان التصديق وهو مصدر آمن من يؤمن إيماناً فهو مؤمن.

3. الحفط : فقد قيل إن الأمّنة ـ وهي جمع أمين ـ هم الحفظة، والمفرد حافظ، وأصل الحفظ الأمن من خوف الضياع، والمأمون هو من يتولى رقابة الشيء والحفاظ عليه.

4. الطمأنينة : فالرجل الآمن هو من يطمئن إلى كل واحد ويثق بكل أحد، والبلد الآمن هو من يطمئن به أهله.

5. الدين : فالرجل الأمين أيضاً هو الذي  له دين، وقيل مأمون به الثقة، ويقال الأصل أمنتك وأمنك أي دينك وخلقك، والتاجر الأمين هو ذو الدين والفضل.

6. الثقة :  فمؤتمن القوم هو الذي يثقون فيه ويتخذونه أميناً حافظاً.

7. القوة : فالأمين هو القوي لأنه يوثق بقوته، ولذلك يقال ناقة أمون أي أمينة وثيقة الخلق.

8. الإجارة وطلب الحماية، واستأمن إليه استجار وطلب حمايته، ويقال لك الأمان أي أمنتك.

9. السلم : فيقال أمن فيه أي سلم، كما ذكر ذلك في >المعجم الوسيط< وإن لم يستدل عليه في لسان العرب.

وعلى الرغم من الثراء اللغوي لمفهوم الأمن فإن إطلاق المفهوم على علاته دون تحديد أي معنى من معانيه قد يؤدي إلى نوع من الالتباس أو الخلط بين هذه المعاني ومن ثم إلى تشويه المفهوم في النهاية بل وإلى الغموض، ولذلك فإن الفيصل الأساس في تحديد أي معنى من معاني الأمن هو طبيعة الموقف الأمني المراد والتعبير عنه.

ويشير المفهوم العام للأمن إلى أنه >عدم توقع مكروه في الزمن الآتي<، ويتضمن هذا المفهوم البسيط  للأمن عدة عناصر متكاملة :(8).

الأول : أن الأمن تعبير عن سنة إلهية من حيث أنه لا يخرج عن سنن الله في خلقه وفي تدبيره للكون وتسييره للحياة، وهو باعتباره سنة نعمة من النعم التي قد يبتلي الله بها ابتلاء اغترار أو ابتلاء تضييع.

الثاني : أن الأمن حالة شعورية، إذ لا قيمة له إن لم يوجد الإحساس به. ويتولد الشعور بأن ثمة فارقاً بينه وبين الخوف، وإن لم يتحول ذلك كله إلى إدراك حقيقي يتمخض عنه سلوك يؤكد أن ثمة ما يطمئن على السعي في الحياة والحركة لإعمارها وإصلاح المفاسد في مناحيها ومقاصدها ومناهج الاقتراب منها.

الثالث : أن طبيعة الأمن كإحساس أو شعور تستلزم كائناً حياً، إنساناً أو غيره، ولذلك حرص الإسلام على أن يغلف الأمن حياة الإنسان، وحياة الكائنات الحية الأخرى المسخرة لخدمته ونفعه، ومساعدته على أداء رسالته الاستخلافية.

الرابع : أن الأمن لكونه حالة شعورية هو اطمئنان إلى عدم توقع مكروه في الزمن الآتي أياً كان شكل ومصدر هذا المكروه، فقد يصيب الدين أو العقل أو النفس أو العرض أو المال وقد يصيبها كلها، بيد أن عدم توقع المكروه لايعني أن الأمن حالة مستقبلية فقط، ذلك أن من لا أمن له في حاضره لا أمن له في مستقبله، وإنما تنطلق الثقة في أمن المستقبل من الإحساس الحقيقي بأن أمن الحاضر موضع للشك فيه.

الخامس : أن الأمن إذا كان لا ينفصل عن الزمن بحال من الأحوال في الحاضر والمستقبل فهو أيضاً لا ينفصل عن المكان، وكفى في هذا المقام بأن أهمية اعتبار المكان عاملاً أساساً في الأمن قد تفسر لماذا ألصق الإسلام صفته ـ أي الأمن ببعض الأماكن المقدسة ـ الحرم الآمن، والبلد الآمن.

