Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -


 

الطفل الفلسطيني

تحت الاحتلال الصهيوني

ذ. واصف منصور(*)

 

باسم اللّه الرحمن الرحيم

السيدات والسادة المشاركون في الندوة الدولية عن قضايا الطفل من منظور إسلامي.

السلام عليكم ورحمة اللّه،

تعلمون أن مجرم الحرب شارون حاول يوم 2000/9/28 تدنيس المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس، وأن الفلسطينيين ـ مواطنين وسلطة وطنية ـ تصدوا له وحالوا دون وقوع الجريمة النكراء، فقام الجيش الصهيوني في فجر اليوم التالي بجريمة أبشع بإطلاق النار على المصلين في الحرم القدسي، وسقط نتيجة لذلك عشرات الشهداء والجرحى. فكان ذلك بداية انتفاضة الأقصى المباركة، التي دخلت قبل شهر عامها الثالث. وقد مارس جيش العدو الصهيوني ومستوطنوه خلالها شتى أنواع القتل والتدمير ضد الشعب الفلسطيني واستخدموا كل أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً، وفرضوا حصاراَ شاملاَ على كل الأرض الفلسطينية أسفر عن شل الحياة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية في فلسطين.

وبمناسبة انعقاد الندوة الدولية عن قضايا الطفل من منظور إسلامي، والتي تنظمها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، نعرض على حضراتكم بعضاً من آثار الممارسات الإسرائيلية الإجرامية على الطفل الفلسطيني، باعتبار أن هذا المجال مرتبط بأشغال الندوة.

وقبل أن ندخل في صلب الموضوع، لا بد من ذكر بعض الأرقام عن مخلفات الإجرام الصهيوني خلال السنتين المنصرمتين. فقد بلغ عدد الشهداء 2718 شهيداً، وبلغ عدد الجرحى 50032 جريحاً منهم 5735 يعانون من إعاقات دائمة، وتم اعتقال 37777 شخصاً. وقد جرّف الصهاينة ما مساحته 85012 دونماً واعتبروا 238932 دونماً أراضي مغلقة، وقطعوا 548368 شجرة مثمرة، ودمروا 739 مزرعة للثروة الحيوانية، وقتلوا 8539 رأساً من الأبقار والأغنام و389587 طيراً داجناً، وأتلفوا 4380 خلية نحل، وألحقوا أضراراً بـ 711 بركة وبئر مياه، ودمروا 147060 متراً من خطوط المياه و3300 بيت بلاستيكي. كما دمروا أو أحرقوا 7992 محلاً تجارياً ومنشأة اقتصادية، ودمروا وأعطبوا 12088 سيارة.

وقد أحرق الصهاينة وألحقوا أضراراً بـ 257 مسجداً و52 كنيسة ودمروا كلياً أو جزئياً 244 مستشفى وعيادة طبية. كما دمروا وألحقوا أضراراً بـ 543 مدرسة وجامعة، و1423 مبنىً مدنياً أو عسكرياً للسلطة الوطنية الفلسطينية. كما أقاموا 199 بؤرة استيطانية جديدة، وأقاموا 83053 وحدة سكنية وكرفاناً في المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية. في حين أنهم دمروا كلياً أو جزئياً 20479 منزلاً.

وقد لخصت هذا الوضع السيدة كاترين برتيني، المديرة السابقة لبرنامج الأغذية العالمي ومبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة إلى الأراضي الفلسطينية، عندما قالت في مؤتمر صحفي عقدته يوم 2002/8/22 : >إن الوضع الإنساني الخطير جداً في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يشكل أزمة إنسانية تقليدية. إنه لوضع سيء للغاية وخطير جداً، وفي حال عدم إيجاد حلول سريعة له، فإن تدهور حالة ملايين الأشخاص ستزداد تسارعاً<.

من الطبيعي أن تنعكس هذه الممارسات الإجرامية على حياة الشعب الفلسطيني كله، وعلى حياة الأطفال الفلسطينيين باعتبارهم الحلقة الأضعف في المجتمع. وقد وصف وضعية هؤلاء الأطفال الأرشمنديت عطا اللّه حنا، الناطق الرسمي باسم البطريركية المقدسية، يوم 9/19 في رسالة موجهة إلى المشاركين في حفل العشاء التقشفي الذي نظمه بيت المقدس ولجان العاملين في اليونيسيف بقوله: >إن الطفل الفلسطيني يتألم كونه محروماً من الطعام وحرية التنقل والذهاب إلى المدرسة، ويعيش أجواء نفسية صعبة تمنعه من مواصلة التعليم وشراء ما يلزمه من حاجات الطفولة، وبالتالي فكيف سيعيش هذا الطفل في أجواء خلاّقة إبداعية ؟ إن هذا وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء<.

