|

أدبيات الطفولة في التراث الإسلامي
د. عبد الرزاق الحاج عبد الرحيم حسن(*)
قال تعالى : { وآتيناه الحكم صبيا ً} (1). وقال
رسول اللّه صلى الله عليه و سلم : >ما نحل والدٌ ولداً من نحل
أفضل من أدب حسن<، رواه الترمذي. وقال ابن عباس : >من قرأ
القرآن قبل أن يحتلم فهو مِمَّن أوتي الحكم صبياً<، المقاصد
الحسنة (2). وكان الحسن بن علي يقول لبنيه وبني أخته :
>تعلَّموا فإنكم صغار قومٍ اليوم، تكونون كبارهم غداً، فمن لم
يحفظ منكم الكتاب فليكتب<، "الكفاية في علم الرواية"(3).
مقدمة
تسود كثيراً من مناطق العالم سياسة تحديد
النسل، حتى أصبحت هذه السياسة أمراً مقضياً، فرضته بعض
الحكومات واقتنعت به بعض الشعوب كعلاج لتخفيف التضخم السكاني،
وخوفاً من أزمات اقتصادية جامحة قد يُحدثها، ويزيد من حدَّتها
عدم تحديد نسل البشرية، إذا هي تركت الحبل على الغارب، وقد بلغ
الخوف ببعض الدول من غول تكاثر النسل أن فرضت تعقيم الرجال
والنساء بعد المولود الأول أو الثاني.
بل إن الأسر في ظل هذه السياسة صارت تنظر إلى
النسل على أنه عبء مادي، وثقل اجتماعي، يكلف الأسرة من
اقتصادها وجهدها الشيء الكثير، ويعطّل نموها، ويعرقل خططها.
لذا فإن الاقتصار على عددٍ محدود جداً من الأطفال قد يكون
موضوعاً على الخطة الزوجية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نقرأ عن نسبة تدنِّي
المواليد في عددٍ من بلدان العالم، أعلاها يصل إلى 0,05،
وأدناها يصل إلى وسم الدولة بأنها عقيم.
ووصلت نسبة الأسر التي لا أولاد لها في بعض
البلدان إلى %40. وهناك بعض المجتمعات التي توصف بالشائخة إذ
ترتفع نسبة كبار السن ارتفاعاً ملحوظاَ وعالياً.
ومع ترسيخ هذه القناعات بهذه السياسة لدى
كثير من المجتمعات غرباً وشرقاً، وشمالاً وجنوباً، فإن
ازدهاراً واضحاً وملموساً في أدبيات الطفولة يبين عن اهتمام
وتخطيط، وعمل ومثابرة من أجل أجيال المستقبل.
وقد يكون ما لمسناه عند الآخرين من نهضة واضحة
في هذا الجانب جعلنا نقول : >ذكرتني الطعن وكنت ناسياً< فأخذنا
نبحث، ونحث الخطى مسرعين لنتبين مدى إسهام أمتنا في مجال
أدبيات الطفولة، ورحنا نتساءل عن الأسس التي اعتدمتها هذه
الأمة، شريعةً وتراثاً في بناء الطفولة، وهي الأمة الولود التي
حرَّمت شريعتها بنص الكتاب الكريم قتل الأولاد للضرورة
الاقتصادية، فقال عزّ وجلّ : {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق
نحن نرزقهم وإياكم}(4).
فكان تقديم رزقهم على رزق آبائهم دليلاً على أن أمر الأرزاق
ليس بأيدينا، ولا بجهدنا وجدّنا وكدِّنا، وإنما هو بيد الرزاق
ذي القوة المتين. ونجد النهيَ القاطع عن وأد البنات خشية
العار، يقول تعالى: {وإذا الموؤودة سئلت بأيِّ ذنب قتلت}(5).
وفضلاً عن ذلك، فقد شجَّع الإسلام على التناسل،
وأبان عن فضل ذلك، والأحاديث النبوية واضحة الدلالة في هذا
الأمر، فمباركة المرأة الولود، ومباهاة الأمم في كثرة التناسل،
والدعاء في مباركة الذرية، والدعاء لأشخاص بمباركة ليلتهما،
وتتبع الأحاديث الشريفة بهذا الصدد يطول، وليس من منهج البحث
تتبع ذلك، وإنما كان التعريج عليه في هذه المقدمة لنتبين
المنطلق الشرعي الذي يوضح السبق والتقدم لأمة دعت إلى الذرية
الصالحة قبل أن تكون، كما جاء في حديث دعاء الرجل قبل أن يأتي
أهله.
ونتساءل بعد هذه المقدمة، هل نستطيع الاعتماد
على مصادر ومراجع في تراثنا وتاريخنا الثقافي تؤسس للانطلاق من
خلالها لبناء طفولة واعية لدورها، مدركة لواجباتها، قوية في
بناءها، راسخة في إيمانها، سليمة في رؤاها واتجاهاتها، متوافقة
مع ما لها وما عليها، خادمة لمجتمعاتها وللإنسانية جمعاء ؟
إنَّ الإجابة على سؤال كهذا، تحتاج إلى هذا
البحث الذي نحن بصدده، لنتبين عمق الرؤية، وشموليتها في أدبيات
تراثنا الإسلامي.
وإذا كانت سهام النقد قد وُجِّهت نحو أدبيات
تراثنا بالتقصير، وبخاصة في أثناء حُمَّى الانبهار وبالنقلة
الواسعة في أدبيات الطفولة في الغرب، فإن هذا الاتهام يوجّه
إليه أيضاً بالتقصير في الرؤية أولاً، وفي البحث ثانياً.
ففي الرؤية فإن الإنجاز الغربي له إيجابياته
وسلبياته، ولو أن سلبيته الوحيدة هي :
التحديد الحاسم للنسل لإصابته في مقتل، فكيف
والبناء الأسري يتصدع ولا يقوم على أساس سليم.
أما في المنهج، فإن الأدبيات المضادة للفطرة،
المعادية للروح الاجتماعي، والهادمة لبنائه، تكاد تملأ على
الطفل حياته.
وإن كنا لسنا بصدد التوجه النقدي للكشف عن
سلبيات البناء الأدبي للطفولة الغربية في هذا البحث ـ وإن كنا
ندعو إليه ـ فإنَّ همنا هو الكشف عن هذا التقصير المشين الذي
يتبعه أصحاب الحكم قبل السماع، والصدور قبل الورود، والاتهام
قبل النظر.
لذا فإنَّ سيرنا سيحكمه المنهج الصحيح، والدليل
الواضح لتبيان الحقيقة، والكشف عن هذا الأساس المتين، والأثر
الواضح المبين لنسير في هذا الدرب على بصر وبصيرة.
من هنا فإن السير في هذا البحث سينطلق من خلال
أربعة فصول هي :
ـ الفصل الأول : أدبيات الطفولة في المنهج
النبوي "تأسيس وتأصيل".
ـ الفصل الثاني : أدبيات الطفولة الموجِّهة
والموجَّهة.
وفيه قضيتان :
أولاهما : في التأليف.
وأخراهما : في الإبداع (في الشعر والقصة،
والأمثال، والوصايا).
ـ الفصل الثالث : أساليب وطرائق الأدبيات
وعرضنا فيه للحفظ والرواية، والتدريب والممارسة كالمقافاة
والإجازة.
ـ الفصل الرابع : إبداع الطفولة والأدبيات.
وقد ركز هذا الفصل على ثلاث نقاط هي :
أ) الأطفال والشعراء.
ب) الأطفال النقاد.
ج) نوادر الأطفال وبلاغة البديهة.
الفصل الأول
:
أدبيات الطفولة في المنهج
النبوي "تأسيس وتأصيل"
من أساسيات البناء الإيماني أن لا تقف عند حد
الإيمان الفردي، أو المسؤولية الذاتية فقط، بل تتوجه إلى ذريته
ونسله : صعوداً وهبوطاً، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
فسيدنا إبراهيم عليه السلام عندما يُبشَّرُ
بالنبوة فإنه يعبر بهذا الخير من ذاته إلى غيره من ذريته، فهذا
الاصطفاء العظيم، والهبة الإلهية يتمناها لذريته فيقول :
{ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}(6).
والدعاء لهذه الذرية بالصلاح دنيا وآخرة كان منهجه عليه
السلام، وذلك في ما ورد حكاية عنه : قال : {ربنا إني أسكنت من
ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات}(7).
فالحرص على هذه الذرية، والدعاء لها بالأنس
والألفة والاجتماع، وتيسير الرزق لهم من خلال العمل على إقامة
منهج اللّه في الأرض، بعبادته، وإقامة الصلاة، هي سعيه الدؤوب
عليه السلام لصلاح هذه الذرية.
وامرأة عمران التي نذرت ما في بطنها للّه عز
وجل : {إذ قالت امرأة عمران ربِّ إني وضعتها أنثى واللّه أعلم
بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها
وذريتها من الشيطان الرجيم}(8).
وسيدنا زكريا عليه السلام يرى هذه الهبة
العظيمة لامرأة عمران، وما اختصت به ابنتها الصغيرة من الرزق
فيدعو ربه مخلصاً أن يرزقه الذرية الصالحة إذ كانت امرأته
عقيماً : { قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم
أكن بدعائك رب شقياً، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي
عاقراً فهب لي من لدنك ولياً }(9).
ويستجيب اللّه عز وجل دعوته ويبشره : {يا زكريا
إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً }(10).
ثم يتوجه اللّه عز وجل بالخطاب للطفل الصغـير : { يا يحيى خذ
الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً }(11).
فالإصلاح لا يتوقف عند حدود العمل، بل يتعداه إلى القول والحرص
على الدعاء، فالدعاء من واجب الآباء : { وأصلح لي في ذريتي }(12).
وذلك لأن صلاح الذرية معناه : صلاحها، وصلاح
المجتمع، وصلاح المستقبل، فشمولية الرؤية الإسلامية، وكمال
المنهج الإسلامي لا يقف عند حد، ولا يترك ثلمة دون سدادها، أو
وجهة خيرة دون قصدها.
ونحن إذا يممنا شطر المنهج النبوي، فإننا نجد
تلك العلاقة الفذة التي أقامها رسول اللّه صلى الله عليه و سلم
مع الأطفال، وقد انطلقت هذه العلاقة لتؤسس قاعدة البناء
لطفولة صحيحة سليمة في بنائها : الإيماني، والنفسي، والجسدي،
وفي توافقها مع واجباتها وحقوقها.
ولنتوقف بدءاً عند قوله عليه الصلاة والسلام :
>أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم<(13)،
فأي عظمة في هذا الحديث المزدوج لفظاً وغاية، وبدءاًً ونهاية،
ومقدمة ونتيجة.
فبدء الحديث بالإكرام الذي هو مقدمة كل تعليم،
وتهذيب، وتأديب، بل هو التأسيس لأي مشروع وفي أي مجال نريد
عبوره، فهل يتحصل على التأديب والتهذيب من لا كرامة له ؟ وهل
ينفع فيه ذلك مع الذل والمهانة والاحتقار ؟.
فمن لا كرامة له لا أدب له، هذه هي حقيقة
إنسانية ونفسية، فلا قبول ولا إقبال دون أن يحس الفرد بعزته
وكرامته.
ولو تملينا هذا الحديث لجعلناه منهجاً عاماً لا
خاصاً بالتعليم والتأديب فقط.
ويأتي القسم الثاني نتيجة ومحصلة للمقدمة
الأولى، فبعد الإكرام والتكريم يبدأ التهذيب والتأديب، اللذان
يؤسسان بعد اجتماعهما إلى تكوين الشخصية السوية المتوافقة مع
طرفي الكرم : كرم النفس، وكرم العلم. ويقول رسول اللّه صلى
الله عليه و سلم : >ما نحل والدٌ ولداً من نحلٍ أفضل من أدب
حسن<(14).
فالأدب الحسن أفضل من أن تنحله جاهاً، أو تورثه
مالاً، أو تنميه إلى جاه رفيع، أو حسب أصيل : فالأدب الذي يحمل
الأخلاق الفاضلة، والعلوم النافعة، والتصرفات المهذبة،
والمعاملات الحسنة، هي الإرث النافع، والنحلة المفيدة.
ولا أريد أن أدخل في التأسيس الإيماني الذي هو
أصل كل شيء، فهناك العديد من المؤلفات التي رصدت التأسيس
الإيماني الذي حرص رسول اللّه صلى الله عليه و سلم أن يقيمه
بيده، إن حجر الأساس في أمر الصبيان بالصلاة وهم أبناء سبع،
وتعليمها عليه السلام بنفسه لهم، من : كيفية اصطفاف، وأذان،
وركوع، وسجود، وهدوء وطمأنينة، وعدم التفاتٍ، ومداومة، وتفقد،
فقد كان يتفقدهم ويسأل عنهم، لهو أساس متين.
فالمباشرة بنفسه عليه الصلاة والسلام بتعليم
الأطفال تدل على الأهمية التي يجب أن نوليها في تعليم الصغار،
فهذا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما، وهو صبي،
يقول(15)
: >علمني رسول اللّه صلى الله عليه و سلم كلمات أقولهن في
الوتر : >اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني
فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، فإنك
تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت، تباركت
ربنا وتعاليت< وكان إذا علَّم عليه الصلاة السلام طفلاً أمراً
من الدين، مسح على رأس أو ناصية أو منكب الطفل، كما مسح ناصية
أبي محذورة ذلك الطفل الذي كان يهزأ من أذان المسلمين وهو على
كفره، فيعود بعد المسح، وبعد تعليمه الأذان مؤذناً لأهل مكة<(16).
أما معاشرته للأطفال ومداعبته لهم قبل التعليم
فهذا يدخل من باب الإكرام والتلطف في الدخول إلى قلوبهم قبل
عقولهم، فعن أنس رضي اللّّه عنه قال : كان رسول اللّّه صلى
الله عليه و سلم يخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير، : >يا
أبا عمير، ما فعل النُّغير؟ طائر كان يلعب به ونُضِح بساط لنا،
قال : فصلَّى عليه، وصفنا خلفه<(17).
فمجالسة الرسول صلى الله عليه و سلم للأطفال، ومجيئهم إلى
مجلسه، والسماع منه مع الكبار، ومخاطبتهم بأحب أسمائهم،
والمرور عليهم في لعبهم، وممازحتهم، والسلام عليهم، وتعليمهم،
وتعويدهم، وزيارتهم إذا مرضوا، والدعاء لهم كان منهجه في تربية
الأطفال، روي أنه >جاء غلام إلى النبيّ صلى الله عليه و سلم ،
فقال : إني أريد الحج<، فمشى معه رسول اللّه صلى الله عليه و
سلم ، فقال : >يا غلام، زوّدك اللّه بالتقوى، ووجَّهك في
الخير، وكفاك المهم<، فلما رجع الغلام، سلّم على النبيّ صلى
الله عليه و سلم فرفع رأسه إليه وقال : >يا غلام قبل اللّه
حجَّك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك<(18).
ومن خلال هذا المنهج نصل إلى تلك العلامة
المضيئة، والقاعدة التي يستراح بها وعليها، وهي الأساس القوي
التي عليها يعتمد، ومن خلالها يؤسس، بل هي المادة الأصل التي
نبني بها بُرج أدبياتنا لأطفالنا.
فعن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال(19)
: >كنت خلف النبي صلى الله عليه و سلم يوماً، فقال : "يا غلام،
إني أعلمك كلمات :
ـ احفظ اللّه يحفظك.
ـ احفظ اللّه تجده تجاهك.
ـ إذا سألت فاسأل اللّه.
ـ وإذا استعنت فاستعن باللّه.
ـ واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء
لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك.
ـ وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا
بشيء قد كتبه اللّه عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف ...<.
والمتأمل في هذا الحديث يخرج بالقاعدة الذهبية
التي ينطلق من خلالها الطفل حراً منعتقاً، واثقاً مطمئناً،
وكان التوجه إلى الداخل النفسي إصلاحاً وبناء، سيكون صداه بناء
خارجياً، متيناً وقوياً وصالحاً.
فإذا عرف الطفل واجبه نحو ربه، وقام به، فإن
اللّه معه، يعينه ويجيبه، وليس بمقدور أحد نفعه أو ضرّه إلا
بشيء مقدر عليه من اللّه عز وجل.
هذا التوجه، وهذه المعرفة اليقينية، تبني في
شخصية الطفل : الثقة، والحرية، والاستقلال، والقوة، فالعبودية
للّه وحده، تخرجه من عبودية البشر، وتجعله ذا نفس قانعة راضية،
حرة أبية، لا تستكين لظلم، أو تخضع لظالم.
فقطرة الرحيق العذبة التي تقطر في عقل الطفل
وقلبه لتركز جرعة الإيمان التي تجعله يتجه نحو خالقه دون سواه،
إنها بلا شك لَتؤسس لنماءٍ وخضرة وبناء.
وإذا كنا قد قدّمنا الحديث عن التأسيس العقدي،
والاطمئنان النفسي، أو الصحة النفسية كما نسميها اليوم، وأخرنا
الحديث عن البناء الجسدي، فذلك لأن البناء الجسدي تهتم به كل
أمة، وكل منهج، وكل أب، فالحرص على البناء الجسدي غريزة وفطرة
فطر اللّه الناس عليها. والمتتبع للسنة النبوية يجد ذلك واضحاً
ظاهراً لا يحتاج فضل دليل، أو زيادة بيان.
ومن هنا فإن أسس بناء أدبيات الطفولة وتأصيلها
في المنهج النبوي انطلقت من التأسيس الإيماني، والترسيخ العقدي
من خلال أساليب مؤثرة في قلب الطفل وعقله، ومن خلال طرائق
التعويد والتدريب.
وكان التوجه إلى تعليم الطفل وتهذيبه، وتقديمه
على غيره من الأمور المهمة، كما حدث مع أسرى بدر المتعلمين
الذين افتدوا أنفسهم بتعليم أطفال المدينة، وخطوات التعليم
الموجِّهة من قبل رسول اللّه صلى الله عليه و سلم في التمهيد
لتعليمهم جاءت من خلال : تكريمهم، وزرع الثقة في نفوسهم، وجذب
اهتمامهم بوسائل التحبب، والخطاب والحوار والتدريب، والتدرج
والتكرار الذي يناسب قدرات الطفل العقلية والفكرية والجسمية.
كما لاحظنا التركيز على الجوانب النفسية من حيث
صحبة الأطفال، ومعاملتهم المعاملة اللائقة، والمدح والدعاء
والثناء، وزرع التنافس، والتشجيع والمكافأة، والاستجابة لميول
الطفل كاللعب، وعدم إكراهه على فعل الشيء كما حدث لأنس ابن
مالك، قال رضي اللّه(20)
:>كان رسول اللّه صلى الله عليه و سلم من أحسن الناس خُلقاً،
فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت : واللّه لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب
لما أمرني به نبيُّ اللّه صلى الله عليه و سلم فخرجت حتى
أمُرَّ على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا برسول اللّه صلى
الله عليه و سلم بقفايَ من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال
: يا أنيس ذهبت حيث أمرتك ؟.
قلت : نعم أنا أذهبُ يا رسول اللّه، قال أنس :
واللّه، لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت
كذا أو كذا، أو لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا<، وتمتد الأدبيات
إلى المفهوم الواسع من : أدب الخطاب، والمعاملة، والتعلم، وغرس
الأخلاقيات الفاضلة، والآداب الاجتماعية والتهذيبية.
الفصل الثاني :
أدبيات الطفولة الموجِّهة
والموجَّهة
ويتضمن هذا الفصل قضيتين حيويتين :
أولاهما : في التأليف، وأخراهما في الإبداع.
وأبدأ بالتأليف فأقول : إن تسجيل أدبيات
الطفولة في التراث الإسلامي أمر واقع، ويكاد يُجمع عدد من
الباحثين العرب على أن أدب الطفولة في بلادنا ناشئ يحبو، نشأ
تقليداً لما ظهر عند غيرنا، وبخاصة أمم الغرب، فكانت احتفالية
الغرب بأدب الأطفال هي الحافز لدى كتابنا لخوض التجربة، وتروى
في ذلك حكاية أحمد شوقي وتجربته في أشعاره الموجهة للطفل، فبعد
عودته من باريس واطلاعه على ما فعله لافونتين في خرافاته، قام
بنشر بعض الأعمال الشعرية للأطفال تحت اسم مستعار خشية من
الحملة عليه إذا كتب باسمه الحقيقي، ولأن المجتمع لم يكن
مؤهلاً لقبول أدب يرونه من الدرجة الثالثة، فلما وجد القبول
والرضا صرح وكشف عن اسمه.
ويصرِّح الحديدي في حديثه عن عدم تسجيل أدب
الصغار عند كثير من الحضارات القديمة، قائلاً : >والظاهرة
الجديرة بالتسجيل هي أن أدب الأطفال على الرغم من أنه قديم قدم
أدب الكبار، إلا أنه لم يحظ بالتدوين أو الدراسة، أو الاهتمام
كما حظي أدب الكبار، فقد اهتمت أكثر الحضارات القديمة بتسجيل
تراثها الفني والأدبي، إلا أنها أسقطت من حسبانها أدب الأطفال،
اللّهم إلا في النادر القليل.
ولعل السبب في إهماله، وعدم تسجيله أنه لم يكن
يتعدى حدود جدران المنازل، حيث تحكيه الأمهات أو الجواري
والمربيات للأطفال. أو لعل السبب في إسقاطه من الحسبان أن
أكثره كان عالة على قصص الكبار يقتبس منها ما يناسب الصغار،
فاعتبر تبسيطاً لهذه القصص، وقد يكون السبب أنه لم يكن له
فنانون متخصصون يروونه، ويقومون على أمره، ينسجون حكاياته بحكم
الموهبة والصنعة، أو لأن القدماء استهانوا به، وعدوه تسلية
لمرحلة الطفولة التي لم يكن يهتم بها<(21).