وأما مجموعة التحديات التي تهدد أمن الطفل المسلم في المهجر ثقافياً يصبح الأمن الثقافي لهذه الفئة من أهم الأهداف التي تسعى المنظمات الإسلامية لتحقيقه.

إن الأمن الثقافي يعد عنصراً لا غنى عنه من عناصر التكوين والتشكل ومظهراً من مظاهر القدرة على التحرر من المؤثرات الموجودة في بلاد المهجر، فهو أعلى مظاهر استرداد الهوية التي سعت قوى الشر والبغي عبر التاريخ إلى إنهاء خطوط الدفاع الفكرية والعقدية خطوة أولى لعملية الاستيعاب والسيطرة. ويخطئ من يعتقد أن الأمن الثقافي هو عبارة عن غلق الأبواب والانطواء على النفس وتكثير لائحة الممنوعات، والابتعاد عن وسائل الاتصال والإعلام الحديثة، فالأمن الثقافي لا يشكل حالة سلبية تتجسد في صد الناس عن المخاطرة المحتملة بل إن الأمن الثقافي يعني : توفير الثقافة الصالحة للناس حتى يتمكنوا من خلالها أن يعيشوا حياتهم المعاصرة بشكل سليم وإيجابي، وهو يعني بناء قوة الوجود الثقافي الذاتية التي تقوى لا على المقاومة والصمود فحسب وإنما على الاندفاع والملاحقة والفعل المؤثر، ولكي تتحقق هذه المقولة نعتقد أن مفهوم الأمن الثقافي يعتمد على عنصرين أساسين(9) :

1. الاعتزاز بالذات الثقافية الحضارية : لأن الذات الثقافية بمثابة الإطار أو الوعاء الذي يستوعب نتاج المثقف، لذلك فإن نتاج المثقف ينبغي أن ينطلق من الخطوط العريضة وروح الثقافة الذاتية بما تمثله هذه الثقافة الذاتية من رموز وأفكار وقيم.

2. الانفتاح والحوار مع الثقافات المعاصرة : لأن الثقافة عملية مستمرة لا تتوقف عند حد أدنى تكتفي لتوفيره للناس، وإنما هي تهييء الأرضية لعملية انطلاق ثقافي تأخذ من الموروث الثقافي، والانفتاح على الثقافة المعاصرة نقطة انطلاق وارتكاز في جهدها الثقافي الراهن. فالأمن الثقافي لا يعني بأي شكل من الأشكال الاحتماء من الثقافة المعاصرة تحت متاريس الأرض، بل يعني الاعتزاز بالذات الحضارية مع هضم معطيات الآخر الحضارية، لأن الانطواء والانغلاق عن العصر وثقافته ومنجزاته هما إفقار للوجود الذاتي. لقد وهب الإسلام الناس قدرة البناء، وأغناهم بروح الجهاد، وبث فيهم روح الاقتدار، كما أتاح لهم حال الرضا لكل ما تفرضه عليهم موجبات الحياة الوادعة والآمنة، وهي قدرة تباشر الضعيف فيقوى، وتباشر القوي فتنمي قوته ويعظم إيمانه وتستقيم حياته. وتمتد لتحمي النشء المسلم أينما كان مع تقدير حجم وقوة الأخطار الثقافية المحيطة به.

وإذا كانت الدراسات المعنية والتجارب الوطنية قد أثبت إبداع المنظمات الخيرية التطوعي في مواجهة الانحراف والجريمة والمخدرات وغيره من مؤشرات الأمن الاجتماعي في تعامل حي مباشر مع أخطاره ومظاهره، فإن روادها ومؤسساتها ـ فضلاً عما تقوم به في مجال الفكر والثقافة ـ يمكن أن تسهم بدور أكبر فعالية في مواجهة الأخطار والتحديات الثقافية ومن ثم تحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر، ويأتي طرح الدراسة الحالية كمساهمة في تأسيس أهم المعالم والمحاور التي يجب أن ترتكز عليها استراتيجية العمل لتحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر وذلك من خلال المحاور التالية :