وعلى ذلك  سنحاول إلقاء أضواء على حياة الأطفال الفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني، خلال السنتين المنصرمتين من عمر انتفاضة الأقصى المباركة.

 

جرائم قوات الاحتلال ضد أطفال الانتفاضة

الأطفال الجرحى  والشهداء والمعتقلون

* "تعترف الدول الأعضاء بأن لكل طفل حقاً أصيلاً في الحياة" (اتفاقية حقوق الطفل  ـ المادة 1-6).

* "تكفل الدول الأطراف إلى أقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه"(اتفاقية حقوق الطفل  ـ المادة 2-6).

* "تكفل الدول الأطراف أن لا يتعرض أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة أوالعقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" (اتفاقية حقوق الطفل ـ المادة 1-37).

إن الحق في الحياة هو أول وأهم حقوق الطفل والذي يجب على الحكومات أن تحميه بكل إمكاناتها، لكن المعطيات والأرقام على أرض الواقع تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تسخر كل إمكاناتها وجهودها لانتهاك حقوق الأطفال الفلسطينيين، خاصة حقهم في الحياة الذي كفلته لهم كافة المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. إن قوات الاحتلال الإسرائيلي تستخدم كافة أنواع الأسلحة وبشكل لم يسبق له مثيل ضد المدنيين في الأراضي الفلسطينية، وكأنها تواجه جيشاً مجهزاً بأحدث أنواع الأسلحة.

وهكذا لم تفرق قوات الاحتلال المدفوعة بحقدها الأعمى وهمجيتها بين الأطفال والرجال، فقد باتوا جميعاً أهدافاً لآلتها العسكرية. فسقط خلال العامين المنصرمين 962 طفلاً شهيداً، منهم 252 طالباً وطالبة وهو ما يكاد يمثل مدرسة كاملة. وجرح 5735 طفلاً، منهم 2615 طالباً وطالبة، ثلثهم أصيب بجراح سببت لهم إعاقات وعاهات دائمة غالبيتها في العيون والأرجل والأيدي.

هؤلاء الأطفال قُتِلوا وجُرِحوا على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي بدم بارد ودون ذنب ارتكبوه، فقد ذكر تقرير للحركة العالمية للدفاع عن الطفل نشر في مجلة (بلسم) في يناير 2001 >أنه لم يعد من المنطقي القول إن جنود الاحتلال يتعرضون للخطر أثناء المواجهات والمسيرات السلمية، إن جيش الاحتلال يستخدم الأسلحة ويتعامل مع المدنيين وكأنه في ساحة حرب حقيقية، ولا يتبع الأساليب الشرطية في تفريق المظاهرات والمسيرات<. ولم تشفع لهم براءتهم وألعابهم ودفاترهم التي تخضبت بدمهم، وقتلوا وهم في الطريق إلى مدارسهم أو في داخل بيوتهم بين كتبهم ودفاترهم، أو وهم في الملاعب والساحات والأزقة والحارات. فالشهيد محمد الدرة قتل وهو عائد مع أبيه إلى بيته، وسامر طبنجة قتل وهو يلعب في محيط منزله، وأبو دراج قتل وهو على سريره في غرفته، ورهام ورد قتلت وهي على مقعدها الدراسي، وخمسة من أبناء عائلة الأسطل قتلوا وهم في طريقهم إلى مدرستهم في خانيونس.

ويشكل طلبة المرحلة الأساسية % 75,3 من مجموع الشهداء الطلبة، والباقي من طلبة المرحلة الثانوية. ويشكل الطلبة الجرحى على مستوى المرحلة الأساسية % 60,1 من مجموع الجرحى، والباقي على مستوى المرحلة الثانوية. وتفيد نتائج المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن حوالي % 1 من مجموع طلبة المدارس تعرضوا للضرب على أيدي قوات الاحتلال والمستوطنين، وأن % 2,2 منهم تعرضوا للتوقيف على الحواجز، كما أن % 1,6 من الطلبة تعرضوا لإطلاق النار.

ويشكل الأطفال الشهداء % 35,4 من مجموع الشهداء، في حين أن الأطفال الشهداء لم يكونوا سوى % 20,5 من المجموع الكلي لشهداء الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987، وكان عددهم 276 شهيداً خلال ستة سنوات دامتها الانتفاضة. ويشكل أطفال الفئة العمرية 17-15 سنة نسبة % 60 من مجموع الشهداء الأطفال في مقابل % 24,8 لأطفال الفئة العمرية 14-12 سنة، والباقي أطفال دون سن الثانية عشرة. وبلغت نسبة الأطفال الشهداء الذين كانت إصابتهم في الجزء العلوي من الجسم % 79,2، نصفهم تقريباً كانت إصابتهم في الرأس والوجه.