هذه الأسباب وغيرها يرى الحديدي أنها كانت
العائق الذي عاق ظهور أدب الأطفال حتى مطلع القرن الثامن عشر
الميلادي.
وإذا كنا نتفق مع الدكتور الحديدي في كثير من
أسبابه التي قدَّمها، فإننا نرى رأياً آخر في مقولته التي أكدت
على أن أحداً من القدماء حتى العرب ـ لم يسجل أدب الأطفال سوى
المصريين القدماء(22).
لأن تسجيل أدبيات الأطفال في التراث الإسلامي
حقيقة واقعة لم تغفلها كتب الأقدمين، فالعناية والاهتمام بأدب
الطفولة مؤكدين وإن لم يكونا في المستوى الذي نطمح، وإن كان
تسجيل الأدب قد أعطى وحده لأدب الكبار، فقد ظل كتبة التراث
ومسجلوه وحافظوه يرعون هذا الأدب، ويؤكدون عليه، ولا ينظرون
إليه نظرة دونية، وإنما يصدرون عن منهج، ويعبرون عن قناعة بأن
العمل لصغار اليوم الذين سيصبحون كبار الغد هو أساس من أسس هذا
المنهج.
فلم تخل أدبياتنا التراثية من الاهتمام
بالطفولة كما يزعم الزاعمون، وكان لأدب الصغار مكاناً واضحاً
بين أدب الكبار على الرغم من توليهم مقاليد الأدب.
ودليلنا أن الأمر وصل بقدماء السلف إلى حدِّ
تسجيل مآثر الصغار، وإيراد مشهورهم، وتوثيق أخبارهم، والتندر
بحكاياتهم، وهذا ما يؤكده ابن ظفر الصقلي عندما انتخب كتابه
(أنباء نجباء الأبناء) من خلال ركام ضخم من الأخبار والآثار عن
الصغار، إذ اعتمد الاختصار في كتابه، ولو أراد الإطالة، ـ ويا
ليته فعل ـ لوجد المادة الكثيرة التي تعينه على ملء الكتب
الضخمة، والأسفار العديدة، يقول : >ولو أطلقت عنان اللسان، في
حلبة هذا الميدان، لملأت في ملحه أسفاراً<(23).
هذه الأسفار الضخمة التي يتحدث عنها ابن ظفر
التي سجلها من قبله لعلها لا زالت مدفونة في بطون المخطوطات،
أو أنها أفلتت من بين أصابع الزمن بفعل العبث الإنساني، والحقد
الحضاري الذي أتلف ما لا يحصى من صفحات التراث الإسلامي
والحضارة البانية.
ومع هذا الدليل الأكيد إلا أن البعض يحلو لهم
الحديث عن أن الجهود كلها انصبت على أدب الكبار، وبخاصة عند
التدوين في بداية العصر العباسي، وأن أدب الصغار لم يحظ
بالاهتمام، >ولم يسترع انتباه المدونين من أدب الأطفال إلا
الأغنيات التي كان الكبار يرقصون بها الصغار<(24).
وما نقدمه هنا بين يدي الباحث من عرض سريع لبعض
الكتب، وإيراد ذكر بعض أسمائها ليبين عن الأسبقية لهذا التراث
بالعناية بأدبيات الأطفال، ومن هذه الكتب :
كتاب أنباء نجباء الأبناء للإمام الحافظ أبي
عبد اللّه محمد بن أبي محمد بن ظفر الصقلي يقول عن سبب تأليفه
الكتاب : >فهذا كتاب أودعته من أنباء نجباء الأبناء ما هو
كشررة من ضرام، بل قطرة من رهام، لأني قصدت به تلقيح همة غلام،
وتنقيح فطنة كهام<، فالهدف التربوي واضح جلي في إيراد هذه
الأخبار والقصد منها.
وقد افتتح المؤلف كتابه بذكر أخبار طفولة
المصطفى عليه الصلاة والسلام، تيمناً بذكره، تحت عنوان
"الفريدة اليتيمة في أخبار محمد عليه الصلاة والسلام"، ثم قسم
أنباء الكتاب إلى أربعة أصناف :
أولاً : غرر عوالي في ذكر عشرة ممن كرمهم اللّه
بصحبة نبيه
ص.
ثانياً : نجب توالي في ذكر رجال من ذريات
الصحابة رضي اللّه عنهم.
ثالثاً : نكت كرائم في ذكر رجال ممن اتسموا
بالعبادة واشتهروا بالزهادة.
رابعاً : فقر حواتم في ذكر رجال سادوا في عصر
الجاهلية من العرب ورجال من ملوك الفرس.
وقد أورد ابن ظفر الصقلي في هذه الأقسام
الأربعة اثنين وأربعين خبراً من أخبار الخلفاء والأمراء من
الصحابة والتابعين وغيرهم من المشهورين، وخصَّ منها خمسة أخبار
لملوك الفرس.
وهو يورد الخبر ثم يأتي على تفسير ما ورد فيه
من الغريب، ويمضي على هذا الأسلوب حتى نهاية الكتاب الذي يقع
في مائتي صفحة من القطع المتوسط بخط كبير، وقد اقتصر ابن ظفر
على إيراد بعض أخبار المشهورين وهو يعلم أن هناك أخباراً كثيرة
يستحق أن يضمها الكتاب، ولكنه الاقتصار والاختصار، حيث يقول :
>ولو أطلقت عنان اللسان في حلبة هذا الميدان لملأت في ملحه
أسفاراً<.
وهناك من الكتب ما أورد حكايات عن الأطفال كبعض
كتب الأدب مثل :
العقد الفريد، وبهجة المجالس،
ومحاضرات الأدباء، والأمالي، وعيون الأخبار،
وزهر الأداب، وجمع الجواهر، والكامل،
والمستظرف، وثمار القلوب، والتذكرة الحمدونية، والمنتخب
منها، والمختار من نوادر الأشعار، أو الكتب المختصة :
كـالأذكياء، وبلاغات النساء، والمحاسن
والمساوئ.
إلى جانب ذلك فقد وجدنا بعض المؤلفات التي تمثل
كتب الثقافة، أو النوادر المجموعة والمنتخبات تفرد بعض صفحاتها
أو فصول منها لذكر فضائل الأطفال، ونوادرهم، وأخبارهم،
وأجوبتهم المسكتة، وحكاياتهم الممتعة، وما امتازوا به من شجاعة
ونباهة. فكتاب المختار من نوادر الأخبار مجهول المؤلف والمنسوب
خطأ لمحمد بن أحمد المقري فيه فصل عن نجابة الأولاد، وهو مأخوذ
بأكمله من كتاب أنباء نجباء الأبناء.
وكتاب التحفة الظريفة من كل نكتة لطيفة لحسن بن
عثمان الحكيم وهو مخطوط بالظاهرية تحت رقم 5782 أدب يخص الباب
الثاني عشر منه لنوادر الصبيان.
وكتاب في التاريخ والحكايات مجهول المؤلف
بالظاهرية أيضاً مخطوط تحت رقم 6999 أدب فيه فضائل الأولاد.
وهناك مؤلفات توجهت لنصح الصغار مثل كتاب نصائح
الصغار لجار اللّه محمود بن عمر بن محمد الزمخشري وهو مخطوط
بالظاهرية تحت رقم 6740 أدب.
وبعضها توجه إلى المربين، وما يحتاجون إليه في
تأديب الأطفال من حسن المعاملة والحزم، والعلوم التي يؤخذ بها
الأطفال، وأوقات الدرس وتخيرها، وحالات الأطفال النفسية
والصحية، إلى غير ذلك من التوجيهات التربوية، كما يلقانا ذلك
في رسالة الغزالي التربوية : أيها الولد.
وكذلك كتاب تحرير المقال في آداب وأحكام،
وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال لأحمد بن محمد بن حجر
الهيثمي. وهو كتاب مخطوط بجامعة الإمام محمد ابن سعود
الإسلامية تحت رقم 6909، وقد صدر محققاً، كما وجدنا بعض الكتب
التي تتحدث عن فقد الأولاد، جمع فيها مؤلفوها ما ورد عن موت
الأولاد في القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، والأخبار
والحكايات والأشعار، ودعوة الآباء للتسلي عن فقدهم، والصبر على
مصابهم، طلباً للأجر والثواب. ومن ذلك كتاب برد الأكباد عند
فقد الأولاد للحافظ المحدث أبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه
المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي. وكتاب سلوة الحزين على فقد
الأحبة والبنين لمصطفى محمد عبد الخالق وهو كتاب مخطوط
بالظاهرية تحت رقم 8444.
أدبيات التعليم :
لقد فهم علماء السلف أهمية تذليل الصعوبات التي
قد تقف في وجه المتعلم المبتدئ، وبخاصة فيما يخص لغتنا العربية
الشريفة، هذه اللغة التي لا يحيط بها إلا نبي.
وقد وجد العلماء أنفسهم بعض الصعوبات في
الإحاطة بهذا البحر الضخم، حتى قال ابن فارس : >وما بلغنا أن
أحداً مِمَّن مضى ادَّعى حفظ اللغة كلها<(25).
وقد وجدنا من الصحابة رضوان اللّه عليهم من
يتوقف عند كلمة من ألفاظ القرآن الكريم، فهذا ابن عباس رضي
اللّه عنهما يقول : >ما كنت أدري ما فاطر السموات، حتى اختصم
إلى أعرابيان في بئر، فقال أحدهما : أنا الذي فطرتها، أي
أنشأتها أول مرة<.
من هذا المنطلق اتجه العلماء لتمهيد ذلك أمام
الناشئة، فرأينا التأليف في كتب غريب القرآن والحديث والشعر
واللغة.
ولكي يجد الناشئ الطريق ممهداً أمامه، فقد
جعلوا ذلك ضمن معاجم خاصة، فمعاجم لغريب القرآن، وثانية للحديث
النبوي، وثالثة للغة، ورابعة للنبات، والحيوان، والأماكن،
والأحداث بل وتراجم للرجال والنساء على اختلاف طبقاتهم،
ووظائفهم، ومهنهم.
ومن ثم بدأ التأليف في المعجمات الموسوعية،
حفظاً للغة، وتيسيراً على ناشئتها ودارسيها، لتكون تحت يدهم،
إذا ما عاقهم عائق في فهم لفظ، أو تركيب، أو اختلافٍ في مدلول
لفظ، أو في تطور هذا المدلول.
وقد سارت مراحل تأليف المعجمات اللغوية عند
العرب في طرائق عدة، منها ما كان خاصاً، كما فعل الأصمعي في
جمعه للألفاظ المتعلقة بخلق الإنسان، والإبل، والخيل، والنبات،
والوحوش، والشجر، وكما فعل غيره في جمع المتعلق : باللبن
والمطر، والنبات، والحيوان، والآبار، والأطام، وغير ذلك.
كما وجدناهم يخصصون معاجم للمشترك، والمترادف
اللفظي، والمذكر والمؤنث، والدخيل والمعرب، وغير ذلك مما ليس
مكانه، ولا يتسع له تفصيل القول.
ومنها ما كان عاماً للألفاظ، حيث يتم جمع
المادة اللغوية، جمعاً مرتباً ومشروطاً ومدعماً بالشواهد.
وكان الخليل بن أحمد أول من ألف في ذلك، ومعجمه
المشهور بـكتاب العين رتبه على حسب مخارج الحروف، فبدأً
بالحروف الحلقية وأولها العين، ومن هنا جاء اسمه، وتبعه في ذلك
البغدادي في البارع، والأزهري في تهذيب اللغة، وممن جاء بعدهم
وسار على طريقة أوائل الكلمات بادئاً بالهمزة : الجوهري في
الصحاح، وابن منظور في لسان العرب، والفيروز أبادي في القاموس
المحيط.
من هنا كان النص التراثي ولا يزال أساساً
متيناً لترسيخ أدبيات الثقافة اللغوية، والذوقية، والجمالية،
ويؤسس لبناء القدرة التعبيرية، والأسلوبية.
وإذا كانت أدبيات الثقافة اللغوية قد تمثلت في
المعاجم، فإن أعمدة أدبيات الثقافة قد تنوعت، وتعدّدت في
تراثنا الإسلامي القديم، ويحصرها ابن خلدون في أربعة، كما قال
: >وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن
وأركانه أربعة دواوين، وهي : أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب
الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب
النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة، فتوابع لها،
وفروع منها<(26).
واعتماد تنشئة المتعلمين على هذه الكتب الأربعة
يوضح لنا طريقة وأسلوب الأدبيات الملتزم، والذي يرى فيه واضعوه
أنه المنهج الذي يرتقي بالناشئ المتعلم، ويوصله إلى الفهم
والعلم والإحاطة.
وإذا استعرضنا هذه الأصول، فسنجد فهم السلف
لتقديم الأدبيات من خلال الأسلوب والمنهج والمادة للارتقاء
بالناشئة أداة، ومادة، وثقافة وذوقاً، وتدريباً.
وأبدأ أولاً : بالأداة، ويمثلها كتاب أدب
الكاتب لابن قتيبة الدينوري :
وهذا الكتاب ضروري للمتعلم الناشئ، فلابدّ من
النظر فيه، والإحاطة بمادته، إذ هو يسعى إلى المبتدئين الذين
لديهم شيء من العلم لتقويم ألسنتهم، وأيديهم، يقول مؤلفه(27)
: >وعملت لمغفل التأديب كتباً خفافاً في المعرفة وفي تقويم
اللسان والََيدِ. وليست كتبنا هذه لمن لم يتعلق من الإنسانية
إلا بالجسم، ومن الكتابة إلا بالاسم، ولكنها لمن شدا شيئاً من
الإعراب، وشيئاً من التصاريف والأبنية<.
فابن قتيبة يذكر أن عمله هذا موجه إلى الناشئ
والشادي، فالحدث في بداية سنه، والشادي الذي أخذ طرفاً من
العلم، وأول ريعان الشباب، هم الفئات التي يوجه إليها ابن
قتيبة همَّه ووكده، ويصرف إليهم جهده، ويوجِّه إليهم كتابه،
ليكون عوناً لهم في مسيرتهم الأدبية والعلمية، ومرجعاً يرجعون
إليه في حالة إذا ما التبس عليهم أمر من أمور المعرفة باللغة،
يقول(28)
: >فإني رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن
اسمه متطيرين، ولأهله كارهين، أما الناشئ منهم في عنفوان
الشباب ناسٍ أو متناسٍ ليدخل في جملة المجدودين<، هذه هي
الفئات الثلاث التي تقع ما بين : طفولة متوسطة، ومتأخرة، وأول
ريعان الشباب وميعته.
والناظر في أبواب الكتاب يعرف الهدف والغاية
التي سعى إليها المؤلف، فهو يبدأ كتابه بكتاب المعرفة الذي
يأخذ أكثر من ثلث الكتاب، ويقسمه إلى أبواب، ومن خلال هذه
الأبواب يتبين قصد ابن قتيبة الهادف إلى تصحيح المعلومات،
وتصويب الاستعمالات التي يخطئ فيها المبتدئون، ما بين وضع
الشيء في غير موضعه، وتأويل ما جاء مثنّى أو مزدوجاً وتوضيح ما
يستعمل في الدعاء، والعبارات الذائعة على ألسنة الناس،
والأسماك والصفات، والنبات والطير، والحيوان، والعيوب، والفروق
في خلق الإنسان، والطعام والشراب واللباس، والمهن.
والجميل أنه وضع باباً سمَّاه (باب الفروق في
الأطفال)(29).
ثم يردف هذا الكتاب، بكتاب تقويم اليد، وفي هذا
الكتاب يتأكد قصد المؤلف إلى تصحيح الآلة لدى صغار الطلاب، فما
يسمَّى بالإملاء في مناهجنا، وتعليم الصغار الكتابة الصحيحة،
هو ما سعى إليه المؤلف.
فالمهارات الإملائية التي يتعلمها الطفل في
المرحلة الابتدائية والمتوسطة أو الإعدادية هي التي نجدها في
ثنايا هذا الكتاب.
فألف الوصل، والألف واللام، وحذف بعض الحروف،
واجتماعها، أو زيادة بعضها، والتغيير ما بين الواو والياء
والألف، ومواضع الهمزات، والتاريخ، والعدد، والتثنية، والجمع،
والمقصور، والممدود هي مواد هذا الباب.
ويُعَنْوِنُ الكتاب الثالث بـتقويم اللسان الذي
يقصد به إلى معالجة الأخطاء الفاشية السماع المنتقلة إلى
اللسان، والتصويب يمتد إلى النطق والكتابة، والمعرفة والفهم،
من ذلك : تقارب الحروف، والهمز وعدمه، والسكون والتحريك،
والتصحيف في الحركات والنقاط.
وينتقل إلى الكتاب الأخير المسمى بـأبنية
الأفعال وهو باب صرفي واضح الهدف بيِّن الغرض.
ثانياً : المادة : ويمثلها كتاب الكامل للمبرد.
وهذا الكتاب يحيطنا بهالة النص الذي هو مادة الأداة، حيث العيش
في ظلّ خيمة النص.
وإذا كان التاريخ هو بيت الأدب، فإن معرفة
أحوال العرب التاريخية والثقافية من خلال الأدب هو ما سعى إليه
المبرد في كتابه الكامل، وهو كتاب يؤسس لقاعدة البيانات التي
لابد منها لبداية المشروع الأدبي، حيث يبلغ بالناشئ كل أجواء
النص.
يسير هذا الكتاب الذي ينقسم إلى أربعة أجزاء
على منهج قريب من منهج الجاحظ فهو يضم أطياف الثقافة العربية
من خلال أدبيات نصية تجمع : الآية القرآنية، والحديث النبوي،
والقصة، والخبر والشعر، ونستطيع أن نتعرف على منهج صاحبه من
خلال مقدمته حيث يقول(30)
: >هذا كتاب ألفناه يجمع ضروباً من الآداب، ما بين كلام منثور،
وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة،
ورسالة بليغة<.
فالكتاب إذن يلمُّ بهذه الثقافة اللغوية
الممتزجة بالدين والتاريخ من خلال نصوص : الشعر، والخطابة،
والأخبار، والأمثال، كما أنه يترك مساحة لجوانب البلاغة والنحو
وقضايا اللغة، إلى جانب الطرائف الفريدة، والأخبار عن أعلام
الأمة، كل ذلك يتناوله المؤلف بروح علمية مرنة وأفق واسع مما
يجعل هذا الكتاب زاداً حقيقياً لكل طالب علم، وناشئ في ميدان
الأدب، وحصيلة تاريخية وأدبية ولغوية تحيط إحاطة شاملة بأجواء
النص، ومضمونه، ومفرداته، وأحواله وتؤكد على ارتباط الفهم
بالحفظ والرواية.
ثالثاً : الثقافة الشمولية :
يعد الجاحظ المعبر الواسع بين وسائط الثقافة
المتنوعة، وكتابه البيان والتبيين يبين عن رأي الجاحظ في
الأدب، وهو الأخذ من كل شيء بطرف، ولا يعني هذا الفهم أن نقتطع
أجزاء أو نتفاً نتبَلَّغُ بها كي نصل إلى تعريفه الذي ارتضاه،
وإنما هي تلك الثقافة الموسوعية المؤسِّسة لانطلاقة قواعد
متينة من العلم والمعرفة، والمؤسِّسة لانطلاقة قوية ممتدة تربي
الذوق وتعلي شأنه، من خلال زمن يمتد من خلال الأزمنة الثلاثة
ويجمعها، ومكانٍ يعبر السهل والوعر ويحيط بها إحاطة السوار
بالمعصم.
وانطلاقة الثقافة الموسوعية عند الجاحظ لا
تعبِّر عن ضيق وتزمت، أو احتكار وتعصب، وإنما هي بمعلوماتها عن
الإنسان بأجناسه وأعراقه، وأهدافه ومبائه، وعن الحياة بأشكالها
وتنوعها، والشعوب باختلاف رؤاها وتطلعاتها لتجعل من هذا الكتاب
أستاذ الأجيال الثقافية.
يصف المسعودي كتابه البيان والتبين، فيقول :
>له كتب حسان منها البيان والتبيين، وهو أشرفها لأنه جمع فيه
بين المنثور والمنظوم، وغرر الأشعار، ومستحسن الأخبار وبليغ
الخطب ما لو اقتصر عليه مقتصر لاكتفى به<(31).
والجاحظ في هذا الكتاب يتعرض لحسن البيان،
وعيِّ اللسان، ويتحدث عن البلاغة والإيجاز، ويعرض للشعر
والخطابة، ويورد الوصايا والحكم والآداب والنوادر والملح، وهو
في كل ذلك يعرض لأخبار العرب في أسلوب سهل العبارة، جزل اللفظ،
مغلف اللطائف، مطعَّم بالفكاهات، تجد فيه الجد والهزل، وجمال
الوصف، وحلاوة الوصف، يتنقل بك بين مختلف الأنواع الأدبية دون
أن يشعرك بالملل والتذمر، فأسلوبه الفكه الاستطرادي يوصلك إلى
الغاية وهي إتمام قراءة هذا الكتاب، وطرفته المحببة تجعلك
تتعلق بالعودة إليه، وكل ذلك يبين عن هذا التوجه لأدبيات
التراث الإسلامي نحو الناشئة، وكيفية العبور بهم نحو أدبيات
واضحة الرؤى بينة المعالم.
رابعاً : التدريب.