 

مقومات تحقيق الأمن الثقافي

إن السعي لتحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر والتعويل على المنظمات الخيرية في الاضطلاع بمهام ومسؤوليات دون دراسة المقومات الكفيلة بتحقيق ذلك الأمن ومدى توافرها في هيكل تلك المنظمات، يعد ضرباً من التجريد التصوري الذي ينقطع عن الواقع. ومن ثم فإن تحديد أهم المقومات يبرز الأرضية المشتركة التي يتحرك في فضائها الجميع، وتمثل أهم مقومات تحقيق الأمن الثقافي فيما يأتي :

 

المقومات الفكرية :

انطلاقاً من طبيعة الثقافة الإسلامية ووظيفتها في بناء الأمة ودورها ومضمونها ومسؤوليتها الحضارية فإن الأمن الثقافي يتضمن الحفاظ على عموميات وخصوصيات هذه الثقافة في أبعادها ومجالاتها ومظاهرها وتعبيراتها المختلفة، ومن خلال السعي الدائب لأداء دورها التاريخي والحضاري في سباق الزمن عن طريق المشاركة الفاعلة في التصدي لأخطارها، فالثقافة لا ترتجل ولا تستورد ولا تنشأ من العدم لأنها ترتبط بأمة معينة وتعبر عن معطيات فكرها ووجدانها في آن معاً، والثقافة لا تصنع بإصدار اللوائح والقوانين لأنها محصلة نهائية لمزاج الأمة وتفاعلها الاجتماعي، والثقافة توجه وعي الإنسان بقيمها الروحية نحو موقعه المنفرد في الوجود الإنساني.

وعليه فإن الإسلام هو صاحب الفضل في الأساس في التشكيل الثقافي للأمة، ويمثل المنطلق والمعايير والغاية التي على ضوئها يتم التعامل مع مفردات الثقافة المختلفة، وفي ذات الوقت هو المحرض على العمل التطوعي، ومن ثم فالمقومات الفكرية للأمن الثقافي تتمثل في الإسلام بتعاليمه وأحكامه ومضامينه الثقافية والاجتماعية وهي مقومات لا تتوافر لدى جميع فلسفات المجتمع المدني في الدول  الغربية التي حققت تقدماً مبدعاً في الفعاليات الثقافية لمؤسسات المجتمع المدني وهي المعنية بتكريس جهدها وخططها لإحكام التصويب الثقافي بأخطاره ومحتوياته للثقافة الإسلامية.

إن مقومات الأصالة في الثقافة الإسلامية تتمثل في الجوانب الجوهرية والبذور الحقيقية التي ينبع منها الصيغة المميزة  للثقافة وهي تمثل المرتكزات الأساسية لأي تجديد أو تخطيط ثقافي وتتمثل هذه الركائز في(10) :

ـ الدين الإسلامي : القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة وعقيدة التوحيد التي تشكل العقل وتكوّن التلاحم العضوي بين الأفراد والمؤسسات.

ـ التاريخ الحضاري المشترك الذي يربط بين أواصر وأصول الأمة.

ـ اللغة العربية وعاء الثقافة الإسلامية الأصيل.

ـ التراث المشترك.

 

المقومات المادية :

يحتاج الأمن الثقافي إلى إمكانات مادية، وتعد الإمكانات المادية أحد أهم المقومات الأساسية لفعاليات تحقيقه، وتعتمد المنظمات الخيرية الإسلامية في تمويلها على البذل والعطاء والتبرع المادي ومن ثم فدراسة اقتصاديات الإنتاج الثقافي ضرورة أولية لتأمين الموارد الضرورية للإنتاج الثقافي، هذا ويشير واقع التمويل إلى توافر الدعم المادي الذي يمكن، وفق خطط منظمة، الإسهام الفعال في الجوانب المختلفة لمقتضيات تحقيق الأمن الثقافي.