مثلت كتب الأمالي لوناً من ألوان التدريب
للناشئة، فنحن بين مملٍ ومملىً عليه ومادةٍ تملى، هذا الربط
الثلاثي يؤكد المنهج الذي سار عليه علماء السلف في تأسيس
طلابهم، فالمملى عليه يستقبل، ويسجل ويراجع ويحفظ ويفهم ويؤلف،
فهل هناك تدريب أشمل وأعم، وأقوى وأثبت من ذلك ؟ وقد اتسع هذا
اللون من التأليف حتى ظهرت فيه كتب كثيرة.
وكتاب الأمالي لأبي علي القالي يفوق غيره من
كتب الأمالي شهرة وهذا الكتاب كما يقول مصنفه وممليه(32)
: >وأودعته فنوناً من الأخبار وضروباً من الأشعار، وأنواعاً من
الأمثال، وغرائب من اللغات، على أني لم أذكر فيه باباً من
اللغة إلا أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلا اخترته، ولا فناً من
الخبر إلا انتخلته، ولا نوعاً من المعاني والمثل إلا استجدته،
ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول صلى الله عليه و سلم
، وعلى أنني أوردت فيه من الإبدال مالم يورده أحد، وفسرت فيه
من الإتباع ما لم يفسره بشر<.
وطريقة المؤلف في أماليه طريقة تعليمية، إذ
يورد النص ثم يستوفيه شرحاً في مفرداته، وألفاظه ومعانيه،
ويتسع في إيراد الشواهد، ويتعمق ويسترسل في نقل أحاديث العرب،
وتغزر مادته اللغوية والشعرية لدرجة أصبح معها الكتاب من الكتب
الغنية الجامعة، التي تلمُّ باللغة والشعر من خلال ما يورده من
نصوص، وتجعله من الكتب الأعمدة التي ذكرها ابن خلدون.
وإذا كانت هذه الكتب هي عمدة الثقافة، وأسس
الأدب لكل ناشئ ومتعلم وقارئ، فإن الاختيارات الشعرية التي
وضعت أصلاً لأبناء الخلفاء والأمراء، ووضعها واختارها أساتذة
هذا الفن من كبار المؤدبين والرواة، ونقدة الشعر، لإعلاء
الذائقة الشعرية عند طلابهم، وتمرينهم وتمرسهم بلغة العرب أمدت
هي الأخرى أدبيات التراث بنبع لا ينضب من تمثل لغة العرب
وحياتهم، فالمفضل الضبي يختار مفضلياته من خلال كمٍّ شعري هائل
لتقديمها لأبناء الخليفة المهدي، ويتبعه الأصمعي، وأبو تمام في
حماسته، ثم تتوالى كتب الاختيارات لتبين عن هذا المنهج الذي
يؤسس لناشئة متمرسة ومدربة علماً وفناً وذوقاً.
أخراهما في الإبداع :
ويتضمن الحديث في هذه القضية عن أنواع الأدب
الموجهة للأطفال، وأولها الشعر، ثم القصة القرآنية والنبوية،
ثم الأمثال، ونتناول :
أولاً : الشعر
إذا كان الشعر هو شاغل العرب الأكبر، إنشاءً،
ورواية، وحفظاً، وتسجيلاً، فإن انعطافه ـ على الرغم من انشغاله
بالمهمات الجسام ـ إلى الأطفال بفعل دوافع عديدة، منها :
العاطفية، والتربوية، والتعليمية، وتسجيل المواقف الإنسانية،
يؤكد على فهم العرب لهذه الوظيفة.
أما العاطفية : فإنها تنطلق من غريزة حب الولد،
وقد عبَّر عنها الشعراء من خلال :
أغنيات الترقيص، والشوق والحنين، والمحبة
والإيثار، والشعور بالمسؤولية، والتعبير عن مصيبة الفقد،
والتوجيه والتربية، وتقمص الصغار، والتعبير عن حاجاتهم، لاشك
في أن هذا التسجيل المبكر لأناشيد الترقيص وأغنياته، ليدل
دلالة واضحة على الاهتمام الخاص بأدبيات الطفل في مرحلة
الطفولة الأولى، وما تسجيل ذلك إلا دليل على الهدف الأسمى الذي
سعى إليه مدونوه، حيث رأوا فيه جانباً هاماً من حياة تراثنا،
كان لابد من تدوينه وتعميمه، إتماماً للفائدة، وإظهاراً لمرحلة
من المراحل.
ومقطعات ترقيص الأطفال تقع في باب من إظهار
العاطفة المشبوبة نحو الصغار، وما يؤمل أن يكونوا عليه في
مستقبل حياتهم، إلى جانب كونها لوناً من ألوان المداعبة،
وتفريغ الشحنات العاطفية، وهدهدة قبل النوم.
وفي ذلك يقول د. أحمد عيسى : >وكان للعرب نصيب
موفورٌ من هذه المقطوعات الشعرية، اشتهرت في أخبارهم، وأثرت
عنهم في مجالسهم، ومنتدياتهم، ومنازلهم، وكانوا يتخذون هذا
الترقيص بالغناء وسيلة ترفيه، وتسلية للطفل، وبجانب ذلك كانوا
يبتغون به غرس جميل الخصال، وحميد الفعال في ذهنه، قبل أن يشتد
عوده ويكبر، وقد تمكنت فيه الأخلاق، ونقشت في مخيلته الصفات،
وانطبعت في قلبه القدوة<(33).
والناظر في أغنيات الترقيص يجدها معبرة عما ذكر
بوضوح تام، ولعلَّ إيراد بعض النماذج يغني عن الاستكثار منها،
من ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل على عمه الزبير بن
عبد المطلب وهو صبي، فأقعده في حجره، وقال (34)
:
محمد بن عبدمِ
عشتَ بعيشٍ أنعـمِ
ودولةٍ ومغنـمِ
في فرع عزٍّ أسنمِ
مكرَّمٍ معظـمِ
دام سجيس الأزلمِ
أي أبد الدهر.
وكانت فاطمة بنت رسول اللّه صلى الله عليه و
سلم ، ترقص الحسين بن علي، تقول :
وابأبي شبه النبي
ليس شبيهاً بعلي
وترقص أعرابية ولدها وتقول :
ياحبذا ريح الولد
ريح الخزامى في البلد
أهكذا كـل
ولد
ألم يلد قبلـي
أحــد
وهذا أعرابي يعبر أبدع تعبير عن شدة حبه لولده
فيقول مرقصاً له(35)
:
أحبُّه حبَّ الشحيح لمـاله
قد ذاق طعم الفقر ثم ناله
إذا أراد بذلـَهُ
بدا لــه
وهذه امرأة ترقص ابنها وتجعله في الذرى من آل
مخزوم، وكأنها تنظر له بعين المستقبل، وتأمل له ذلك تقول :
نمى به إلى الذرى هشامُ
قومٌ وآباء له كرامُ
من آل مخزومٍ هم الأعلامُ
الهامةُ العلْياء والسَّنامُ
وللبنت مكانة في أغنيات الترقيص، فالزبير بن
عبد المطلب يرقص ابنته أم الحكم، ويغبط زوجها عليها في
المستقبل :
ياحبذا أم الحكـم
كأنها ريمٌ أحـم
يا بعلها ماذا يشم
ساهم فيها فسهم
وامرأة تدلل على حبها لابنتها فتقول(36)
:
وما عليَّ أن تكون جاريـه
تكنس بيتي وتردُّ العاريـة
تمشط رأسي وتكون الغالية
وترفع
الساقط من خماريه
حتى إذا ما بلغت ثمانيــه
رديتهـا
ببـردةٍ
يمانـيـة
زوجتها مروان أو معاويـة
أصهار
صدقٍ ومهور غالية
ونختم بهذا الترقيص المخالف المآلف، فهذه امرأة
تسترجع زوجها بعتاب ترقيصي جميل، حيث ترقص ابنتها أثناء مروره
من على بيته فتقول(37)
:
ما لأبي حمزة لا يأتينا
يظلُّ
بالبيت الذي يلينـا
غضبان ألا نلد البنينـا
تا اللّه ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا
ولعلك تلحظ أن هذه الأغنيات في ألفاظها
الواضحة، وإيقاعاتها القصيرة، وموسيقاها الراقصة، ومعانيها
التي تعبر عن الحب والأمل، وأهدافها التربوية البعيدة المدى،
وأغراضها المتعددة من خلال : أساليب المدح والثناء، والوصف، كل
ذلك يصحح النظرة التي مالت عن الرؤية الصائبة في القول بتسجيل
أدب الأطفال، ويؤكد على أن تدوين هذه الأناشيد في مصادر التراث
الأصيلة مثل : أمالي القالي، والبيان والتبيين، والتذكرة
الحمدونية، والعقد الفريد، وحماسة أبي تمام، ومحاضرات الأدباء،
ما هو إلا رؤية سديدة حيث وازوا أدب الأطفال بأدب الكبار،
وأثبتوا عدم التفريق والتفضيل، و أكدوا على الاهتمام
والمساواة.
والشوق والحنين، والمحبة، والإيثار، والشعور
بالمسؤولية، وغير ذلك من العواطف والمشاعر يظهر في ضروب من
الشعر، وإذا كان الشعراء قد توسلوا بأطفالهم لينالوا الأعطيات
كما ورد عند الأعشى وغيره من الشعراء المادحين، واستعانوا بهم
وظهروا خلفهم لإبداء مشاعرهم، كما فعل ابن الزيات في رثاء
زوجته حيث يقول(38)
:
ألا من رأى الطفل المفارق أمه
قبيل الكرى عيناه تبتدرانِ
رأى كلَّ
أمّ وابنهـا
غيرَ أمـه
يبيتان
تحت الليل ينتجيـانِ
وبات وحيداً في الفراش تجنـه
بلابلُ قلبٍ دائم الخفقــانِ
فلا تلحياني إن بكيـتُ
فإنمــا
أداوي
بهذا الدمع ما تريانِ
وهبني عزمت الصبر عنها لأنني
جليدٌ
فمن بالصبر لابن ثمانٍ
ضعيف القوى لا يطلبُ الأجر حسبةً
ولا
يأتسي بالناس في الحدثانِ
فإن الطفل غدا موضوعاً شعرياً، وبخاصة في شعر
رثاء الأبناء، كما يظهر من رثائية ابن الرومي، وأبي تمام
والتهامي، وابن عبد ربه الأندلسي وكثير غيرهم على مدى زمن
الشعر العربي، بل إن بعضهم استخدمهم للتخلص من مأزق كما فعل
الحطيئة في وصفه لهم ذلك الوصف العجيب المؤثر، عندما بعث من
سجنه بهذه الأبيات للخليفة، يقول فيها(39)
:
ماذا تقول لأفراخ بذي مـرخٍ
زغبِ
الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ
فاغفر
عليك سـلام
اللّه يا عمــر
إن صورة الأفراخ الصغيرة ذات الزغب الذهبي الذي
لم يتحول ريشاً بعد، توحي بصفات الجمال والعذوبة، والضعف
والحاجة، والشفقة والإحسان، إن هذه الصورة تستمد من ضعفها قوة،
ومن شدة الحاجة غنى وفضلاً، إنها صورة مانحة دافعة، دفعت
الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى أن يتأمل وينظر هذه
الفراخ بلا عائل، وهي تسأل عمر عن ذلك، فلم يملك إلا أن يعيد
هذا العائل إلى محتاجيه، وهذا الطائر إلى فراخه.
وهذا رجل فانٍ شيخ كبير تستصفى أمواله من قبل
الخليفة المأمون لتهمة اتهم بها، ولم يبق له ما يتبلغ به،
فيعزم على الضرب في الأرض طلباً للرزق، ولكن بُنَيَّة صغيرة
تتعلق به، وتدعوه للبقاء، وتبكي بكاءً حاراً، يرق لها قلب الأب
الحاني، وهي تقول له(40)
: امتنع بما آتاك اللّه، واصبر على محن الزمان ونوائب الدهر،
والزم الوطن، وارحم وحدتي وضعفي وقلة حيلتي، أو اذبحني فلا
أُبتلى لفراقك.
فبكى الشيخ وقال :
تقول ابنتـي
لمـا
أردت وداعهــا
وقد
حضرتني نيَّةٌ ورحيـلُ
لعلّ المنايـا
في رحالـك
تنبــري
لنفسك
ختلاً أو تغولك غولُ
فتتركني أدعى اليتيمـة
بعدمـــا
تَبين وعزي بعـد
ذاك ذليلُ
أفي طلب الدنـيا
وربُّـك
بالــذي
تسيرُ له راعٍ عليـك
كفيـلُ
أليس ضعيفُ القوم يأتـيه
رزقــهُ
يُساقُ إليـه
والبلادُ محـولُ
ويُحرَمُ جمعَ المال من قد يرومــُهُ
تكدُّ
عليه رحلـُهُ
وحُلــولُ
فلو كنت في طودٍ على رأس هضبةٍ
لها
نجفٌ فيها الوعولُ تقيـلُ
مصعِّدةٍ لا يُستطـاعُ
ارتقـاؤهــا
ولا
لنزولٍ يُستطـاعُ
سبيـلُ
إذاً لأتاك الرزق يحــدوه
سائــلٌ
حثيـثٌ
ويهديه إليـك
سبيـلُ
قال : فنمي الخبر إلى المأمون، فدعا بالشيخ،
فاستنشده شعره، فأنشده، فرق له، وأمر بردِّ جميع ما أخذ منه،
وأعاده إلى مرتبته، وزاد من عنايته :
إن قعود هذا الأب عن الترحال والسفر نزولاً عند
رغبة ابنته الصغيرة، وضناً بها، وتعلق الابنة بأبيها، والأب
بابنته لصورة رائعة من صور الحب والتفاني، فجَّرت ينبوع هذا
الشعر الذي فجر ينبوع العفو في صدر الخليفة، وينبوع إعجابنا.
ومن جميل ما ورد في الشكوى من الصغار وشغبهم،
وانشغالهم بلعبهم أنه كان لشريح القاضي ابن يكثر البطالة، فنظر
إليه شريحُ وهو يهارشُ بكلبٍ لهُ، فكتب معه رقعة إلى معلمه،
وفيها هذه الأبيات(41)
:
ترك الصلاة لاكلبٍ يسعى بها
طلب الهراش مع الغواة الرجسِ
فإذا أتاك فغطــه
بملامــةٍ
وَعَظَتْهُ
موعظة الرفيق الأكيــسِ
فإذا هممت بضربـه
فبـدرةٍ
وإذا
ضربـت
بها ثلاثاً
فاحبــسِ
وليحملن مني إليك صحيفـة
نكـراء
مثـل
صحيفـة
المتلمـسِ
أعلم بأنك ما أتيـت
فنفسـهُ
مع
ما يُـجََرِّعُـنِي
أعـز
الأنفـسِ
فضربه المعلم عشراً وعشراً. فقال له شريح. لم
ثنيت عليه الضرب ؟
فقال : العشر الأولى للبطالة، والثانية
للبلادة حيث لا يدري ما يحمل.
القصة في أدبيات الطفولة
من أساليب تعليم النشء وتربيتهم وتأديبهم قصُّ القصص، وإذا كان
الميل والاتجاه والفطرة لسماع القصة وروايتها مركوزاً في النفس
البشرية، فإن تأثيرها يتضح في الإنصات والدهشة والانبهار،
والانفعال والاستجابة، لذلك أمر اللّه عز وجل نبيه بقوله : {
فاقصص القصص لعلهم يتفكرون }(42)،
ويمتثل النبي صلى الله عليه و سلم الأمر، فيجلس لأهل قريش
ويحدثهم، فيجن جنون سادتها لما يعلمونه من تأثير الرسول صلى
الله عليه و سلم ، وتأثير قصصه على نفوس القوم، فيذهبون إلى
أشهر قصاصيهم النضر بن الحارث الذي لم يكن على علم بقصص
العرب وحدهم، بل أخذ بأطراف قصص العجم وغيرهم، ورد في السيرة
النبوية لابن هشام(43)
: >كان النضر من شياطين قريش، تعلم من الحيرة أحاديث ملوك
الفرس، وأحاديث رستم واسنفديار، فكان إذا جلس صلى الله عليه و
سلم مجلساً فذكر فيه باللّه، وحذر قومه مما أصاب من قبلهم من
الأمم من نغمه، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال : أنا واللّه يا
معشر قريش أحسن حديثاً منه فهلم إليَّ<.
القصة القرآنية للأطفال :
وما حفل به القرآن الكريم من قصص، مثل : قصة
يوسف عليه السلام، وأهل الكهف، وقصص سائر الأنبياء، والأمم
الغابرة مثل : عاد، وثمود، وأصحاب الأيكة، وقوم تبع، وقوم لوط،
وفرعون، وأصحاب الفيل، ثم القصص الذي حدث في وقت نزول القرآن،
وما كان يحدث للمسلمين، والكفار، والمنافقين، واليهود، وتسمية
سورة كاملة بسورة القصص، كل ذلك يبين عن أهمية الأهداف
والغايات، التي تتبع سماع ومعرفة هذا القصص، والنتائج التي
تتلوها.
ولاشك أن تثبيت الإيمان وتأكيده، وأخذ العظة،
والاعتبار بما كان، من أهم أهداف القصة القرآنية، كما ورد في
قوله تعالى : {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك،
وجاءك في هذه الحقُّ وموعظةٌ وذكرى للمؤمنين}(44)،
ولكن أهدافاً أخرى تظهر واضحة جلية، فالتسلية والتسرية
والإمتاع والمعرفة من أركان هذه الأهداف، وما ورد في أسباب
نزول سورة يوسف يؤكد ما قلناه، وقد ورد(45)
في سبب تسميتها بأحسن القصص : >لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن
من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة<.
ولعلَّ من يتمسَّك بوجهة النظر القائلة بأن
الخطاب موجَّهٌ للكبار، وللكبار فقط فالدعوة، والعظة،
والاعتبار، والتفكر، والتدبر، يحتاج إلى عقول ناضجة، فإن الرد
على هذا الرأي لا يحتاج إلى فضل دليل، فالقرآن نزل للناس كافة،
صغاراً وكباراً، رجالاً ونساء، ولكل لون وعرق، فأسلم صغار قبل
كبار، ووعته صدورهم كما وعته عقولهم.
وكان توجه الخطاب القرآني للصغار دليل على هذه
الاحتفالية التي ترى فيهم غرس المستقبل، فقد ورد على لسان
لقمان يعظ ابنه، وينبه عقله، وينير دربه، ويسدد خطاه، ويثير
فكره وشعوره وحواسه بقوله(46)
: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك باللّه إن
الشرك لظلم عظيم}، ثم يتابع وصاياه : {يا بني إنها إن تك مثقال
حبة من خردل ...} (47).
وهذا سيدنا يحيى يؤتى الحكم صبياً، وسيدنا عيسى عليه السلام
يكلم الناس في المهد صبياً.
أما قصة سيدنا يوسف عليه السلام فإنها تتحدث عن
طفل لم يبلغ الحلم بعد، وتصوير محبة أبيه له، وغيرة إخوته،
وحيلتهم في أخذه، وإلقاؤه في الجب، ثم تأخذه قافلة، ويباع في
مصر، ليعمل عند كبير مصر في ذلك الزمان. كذلك فإن أول ما يشافه
الطفل ويحرِّك لسانه، ويداعب مخيلته، وينقر باب فكره وعقله هو
ما ورد في السور القصار من قصص، لابد للطفل وهو يقرأ سورة
الفيل، وسورة المسد وغيرهما، من أن يتحرك خاطره ويشد انتباهه،
وينبعث تساؤله.
قصة أصحاب الفيل نموذجاً :
إن سماع الطفل لآيات سورة الفيل سيجعله
مندهشاً، متابعاً، باحثاً، ومستفسراً من هم أصحاب الفيل ؟ وكيف
هلكوا ؟.
ويأتي تفسير الآيات على شكل قصة مدهشة، تبعث في
نفس الطفل كل ما تبعثه القصة الرائعة من : شدّ انتباه، وتحرك
مشاعر، وسريان انفعال، وترقب وتوجس، ثم انطلاق الخيال، وسباحته
في الزمان والمكان بما يغري عقل الطفل وقلبه، ويغذي مشاعره
وخيالاته، وإذا كان الحدث عظيماً، والنقلة الزمانية والمكانية
مدهشة، فإن العلاقة بين السماء والأرض أكثر حيوية، وأعظم
انبهاراً، كما أن شخصيات القصة أشدُّ جاذبية وأنساً وقرباً من
الطفل، وقبولاً لديه، فالحيوانات والطيور هي ميدان الطفل
الأليف، وأبرهة الأشرم شخصية فيها من تشوه الخلقة، وتشوه
الفعل، ما يستدعي في نفس الطفل النتيجة التي حدثت له.
وإذا كان الحدث يتوجه إلى أحب مكان وأقدسه في
نفس الطفل المسلم، فإن دوافع المعرفة والبحث والتساؤل تكون من
القوة والرهبة، والترقب بنهاية الحدث على أشدّ حال، فإذا جاءت
المعركة، واشتد نبض الطفل وهو يرى جيشاً عرمرماً يجتاح الأرض،
ولا يقابله ضدّ يساويه ويكافئه، فإن نتيجة المعركة قد تكون
محسومة في العقل البشري، عداك عن عقل الطفل الصغير الذي يرى أن
الكبير أقوى منه وأشد، تقوده وتسير أمامه الأفيال الضخمة،
يتقدمها أضخمها وأعظمها، فإذا وصلت الأمور إلى أعلى نقطة في
التأزم، تدخّل المتعال، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، تحمل في
مناقيرها حصىً صغيراً يصيب رأس الفارس فيتركه صريعاً هامداً،
وتنتهي المعركة على أحب وما يشتهي الطفل ويتمنى.
فهل هناك أكثر تأثيراً وجذباً وتسلية وعظمة
وعظةً، وتثبيتاً للعقيدة، وبيان أن اللّه عز وجل بيده ملكوت كل
شيء وهو القادر والقاهر فوق عباده، وهو المهيمن الجبار الذي
تعنو له الجبابرة وتخضع.
بكل تأكيد تزرع هذه القصة بذوراً تتنوع وتتشكل
ليموج بها حقل خصيب من المعرفة، والعلم، والإيمان، إلى جانب ما
ذكرناه من أهداف وغايات أخرى، لها موقع عزيز على عقل الطفل
وقلبه ونفسه.
وإذا كانت هذه السورة القصيرة قد قدمت لنا من
خلال تفسيرها قصة نتصرف بها كما نشاء قصراً وطولاً، فإن الصور
المدركة والمتخيلة عن الكعبة المشرفة وجيش أبرهة الذي يملأ
الأرض عدداً وعدة، وصور الأفيال الضخمة وهي تتقدم بخراطيمها
هذا الجيش لتبعث الرهبة، وإذا ما بدأت الطيور تحلِّق في الأفق،
وتغطي سماءَ النظر، وتظلِّل الجيش بأعدادها وأجنحتها، فإنها
تضيف إلى الصورة أبعاداً لا حدَّ لها، وتعطيها من الحركة
واللون ما يبعث في النفس الترقب والتشوُّف، والغرابة، لتصل
الأمور إلى حدّ وماذا بعد ؟.
وما أن تفتح الطيور مناقيرها حتى تبدأ الحجارة
الصغيرة تتساقط وتنهال، كأنها زخات مطر، لا تنبعث من سحاب
السماء، وإنما من سحاب الطيور، هذا الجيش الإلهي، يهزم جيش
الفكر، وتلك الطيور الصغيرة المنتظمة تحت راية جند السماء،
تحيل جند الأرض المتغطرس المتكبر إلى عصف مأكول.
ولعل هذا النموذج الذي يصدع بالقول الحق، يدفع
كل مرية بأن القصة في أدبيات الطفل سَمَتْ حتى اتخذت لها شرفة
في كتاب اللّه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا
من خلفه.
القصة النبوية :
إذا وجدت القصة للأطفال المكان الرحب في القرآن الكريم فنحن
>نجد وفرة في القصص النبوي تجاه الأطفال، حكاها النبي صلى الله
عليه و سلم لأصحابه الحاضرين، منهم الكبير والصغير، فكانوا
يصغون إليه بكل انتباه، لما يقصه النبي صلى الله عليه و سلم عن
حوادث وقعت في زمن مضى، ليتعظ بها الحاضرون، ومن بعدهم
إلى يوم الدين، وثمة ملاحظة هامة، وهي أن القصص النبوي يعتمد
على حقائق ثابتة، وقعت في غابر الزمن، وهي بعيدة عن الخرافة
والأساطير، وإنما هي قصص تبعث في الطفل الثقة بهذا التاريخ،
كما تضفي على روحه الاندفاع والانطلاق، وتبني فيه الشعور
الإسلامي المتدفق الذي لا يجف نبعه<(48)،
وتحلّق الصغار حول النبي صلى الله عليه و سلم ، واستماعهم
لأقواله، وأحاديثه وقصصه واضح جلي، والروايات عن ذلك كثيرة لا
تُدْفع فعن عمرو بن سلمة رضي اللّه عنه قال(49)
: >كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي صلى الله عليه و
سلم ، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول اللّه صلى
الله عليه و سلم قال : كذا، وكنت غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك
قرآناً كثيراً، فانطلق أبي وافداً إلى النبي صلى الله عليه و
سلم في نفرٍ من قومه، فعلمهم الصلاة، وقال : يؤمكم أقرؤكم،
وكنت أقرأهم لما كنت أحفظ، فقدموني، فكنت أؤمهم <.
وهذا ابن عمر رضي اللّه عنهما قال(50)
: قال رسول اللّه صلى الله عليه و سلم :>إن من شجر البوادي
شجرة لا يسقط ورقها، وإنها المسلم، فحدِّثوني ما هي ؟< فوقع
الناس في شجر البوادي، قال عبد اللّه : وقع في نفسي أنها
النخلة، ثم حدثنا رسول اللّه، قال : >هي النخلة<. فلما خرجت مع
أبي، قلت : يا أبتاه ! وقع في نفسي النخلة. قال : ما منعك أن
تقولها ؟ لو كنت قلتها كان أحب لي من كذا وكذا. قال : ما منعني
إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت.
وهذا ابن عباس وهو صغير، قال(51)
:>ضمني رسول اللّه صلى الله عليه و سلم وقال : >اللهم علمه
الكتاب<، وكان يجلس على صغره إلى يمينه، بل ويشرب الماء بعد
رسول اللّه صلى الله عليه و سلم وقبل كبار الصحابة، فصحبة رسول
اللّه صلى الله عليه و سلم للأطفال تعليماً وتوجيهاً وتهذيباً
وتدريباً ومعاملة والتقاءً ودعاءً كثيرة، ومتعددة بل إن هذه
الصحبة امتدت إلى السير معه إلى الحرب.
فهذا الطفل يافع يدعو له رسول اللّه صلى الله
عليه و سلم بالبركة، وذاك طفل حاج يسير معه ويدعو له وهذه صبية
صغيرة تلبس ثوباً جديداً فيمازحها ويدعو لها. ويبعث بأنس في
حاجة فلا يعملها وينشغل باللعب مع الصبيان، فيداعبه ويذكره،
ويقبل عليه الصبيان وهو يأكل فيشاركهم الطعام، ويمازحهم
ويداعبهم، وماذا بعد ؟.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه و سلم يقص
القصص، فحياته صلى الله عليه و سلم >ومغازيه وسراياه ومروياته
مصدر ثري في مد الطفل بالقصة النافعة المؤثرة، ولقد كانت شخصية
الرسول صلى الله عليه و سلم وجوانب سلوكها المضيء موضوع تثقيف
أطفال سلفنا الصالح<(52).
فعن إسماعيل بن محمد بن سعد قال(53)
: >كان أبي يعلمنا مغازي رسول اللّه صلى الله عليه و سلم ،
ويعدها علينا وسراياه، ويقول : يا بني : هذه مآثر آبائكم فلا
تضيِّعوا ذكرها<.
وقال علي بن الحسين(54)
:>كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه و سلم كما نعلم السورة
من القرآن الكريم<.
قصة غلام الأخدود نموذجاً :
وقصة الحديث هي(55)
: روى مسلم عن صهيب ـ رضي اللّه عنه ـ أن رسول اللّه صلى الله
عليه و سلم قال : >كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر،
فلما كبر قال للملك، إني قد كبرت، فابعث إليّ غلاماً، أعلمه
السحر، فبعث إليه، وسمع كلامه؛ فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر
مرّ إلى راهب، فقال : إذا خشيت الساحر، فقل : حبسني أهلي، وإذا
خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك، إذ أتى على
دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب
إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس، فرماها
فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره : أي بُنيّ أنت اليوم
أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإذا ابتليت،
فلا تدل عليّ.
وكان الغلام يُبرئ الأكمه ـ من ولد أعمى ـ
والأبرص ـ من بجسمه بياض ـ ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع
جليس للملك، وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال : ما ها
هنا لك أجمع، إن أنت شفيتني، فقال : إني لا أشفي أحداً، إنما
يشفي اللّه تعالى، فإن آمنت باللّه تعالى دعوت اللّه فشفاك،
فآمن باللّه تعالى، فشفاه اللّه تعالى، فأتى الملك؛ فجلس إليه،
كما كان يجلس، فقال له الملك : من ردّ عليك بصرك ؟ قال : ربي،
قال : أولكَ رب غيري ؟ قال : ربي؛ وربك اللّه؛ فأخذه؛ فلم يزل
يعذبه؛ حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك : أي
بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه، والأبرص؛ وتفعل وتفعل !
فقال : إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي اللّه تعالى، فأخذه؛ فلم
يزل يعذبه؛ حتى دلّ على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له : ارجع
عن دينك، فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه،
فشقه؛ حتى وقع شقاه.
ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك،
فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه؛ فشقه بها؛ حتى وقع شقاه؛ ثم
جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك، فأبى؛ فدفعه إلى نفر من
أصحابه، فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل،
فإذا بلغتم ذروته؛ فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به
فصعدوا به الجبل فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف الجبل،
فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟
فقال : كفانيهم اللّه تعالى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال :
اذهبوا به، فاحملوه في قُرقٌور، وتوسطوا به البحر، فإن رجع عن
دينه؛ وإلا فاقذفوه فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال : ما
فعل أصحابك ؟ فقال له : كفانيهم اللّه، فقال للملك : إنك لست
بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ
سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل : بسم
اللّه؛ رب هذا الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلك ذلك قتلتني.
فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم
أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال : بسم
اللّه؛ رب الغلام، ثم رماه؛ فوقع السهم في صدغه ـ أي ما بين
العين إلى شحمة الأذن ـ فمات، فقال الناس : آمنا برب الغلام،
فأُتي الملك فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد واللّه نزل بك
حذرك، قد آمن الناس.
ونموذج غلام الأخدود يبين عن هذا التوجه حيث
بطل القصة غلام مؤيد من اللّه عز وجل بالقيام بأعمال خارقة
للعادة.
وبداية القصة فيها، ما يشدُّ الانتباه
والإصغاء، وما يبعث على الدهشة، حيث يجتمع الملك والسحر، وهذا
فيه من انبهار الطفل ومحاولة التعرف على ما سيجري.
ثم الغلام الذي يتعلم السحر من الساحر والدين
من الراهب، وحيرته التي تنتهي بسيره في طريق تعلم الدين حيث
يقتل الدابة العظيمة التي حبست الناس ويقوم الغلام بأعمال
خارقة تبعث على التشوق والترقب والبحث.
فيصل أمره إلى الملك الذي يأمره بالعودة عن
دينه، فيرفض، فيحاول قتله مراراً، فلا ينجح، فيدله الغلام على
طريقة إن فعلها قتله، وهنا تبدأ القصة بتصاعد الحدث، وبلوغ
الذروة حيث يجتمع الناس في صعيد واحد، والغلام مصلوب على جذع
شجرة، ثم يتقدم الملك ويصوِّب السهم قائلاً : باسم رب الغلام،
ثم يرمي، إنه لمشهد يهول الرائي، جموع غفيرة، وغلام صغير
مصلوب، وملك يدعي أنه إله يقوم بقتل صبي على طريقة الصبي،
وتبلغ القلوب مبلغها من التأثير عندما يموت الغلام بفعل السهم
الذي يشق رأسه، فيعلن الجميع إيمانهم.
نهاية القصة انتصار الحق على الباطل، والإيمان
على الكفر.
والقصة بألفاظها الواضحة المفهومة، وأسلوبها
المدهش، وعباراتها المتوسطة صالحة للأطفال ومفهومة لهم.
أما الحبكة التي اعتمدت على مواقف فيها من :
الغرابة والدهشة، والتنوع، واختراق العادة، والتوتر، والضيق،
والانفراج المؤقت، كل ذلك العرض الذي يجذب الأسماع، ويشدُّ
الأنفاس، ويأخذ بمجامع القلوب، ظلَّ يسير من مشهد إلى مشهد آخر
دون انقطاع، ودون الشعور بالنهاية، خدمة للمشهد الأخير الذي هو
الغرض والغاية من القصة.
إن معايشة الطفل لهذه القصة بسمعه، وقلبه،
وخياله، وعقله، وشعوره، تجلعه يتفاعل معها، وينفعل بها،
إعجاباً بالبطل، وسخرية من القوة الباطشة، وثباتاً على الحق
والمبدأ وإيماناً بالعمل والتضحية.
إن إقبال الأطفال على سماع أخبار هذا الدين
الجديد وقصص البطولات والمعارك والفتوحات، وما دار ويدور حول
شخصية الرسول صلى الله عليه و سلم من معجزات وأحداث ليذهب بهم
كلَّ مذهب، فالطفل يسمو إلى الخير، وينبهر بالعمل الخارق
والمعجزات، ويتطلع إلى البطولات، ويطرب للانتصارات، وكيف وكلُّ
هذه متحققة في سماع القصص التي تتحدث عن الرسول صلى الله عليه
و سلم في تحنثه في غار حراء، وفي نزول الوحي عليه وفي الإسراء
والمعراج وفي خروجه يوم الهجرة من بين من أرادوا قتله، ونجاته
من الذين تبعوه وقت الهجرة، ودخوله الغار ونسج العنكبوت على
بابه، ثم بعد ذلك الانتصارات في بدر وأحد والخندق وخبير وفتح
مكة.
وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام زاد التعلق
بمعرفة أخباره، والتعرف على أحواله وظروف حياته وجهاده، فظهرت
كتب السيرة التي تقص لنا أخباره عليه السلام منذ ولادته وحتى
وفاته، وتنقل لنا معها أخبار صحابته الذين شهدوا المواقع،
فمنهم من قضى نحبه بعد أن سطر من البطولات ما يجعل الصغار
يهيمون بهم إعجاباً، ومنهم من سطر العدالة منهجاً، والحق
نبراساً، ومنهم غرف العلم غرفاً، كل ذلك دعا إلى جلوس القصاص
في المساجد يقصون سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم ، وسير
صحابته الكرام، وأخبار الأمم السابقة، وقصص الأنبياء عليهم
السلام.
وكان ذلك في أول عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه
عنه، وشهر من القاصين تميم الداري، وكعب بن نافع، وعبيد بن
شرية الجرهمي، ووهب بن منبه، وسجِّل الكثير من هذا القصص في
كتب : التاريخ، والأخبار، والسير، والتراجم، والقصاص
والمذكرين، ووجوده وتدوينه رد على من قال بعدم الاهتمام بتدوين
القصص والحكايات.
الأمثال :
المثل زبدة حضارة الشعوب وثقافتها، وخلاصة
تجربتها، ومحصلة قيمها، وتعلمه والنظر فيه له فوائده الجليلة،
حيث يكتسب منه العلم والخبرة، ويضيف إلى تجربته تجارب
السابقين، كما يفيد في اختصار الزمن، ويوفِّر الجهد والطاقة،
ويسهِّل الطريق، ويسرع في الوصول إلى الغاية، إلى جانب ما فيه
من تدبُّر وتفكُّر وتأمل.
ولكل مثل قصة، وقصص الأمثال زاخرة بكل ما هو
عجيب وغريب، ومطرب ومدهش، وإذا كان اللّه عز وجل قد ضرب
الأمثال للناس في كتابه الكريم فقال عز من قائل : { ولقد ضربنا
للناس في هذا القرآن من كلِّ مثل لعلهم يتذكرون }(56)،
وقال تعالى: { ويضرب اللّه الأمثال للناس لعلهم يتذكرون }(57).
وإذا كان حديث رسول اللّه صلى الله عليه و سلم
ينقل لنا الكثير من الأمثال كقوله عليه الصلاة والسلام(58)
: >إياكم وخضراء الدمن<(59)
وغير ذلك كثير.
أفلا يدعو ذلك لأن يشغف العرب بالأمثال،
ويُرَبُّوا ناشئتهم على تعلمها، بلى، لقد شغفهم حب الأمثال،
وجعلوها أساساً من أسس مناهج التعليم والتربية لديهم، فعمر بن
الخطاب رضي اللّه عنه، يبعث إلى الأمصار ويأمرهم فيقول(60)
: >أما بعد، فعلموا أولادكم السباحة والفروسية، وروُّوهم ما
سار من المثل، وحسن من الشعر<، والتجارب، كما قال عمر رضي
اللّه عنه، ليست لها نهاية، والمرء منها في زيادة<(61).
وإذا كانت الأمثال لا تصدر إلا عن تجربة عميقة،
وحكمة واسعة، وأفق ممتد، فلذلك هي مناط الأسوة، ومدار الفائدة،
وعليها المعوَّلُ في أخذ العظة والعبرة، ومنها تُتَعَلَّم
مواجهة الزمان، والإعداد لها، وإن أخذ الأمثال من أفواه
الأطفال لدليل أكيد على ما سبق وقلناه من اعتماد الأطفال
جزءاً من المجتمع، يُسجَّل عنهم كما يسجَّل عن غيرهم إذا كان
جديراً بالتسجيل، والحكمة كما قال المصطفى عليه الصلاة
والسلام(62)
: >الحكمة ضالة المؤمن أنى التقطها فهو أحق بها<.
ومن هنا لم ير العرب غضاضة في نقل وتسجيل بعض
الأمثال التي حكاها الأطفال.
وباستعراض سريع لكتب الأمثال، وجدنا الصغار
يظهرون في هذه الأدبية التراثية من خلال الآتي :
1. نقل الأمثال وتسجيلها عن الصغار، دون أدنى
مواربة، فالرواية والنقل عن الطفل لم يكن يحرجهم تسجيلها
والتحدث بها وإن كانت حكايةً عن صغير.
فالمثل "خلا لك الجو فبيضي واصفري" مروي عن طفل
صغير هو طرفة بن العبد الشاعر المعروف، وكما تروي كتب الأمثال
: من قوله(63):
>استنوق الجمل< وهذان المثلان مرويان في كتب الأمثال، وكتب
الأدب والشعر، والثقافة العامة.
2 . حكاية قصة عن الطفل، وقد ورد المثل(64):
"كبر عمرو عن الطوق". قال المفضل : >أوَّل من قال ذلك جذيمة
الأبرش، وعمرو هذا ابن أخته وهو عمرو بن عدي بن نصر، وكان
جذيمة مَلِكَ الحيرة، وكان قد جمع غلماناً من أبناء الملوك
يخدمونه، منهم عدي بن نصر، وكان له حظٌّ من الجمال فعشقته رقاش
أخت جذيمة الأبرش فقالت له : إذ أنت سقيت الملك فسكر، فاخطبني
إليه، فسقى عدي جذيمة الأبرش ليلة، وألطف له في الخدمة، فقال
له : سلني ما أحببت. فقال : أسألك أن تزوجني رقاش أختك، قال :
ما بها عنك رغبة قد فعلت، فعلمت رقاش أنه سينكر ذلك عند
إفاقته، فقالت للغلام: قل له : ادخل على أهلك الليلة،
فدخل بها، وأصبح وقد لبس ثياباً جدداً، وتطيب، فقال له جذيمة :
ما هذا ؟ قال: أنكحتني أختك رقاش البارحة.
قال : ما فعلت، ثم وضع يده في التراب، وجعل
يضرب بها وجهه ورأسه، ثم أقبل على رقاش، فقال :
خَبّريني وأنْتِ غَيْرُ كَذُوب
أبحُرّ
زَنَيْـتِ
أَمْ بهجيـن
أم بعَبْد وأنـتِ
أهْلٌ لِعَبْـد
أم
بدُون وأنْتِ أهْلٌ لِدُونِ
قالت : بل زوجتني كفؤاً كريماً من أبناء
الملوك، فأطرق جذيمة، فلما رآه عدي خافه على نفسه، فهرب منه
ولحق بقومه وبلاده، فمات هناك، وعلقت منه رقاش، فولدت غلاماً،
فسماه جذيمة عَمْراً، وتبنَّاه، وأحبَّهُ حُبّاً شديداً، وكان
جذيمة لا يولد له، فلما بلغ الغلام ثماني سنين، كان يخرج في
عدة من خَدَمِ الملك يجتنون له الكمأة، فكانوا إذا وجدوا كمأة
خياراً أكلوها، وراحوا بالباقي إلى الملك، وكان عمرو لا يأكل
مِمَّا يجتني، ويأتي به إلى جذيمة، ويضعه بين يديه، ويقول :
هذا جنايَ وخيارُه فيه
إذ
كلُّ جانٍ يَدُهُ إلى فيه
فذهب مثلاً. ثم إن عمراً خرج يوماً وعليه ثياب
وحُلي، فاستُطير، فَفُقِدَ زماناً، فضرب عليه في الآفاق فلم
يوجد، ثم إن مالكاً وعقيلاً ابني فارج من بَلْقَيْن، توجها إلى
الملك بهدايا وتحف، فبينما هما نازلان، انتهى إليهما عمرو بن
عدي، وقد عفت أظافره وشعره، فقالا له : من أنت ؟ قال : ابن
التنوخية، فلهيا عنه، ثم إنَّهما حملاهُ إلى جذيمة الأبرش،
فعرفه، فضمَّهُ وقبَّله، وبُعث عمرو إلى أُمِّه فأدخلته
الحمَّام، وألبسته ثياباً، وطوَّقته طوقاً من ذهب، فلما رآه
جذيمة قال : كبر عمرو عن الطوق، فأرسلها مثلاً.
وفي هذا أن المثل حكاية عن طفل، بل إن الطفل
يقول المثل ويسجل عنه ويروى.
3. تصوير الصغار وبيان صفاتهم : من خلال
الأمثال التي وردت مصورة لأحوال الصغار وصفاتهم يتبين لنا
مواءمتها وموافقتها لحكاية واقع الطفل، وما هو عليه :
فالمثل : "أضبط من صبي"(65)
يبين عن قدرة الصبي على الضبط والحفظ، وقديماً قالوا : >العلم
في الصغر كالنقش على الحجر<، وسئل الجاحظ عن ذلك : أعقل الصغير
أثبت ؟
قال : لا، عقل الكبير أثبت ولكن قلبه أشغل.
ويعود ذلك إلى صفاء ونقاء سريرة الصغير، وعدم
اشتغاله بهموم الكبار : "والصبي أعلم بمضجع فيه"(66).