 

المقومات التنظيمية :

إن ممارسة مفهوم الأمن الثقافي يقتضي عمل مؤسسي منظم ليتمكن من رصد التحديات وقياس أثرها ونتائجها والتخطيط لمواجهتها في المجال الثقافي، ومن ثم فطبيعة العمل في مجال الأمن الثقافي طبيعة تشاركية منظمة لها برامجها ومشاريعها، وتفي الطبيعة التنظيمية والتشاركية التطوعية الخيرية للمنظمات الخيرية الإسلامية بذلك الغرض، إذ تؤكد التطورات الحادثة في النهج الإداري لتلك المنظمات على مدى الحرص على تطوير الأنظمة واللوائح التي تكفل تفعيل أداء المؤسسات والجمعيات واللجان ذات العلاقة برعاية المسلمين في الخارج.

ويتضح من العرض الموجز لمقومات الأمن الثقافي وعلاقة ذلك بالعمل التطوعي مدى قدرة المنظمات الإسلامية في المجتمع المسلم على إنجاز دور كبير في تحقيق الأمن الثقافي، ويوضح ذلك الشكل التالي :

 

رابعاً : استراتيجية مقترحة  لدور المنظمات الخيرية في تحقيق الأمن الثقافي لطفل المهجر.

ترتكز استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي هذه على تلبية الاحتياجات التربوية للنشء المسلم في بلاد المهجر حفاظاً على الهوية الإسلامية بمنطلقاتها وخصائصها، وما يتوجب العمل بمقتضاه لنشر الثقافة الإسلامية وترسيخها لديهم على أسس تتلاءم ومتغيرات العصر الراهن بغية التعاطي مع الثقافات الأخرى، فيما لا يتناقض مع الثوابت والمقومات الأساسية للثقافة الإسلامية، وتطمح إلى المساهمة في تكوين وتنمية ثقافة جديدة في التعامل مع أوضاع الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية، وتستند هذه الاستراتيجية إلى المرجعيات التالية: (11)

ــ المرجعية الثقافية والقيمية والروحية الإسلامية التي توحد المسلمين كافة.

ــ التوجه الثقافي الإسلامي الأصيل والمنفتح الذي يتسم به نشاط المنظمات الإسلامية.

ــ التحول الشامل الذي أخذ يبرز في الأوضاع العالمية والذي يقتضي اعتباره والتحسب له مع المحافظة على الهوية الإسلامية للجاليات كي لا ينالها التفتت.

ــ الخبرة العريضة بواقع الجاليات الإسلامية وأوضاعها في الغرب، والذي تعكسها الأدبيات المختصة والوثائق المعدة من قبل المعنيين بمجال العمل الإسلامي المشترك الموجه للجاليات والأقليات المسلمة.

وتتمثل أهم محاور الاستراتيجية المقترحة فيما يلي :

أ) الأهداف :

ضمن إطار حركة التخطيط الشامل لبناء الثقافة الإسلامية ومواجهة الأخطار الثقافية المحيطة والمساهمة في تحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر تصبح المنظمات الخيرية الإسلامية معنية بالإسهام في تحقيق الأهداف التالية :

1. تنمية الهوية الإسلامية وإحياؤها وتجديدها.

2. توليد الثقافة الذاتية التي تحول دون الاستلاب الثقافي.

3. مواجهة الغزو الفكري الذي يمثل كافة أبعاد التشكل والتنشئة للطفل المسلم في المهجر.

4. تنمية التفاعل بين مظاهر الثقافة المتنوعة في المجتمعات الإنسانية.

5. تنمية التفاعل بين الثقافة الإسلامية والثقافات العالمية الأخرى.

6. تحقيق ديمقراطية الثقافة ومشاركة الجماهير الواسعة في بنائها واكتسابها.

7. تحقيق التكامل والترابط بين التنمية الاقتصادية والتنمية الثقافية والاجتماعية.

8. تنمية قوى الإبداع لدى المواطن.

9. مقاومة ثقافة الاغتراب التي تتمثل آثارها في(12) :

أ) لغة الاغتراب التي تتميز بعدم الوضوح والاستخدام غير الواعي للمفاهيم المستوردة.

ب) الفصل بين الفكر والعمل وما يرتبط بها من احتقار العمل اليدوي واستصغار شأنه.