يضرب لمن يشار عليه بأمر هو أعلم بأن الصواب في
خلافه.
والمثل : "أبكى من يتيم"(67)
وفي المثل لا يُعَلَّمُ اليتيم البكاء"، فهو في حزنه ولوعته لا
يحتاج من يعلمه البكاء، والصغير يبكي للبكاء فكيف بمن فقد
العائل والسند ؟.
والمثل : "أبخل من صبي"(68).
والمثل : "أمنع من صبي"(69)،
أي يضن بما معه، هذا من المنع، والصبي موصوف بالبخل.
والمثل : "أكذب من صبي"(70).
ورد في شرح هذا المثل : >لأنه لا تمييز له، فكل
ما يجري على لسانه يتحـدث بـه : ولعلَّ الناس يكذبونه، لأنه
يتحدث بكل ما يرى ويسمع، حتى لو كان يضرُّ به، وبمن حوله،
والصواب أن يقولوا : أصدق من صبي. لأنه لا يعرف الكذب.
والمثل : "ما أسكت الصبي أهون مما أبكاه"(71).
يُضرب هذا المثل لمن يسألك وأنت تظنه يطلب
كثيراً، فإذا رضخت له بشيء يسير، أرضاه وقنع به.
والصغير يبكي بحرقة، فإذا ما أعطيته شيئاً
يسيراً سكت.
والمثل : "الصعو في النزع والصبيان في الطرب"(72).
والصعو : الطائر، وهذا يدل على لهو الطفولة.
والمثل : إن بنيَّ صبيةٌ صيفيون(73)،
أفلح من كان له ربعيون".
يُقال : أصاف الرجل إذا وُلِدَ له في كبر سنه،
وولده صيفيون، وأَرْبَعَ الرجل إذا وُلِدَ له في فتاء سنِّه
وولده ربعيون. وأصلها مستعار من نتاج الإبل، وذلك أَنَّ
رِبعيَّةَ النتاج أُولاه، وصيفيته أخراه، يضرب في التندُّم على
ما فات.
وهناك أمثال عديدة على أن الصغير يكبر، وأن
العظيم الجليل يكون في بدء أمره يسيراً صغيراً هيناً.
كقولهم : "إن العصا من العصيَّة"، و"إن القرم
من الأفيل"، و"النار من مستصغر الشرر"، و"الشر يبدؤه صغاره"،
و"أول الشجرة النواة"، و"أشرى الشر صغاره".
وللمثل قصة طريفة وقالوا : >إن صياداً قدِم
بنحي من العسل ومعه كلب له، فدخل على صاحب حانوت، فعرض عليه
العسل ليبيعه منه، فقطر من العسل قطرة، فوقع عليها زنبور، وكان
لصاحب الحانوت ابن عرس، فوثب ابن عرس على الزنبور، فأخذه، فوثب
كلب الصياد على ابن العرس فقتله، فوثب صاحب الحانوت على الكلب،
فضربه بعصا ضربة فقتله، فوثب صاحب الكلب على صاحب الحانوت
فقتله، فاجتمع أهل قرية صاحب الحانوت على صاحب الكلب، فقتلوه،
فلما بلغ ذلك أهل قرية صاحب الكلب اجتمعوا، ثم اقتتلوا هم وأهل
قرية صاحب الحانوت حتى تفانوا، فقالوا هذا المثل في ذلك.
5. تشابه الصغار بالكبار والأبناء بالآباء :
وورد عدد من الأمثال يوضح الصفات المشتركة والمتماثلة ما بين
الآباء والأبناء شكلاً وخلقاً وعادة.
من ذلك : "من أشبه أباه فما ظلم"(74)
و"شبه الولد بأبيه" و"إنه لأشبه بأبيه من الثمرة بالثمرة"(75).
وهذا شبه خلقي، أما الشبه الخُلُقي، فقولهم
:"شنشنة أعرفها من أخزم"(76)،
قاله أبو أخزم الطائي، وكان له ابن يقال له أخزم، وكان عاقاً،
فمات أخزم، وترك بنين فوثبوا يوماً على جدهم أبي أخزم فأدموه،
فقال :
إنَّ بنيَّ زمَّلوني بالدم
شنشنةٌ أعرفها من أخزم
"وتبشرني بغلام أعياني أبوه"(77)،
أو "كيف بغلام أعياني أبوه".
6. التشبيه والتمثيل بالصغار : وهذه الأمثال إما أن تطلب من
الكبير قصص حالة الصغير، كقولهم : "كل امرئٍ في بيته صبي"
.
(78)
وجاء في شرحه : >أي يطرح الحشمة، ويستعمل الفكاهة، يُضرب في
حسن المعاشرة، وقال عمر رضي اللّه عنه(79)
: ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي، وإذا التمس ما عنده
وُجدَ رجلاً<.
أو تصوير حالٍ بحال، كقولهم : "هم في أمر لا
يُنَادى وليده"(80).
ومعناه : "أمر عظيم لا يُنادى فيه الصغار، إنما
يدعى فيه الكبار".
أو قولهم : "رأي الشيخ خير من مشهد الغلام"(81).
وذلك طلباً لما عند الشيخ من الحكمة والتجربة
والنصيحة.
وقولهم : "إنها ليست بخدعة الصبي"(82).
أي ليس الأمر بهذه السهولة، كما ينخدع
الصبي بأهون الأمور.
7. حبهم والعناية بهم : فالأطفال زينة الحياة
الدنيا، وكانوا يفرحون بولادة الطفل، ويرون فيهم الأمل، وفي
المثل : "زينَ في عين والدٍ ولده"(83).
8. التوجيه والتربية : والمثل هنا قصد إلى غاية
توجيهية، وهدف تعليمي لاستخلاص الفائدة، والحصول على الخبرة.
فالمثل الذي يقول : "أصغر القوم شفرتهم"(84)،
أي الذي يخدمهم، ويقوم على أمرهم، وشبه بالشفرة لأنها تمتهن في
قطع اللحم، وهو في هذا العمل يكسب التجربة، ويتعرف على العادات
والتقاليد، وقيامه على خدمتهم يعني حضور مجالسهم، وغشيان
حلقاتهم. ومن ذلك التعليم الآمر، ففي المثل : "إياك وأعراض
الرجال"(85)
توجيه تربوي، وخلاصة تعليمية، وهذا التحذير قاله يزيد بن
المهلب يوصي ابنه من الوقوع في أعراض الرجال الذين لن
يتسامحوا في ذلك، فالوقوع في أعراضهم مهلكة، وترك ذلك منجاة،
لأن الحر يأبى ذلك، ولا يرضيه من عرضه شيء.
9. قصص الحيوانات في الأمثال : هناك قصص طريفة،
فيها المتعة والفائذة، وفيها دروس مستفادة، وشخصياتها حيوانات
تتحدث، وهذا ما يميل إليه الصغار، وقد أثبتت الدراسات >أن قصص
الحيوانات أكثرها رواجاً، وأشدها حباً بين الصغار، وقصص
الحيوان بعامة، من أقدم أشكال الحكاية التي عرفها الإنسان،
وجاءت فيها الحيوانات وكان لها طباع البشر<(86).
وإذا كان البعض يرجع ظهور هذا الجنس القصصي في
الأدب العربي إلى ترجمة ابن المقفع لكتاب كليلة ودمنة من اللغة
البهلولية عن اللغة الهندية في القرن الثاني للهجرة أي حوالي
منتصف القرن الثامن الميلادي، فقد لا يكون ذلك دقيقاً، والعودة
إلى هذا القصص ونسبتها يبين عن أن الأدب العربي عرف هذا النوع
قبل ترجمة ابن المقفع لكتاب كليلة ودمنة.
فقصة المثل "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".
روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال
: إنما مثلي ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة في أجمة : أبيض وأسود
وأحمر، ومعهن فيها أسد، فكان لا يقدر منهن على شيء لاجتماعهن
عليه، فقال للثور الأسود والثور الأحمر : لا يُدل علينا في
أجمتنا إلا الثور الأبيض فإن لونه مشهور، ولوني على لونكما،
فلو تركتماني آكله صفت لنا الأجمة فقالا : دونك فكله. فأكله.
فلما مضت أيام قال للأحمر : لوني على لونك فدعني آكل الأسود
لتصفو لنا الأجمة. فقال : دونك فكُله، فأكله. ثم قال للأحمر :
إني آكلك لا محالة. فقال : دعني أنادي ثلاثاً. فقال : افعل.
فنادى : ألا إني أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض. ثم قال علي رضي
اللّه عنه : ألا إني هنت، ويروى : وهنت يوم قتل عثمان، يرفع
بها صوته. يضربه الرجل يقصر في حق أخيه إبقاء على نفسه.
في الوصايا :
في وصايا الآباء لمربي أبنائهم ومعلميهم،
ووصاياهم لهم جماع المنهج الذي اعتمد في بناء الطفولة :
علمياً، وأدبياً، وثقافياً.
فعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يحدد منهج
التعليم في الأمصار من خلال هذه الوصية التي تجمع قوة الجسم
والعلم، يقول(87)
: >أما بعد، فعلموا أولادكم السباحة والفروسية، ورووهم ما سار
من المثل، وحسن من الشعر<، وتأتي وصية عتبة بن أبي سفيان لمؤدب
ولده، لتؤكد على أن الاهتمام بأدب الأطفال يشغل بال والي مصر
حيث يقول للمؤدب(88)
: >ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاح نفسك، فإن عيونهم معقودة
بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنته، والقبيح ما استقبحته. وعلمهم
كتاب اللّه، وروِّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا
تكرههم على علم فيملوه، ولا تدعهم فيهجروه، ولا تخرجهم من علم
إلى علم حتى يحكموه، فازدحام العلم في السمع مضلة الفهم،
وعَلِّمْهُمْ سير الحكماء، وهََدِّدْهُم وأََدِّبْهُم دوني،
ولا تتكل على كفاية منك، واستزدني بتأثيرك أزدك إن شاء اللّه
تعالى<.
فهذا دستور يحتاج إلى إيضاح مواده، أولها :
القدوة الحسنة، فللاقتداء أثره القويم في تهذيب النفوس
وتعليمها، وسلوكها السلوك الحسن.
ثم البدء بالتعليم بكتاب اللّه، والاختيار من
الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ويظهر من ذلك التأثير في بناء
الأخلاق من خلال عفة الشعر.
ويعتد بأساليب في التعليم لها من الآثار
النفسية والجسدية والعقلية على الأطفال وعلى تقبل العلم مالها.
فالإكراه والقسر مظنة الرفض والضجر، والإهمال والترك داعية
النسيان والهجر، وعدم اكتمال العلم ونضجه والانتقال إلى علم
آخر يؤدي إلى التضاد، والتزاحم، والإبعاد، والطرد، فيصعب على
المتعلم التوفيق
بينها.
أما تعليم سير الحكماء فهو ما بدأ فيه من
القدوة، فإن معرفة الرجال توصل إلى الغايات، وتهدي إلى أنبل
المقاصد. إلى جانب ما في السِّير من أساليب القص والحكاية، ثم
ما في النفس من القبول لسماع الحديث عن نماذج الرجال. وأخيراً
العقاب، وتأخيره دليل على أن العقاب ليس منهجاً، وإنما هو
وسيلة تقويم وردع.
ولعل وصية هشام بن عبد الملك لمؤدب ولده هي
الأخرى تسير ضمن هذا المنهج، وإن ارتقت لتجمع بين توجيهين :
توجيه المعلم أولاً، وتوجيه التعليم ثانياً : فتوجيه المعلم
بتقوى اللّه، وأداء الأمانة هما عماد نجاح أي عمل، وإخلاص
المعلم، وتأديته واجبه على خير وجه الخطوة الأولى، تتبعها
خطوات لا تكاد تزيد على ما جاء في وصية عتبة سوى ما فيها من
دعوة إلى الحرص على التعليم، وهو تعليم المكتسب بعمله،
والتدريب عليه بأن يجلس للناس، يقول(89)
: >إنَّ ابني هذا هو جلدة ما بين عيني، وقد وليتك تأديبه،
فعليك بتقوى اللّه، وأداء الأمانة فيه بخلال : أولها : أنك
مؤتمن عليه، والثانية : أنا إمام ترجوني وتخافني، والثالثة :
كلما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه، وفي هذه الخلال
ما يرغبك في ما أوصيك به. إنَّ أوّل ما أوصيك به، إن أول ما
آمرك به أن تأخذه بكتاب اللّه، وتقرئه في كل يوم عُشراً يحفظه
حفظ رجل يريد التكسب به، ثمَّ روِّه من الشعر أحسنه، ثم تخلَّل
به في أحياء العرب، فخذ من صالح شعرهم هجاءَ ومديحاً. وبصره
طرفاً من الحلال والحرام، والخطب والمغازي، ثم أجلسه كل يوم
للناس ليتذكر<.
ويؤكد هارون الرشيد على المنهج التعليمي ذاته
في وصيته لخلف الأحمر مؤدب ولده(90).
وإذا كانت هذه النصائح تمثل الأسلوب الأمثل
الذي يراه الآباء للسير بأبنائهم في طريق التعليم، فإن مرحلة
النقلة من الطفولة إلى البلوغ قد أوجدت نوعاً آخر من الأدب، هو
وصايا الآباء للأبناء، وهذه الوصايا تمثل منهجاً تربوياً
فريداً لأنها صدرت في أغلبها عن خلفاء، وأمراء، وقادة، عجموا
الحياة وخبروها، وعن علماء، وفقهاء، وأدباء علموا ما للتربية
من أثر في توجيه النشء الوجهة السليمة، فالمأمون يسمع لحناً من
أحد أبنائه فيوجهه التوجيه السديد قائلاً(91)
: ما على أحدكم أن يتعلم العربية، فيقيم بها أوَدَه، ويزين بها
مشهده، ويفلُّ بها حُجَجَ خصمه بمسكتات حكمه، ويملك مجلس
سلطانه بظاهر بيانه، أو يَسُرُّ أحدكم أن يكون لسانه كلسان
عبده أو أمته، فلا يزال الدَّهر أسيرَ كلمته، قاتل اللّه الذي
يقول :
ألم تـرَ
مفتـاح
الفـؤاد
لسانــه
إذا
هو أبدى ما يقولُ مـن
الفـمِ
وكائن ترى من صاحب لك معجب
زيادتهُ
أو نقصه فـي
التكلُّــم
لسان الفتى نصف ونصف فـؤاده
فلم
يبق إلاّ صورة اللحم والـدم
والقائد المهلب بن أبي صفرة يوصي بنيه قائلاً(92)
:>إياكم أن تجلسوا في الأسواق إلاّ عند زرَّاد أو ورَّاق<،
أراد الزرَّاد للحرب، والورَّاق للعلم.
وننهي بهذه الوصية التي تعني الأمل والمستقبل،
فهذا عروة بن الزبير يوصي بنيه(93)
: >يا بنيَّ، اطلبوا العلم فإن تكونوا صغار قوم لا يُحتاج
إليكم، فعسى أن تكونوا كبار قومٍ آخرين لا يستغنى عنكم<.
أساليب وطرائق
الأدبيات :
اختلفت طرائق الأدبيات وأساليبها للوصول إلى
عقل الطفل وقلبه، فمن الحفظ إلى التدريب والرواية والممارسة،
والتشجيع والإغراء والمكافأة، والثواب والعقاب، كل ذلك في إطار
من اليسر والمرونة، والفهم الواقعي لنفسية الطفل، وقدراته،
وميوله، واستجاباته.
أ) الحفظ والرد على أصحاب النزعة اللفظية :
من طرائق أدبيات التعلم "الحفظ" وهذا الأسلوب
الذي عُدَّ شعاراً في التراث الإسلامي، لم يُتَّخذ عبثاً، لأنه
أثبت جدارته في تكوين القدرة اللغوية، فالجاحظ يرى أن العناية
بالحفظ والرواية والتمرين والتدريب، كل ذلك له فوائده على
الطفل، حيث يقول : >وكانوا يُرَوُّون صبيانهم الأرجاز،
ويعلمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت، وتحقيق الإعراب،
لأن ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الجرم، واللسان إذا أكثرت تقليبه
رقَّ ولان، وإذا أطلت إسكانَه حبسأ وغلظ<(94).
فجهاز النطق كما يرى الجاحظ، وعلى الحقيقة،
ينشط ويقوى بالمراس والمران، ويضعف، ويكاد يفقد وظيفته إذا
حُبس ومُنِع.
وكان أول ما استقبل المسلمون من هذا الأمر،
التوجه الحاسم لحفظ كتاب اللّه وتلاوته، ومدارسته.
وعدَّهُ القدماء من أساليب التعليم الميسر،
الذي يسَّره اللّه عز وجل للجميع على اختلاف فئاتهم العمرية،
فقال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكِر}(95).
ويعد الدكتور الصاوي هذا التيسير : >من معجزات
القرآن الكريم أن اللّه يسره للناس جميعاً، وعلى رأسهم الأطفال
...(96)
ومن هنا حفظه الأطفال في سن مبكرة في تاريخ التربية
الإسلامية<.
وهم كذلك ساروا على هذا المنهج إيماناً
وامتثالاً لقول النبي صلى الله عليه و سلم (97)
: >أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال : حبِّ نبيكم، وحبِّ آل
بيته، وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش اللّه، يوم لا
ظل إلا ظلّه، ومع أنبيائه وأصفيائه<.
وهذا ما أكده علماؤنا الأفاضل من علماء السلف،
وأشاعوه في كتبهم ومؤلفاتهم ليكون نبراساً لتعليم الأطفال،
ومنهجاً تسير عليه الأمة.
فابن سينا يؤكد على وجوب تعليم القرآن بمجرد أن
يتهيأ الصبيُّ للتلقين، فمنذ نعومة أظفاره يستقبل سمعُه
كتاب اللّه، يقول : >فإذا تهيأ الصبيُّ للتلقين، ووعى سمعه،
أخذ في تعليم القرآن، وصورت له حروف الهجاء، ولُقِّن معالم
الدين<.
ويركز ابن خلدون على هذا المفهوم، قائلاً(98)
: >تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل
الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق إلى القلوب من
رسوخ الإيمان، وعقائده، بسبب آيات القرآن، ومتون الحديث، وصار
القرآن أصل التعليم الذي ينبغي عليه ما يحصل بعدُ من الملكات<.
ويعده الحافظ السيوطي أصلاً من أصول الإسلام،
فيقول(99)
: >تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشؤون على
الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة، قبل تمكن الأهواء
منها، وسوادها باكدرار المعصية والضلال<.
واستمر المسلمون على هذا المنهج، يقول القابسي(100)
: >وما زال المسلمون وهم يرغبون في تعليم أولادهم القرآن، على
ذلك يربونهم، وبه يبتدونهم، وهم أطفال، ولا يملكون لأنفسهم
نفعاً ولا ضراً، ولا يعلمون إلاّ ما علمهم آباؤهم<. ويجعل
الماوردي تعلّم العلوم الدينية في رأس قائمة المنهاج، وهي واجب
على كل فرد، لأنها تجمع الناس على مقاييس موحدة، في : القيم
والتصورات، وتوفر لهم إطاراً ينتظمهم، ومنظماً يؤلف بينهم
...<.
والحرص الشديد على الحفظ من قبل جمهور
المسلمين، ساسة، وآباء، ومشرفين على التعليم، نقل لنا صوراً
رائعة عن حفظ الصغار، فأوردت لنا كتب الحديث والآثار والأخبار
سلسلة من صور هذا الحفظ.
فعن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال(101)
: >توفي رسول اللّه صلى الله عليه و سلم وأنا ابن عشر سنين،
وقد قرأتُ المحكم<.
وقال الشافعي رحمه اللّه(102)
: >حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن
عشر<.
ومن عجيب الحفظ والقراءة، ما رواه إبراهيم بن
سعيد الجوهري، قال(103)
: >رأيت صبياً ابن أربع سنين قد حُمِلَ إلى المأمون، قد قرأ
القرآن، ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع يبكي<.
وامتد الحفظ من القرآن الكريم إلى الحديث
الشريف، فالبخاري يحفظ وهو صغير خمسة عشر ألف حديث.
قال بعض المحدثين(104)
: >كان البخاري يختلف مَعَنَا إلى السماع وهو غلام، فلا يكتب
حتى مضى على ذلك أياماً، فكنا نقول له. فقال : إنكما قد
أكثرتما عليَّ، فأعرضا عليَّ ما كتبتما. فأخرجنا إليه ما كان
عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلَّها عن ظهر قلب،
حتى جعلنا نحكُم كتبنا من حفظه<، وامتدت حافظة الطفولة اللاقطة
لحفظ كتب الأدب والشعر والسير والآثار والأخبار، فالمتنبي يحفظ
وهو صغير ثلاثين ورقة أمام ورّاق مدة النظر في الثلاثين ورقة،
والغلام الموهوب أبو العلاء المعري يتلو كراسة مما أملي عليه
في لحظتها (105).
ونوادر الحفظ والحفاظ كثيرة، وقد ورد من ذلك صور كثيرة في كتب
تراجم الحفاظ وغيرها من كتب التراث الإسلامي.
فوسيلة الحفظ والرواية من الوسائل التي اتخذت
سابقاً في تراثنا العلمي والأدبي والتربوي، واعتمدها المربون
والمعلمون، والمهتمون بالشأن الثقافي، ثقة منهم، بما لها من
قدرة على تهذيب الذوق، وتجويد القريحة، وصقل الطبع، وإطلاق
اللسان.
فكان حرصهم شديداً على حفظ القرآن الكريم، أو
بعض منه، وأجزاء من الحديث النبوي الشريف، ومختارات من الشعر
والأمثال والحكمة والأخبار.
وتركيزهم على الحفظ قادهم إلى معرفة أحوال النص
وضرورة الإلمام بمعانيه، لأن الفهم طريق إلى الحفظ، وترسيخ له،
والتعاون بين الحفظ والفهم، يوصل إلى الغاية المرجوَّة من صحة
اللسان، وعلو الفهم، وجودة التحصيل، وبعد الرؤية، وسلامة
الحكمة، والقدرة على التمييز.
ويبدو لي أن البدء مع الطفل بالقرآن الكريم كما
يظهر من طفولة السلف كان قصداً لامتلاك حظ عال في استقامة
اللسان، والتمكن من اللغة، وهذا ما يؤكده أبو القاسم الحسين بن
محمد المشهور بالراغب الأصفهاني، حيث يقول(106)
: >فألفاظ القرآن الكريم هي ألفاظ القرآن، وهي لبُّ كلام
العرب، وزبدته، وواسطته، وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء،
والحكماء في أحكامهم وحكمهم، وإليها مفزع حذاق الشعراء
والبلغاء في نظمهم ونثرهم<.
ولعلنا نجمل المشجعات على حفظ القرآن الكريم
التي جعلت الأمة تجعله شعاراً ومنهاجاً، من ذلك :
1. ما ذكرناه من نمو ملكة اللغة، وصحة اللسان،
وتفتق اللهاة.
2. الوقاية في النفس والبدن، من ذلك ما رواه أحمد بن عبد اللّه
بن عمرو(107)
:
أن رجلاً جاء بابن له، فقال : يا رسول اللّه، إن ابني يقرأ
المصحف بالنهار، ويبيت الليل، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و
سلم :>ما تنقم أن ابنك يظلُّ ذاكراً، ويبيت سالماً<.
3.
النجاة من عذاب اللّه، ورد أن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال
لرجل (108)
:
ألا أتحفك بحديث تفرح به ؟ قال : بلى، قال : اقرأ >تبارك الذي
بيده الملك< وعلمها أهلك، وجميع ولدك، وصبيان بيتك، وجيرانك،
فإنها المنجية، والمجادلة، تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند
ربها لقارئها، وتطلب له أن ينجيه من عذاب النار، وينجو بها
صاحبها من عذاب القبر، قال رسول اللّه صلى الله عليه و سلم :
>لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي<.
4. نفع لأهله ومن حوله، وهذا ما يشجع الآباء
على تحفيظ أبنائهم كتاب اللّه، أخرج أبو داود عن سهل بن معاذ
رضي اللّه عنه(109)
: أن رسول اللّه صلى الله عليه و سلم قال: >من قرأ القرآن،
وعمل به ألبس اللّه والديه تاجاً يوم القيامة ضوءهُ أحسن من
ضوء الشمس<.
5. رفع البلاء، فقراءة القرآن وحفظه من أسباب
رفع البلاء عن الناس، فعن حذيفة بن اليمان قال(110)
:
قال رسول اللّه صلى الله عليه و سلم : >إن
القوم ليبعث اللّه عليهم العذاب حكماً مقضياً، فيقرأ الصبي من
صبيانهم في المكتب "الحمد للّه رب العالمين" فيسمعه اللّه
تعالى، فيرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة<، لذلك حرص الأولون
على متابعة أولادهم، في تعلم القرآن الكريم وحفظه، وحضور
مجالسه، أو ختمه، روى الطبراني عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه
أنه كان إذا ختم القرآن، جمع أهله وولده فدعا لهم<(111).
وإذا كان سلفنا الصالح قد رأى أن في حفظ القرآن
الكريم وتلاوته تثبيتاً للفؤاد، واستقراراً للإيمان إلى جانب
ما ذكرناه، فإن حفظ آيات من الكتاب الكريم تهذب الخلق والطبع
واللسان، وترتقي بالذوق والسليقة والقدرة، وتنمي اللغة
والمعارف والخبرة، وتزيد الطفل ثقة وإدراكاً وفهماً.
ومن هنا نفهم توجيه الإمام علي بن أبي طالب رضي
اللّه عنه لوالد الفرزدق الشاعر عندما أتاه، روي أن غالب بن
صعصعة(112)
وفد على علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ومعه الفرزدق.
فقال : من هذا الغلام معك ؟
قال : ابني وهو شاعر.
قال : علِّمهُ القرآن فهو خيرٌ له من الشعر.
فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيَّد نفسه، وآلى
أن لا يحلَّ قيده سنةً حتى يحفظ القرآن.
وبعد هذه المرحلة الشيقة مع الحفظ التي خرجت
لنا حفاظ السلف وعلماءَهم، والرجال الذين يُشار إليهم بالبنان
فهماً، وعلماً، ومكانة، ورأياً، فإن أصحاب النزعة اللفظية يرون
أن الحفظ دون الفهم خطر على شخصية الطفل، وعلى قدراته،وتفكيره،
فهو يحجر على حرية التفكير والتعبير، ويحدّ من انطلاق الخيال،
ويمنع الشخصية السوية التي لا تستطيع إلاّ أن تكون مقلدة تابعة
ضعيفة، وفي ذلك قول أحدهم(113)
: >ومن أخطار هذه الظاهرة أن الأفكار التي يرددها الأطفال لا
يتهيأ لها أن تؤدي دورها في تكوين شخصياتهم، وتحديد سلوكهم،
لأنهم رغم ترديدهم ألفاظاً، أو حفظهم قوالب جامدة، إلا أنها لا
تقودهم إلى التفكير الواعي، إذ يكتفون بالإجابات اللفظية،
ويقتنعون بالإجابات الجاهزة، لذا يقال : إن هذه الظاهرة تقود
إلى التعلم الأعمى الذي لا ينطوي على فهم المضمون، وتؤدي
النزعة اللفظية بالأطفال إلى عدم التكيف مع الثقافة تكيفاً
صحياً، وإلى عدم إدراك أدوارهم الاجتماعية، وبالتالي عدم
أدائها بشكل صحيح<.
ومع وعي علماء السلف لأهمية الفهم، وأن الفهم
والحفظ ساقان لقامة واحدة، فكان الحفظ يسير مع الفهم في مجرى
واحد، إلا أننا لا نستطيع القول بأن من حفظ القرآن الكريم أو
آلاف الأحاديث الشريفة وهو بعد لم يبلغ سن العاشرة كان يفهم ثم
يحفظ.
واحتجاج أصحاب النزعة اللفظية في ترك الحفظ حتى
الفهم، أو أن يفهم أولاً، ثم يحفظ ثانياً، لا طائل وراءه، إذ
أن ما ثبت علماً وتجربة وواقعاً أن الحفظ للصغير أولى قبل
تراكم الهموم والأعمال والأشغال، ثم إن الناشئ يستطيع الحفظ
والتخزين، والاستفادة من هذا المحفوظ في كل مراحل عمره، حتى
وإن كان بدءاً لا يعرف بالتفصيل والتخصيص، فقد يكتفي بالتعريف
العام، إذ المفهوم العام في مرحلة محدودية الفهم ـ مرحلة
الطفولة الأولى والثانية ـ يسدُّ مسد المعنى التفصيلي الدقيق.
يقول أحمد معتوق(114)
: >أما آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، فإن حفظها بلا
شك يهذب لسان الناشئ، ويسمو بسليقته، ويرتقي بلغته، كما ينمي
قدرته على الاسترجاع والتذكر، حتى وإن لم يدرك ويفهم كل ما
يحفظ، غير أن إدراكه وفهمه لمضمون ما يحفظ، وإن كان إدراكاً
وفهماً عاماً يجعل ألفاظ النص الذي يحفظه أكثر وضوحاً، وأكثر
رسوخاً وثباتاً في الذاكرة، وأخيراً أكثر فاعلية في
الاستخدام<.
ثم إن الانتظار حتى الفهم قد يفوِّت الفرصة
الذهبية على الصغار، فحاظفتهم المهيأة للاستقبال والتخزين في
هذه المرحلة هي حافظة لاقطة، كما يرى الإمام الغزالي، ويؤكد(115)
: >أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأؤكدها، والصبي
أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، ساذجة خالية من
كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما ينقش<، فمتى سيحفظ أبو نواس
ستين ديواناً لامرأة، وسبعمائة أرجوزة غير ما كان يحفظه من
قصائد الجاهليين والمخضرمين والأمويين، ومتى سيجد الوقت لذلك،
فما حفظه كان بعد دخوله البادية صغيراً وإقامته فيها حولاً
كاملاً.
وبشار بن برد(116)
الذي يتعجب الناس من استقامة لسانه مع كونه أعجمياً فيعتد بأنه
تربى صغيراً على رواية اللغة والشعر في بادية البصرة، وفي
أحضان شيوخ بني عقيل الفصحاء.
إن هذا الاستعداد يجعل الطفل الذي يقدر على
الحفظ، قادراً على الفهم أيضاً، حتى لو كان هذا الفهم ـ كما
قلنا ـ يحيط بعموم النص لا بنصوصه ودقته وحدوده، فهذا ابن عباس
يفهم سورة النساء وهو صغير كما روى الحاكم، وما ورد عن تنبه
عقل الصغير ما رواه عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال(117)
: قال رسول اللّه صلى الله عليه و سلم : >أخبروني بشجرة
مثَلُها مثل المسلم، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحتّ
ورقها< فوقع في نفسي النخلة، فكرهت أن أتكلم، وثم أبو بكر
وعمر، فلما خرجت مع أبي، قلت : يا أبتاه، وقع في نفسي النخلة،
قال : ما منعك أن تقولها ؟ لو كنت قلتها كان أحبّ إليَّ من كذا
وكذا.
قال : ما منعني إلا أني لم أرك، ولا أبا بكر
تكلمتما، فكرهتُ، وفي رواية : فإذا أنا أصغر القوم فسكتُّ<.
ففي هذا الحديث يتبين لنا قدرة الصغير على
الفهم والمعرفة والاستنتاج، والإجابة على الرغم من وجود
الكبار، وأن الصغير بتوقد ذكائه، وصفاء نفسه، وشدة انتباهه قد
يعي الكثير.
ومن طريف ما روي عن ذكاء الخليفة المأمون، أن
الكسائي كان يعلمه القرآن في صغره، وكان من عادة الكسائي، أن
يطرق إذا قرأ المأمون، فإذا أخطأ رفع رأسه ناظراً إليه، فيرجع
إلى الصواب، فقرأ يوماً المأمون سورة الصف، ولما وصل إلى قوله
تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون}(118)
فرفع الكسائي رأسه، فنظر المأمون إليه، وكرر الآية، وهو يفتش
عن خطئه، فوجدها صحيحة، فمضى في قراءته، ولما انصرف الكسائي،
دخل المأمون على أبيه قائلاً : هل وعدت الكسائي بشيء ؟
قال : كيف علمت بذلك يا بني ؟
فأخبره بالأمر، فسرَّ الرشيد لفطنة ابنه، وشدة
ذكائه ولا تقل بأن هذا الخبر عن ابن خليفة، فهناك من أخبار
ذكاء الأطفال وإجاباتهم المسكتة، وبديهتهم السريعة، ما يقف
المرء أمامه متعجباً.
ودليلنا أن أطفالنا في هذه الأيام يتعاملون مع
الحاسب الآلي بمرونة ومعرفة وفهم إن لم يتفوق على الكبار، فهو
يوازنهم.
ولذلك فإن الحجة لأصحاب النزعة اللفظية غير
قائمة إن نحن جمعنا بين ما يفهم من النص بعمومه، والتركيز على
حفظه.
ب) الرواية والدربة :
إن احتفال العرب بالرواية يرجع إلى مرحلة شفهية
سبقت التدوين، وجعلتها بعد التدوين نموذجاً ثبت في الذاكرة،
وأسلوب علم، وطريقة عمل سار عليها الخلف. فالشاعر الذي يقول عن
القصيدة(119)
:
ترك المياه فما تزال غريبةً
في القوم بين تمثل وسماع
ليؤكد على هذه الرواية المتنقلة، والمتسعة التي
شملت العرب جميعاً، ولعلّ الشعر الذي هو ديوان العرب، كان قبل
الإسلام أكثر مواد الأدبيات رواية، لأنه كما يقول ابن رشيق(120)
: >أكبر علوم العرب، وأوفر حظوظ الأدب< وهو مجمع البلاغة وحافظ
الأنساب، ومسجل المفاخر، وأنيس العابر والسامر، به تزهو
المجالس، وتنتظم النفائس، وهو أولاً وأخيراً نبع فياض من
ينابيع اللغة، به نستسهل وعرها، ونلتذ صعبها، ونعرف غامضها<،
يقول ابن عباس رضي اللّه عنه :>إذا قرأتم شيئاً من كتاب اللّه
فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب،
وكان إذا سئل عن شيء أجاب شعراً<.
ومن هنا كان حرص اللغويين على روايته، وجمعه،
لتُتَعلَّم منه اللغة.
وفي الاعتناء بحفظ الشعر يقول السيوطي (121):
>وليُعتَن بحفظ أشعار العرب، فإن فيه حكماً ومواعظ وآداباً،
وبه يستعان على تفسير القرآن والحديث<.
وإذا كانت الرواية بعد الإسلام قد اتسعت
لتشمل الحديث النبوي الشريف، وتخط طرائق وأساليب لضبطها
وتحرِّيها، وتضع منهجاً لإتقانها ومعرفتها، وتؤسس لعلم الرجال
في الجرح والتعديل، وفي التصحيح والتضعيف، وفي القبول والترك
حتى أصبحت الرواية فناً وعلماً يقوم عليها رجال، ويسهر عليها
أمناء.
فقد استفاد الشعر من أسلوب رواية الحديث بعد
عصر التدوين، فكانت الرواية بالنسبة له هي المدرسة التي يتخرج
منها في عالم الشعر، يقول الفرزدق(122)
:
وهب القصائد لي النوابغُ إذا مضوا
وأبو
يزيد وذو القروح وجرولُ
والفحل علقمـة
الـذي
كانـت
لـه
حلل
الملـوك
كلامـه
لا ينحـل
ويعد سائر شعراء الجاهلية من الفحول الذين روى
شعرهم وحفظه حتى أصبح شاعر الطبقة الأولى في الإسلام، والرواية
توسع الإفهام، وتسهِّل الكلام، يقول ابن رشيق(123)
: >فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين المتقدمين يفضل أصحابه
برواية الشعر، ومعرفة الأخبار، إنه إذا كان راوية عرف المقاصد،
وسهل عليه مأخذ الكلام، ولم يضق به المذهب، وإذا كان مطبوعاً
لا علم له ولا رواية ضل واهتدى من حيث لا يعلم، وربما طلب
المعنى فلم يصل إليه، وهو ماثل بن يديه لضعف آلته، كالمقعد يجد
في نفسه القوة على النهوض، فلا تعينه الآلة<.
فالرواية هي الآلة، وهي القوة الدافعة المحركة،
وهي وإن كانت مرحلة تمهيدية فإنها تعد المرحلة التأسيسية،
وتستمر طاقة مختزنة يستعين بها الشاعر المطبوع وقت الحاجة، فهي
التي توسِّع آفاقه، وتدفع في عروقه كلام الدم، وتجعله قادراً
على السير والاستمرار فيه.
لهذا كان حرص القدماء على أن يروي صغارهم الشعر
قد روي عن عائشة رضي اللّه عنها : >رووا أولادكم الشعر تعذب
ألسنتهم<، كما روي عن معاوية بن أبي سفيان قوله(124)
: >يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب،
فاجعلوا الشعر أكبر همكم، وأكثر دأبكم<.
ويقول الزبير بن بكار(125)
: سمعت العمري يقول : >رووا أولادكم الشعر، فإنه يحل عقدة
اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحض على الخلق
الجميل<، ويروى أن أبا عمر بن العلاء الذي كان يحتفل بالشعر
القديم لما رأى جودة الشعر المحدث قال : >لقد كثر هذا المحدث
حتى هممت بأن آمر صبياننا بروايته<.
فالشعر كما يرى عبد القاهر الجرجاني فيه(126)
:>الحق والصدق والحكمة، وفصل الخطاب، وأنه كان مجنى ثمر العقول
والألباب، ومجتمع الآداب، والذي قيَّد على الناس المعاني
الشريفة، وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسَّل بين الماضي
والغابر، ينقل مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد، ويؤدي ودائع
الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى ترى به آثار الماضين مخلدة في
الباقين، وعقول الأولين مردودة في الآخرين، وترى لكل من رام
الأدب، وابتغى الشرف، وطلب محاسن القول والفعل، مناراً
مرفوعاً، وعلماً منصوباً، وهادياً مرشداً، ومعلماً مسدداً،
وواعظاً ومثقفاً<.
وما يهمنا في هذا النص الإرث الشعري الذي يظل
في العقب، وينتقل إلى الخلف من السلف، حتى تظهر مكارم الأخلاق
في الأولاد، وتتناص عقولهم، وتتواصل قلوبهم مع آبائهم
وأجدادهم، وهو كذلك باب المتعلم، وطريق المتأدب، إلى ميدان
الأدب. كذلك منه طلاوة القول تستمد، وعليه يعوَّل في التثقيف
والتهذيب، وهو سُلّم الوصول إلى الغايات البعيدة، والمآرب
العظيمة، والدرجات العلى.
ولو اقتصرنا على هذه الوظيفة للشعر في تعليم
الناشئة، وتقويم ألسنتهم، وتهذيب طباعهم، وترقيق مشاعرهم
وتزويدهم بكل خصلة نبيلة، وفائدة جليلة لكفاه، فهو ـ كما في
قول عبد القاهر ـ الهادي المرشد، والمعلم المسدِّد.
لذا كان الاهتمام بتدريبه، والاحتفال بروايته،
والتشجيع على حفظه، والانكباب على تدوينه، والتفكير في أمثل
الطرائق وأنجعها لجعله في متناول المتلقين، وذلك ما حفز
العلماء والأدباء على تقديم الشعر نصاً وقانوناً، وطريق صناعة،
ورؤىً نقدية.
فانشغلوا بجمع الشعر وروايته، ودونوا في ذلك
الدواوين الكثيرة، والناظر فيما رواه أبو بكر الصولي وجمعه من
الدواوين ليعلم عظم هذا الاهتمام.
كما اهتموا بقوانين الشعر، وقواعد نظمه، وطرق
إيقاعه، فكان العروض.
وظهرت الرؤى النقدية في إضاءة النص بالتعريف
بصاحبه، وشرح لغته، وبيان غرضه، وارتفاع طبقته، والإرشاد إلى
بعض هفواته ومزالقه.
والشعر مُدْرَكٌ ومُدْرِك، فنحن ندرك ألفاظه
ومعانيه، وأغراضه ومراميه، وهو يدرك حاجاتنا ورغباتنا، ويصل
إلى مداركنا ومشاعرنا، ويبلغ بنا إلى الوصول إلى غاياتنا
وأهدافنا.
وهو يبلغ ذلك منا بما أوتي من سيرورة وعذوبة،
وغنائية وإيقاعية تصل حدَّ الإمتاع، بل إنه يبلغ بحكمته
وبصيرته، وحنكته في الإقناع، وقدرته على الغلبة على المشاعر
وينبع ذلك من مهارته في التسلل إلى مكامن المشاعر والعقل
والسيطرة عليهما.
وجاء الشعر التعليمي خادماً للشعر وللعلوم
والمعارف الأخرى. وظهوره في بداية القرن الثاني الهجري التي هي
بداية التدوين والتأليف، أفادت وثبتت منهج الحافظة الذي اعتنى
به السلف، فكان الشعر التعليمي أسلوباً جديداً محفزاَ ومنشطاً
لهذا الاتجاه التعليمي الذي رأوا فيه تزويدهم بكل خصلة نبيلة،
وفائدة جليلة.
وانظر إلى هذه الممارسة بين ناشئ يتعلم الشعر
وبين شاعر كبير مثل البحتري، يقول هذا الناشئ(127)
: >رآني البحتري ومعي دفتر شعر، فقال : ما هذا ؟ فقلت : شعر
الشنفرى.
فقال : وإلى أين تمضي ؟.
فقلت : إلى أبي العباس أقرؤه عليه.
فقال : قد رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند
أبي ثؤابة فما رأيته ناقداً للشعر.
فقلت له : أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى،
ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه.
فقال : فما كان يُنشد ؟.
قال : قول الحارث بن علة :
وقومي هُم قتلوا أميم أخي
فإذا رميتُ يصيبني سهمـي
فلئن عفوتُ لأعفون جلـلاً
ولئن
سطوت لأوهنن عظمي
فقلت : واللّه ما أنشد إلاّ أحسن شعر في أحسن
معنى ولفظ.
فقال : أين الشعر الذي فيه عروق الذهب ؟
فقلت : مثل ماذا ؟
فقال : مثل قول أبي ذؤاب :
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم
بعتيبة
بن الحارث بن شهاب
بأشدهم كلبـاً
على أعدائــه
وأعزهم
فقداً على الأصحاب
وتدللنا هذه المحاورة على عدة أمور منها :
1. استعداد النشء لرواية الشعر ومدارسته وحفظه.
2. تمييزهم بين صنعة وصنعة، فصنعة النقد
غير صنعة الشعر، غير صنعة النحو واللغة.
3. المتابعة لقيم الشعر الفنية والتعبيرية،
فالمنازعة النفسية في البيتين الأولين مع حسن المعنى واللفظ
جعلتهما من أحسن الشعر.
وفي البيتين الأخيرين تظهر قوة النقد مقابل قوة
الأثر والفعل، وتتوشح هذه القوة جمال عروق الذهب المنسابة
تقسيماً ومقابلة، وشرطاً وجواباً، وطباقاً، وهذه الإيجابية
نابعة من إمكانية الحفظ وسهولته، وذلك لإيقاعه الشعري،
واختصاره، وحصره حيث تنضغط المادة الواسعة في كراسة أو عدد
يسير من الكراسات.