ج) المعنى الوهمي للحرية المتمثلة في حرية الابتعاد عن الواقع والانسياق وراء تصورات لا ترتبط بأبعاد الواقع.

د) الاعتماد الكلي على مصدر واحد من مصادر الثقافة وهي الثقافة العربية

هـ) الفصل بين الدين والدنيا وحصر الدين في شعائر محدودة.

و) التناقض بين الأخلاق والسلوك.

10. مواجهة الانبهار بالثقافة الغربية

11. التعامل المبدع مع الإعلام العصري

12. المشاركة في النشاطات التربوية والتعليمية

ب) منهجية المنظمات الخيرية في تحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في بلاد المهجر وربط طفل المهجر بهويته الإسلامية الأصيلة.

في إطار الالتزام الواعي بقضايا الانتماء الوطني والإسلامي يجب أن تتجاوز استراتيجية العمل أساليب المدح والهجاء إلى عمليات التحليل والنقد الذاتي التي تتمثل أهم معالمها فيما يلي :

1. بناء ذاتية الطفل المسلم وتزويده بالأدوات العلمية والعقائدية الكفيلة بتمكينه من المواجهة بعيداً عن عقدة النقص أو الذوبان على أساس أنه الأقوى بعقيدته وأصالته.

2. المساهمة في التوجيه القيمي للمسلمين في المهجر من الكلام عن العدد والأموال إلى الكيف في الإعداد الثقافي والعلمي انطلاقاً من مقومات العقيدة والثقافة الإسلامية.

3. تحصين المسلم في المهجر بالوعي العلمي الذي هو سمة العصر حتى يتخلص من مرحلة التلقي والتقليد والوقاية والدفاع لينتقل إلى مرحلة الإبداع.

4. إن الثقافة العربية هي مفتاح الإسلام وأساس المحافظة عليه ومن ثم فإن إضعاف هذه الثقافة أو عدم تمكينها من النمو والازدهار العلميين إنما هو إسهام مع العدو وإيديولوجيته في العمل على تقويض تعاليم الإسلام وبالتالي تحطيم المجتمع المسلم.

5. الوعي بخطورة الجبهات التي تفتحها هذه الإيديولوجيات وسد النوافذ التي تتسلل منها السموم كالمذهبية والطائفية والإقليمية والشعوبية. 6. الجمع بين الأصالة التي تخلو من الانكفاء والجمود وبين المعاصرة التي لا تدفع الأجيال نحو الانسلاخ عن الثوابت.

7. الجمع بين الثابت والمتغير على النحو الذي يحفظ  للإنسان خصائصه الراقية ويجدد أشكال الحياة وتنظيماتها.

8. شمول النظرة والتفاؤل لأصول الفكر ومسائل الحياة والابتعاد عن الجزئية.

9. تبني النهج الحضاري والثقافي والديني مع الاطلاع على الثقافات الأخرى في سياق تشكل الفعل الثقافي للجيل المقبل.

10. النظر إلى أصول الفكر ومشكلات الواقع وفق منهجية تنظيمية تستند إلى فقه أولويات ذلك الفكر وهذا الواقع.

11. أن تلعب المنظمات الخيرية دوراً تشاركياً في الجهود التربوية بغية إعادة الثقة بثقافة الأمة وتاريخها وحضارتها وقيمها.

12. التعاون مع قطاع الإعلام والثقافة لتصحيح المفاهيم الخاطئة والصور المشوهة التي تتبناها المؤسسات التغريبية والتنصيرية والاستعمارية في مجالات العقيدة والأسرة والشخصية الإسلامية والعربية والتاريخ العربي ـ الإسلامي والعقل الحضاري.

13. تأهيل الكوادر البشرية اللازمة والقادرة على إيجابية التأثير.

14. الإسهام في ربط السياسة الثقافية بالسياسة الإعلامية.

15. تطوير الصناعات الثقافية.

16. تخطيط النشاطات الثقافية وإدارتها وتمويلها.

 

ج) محاور الاستراتيجية.

في الإطار الثقافي لايمكن حصر أبعاد الدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسات العمل التطوعي، إذ إن ذلك مرهوناً بالتحديات التي تسفر عنها متغيرات العصر والمخططات والصدامات الحضارية وأفاعيل الثقافة العالمية، ومن ثم فإن الاستراتيجية التي تقدم الدراسة بعض معالمها أوضحت الأهداف وآفاق العمل ومنطلقاته، كما أن مجالات العمل مرهونة بتلك الكفاءات التطوعية وتوجهاتها في خدمة المسلمين في المهجر وتحقيق أمنهم الثقافي وفق نظام المؤسسات والجمعيات واللجان ذات الصلة وترتكز الاستراتيجية تحقيقاً لرسالتها على المحاور التالية :

1. أن تنطلق استراتيجية العمل من تشخيص حقيقي لواقع المنظمات كَمَّاً وكيفاً، يشمل الكوادر البشرية العامة ومستوى تأهيلها والإمكانات المتاحة، إذ تشير بعض الدراسات المعنية بإحصاء المنظمات الإسلامية في أمريكا الشمالية إلى أنها بلغت 2283 منظمة، وتصنيفها إلى فئات يوضحها الجداول التالية(13) :

المجموع الكلي للمنظمات : 2283.

 

 

 

وتوضح الجداول السابقة إلى أي مدى تشهد المنظمات نمواً مضطرداً كما تسعى إلى توطين نفسها في المجتمع محل الدراسة، وفي هذا الصدد تطرح الاستراتيجية الحالية المحور الأول في فعاليات هذه المنظمات حسب سياق العصر والمجتمعات الغربية في إطار الرسالة التي تسعى إلى تحقيقها وهي :

أ) البحث عن قيادات لهذه المنظمات تمتلك من المقومات الفكرية والدراية الكافية بالمجتمع الذي توجد فيه ما يمكنها من تحديد أولويات العمل وفق خطة طويلة/قصيرة المدى تستوعب الأنشطة والمجالات المختلفة التي تهدف إلى تحقيق الأمن الثقافي للطفل المسلم في المهجر.

ب) أن يتم التعاون والتنسيق بين هذه المنظمات مهما اختلفت فئاتها ومدار تركيزها تلافيا لتكرار الجهود ومنعا للازدواجية في حالة كون الغاية واحدة لكافة هذه المنظمات.

ج) أن يتجاوز التعاون والتنسيق البعد المكاني بحيث تنخرط أنشطة تلك المؤسسات المتواجدة في ولايات مختلفة داخل المجتمع الواحد في منظومة واحدة ويتوقف ذلك على ما تمتلكه القيادات من عمليات التواصل والإلمام بمعطيات الحاضر والقدرة على بلورة سيناريوهات العمل المستقبلي.

2. في ظل تشخيص المحيط العالمي والمناخ الثقافي الراهن الذي تعيشه الثقافة الإسلامية عامة والمنظمات خاصة يجب أن ترتكز الاستراتيجية المقترحة علي تكوين هيئات استشارية من ذوي الكفاءة والسمعة الطيبة تتمثل مهمتها في تحليل الخطاب ورموز وقادة الفكر الغربي الإعلامي والثقافي تجاه الإسلام والمسلمين، والتواصل معهم من خلال تصحيح الأغاليط وإزالة التشويه الذي تحرص عليه دوائر ومنظمات عدائية للإسلام بغية التأثير على الرأي العام في المجتمعات الغربية مما ينعكس سلباً على النظرة في المنظمات ومحاولة تقييد جهودها، ويهدف هذا المحور إلى تحسين المناخ السائد وبيئة العمل التي تعد شرطاً أساسياً ومقتضى من مقتضيات نجاح الخطط المرسومة.

وفي هذا الإطار يقترح التركيز على :

أ) إيجاد لجنة لمتابعة الخطاب الغربي في المجتمع الذي توجد فيه المنظمة يقوم على رصد ما تدلي به الدوائر المعنية وإحصاء ما تطرحه وتحليله والرد عليه.

ب) العمل على إيجاد وامتلاك آليات للبث الثقافي والفكري والنشر تمكن لحركة تصحيح المفاهيم وتوضيح الحقائق والوصول إلى المتلقي، وتكشف عن كونه التوجيه المضاد في إطار من التفاعل والتواصل الثقافي في إطار خلق مواقف ينشأ عنها بؤر المواجهة والصدام.