والتأمل في الألفيات النحوية يؤكد من أن هذا
العمل إنما كان موجهاً للناشئة.
ولا شك أن سهولة حفظ النصوص الشعرية، وسهولة
استرجاعها، واختصار زمن الحفظ وكم المادة، وثباتها وبقاؤها في
الذاكرة أكثر من غيرها من النصوص النثرية، جعلها أداة مطاوعة
لنظم قواعد بعض العلوم، فظهرت منظومات في النحو : للحريري،
وابن معطي، وابن مالك، والسيوطي، ومنظومات في الفقه، والسيرة،
والتاريخ، والبلاغة، والعروض، وفي حكايات الحيوان وقصصه، وعلى
الرغم من اعتراض كثير من الفئات على أسلوب التعليم بالشعر ـ في
وقتنا الحاضر ـ لما في الشعر النظمي من بعض الصعوبة والتعقيد
والجفاف؛ إلاّ أنه بقي زاداً لطلاب المراحل المتوسطة
والثانوية، يستظهرونه تحقيقاً لغرض معين يعود إليه، ألا وهو
معرفة قواعد العربية.
وظل هذا الأسلوب التعليمي مظهراً من مظاهر
تراثنا الثقافي تتناقله الأجيال، جيلاً بعد جيل.
وأكاد ألخص رؤية أدبياتنا التراثية ومنهجها
بالقول : إن جماع ما سعت إليه أدبياتنا التراثية الوصول بالنشء
إلى التأسيس القرائي المبني على الفهم والحفظ لرفع المستوى
الإدراكي، والتأسيس الذوقي القائم على جودة الاختيار لإعلاء
المستوى الجمالي.
والتأسيس البنائي القائم على الكسب والممارسة
والتدريب، لإعلاء المستوى الإنتاجي.
ج) المقافاة :
وإذا كان الشعراء يختصون أولادهم ويعلمونهم
ويدربونهم، ما روي عن زهير بن أبي سلمى أنه كان يخرج ابنه
كعباً وهو صغير إلى البادية فيعلمه الشعر، فإن أبناء الشعراء
أو أقاربهم كانوا يتعلقون بهم، ويروون أشعارهم، ويتدربون على
قول الشعر.
وكان لهم طرائق في ذلك، منهما ما يسمَّى
بالمقافاة وهي مسابقة في قول الشعر، يقول الواحد بيتاً على
قافية، فيجيبه الآخر ببيت آخر على القافية نفسها.
ونروي هذه الحكاية التي تجمع القدرة والذكاء في
شخص طفل صغير حيث : >سمع أهل حلب بذكاء أبي العلاء وهو صغير،
فسافر جماعة من أكابرهم إلى معرّة النعمان لينظروه ويمتحنوه.
وقال لهم : هل لكم في المقافاة
بالشعر ؟
فجعل كل واحد منهم ينشد بيتاً، فينشد الصبي
الصغير من حفظه بيتاً على قافيته، حتى نفد حفظهم، فقال :
أعجزتم أن يعمل الواحد منكم بيتاً عند الحاجة إليه على القافية
التي يريد ؟.
قالوا : فافعل أنت ذلك.
فجعل كلَّما أنشده واحد منهم بيتاً أجابه من
نظمه على قافية البيت حتى قطعهم جميعاً<(128).
ولقد أجمع الذين ترجموا لأبي العلاء المعري على
أنه قال الشعر وهو دون العاشرة من عمره.
د) الإجازة :
ومن طرق التدريب :
الإجازة : وهي أن يأتي الشاعر بنصف بيت، فيقوم
الآخر بإيراد النصف الآخر، أو أبيات أخرى توضح وتشرح معنى
النصف الأول.
مثل قول أحدهم(129)
: عذبَ الماءُ وطابا.
قال أبو العتاهية : حبذا الماءَ شرابا
وهذه الطريقة تأتي بعد الرواية والمقافاة لأنها
لون من ألوان التدريب والممارسة في قول الشعر، حيث تبدأ
التهيئة لشاعر المستقبل، فعن طريق الإجازة تظهر قدرته وفهمه،
من خلال النسج على المنوال والنجاح في هذا التدريب أو الاختبار
يدل على سرعة البديهة والذكاء الضروريتين للشاعر.
ولذلك بعد أن تتهيأ للطفل هذه الخطوات الشعرية
يبدأ يتحرك، ويدبّ على درب الشعر، فيقول، ويروي، ويجيب، كما في
هذا الشعر الذي يردُّ فيه الصغير على أبيه.
كان لمحمد بن بشير الشاعر ابنٌ جَسِِيْم فأرسله
في حاجة، فأبطأ عليه، ثم عاد ولم يقضها.
فنظر إليه ثم قال(130)
:
عَقْلُهُ عَقْلُ طائرٍ
وهو في خِلْقهِ الجَمَلْ
فقال الصبي :
شَبَهُ منْكَ نالَني
لَيْسَ لي عَنْهُ مُنْتَقَلْ
إبداع الأطفال :
إذا كان تعريف أدب الأطفال يركز على أن >أدب
الأطفال هو مجموعة الإنتاجات الأدبية المقدمة للأطفال، التي
تراعي خصائصهم، وحاجاتهم ومستويات نموهم، أي أنه في معناه
العام يشكل كل ما يقدم للأطفال في طفولتهم من مواد تجسد
المعاني والأفكار والمشاعر<.
ومفهوم هذا التعريف كما ترى هو الأدب المقدم
للأطفال من الكبار، فما موقع ما يبدعه الصغار من أدب ؟.
وهل يبدع الصغار أدباً ؟ قد ينكر هذا بعض
الناس، ويرون أن ما ينتجه الصغار إنما هو همهمات لا ترقى إلى
حد التسجيل أو أن يطلق عليه أدب، ولكنا نقول : إن أدبيات
الطفولة قد سجلت في التراث الإسلامي، ولم يترفع عنها كبار
الكتاب بل سجلوها وعرضوها في كتبهم القيمة، إيماناً منهم بأن
الأدب إذا امتلك خواصه الفنية فهو الأدب، سواء صدر عن كبير أو
عن صغير، فقد ورد في شرح مقامات الحريري أبيات قالها(131)
امرؤ القيس وهو دون العاشرة، وتدل هذه الأبيات على فهمه
للانتخاب والتخير، والانتقاء والصنعة، والتمييز بين الجيد
والرديء، وتدل على غزراة ما يأتي هذا الشاعر الطفل من شعر
فيقول :
أذودُ القوافي عني ذيادا
ذيادَ
غلامٍ جريءٍ جـوادا
فلمـا
كثـرن
وعنّينـي
تخيَّرتُ
منهم ستاً جيـاداً
فأعزل مرجانها جانبـاً
وآخذ
من درها المستجادا
وقد أوردت لنا كتب التراث صوراً شتى من إبداعات
الأطفال : الشعرية، والخطابية، والنقدية، وبعض مواقف البديهة،
والإجابات المسكتة، والنوادر الطريفة، وسأوجز الحديث عن هذه
الإبداعات إيجازاً حتى لا يطول البحث ويتشعب، وأبدأ حديثي عن :
الإبداع الشعري :
إن المتصفح لكتب التراث يلحظ ورود أشعار للصغار
ولكنها في أغلبها تسير في معراض شعر الكبار، ولا تثريب عليهم
في ذلك، فإذا كان شعر الصغار يسير في إثر شعر الكبار، فذلك أول
الغيث، وبداية الطريق.
فالتقليد هو النغمة الأولى في الإيقاع، بل هو
الخطوة الصحيحة الأولى في درب التعلم والتدرب، والتشبّه.
واتجاه شعر الكبار للصغار من خلال مسارب عدة،
ومحاور مختلفة، فإن الشعر الصادر من الصغار، يسير هو الآخر في
محاور، منها :
ــ تقليد الكبار، وتقمص أدبهم، والنسج على
منوالهم. فلكي يكون شعرهم مقبولاً، فلابد أن يسير في طريق
القبول الأدبي، ويمشي في درب العرف السائد، والذوق المرتضى، من
هنا فإننا نرى الشعر المأثور عن الصغار يسلك أغراض الشعر
المشهورة في ذلك الوقت، من : مدح، وهجاء، وفخر، ووصف، واستعطاف
إلى آخر أغراض الشعر المطروقة، من ذلك أن والي الكوفة الوليد
بن عقبة، أرسل إلى لبيد بن ربيعة الشاعر المعـروف إعانـة لـه
ــ حيث كان لبيد يذبح ويطعم كلّما هبت الصبا، فمالت به الحال
ـ وأرسل مع الذبائح بهذه الأبيات(132).
أرى الجزّار يشحذ مديتيـه
إذا هبَّت ريـاحُ
أبي عقيـل
طويل البـاع
أبلجَ جعفـريِّ
كريم
الجد كالسيفِ الصقيل
وفي ابن الجعفريِّ وما نواه
على
العلاَّتِ والمالِ القليـل
فدعا لبيد بنتاً له خماسية ـ أي طولها لا
يتجاوز خمسة أشبار ـ فقال لها : إني تركت قول الشعر، فأجيبي
الأمير، فقالت :
إذا هبت رياح أبي عقيـلٍ
دعونـا
عند هَبَّتـنا
الوليدا
طويلَ الباع أبلجَ عبشميـاً
أعان
على مروءتـه
لبيـدا
بأمثال الهضابِ كأنَّ ركناَ
عليها
من بني حـامٍ
قعـودا
أبا وهبٍ جزاك اللّه خيراً
نحرناها
وأطعمنـا
الثريـدا
فعد إن الكريـم
له معـادٌ
وظني
با ابن أروى أن تعواد
فقال لبيد : أحسنت لولا أنك
سألت.
فقالت : يا أبت، إن الملوك لا يُستحى منهم في
المسألة.
فقال : أنتِ في هذا أشعر.
فشعر الصبية الصغيرة يبني على شعر الوالي،
ويمدحه والمدح يستدعي نقيضه، والهجاء هو طريق الشهرة، يروى أن
بشاراً قال : هاجيت جريراً وأنا صغير فأهملني، ولو أجابني
لعرفت، وهذا يدل على هذا التطلع من الصغير للشهرة في ميدان
الشعر، وابن الرومي يختلف مع غلام صغير وهما صبيان في المكتب،
فيهجوه ويذمه قائلاً (133)
:
أجعفرُ حزتَ جميـع
العيـو
بِ
فما فيك من خلَّةٍ تُمـدَحُ
كلامُك أكـذبُ
مـن
يَلمـعٍ
يختّلُهُ
بالضحـى
صَحْصَحُ
وحُلمُكَ أطيـشُ
مـن
بشـة
وروحُك
من هضبةٍ أرجحُ
ووجهك من وجه يوم الفرا
قِ
في مقلتي عاشق أوقـحُ
فما في حياتـك
لي مفـرحٌ
ولا
في مماتك لـي
متـرحُ
ويفتخر المتنبي بضفيرتيه وهو بعد صبيٌّ صغير في
المكتب، قيل له يوماً، وهو في الكتاب : ما أحسن وفرتك(2).
فقال :
لا تحسنُ الوفرة حتى تُرى
منشورةَ
الضَّفرين يوم القتال
على فتىً معتقـلٍ
صعـدةً
يَعُلُّها
مـن
كلِّ وافي السِّبـال
فهذا الصبي الصغير، تظهر بوادر ثورته واندفاعه
بهذا الفخر الذي ينبئ حقاً عن مستقبل هذا الشاعر ورؤيته
للحياة.
وهذا صبيٌّ يفخر بشعره، على ما يورده الفراء،
قال(135)
:>أنشدني صبيٌّ من الأعراب أرجوزة، فقلت : لمن هي ؟ فقال : لي.
فزجرته، فأدخل رأسه في فروته، ثم قال :
إني وإن كنـتُ
صغيـرَ
الســنِّ
وكـان فـي العـين نبوٌّ عــــني
فإنَّ شيطاني أميــرُ الــجــنّ
يذهب بي في الشعـر كــلَّ
فــنِّ
والسؤال لقد اختفت الأرجوزة، وبقي هذا الفخر
الطريف المعجب بشيطان هذا الشاعر الصغير المتسنِّم ذروة
الإمارة. بل إن الحكمة التي هي زبدة التجربة، تسيل على ألسنة
هؤلاء الشعراء الصغار، وكأنهم ـ وعلى الرغم من صغر سنهم ـ إلاّ
أنهم يستمدون معرفتهم من تجارب الكبار، يقول الزبير بن بكار(136)
: وفدت على المتوكل، فقال لي : ادخل على عبد اللّه بن المعتز.
فدخلت وهو صبي، فسألني عن الحجاز، واستنشدني،
ثم نهضت، فعثرت، فسقطت، فقال : يا زبيرُ :
وكم عثرةٍ لي باللسان عثرتُها
تفرِّق
من بعد اجتمـاعٍ
من الشمـل
يموتُ الفتى من عثرةٍ بلسانه
وليس
يموت المرءُ من عثرةِ الرجل
فعثرته من فيهِ تذهبُ نفسـه
وعثرتُه
بالرجل تبـرى
على مهـلِ
أهي حكمة الصغار، أم الكبار ؟ لا شك فهؤلاء
الصغار يبنون على بناءٍ قائم.
أما التعبير عن النفس والحال فيكثر في شعر
هؤلاء الصغار، فهذه صبية صغيرة تتحدث عن حالها فتقول(137)
:
طحنتنا طواحـِنُ
الأعـوامِ
ورمتـنـا
نوائـبُ
الأيَّـام
فأتـينـاكمـوا
نمـدُّ
أكفّـا
ً
لفضالات
زادِكـم
والطـعَامِ
فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا
أيُّها
الزائرون بيتَ الحـرامِ
من رآني فقد رآني ورحلي
فارحموا
غربتي وذلَّ مقامي
وهذا ابن يشكو أباه لأمه، قال محمد بن يحيى
النديم(138).
أول شعر قاله عليُّ بن الجهم وهو غلام في المكتب. وذلك أن أباه
أمر المؤدِّب أن يُجلِسَه يوم الخميس عنده في المكتب حتى يحفظ
حزبه، فحبسه، فكتب إلى أمه :
أمّي جُعِلْتُ فداك من أمِّ
أشكو
إليك فظاظة الجهمِ
قد سُرِّحَ الصبيانُ كُلُّهُمُ
وحُبِسْتُ
بالعدوانِ والظلمِ
وهذا طفل يعتذر لمعلمه عن تأخره عن الكتاب،
يروى أن عبد الرحمن بن حسَّان بن ثابت تأخَّر عن الكتّاب، فقال
له معلِّمُهُ : أين كنت ؟ وأراد أن يضربه، فقال(139)
:
اللّه يعلمُ أنِّي كنتُ معتزلاً
في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا
وقيل : لسع عبد الرحمن زنبور ـ وهو صبي ـ فأتى
أباه، فقال :
يا
أبه : لسعني طائر كأنّه ملتفٌّ في بُردِ حَبَرَه.
فقال حسان : قلت الشعرَ وربِّ الكعبة.
وحُكي أنه بدر من أبي عمر الصباغ إلى الصاحب بن
عباد جفاء، وكان مؤدبه، فقام من عنده، وكتب إليه(140)
:
أَوْدَعْتَنِي العِلْمَ فلا تَجْهَل
كَمْ مِقْوَلٍ يَجْنِي علـى
مقتـلِ
وأَنْتَ وَإِنْ عَلَّمْتَنِي سُوقَة
والسَّيْفُ
لا يبقى على الصَّيْقَلِ
فاتصل ذلك بأبي الحسين بن سعد، فتعجب منه
وكتبه، وقال : ابنُ ثمانين يكتب شعر ابن عشر، ثم تلا : {
وآتيناه الحُكْم صبيَّا }.
والشواهد كثيرة، وإيرادها يضاعف صفحات البحث،
وكلها تدل على أن الصغار، قد أبدعوا شعراً في مختلف أغراض
الشعر، ولم يهمله الكبار إنما أوردوه وسجلوه.
شعر طفولة المتنبي نموذجاً :
إذا كان شاعر العربية الأكبر أبو الطيب المتنبي
قد حرص على تسجيل شعر الطفولة والصبا، وأصَرَّ على تدوينه
جنباً إلى جنب مع قصائد النضج والخبرة والحكمة، وإذا كان
اهتمام شرَّاح ديوان المتنبي بقصائد طفولته كاهتمامهم بقصائد
كهولته، فإن هذا يدل بوضوح على ما أكثرنا من قوله وترديده
وتأكيده، بأن العرب لم يأنفوا من تسجيل أدب الصغار شعراً كان،
أم حكاية، أو نادرة، أم مثلاً، شأنهم شأن غيرهم، أما إن ورد في
قلة فذلك يرجع إلى أن الأدب بعامة هو شأن الكبار، ومن مقطوعاته
وهو في سن الطفولة ما ورد في ديوانه بالقول : وأول شعر قاله في
صباه في المكتب(141)
:
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني
وفرَّق الهجرُ بين الجفـنِ
والوسـنِ
روحٌ تـردّدُ
في مثـل
الخـِلالِ
إذا
أطارتِ الرِّيحُ عَنْهُ الثوبَ لم يَبِنِ
كفى بجسمي نحـولاً
أَنَّنِي رَجُلٌ
لولا
مخـاطبـتي
إيَّاك لـم
تَرَنـي
فهذا الغزل يدلُّ على تقليد الكبار، وهذه
القدرة على التقليد لا تقف عند حدِ التعبير عن العاطفة، وإنما
تتجاوز ذلك إلى اقتدار المتنبي على الرغم من صغر سنه إلى
المعاني، وإن كانت مبنية على صور الأوَّلين.
والمطلع على قصيدته التي يفتخر بنفسه في صباه
تبين هي الأخرى عن نفسٍ مشبوب بالطموح، وتحاول جمع قيم الفخر
المترددة في شعر السابقين ففيها يقول(142)
:
قضاعة تعلم أني الفتى الّـذي
ادَّخَرَتْ
لصـروف
الزمــان
ومجدي يـدلُّ
بنـي
خنـدفٍ
علـى
أن كـلَّ
كـريمٍ
يمــان
أنا ابن اللقاء أنا ابن السخـاء
أنا ابن الضراب أنا ابن الطعـان
أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي
أنا ابن السروج أنا ابن الرعـان
طويل النجاد طويـلُ
العمـاد
حديد الحسـام
حـديد
الجنــان
يسابق سيفي منايـا
العبــادِ
إليهـم
كأنَّهـمـا
في رهـــان
يرى حدُّه غامضات القلـوب
إذا كنتُ فـي
هبـوةٍ
لا أرانـي
سأجعله حكـماً
في النفـوسِ
ولو ناب عنـه
لسـاني
كفـانـي
وقد أوردت هذه القصيدة كاملة لنتبين معاً
الصفات الطفولية في هذه القصيدة.
فالمتنبي هنا يصدر عن ثقافة الفخر في الشعر
العربي ويظهر في هذه القصيدة : طرفة بن العبد، وعنترة بن شداد،
والخنساء في رثاء أخيها صخر، والظهور لا يقف عند المعاني وإنما
يتعداها إلى الألفاظ والعبارات، ويكاد ينقلها نقلاً. هذه
اللازمة المتكررة التي تعطيه القدرة على الاستمرار وتمنحه
الفرح الطفولي بقول الشعر، فهذا التكرار المتشابه، وهذا
التقسيم السائر بطريقة رتيبة يمنحه الإيقاع الذي يحتاج إليه في
مثل هذه السن.
والناظر في هذه المقطوعة التي قالها يسخر من
اثنين قتلا جرذاً، يتأكد من هذه الطفولة التي تتناول ما يقع في
دائرة اهتمامات الطفل، فهو يقول وقد مرَّ في صباه برجلين قد
قتلا جرذاً، وأبرزاه يعجبان الناس من كبره(143)
:
لقد أصبحَ الجُرذُ المستغيرُ
أسير
المنايا سريعَ العطبْ
رماهُ الكنانيُّ والعامــريُّ
وتلاَّه
للوجهِ فعلَ العـربْ
كلا الرجليــن
اتَّلا قتلـه
فأيكمـا
غَلَّ حُـرَّ
السلـبْ
وأيُّكُما
كـان
من خلفــهِ
فإنَّ
به عضةً فـي
الذنـبْ
فهذه القطعة تشهد بموضوعها على صغر قائلها، كما
أن أسلوبها الوصفي الساخر، وألفاظها المكررة أيضاً، تؤكد ما
قلناه سابقاً.
وتؤكد مقطوعة هجاء قالها في صباه في أحد القضاة
على تلك الصيغ العائدة لتفكير صغير محدود، حيث يقول(144)
:
لمَّا نُسِبْتَ فكنتَ ابناً لغيرِ أبٍ
ثمَّ
امتحنتَ فلم ترجع إلـى
أدبِ
سُمِّيتَ بالذهبيِّ اليومَ تسميـةٍ
مشتقة
من ذهاب العقل لا الذهبِ
مُلَقَّبٌ بِكَ ما لُقِّبْـتَ
وَيْكَ بـه
يا
أيُّهَا اللَّقبُ الملقى على اللَّقـبِ
وأنت تلحظ هذه المترادفات المتكررة، مثل :
نسبت، سُمِّيت، لقبت، ملقب، اللقب الذهبي، ذهاب، الذهب.
ثم البيت الأخير الذي يدل على جهد صبياني
للإتيان بالمعنى من خلال تقليب وتكرار الكلمات.