ج) من خلال مراكز البحث والدراسات التي تتبع هذه المنظمات يتم بشكل دوري استكتاب المتخصصين في موضوعات يحتاجها الواقع الثقافي في المهجر وفق حركة النشر الفكري والثقافي وموقفها من المسلمين. وتؤمن للكتاب نفقات التشخيص ومصادر المعلومات حسب خطتها الثقافية الساعية إلى تعديل صياغة العقل الجمعي الذي تأثر بموروث ثقافي وحاضر إعلامي ضد الإسلام والمسلمين.

3. تشخيص واقع الاحتياجات الاجتماعية والتربوية للنشأ في بلاد المهجر من خلال رصد مستمر لِكََمِّ المشكلات والصعوبات التي تواجه الأسرة والنشأ والعمل على مواجهتها ويقتضي ذلك :

أ) توفر الإحصاءات عن المسلمين في بلاد المهجر.

ب) التصنيف العمري حسب مراحل النمو.

ج) التواصل معهم للتعرف على مشكلاتهم واحتياجاتهم الاجتماعية والتربوية

د) متابعة الوضع التعليمي للنشأ ومدى تكيفهم الثقافي والاجتماعي.

هـ) طرح برامج وفعاليات اجتماعية وثقافية حسب طبيعة البيئة وأعداد المسلمين والإمكانات المتوافرة تستوعب حياتهم ومشاركتهم الإيجابية وطاقات النشأ بما يحقق لهم الارتباط بجذورهم من ناحية وتحقيق الأمن الثقافي من ناحية أخرى.

و) الحرص على استقطاب كوادر بشرية متخصصة في التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس من المسلمين المتواجدين في المهجر كمتعاونين متطوعين أو كأعضاء في المنظمات حسب الحاجة.

4. تعتمد الاستراتيجية المقترحة في محورها الرابع على تدريب الكوادر العاملة في هذه النظمات وفق المهارات المطلوبة وأشكال الأداء المختلفة واختيار هذه الكوادر على أسس معينة تراعي طبيعة العمل في هذه المنظمات من ناحية وطبيعة البلد الذي توجد فيه المنظمة من ناحية أخرى.

ولما كانت عملية الاختيار لها أبعادها ومعاييرها حسب نوع المنظمة ومواردها، فثمة جهود تدريبية يجب أن تؤمن لهذه الكوادر ومن ثم نقترح :

أ) توصيف القدرات والمهارات المطلوبة للعمل في هذه المنظمات حسب الفئات الوظيفية التي تقتضيها طبيعة العمل.

ب) إعداد برامج تدريبية بأنواعها (التدريب على رأس العمل ـ التدريب التحويلي  ـ التدريب وإعادة التدريب) تفي بالاحتياجات التدريبية لتلك الكوادر.

ج) أن تستغل هذه المنظمات فرصة وجودها في تلك البيئات التي تتوافر فيها منطق التدريب المتطور وتقنياته في تنمية مهارات التواصل والتفاعل والتداخل كآليات ضرورية للعمل في بيئات التنوع الثقافي في بلاد المهجر.

د) أن يتم تبادل الخبرات بين المنظمات في المجتمعات المختلفة بغية الإثراء والتطوير المستمر.

5. أن تراعي الاستراتيجية كافة المجالات ذات العلاقة بالتنشئة وتحقيق الأمن الثقافي  لطفل المهجر ويقتضي ذلك اتساع دائرة العمل  لتشمل :

أ) مجال الأسرة وما تحتاجه من تأطير اجتماعي يكفل الأسرة المسلمة، والقضاء على أسباب القلق والتوتر والاضطراب وتوفير الاستشارات التي تكون الوعي وتنميه، وتشارك في صياغة المجتمع من خلال حملة من الأنشطة والفعاليات التي تحقق هذه الأغراض.

ب) الاهتمام بالمرأة ومشكلاتها الخاصة وحقوقها وواجباتها والوفاء باحتياجاتها التدريبية التي تؤهلها كعنصر نشط في تحقيق الأمن الثقافي للنشء والأسرة، وتحريرها من المفاهيم المعيقة لعملها.

ج) التركيز على فئة النشء والشباب خاصة أبناء الجيلين الثاني والثالث إذ دلت نتائج الدراسات على أنهم يعانون العديد من المشكلات التي أثرت على هويتهم وصحتهم النفسية وتكيفهم الاجتماعي ومن ثم يجب أن يكون الاهتمام بهم من أولويات الاستراتيجية الهادفة إلى تحقيق الأمن الثقافي بوصفهم أطراف مشاركة ومتفاعلة مع الطفل في المهجر.

د) مساهمة كافة الوسائط الاجتماعية والدينية والتربوية في بلورة محيط اجتماعي وثقافي وتربوي لطفل المهجر، تحقق له السلامة البدنية والنفسية والعقائدية والاجتماعية ولا تسمح باختراق الجدر الأساسية التي تحمي أمنه الثقافي.

هـ) الانفتاح على المجتمع والبيئة المحيطة من خلال فعاليات بيئية واجتماعية تقوم بها المراكز الإسلامية في الحي والمحيط القريب تركز على السلوكيات التي تجسد حضارة ورقي المسلمين من ناحية وصيغ التعامل مع كافة الأطراف على ضوء هدي الإسلام الحنيف من ناحية أخرى.

 


(*) أستاذ الثقافة الإسلامية المشارك ـ عميد كلية المعلمين بحائل ـ المملكة العربية السعودية.

(1) الجمعية العربية لحقوق الإنسان، مقدمة مؤتمر باريس للجمعيات الإنسانية والخيرية، المشكلات الأساسية وآفاق المستقبل، المزمع عقده في 2003/10/9م، مقدمة نشرة المؤتمر.

(2)  لمزيد من التفاصيل راجع:أحمد كاظم الراوي، آثار الأحداث في أمريكا وتداعياتها على المسلمين والمؤسسات الإسلامية في أوروبا، محاضرات منشورة على شبكة الأنترنيت، 2001/2/15م.

قبل إسداء النصيحة مقال منشور في مجلة العصر، مجلة يومية إلكترونية تحليلية، 2002/1/24م، 1423/6/21هـ.

ـ الوطن  العدد 525، 24 ذي الحجة 1422هـ، 8 مارس 2002م، ص 4.

مجلة المنار الجديد،  http: /www.almanar.net./issues/171/1.htm.

(3) جفري لانج، ارتباط الإرهاب بالإسلام بديهية ثقافية فكرية أمريكية، مجلة الدعوة السعودية، العدد 1859، 5 رجب 1423 هـ، ص 29-28.

(4) الرياض، العدد 12494، الأحد غرة رجب 1423، 8 سبتمبر 2002م، ص 28.

(5) الحياة، 28 مارس 2000م، 22 ذي الحجة، 1420 هـ، ص 18.

(6) الوطن، العدد 711، 3 رجب 1423هـ، 10 سبتمبر 2002م.

(7) مصطفى محمود منجود، الأبعاد السياسية لمفهوم الأمن في الإسلام، سلسلة الرسائل الجامعية (26)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة 1996م، ص 45-44.

(8) محمد محفوظ، الحضور والثقافة، المثقف العربي وتحديات العولمة، المركز الثقافي العربي، ط 1، الدار البيضاء، 2000م، ص 118-117.

(9

(10) محمود حمد النحري، الأمن الثقافي العربي، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1412 هـ، ص 206.

(11) المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم  والثقافة ــ إيسيسكو :

 ISESCO -  Organization Islamic Educational, Scientific and Cultural - -

..

 (12

((13) راجع ـ  شبكة النبأ المعلوماتية، الأخبار، كير تكشف عن أوسع دراسة لتطور المسلمين المؤسسي في أمريكا الشمالية.

  ـ علاء بيومي، المساجد في أمريكا تعود إلى دورها التاريخي، مجلة المستقبل الإسلامي، العدد 136، شعبان 1423 هـ، ص 13.

Untitled Document