ولعلَّ الواحدي رأى في هذه المقطعات ما لا يليق
بشاعرية المتنبي الناضجة فدعا إلى عدم إدخال هذا الشعر وحذفه،
فقال : >لو طرح أبو الطيب شعر صباه من ديوانه كان أولى به<،
ويبدو لي أن هذا الرأي صادر عن رؤية نقدية، وهي عدم إدخال شعر
طفولة المتنبي في تقييم شعره بعد النضج، ولا يقصد حذفه لأنه
شعر طفولة.
ولكنَّ إصرار المتنبي في تدوينه، يدلنا على أنه
يريد إثبات الشاعرية منذ الصغر، ولعله يريد أن يقول : إنَّ نفس
المتنبي المتأبية في حداثتها كما هي في نضجها.
وكما أصرَّ على إبقائها فقد أصرَّ من جاء بعده
من كبار الشراح على التعرُّض لها، وشرحها وإن كانت لصغير.
الأطفال النقاد :
يبدو لي أن النقد هو محصلة للذوق والفطرة
والعلم والتجربة والمران، وهو يظهر في مرحلة متأخرة، أي بعد أن
يستتم المتعلم كلَّ أدوات العلم، فهل يُقْبَلُ نقد الصغار ؟
نعم لقد قبل تراثنا الأدبي أحكام الصغار النقدية، وسجلها
معترفاً بها، ومفتخراً بصدورها عن أطفال لا يتوقع ذلك منهم،
وإن كانت خبرتهم وتجربتهم لا تؤهلهم لذلك، وطالما أنه صدر منهم
فهذا يدل على وعي وقدرة وذكاء، فكان إثبات ذلك هو قبول بالصواب
من أي شخص يصدر، كبيراً كان أو صغيراً، فالحكمة ضالة المؤمن،
وإذا كان الرأي صواباً فلا يمنع صغر سن صاحبه من الأخذ به.
إن أدبيات التراث الإسلامي سجلت لنا العديد من
الآراء النقدية لأطفال صغار، لازال لها وقعها من خلال
ترددها في الكتب وعلى الألسنة، ومثال ذلك هذا النموذج :
الصبي الناقد(145)
سمع طرفة بن العبد الشاعر الجاهلي ـ وهو صبي
يلعب مع الغلمان ـ المسيب بن علس ينشد :
وقد أتناسى الهمَّ عند احْتِضَارِهِ
بناجٍ عَلَيْه الصَّيْعَرِيَّةُ مُكْدَمِ
فصاح الصبي طرفة : استنوق الجمل.
أي أنك كنت في صيغة جمل، فلما قلت
الصَّيْعَرِيَّة عُدْتَ إلى ما توصَفُ به النُّوق، لأن
الصيعرية سِمَةٌ في عنق الناقة، لا البعير.
وهذا ناقد آخر(146)
رُوي أن ابن سعد كان يروي بمسمع من أبي العلاء
ـ وقد اجتمع به في حلب وهو صغير ـ قصيدة المتنبي الدالية :
أزائِرٌ يا خيالُ أَمْ عائِدْ
أَمْ عِنْدَ مَوْلاك أَنَّني راقِدْ
ولم تكن القصيدة مما قرأه ابن سعد على الشاعر
أبي الطيب المتنبي، بل كانت مما أنفذه إليه.
فلما وصل ابن سعد في قراءته إلى البيت :
أَوْ مَوْضِعاً في فناءِ ناحيةٍ
تَحْمِلُ في التَّاجِ هامَةَ العاقِدْ
ردَّ عليه الصبي أبو العلاء مُصححاً :
>أَوْ مَوضعاَ في فِتانِ ناجيَةٍ<.
الإبداع الخطابي :
إذا كانت الخطابة من الأنواع الأدبية المقدمة
في العصور السالفة، وكان الاهتمام بها يصل إلى حد تدريب
الصغار وذلك بالقيام أمام جمهور من الناس، وإلقاء خطبة، فقد
وضع هارون الرشيد ذلك ضمن تهيئة أولاده للحكم، فكان يطلب من
مؤدبي أولاده وضع خطب يقوم الأمين والمأمون بإلقائها في محضر
منه، أو في المناسبات الاجتماعية وإذا كانت الخطابة فن الكبار،
فإن بعض الصغار قد ساهموا فيها.
ولنقرأ خطبة "دِرْوَاس الصبي
البليغ" :
قحطت البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت
العرب من أحياء القبائل، فجلس هشام لرؤسائهم، فدخلوا عليه،
وفيهم درواس بن حبيب، وله أربع عشرة سنة، عليه شملتان وله
ذؤابة، فأحجم القوم وهابوا هشاماً.
ووقعت عين هشام على دِرْواس فاستصغره، فقال
لحاجبه : ما يشاء أحدٌ أن يصل إليَّ إلاّ وصل ! حتى الصبيان
؟!.
فعَلِم درواس أنه يريده، فقال : يا أمير
المؤمنين، إنَّ دخولي لم يخل بك شيئاً، ولقد شَرَّفني، وإنَّ
هؤلاء القومَ قَدِموا لأَمْر أحجموا دونه، وإن الكلام نَشْرُ
والسُّكوت طَي، ولا يعرف الكلام إلا بنشره. فقال له هشام :
فانشر لا أبا لك !! وأعجبه كلامه.
فقال : أصابتنا سنون ثلاث : فسنة أذابت الشحم،
وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، إن
كانت للّه ففرقوها على عباده المستحقين لها، وإن كانت لهم
فعلام تحبسونها عنهم ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن
اللّه يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين.
واعلم يا أمير المؤمنين أن الوالي من الرعية
كالروح من الجسد، لا حياة للجسد إلا به.
فقال هشام : ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث
عذراً، وأمر أن يقسم في باديته مائة ألف درهم، وأمر لدرواس
بمائة ألف درهم، فقال : يا أمير المؤمنين، ارددها إلى جائزة
العرب، فإني أكره أن يعجز ما أمر لهم به أمير المؤمنين عن
كفايتهم.
قال : فما لك من حاجة تذكرها لنفسك ؟
قال : ما لي من حاجة دون عامة المسلمين.
وهذا خطيب آخر يخطب أمام الخليفة عمر بن عبد
العزيز(147)
:
ذكر بعض الرواة أنه لما استخلف عمر بن عبد
العزيز رضي اللّه عنه، قدم عليه وفود أهل كل بلد، فتقدم إليه
وفد أهل الحجاز، فاشرأب منهم غلام للكلام، فقال عمر : يا غلام،
ليتكلم من هو أسن منك.
فقال الغلام : يا أمير المؤمنين، إنما المرء
بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح اللّهُ عبده لساناً لافظاً
وقلباً حافظاً، فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن
لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك.
فقال عمر : صدقت، تكلم فهذا السحر الحلال.
فقال : يا أمير المؤمنين، نحن، وفد التهنئة لا
وفد المرزئة، ولم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، لأنا قد أمنا في
أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا.
فسأل عمر عن سن الغلام، فقيل : عشر سنين.
وهذا نموذج ثالث للطفل الخطيب الذي نقرأ
الإشادة بخطبته دون أن تسجل لنا هذه الخطبة(148)
:
قال الربيع بن يونس الحاجب : كنا وقوفاً على
رأس المنصور في يوم عيد، وقد طرحت وسادة بين يديه، فجلس المهدي
عليها، والناس سماطان على مراتبهم، إذ أقبل صالح بن منصور ـ
وهو حدث ـ فوقف بين السماطين فسلم وأحسن، ثم استأذن في الكلام
فأذن له، فتكلم.
قال الربيع : فلم يبلغه ذلك اليوم خطيب. فمدَّ
المنصور يَدهُ، فقال : إليَّ يا بُنيَّ. فلما دنا منه اعتنقه
وأقعده قدامه، ثم نظر في وجوه القوم هل منهم أحد يصف كلامه وما
كان منه، فكلهم هاب المهدي، فقام عقال بن شبة، فقال: للّه در
خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأبين بيانه،
وأمضى جنانه، وأبلَّ ريقه وأغمض عروقه، وأسهل طرقه، وحُقَّ لمن
كان أمير المؤمنين أباهُ. والمهديُّ أخاه، أن يكون كما قال
زهير بن أبي سلمى :
هو الجوادُ فـإنْ
يَلْحَقْ بِشَأْوِهِمَا
على
تكاليفه فَمِثْلُـهُ
لحقـا
أَوْ يَسْبقاهُ على ما كانَ مِنْ مَهَلٍ
فبالَّذي
قدَّما مِنْ صَالحٍ سبقا
قال الربيع : فقال لي أبو عبد اللّه ـ وكان إلى
جانبي ـ ما رأيت مثل عقال بن شبة قط، أرضى أمير المؤمنين،
ومَدَحَ الغلامَ، وَسَلِمَ مِنْ مذمَّةِ المهدي.
نوادر الأطفال :
إن إصرار مدوني التراث على تسجيل نوادر الأطفال
من بين ما سجلوه، من نوادر : للعظماء، والقادة، والوزراء،
والعلماء، والأدباء، والشعراء، وغيرهم من فئات المجتمع، لدليل
على هذا الاهتمام الكبير بهذه الفئة، وأنها لم تكن مهملة أو
معزولة، كما يرى البعض، بل هي فئة لها مكانتها، وسواسيتها
كغيرها من الفئات.
ولعلَّ المدونين لهذه النوادر بشكل عام، ونوادر
الأطفال بشكل خاص، إنما يهدفون إلى التنشيط، والتجديد،
والترويح، وإزاحة السأم والملل، وبعث العزائم والهمم، والإبانة
في الوقت نفسه عن مشاركة الأطفال غيرهم في نسج خيوط أدبيات
الأمة.
قد يكون خيطاً ضعيفاً أو واهياً أمام الخيوط
الأخرى، إن أخذنا بدعوى الإزاحة التي فرضها أدب الكبار على
الصغار، ولكنه خيط موجود، وأثره مشهود، وهذا يدلك على عدم
إهمال تراثنا في تسجيله حتى للنادرة المضحكة، أو الطرفة
المسلية، أو الإجابة المسكتة، أو الرد البارع، أو البديهة
الحاضرة لما ورد على ألسنة الأطفال، وما أبدعوه وقالوه.
وها نحن أولاء ـ في وقتنا الحاضر ـ على الرغم
من توفر كلِّ أدوات التسجيل والكتابة والنشر والإعلان، لا
نداني السلف في التفاتنا إلى ما التفتوا إليه.
وإني في إيراد بعض ما ذكرت سأكتفي بشواهد
ونماذج متتابعة دون تعليق، لأنه تعلق بنفسها، وتجعلك تشعر
بالسرور والحبور، والتعجب والدهشة، والإكبار والتقدير لمن صدر
عنه مثل هذا، وإليكها :
دخل صبي من بني أسد، وهو ابن سبع سنين على
الرشيد، فعجب منه ومن فصاحته (149).
فقال له الرشيد : ما تحب أن أهب لك ؟
قال : جميل رأيك يا أمير المؤمنين، فإني أفوزُ
به في الدنيا والآخرة.
فأمر الرشيد بدراهم ودنانير. فصُبت بين يديه،
وقيل : اختر أحبهما إليك.
فقال : أمير المؤمنين أحبُّ خلق اللّه إليَّ،
وهذه من هاتين، وضَرَبَ بِيَدِهِ إلى الدنانير.
فضحك منه الرشيد ووصله. وقيل : وأمر أن يُضم
إلى ولده.
قال بشر بن الحرث(150)
:أتيت باب المُعافى بن عمران، فدققت الباب، فقيل لي: مَنْ ؟
قُلت : بِشْرُ الحافي.
قالت لي بُنَيّة صغيرة من داخل الدار :
لو اشتريت نعلاً بدانِقَيْن ذَهب عنك اسم الحافي.
قال المعتصم(151)
للفتح بن خاقان وهو صبي : أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفص ؟ لفص
في يده.
قال : نعم يا أمير المؤمنين، اليدُ التي فيها
أحسنُ مِنه.
دخل الحسين بن الفضل(152)
على بعض الخلفاء، وعنده كبيرُ أهل العلم، فأحبَّ أن يتلكم،
فزجره، وقال : أصبي يتكلم في هذا المقام ؟
فقال : إنْ كُنتُ صغيراً فلستُ بأصغر من هُدْهد
سليمان، ولا أنت بأكبر من سليمان حين قال : {أَحَطْتُ بِمَا
لَمْ تُحِطْ بِهِ}، ثم قال : أترى أن اللّه فَهَّمَ الحُكْمَ
سليمان، ولو كان الأمرُ بالكِبَرِ لكان داودُ أولى.
كان الرشيد يقول للمأمون(153)
: يا عبد اللّه، أُحِبُّ المحاسن كُلها لَكَ، حتى لو أمكنني أن
أجعل وجه أبي عيسى لك لفعلت.
وقال يوماً لأبي عيسى وهو صبي : لَيْتَ جمالَكَ
لِعَبْد اللّه ـ يعني المأمون ـ.
فقال : على أن حَظَّهُ منْكَ لي فَعجبَ من
قوَّة جوابه على صباه، وضَمَّهُ إليه وقبلهُ.
قال أبو محمد يحيى(154)
وكان مؤدب المأمون في صغره : صليت يوماً قاعداً فأخطأ المأمون
فقمتُ لأضربهُ، فقال : أيها الشيخ، أتطيعُ اللّه قاعداً،
وتَعْصِيهِ قائماً ؟
فكتبْتُ بهذا إلى الرشيد، فأمر لي بخمسة آلاف
درهم.
ومن نوادر بلادة الأطفال، نورد هذين النموذجين
:
أرسل رَجُلٌ ولدهُ يشتري له رشاء للبئر طوله
عشرون ذراعاً، فوصل إلى نصف الطريق، ثم رجع فقال : في عرض كم ؟
قال : في عرض مُصيبتي فيك يا بُنيَّ(155).
وكان لرجل(156)
من الأعراب ولد اسمه حمزة، فبينما هو يوماً يمشي مع أبيه إذا
برجل يصيحُ بغلام يا عبد اللّه، فلم يُجبْهُ ذلك الغلام، فقال
: ألا تَسمعْ ؟
فقال : يا عمُّ كُلُّنا عبيد اللّه، فأيَّ
عَبْدٍ تَعْني ؟ فالتفت أبو حمزة إليه وقال : يا حمزة ألا تنظر
إلى بلاغته ؟
فلما كان من الغد، إذا بِرَجُل ينادي : يا
حمزة، فقال : حمزة بن الأعرابي : كلنا حماميزُ اللّه، فأيَّ
حمزةٍ تعني ؟
فقال له أبوه : ليس يعنيك يا من أخمد
اللّه به ذكر أبيه.
وإن الاستكثار من إيراد وذكر هذه المواقف
المسجلة للأطفال لا يزيدنا إلا قناعة برسوخ أدبيات الأطفال في
تراثنا الإسلامي.
المصادر والمراجع
1. ابن الرومي حياته من شعره : لعباس العقاد،
منشورات المكتبة العصرية، بيروت، صيدا، 1402 هـ / 1982 م.
2. إحياء علوم الدين : لأبي حامد الغزالي،
القاهرة، 1956م.
3. أدب الكاتب : لأبي محمد عبد اللّه بن قتيبة
الدينوري، تحقيق محي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية،
الطبعة الرابعة، القاهرة، 1382 هـ / 1963 م.
4. الأذكياء : لأبي الفرج ابن الجوزي، دار
الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1400 هـ / 1980 م.
5. الأطفال في الثراث العربي : للدكتور عبد
الرزاق حسين، نشر إدارة الثقافة بجامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية، الرياض، 1412 هـ / 1991 م.
6. أمالي القالي : لأبي علي القالي، دارالحديث
للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1404 هـ / 1984 م.
7. أنباء نجباء الأبناء : لابن ظفر الصقلي، دار
الآفاق، بيروت، 1980 م.
8. الإنصاف والتحري في حيثية أبي العلاء
المعري.
9. بهجة المجالس : لأبي عمر بن عبد البر
القرطبي، تحقيق د. محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية،
بيروت.
10. البيان والتبيين : للجاحظ، تحقيق عبد
السلام هارون، مكتبة الخانجي بمصر.
11. تذكرة الحفاظ : للسيوطي.
12. التذكرة الحمدونية : لابن حمدون، تحقيق د.
إحسان عباس، معهد الإنماء العربي، الدار العربية للكتاب،
طرابلس، تونس.
13. التربية في الإسلام : للدكتور الإهواني،
القاهرة، 1955م.
14. تقريب التهذيب : للحافظ أحمد بن علي
العسقلاني، تعليق عبد الوهاب عبد المطلب، دار المعرفة للطباعة
والنشر، بيروت.
15. ثقافة الطفل المسلم : للدكتور أحمد
بن عبد العزيز الحليبي، سلسلة الرسائل الجامعية، نشر إدارة
الثقافة بجامعة الإمام.
16. ثمار القلوب : لأبي منصور الثعالبي، تحقيق
محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر.
17. الجامع لأخلاق الراوي : لأبي بكر الخطيب
البغدادي، تحقيق د. محمد رأفت سعيد، الطبعة الأولى، 1401 هـ/
1981 م، مكتبة الفلاح، الكويت.
18. الحصيلة اللغوية : للدكتور أحمد محمد
المعتوق، نشر عالم المعرفة، الكويت، 1417 هـ / 1996 م.
19. حول أدب الأطفال : للدكتور مصطفى الصاوي.
20. دلائل الإعجاز : لعبد القاهر
الجرجاني، نشر محمد رشيد رضا، الطبعة الأولى.
21. ديوان ابن الزيات : نشر جميل سعيد بمطبعة
نهضة مصر الفجالة.
22. ديوان الحطيئة : برواية وشرح ابن السكيت،
تحقيق د. نعمان طه، مكتبة الخانجي بمصر، الطبعة الأولى، 1407
هـ / 1987 م.
23. ديوان الفرزدق : تحقيق الصاوي، 1354 هـ.
24. ديوان المتنبي : المسمى بالتبيان في شرح
الديوان للعكبري، ضبطه مصطفى السقا وآخرون، دار المعرفة.
25. ربيع الأبرار : للزمخشري، تحقيق د. سليم
النعيمي، مطبعة العاني، بغداد.
26. سنن ابن ماجه : تحقيق محمد فؤاد عبد
الباقي، مكتبة عيسى البابي الحلبي، 1401 هـ / 1981 م.
27. سنن الترمذي : ضبطه وراجع أصوله عبد الرحمن
محمد عثمان.
28. سنن أبي داود : إعداد عزت عبيد دعاس وعادل
السيد، دار الحديث، الطبعة الأولى، 1364 هـ / 1984 م.
29. سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني.
30. السيرة النبوية : لابن هشام، القاهرة،
1955 م.
31. شرح ديوان المتنبي : للبرقوقي، دار الكتاب
العربي، بيروت، لبنان، 1407 هـ / 1986 م.
32. شرح مقامات الحريري : للشريشي، تحقيق محمد
عبد المنعم خفاجي وزميله، القاهرة، 1952 م.
33. صحيح البخاري : المكتبة الإسلامية،
إستانبول، تركيا.
34. صحيح ابن خزيمة : تحقيق د. محمد مصطفى
الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، 1391 هـ /
1971م.
35. صحيح مسلم : دار إحياء التراث العربي،
بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1972م.
36. العقد الفريد : لابن عبد ربه
الأندلسي، تحقيق محمد سعيد العريان، دار الفكر، مكتبة الرياض
الحديثة، الرياض.
37. العمدة : لابن رشيق القيرواني، تحقيق
محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الرابعة،
1972م.
38. الغناء للأطفال العرب : للدكتور أحمد عيسى،
القاهرة، 1936م.
39. فرائد الخرائد : ليوسف بن طاهر الخويبي،
تحقيق د. عبد الرزاق حسين، طبع نادي الشرقية الأدبي، الدمام.
40. في أدب الأطفال : للدكتور علي الحديدي،
مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثالثة، القاهرة، 1982م.
41. الكامل للمبرد : مكتبة المعارف، بيروت.
42. كتاب عمل اليوم والليلة : لابن السني.
43. مجمع الزوائد : للهيتمي.
44. محاضرات الأدباء : لأبي القاسم الأصفهاني،
بيروت، 1961م.
45. مروج الذهب : للمسعودي، القاهرة، 1948م.
46.
المستظرف في كل فن مستطرف : لشهاب الدين الإبشيهي، تحقيق
د. مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة
الثانية، 1406 هـ.
47. مسند الإمام أحمد : المكتب الإسلامي،
بيروت.
48. مفردات القرآن : للراغب الأصفهاني.
49. مقدمة ابن خلدون : دار الكتاب
اللبناني، بيروت، 1979م.
50. منهج التربية النبوية : لمحمد نور عبد
الحفيظ، دار ابن كثير، بيروت، الطبعة الأولى، 1419 هـ/ 1998م.
51. الموشح : لأبي عبد اللّه المرزباني، تحقيق
علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر، 1965م.
(*) أستاذ الأدب ـ جامعة الملك فهد للبترول
والمعادن. الظـهران ـ المملكة العربية السعودية.
(1) سورة مريم، الآية 12.
(2) للسخاوي، رقم 660.
(3) للخطيب البغدادي، ص 29.
(4) سورة الإسراء، الآية 31.
(5) سورة التكوير، الآيتان 9-8.
(6) سورة البقرة، الآية 124.
(7) سورة إبراهيم، الآية 37.
(8) سورة آل عمران، الآيتان 36-35.
(9) سورة مريم، الآيتان 5-4.
(10) سورة مريم، الآية 7.
(11) سورة مريم، الآية 12.
(12) سورة الأحقاف، الآية 15.
(13) سنن ابن ماجة، أدب 3.
|