إلى جانب الشهداء والجرحى في صفوف الأطفال هناك فئة المعتقلين، حيث قامت سلطات الاحتلال الصهيوني ولا زالت تقوم بحملات اعتقال عشوائية وواسعة في صفوف المواطنين، شكل الأطفال دون الثامنة عشرة % 35,7 منهم. وغالباً ما تتم الاعتقالات دون توجيه تهم محددة، إضافة إلى أنها في معظمها لا تخضع لمعايير الاعتقال التي تستلزم وجود مذكرة قضائية مرفقة بلائحة اتهام محددة، وإنما تتم بناء على ادعاءات رسمية مسنودة بالقوانين العسكرية التي ابتدعتها سلطات الاحتلال لخدمة أهدافها السياسية.

إن عملية اعتقال الأطفال الفلسطينيين، رغم أنها انتهاك صارخ لحقوقهم التي كفلتها اتفاقية حقوق الطفل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية جنيف الرابعة، فإنها تستمر لتطال ظروف الاعتقال، حيث يتم الاعتقال بطريقة إرهابية من قبل الوحدات الخاصة في الجيش الإسرائيلي (فرق المستعربين) أو من قبل قوات من الجيش معززة بأفراد المخابرات. ويتم الاعتقال عادة بعد منتصف الليل، حيث يتم اقتحام المنزل بطريقة تثير الرعب في سكان المنزل والحي والقرية، وينهال الصهاينة على المعتقلين بالضرب الوحشي وتعصب عيونهم وتوضع القيود في أيديهم ويقتادون مباشرة إلى التحقيق، ولا يوجد هناك فرق في إجراءات التحقيق مع الأطفال وغيرهم، حيث يحقق مع الأطفال نفس الطاقم الذي يحقق مع الكبار.

وعلى الرغم من أن العديد من المواثيق الدولية قد نصت على تحريم التعذيب ووضع حد لسوء المعاملة داخل السجون أو المعتقلات أو أماكن التوقيف، إلا أن سلطات الاحتلال الصهيوني وكعادتها تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق والأعراف الدولية، وتمارس أقسى وأعنف صنوف التعذيب الجسدي والنفسي ضد المعتقلين الأطفال، من بينها : تغطية الوجه والرأس بكيس كريه الرائحة، الحرمان من النوم وقضاء الحاجة لفترات طويلة، الحرمان من الطعام والشراب أياماً طويلة، الضرب المبرح وعلى الأماكن الحساسة، تعريض المعتقل المربوط في العراء للبرد شتاء والحرارة صيفاً، تهديد المعتقل الطفل بالاعتداء الجنسي عليه أو إحدى ذويه من الإناث، الهز بعنف مما يؤدي إلى ارتجاج في المخ، حبس المعتقل مع مجرمي الحق العام الذين غالباً ما يعتدون عليه.

ويحرم الأطفال من زيارة ذويهم وكذا زيارة المحامين الذين لا يسمح لهم بالاطلاع على أدلة الادعاء، ويحاكم الأطفال أمام نفس المحاكم العسكرية التي يحاكم أمامها الكبار. وتصدر بحقهم أحكام قاسية، حيث أن الطفل المتهم بإلقاء الحجارة يصدر عليه حكم بالسجن مدة ثمانية عشر شهراً. وينقلون إلى سجون بعيدة جداً عن أماكن سكنى ذويهم الذين قد لا يتمكن الكثيرون منهم من زيارة أبنائهم، إضافة إلى أن إدارة السجون حددت الأشخاص المسموح لهم بزيارة المعتقل. والأخطر من كل ذلك، أن هذا الطفل المعتقل يمنع من حقه في التعليم بموجب قرار صدر عن محكمة العدل العليا الإسرائيلية عام 1978.

 

الواقع التعليمي

>تضمن الدول حق الطفل في التعليم، وتكفل جعل التعليم الأساسي على الأقل مجانياً وإلزامياً، وتضمن أن تكون إدارة النظام في المدارس على نحو يتماشى مع كرامة الطفل الإنسانية، وتعمل الدول على تعزيز التعاون الدولي لضمان هذا الحق<. اتفاقية حقوق الطفل ـ المادة 28.

لقد مارس الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ العام 1967، سياسة تعطيل العملية التعليمية والتأثير عليها سلباً بكافة السبل، فإغلاق المدارس ومنع الطلبة والمعلمين من الوصول إليها، أدوات استخدمت باستمرار. وتأكيداًعلى ذلك نشير إلى أن نسبة الأمية في صفوف الشعب الفلسطيني كانت أقل من عشرة بالمائة قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ولكن هذه النسبة بدلاً من أن تنقص مع مرور الزمن بحكم أن كل الأميين كانوا من كبار السن، وجدناها تصل إلى % 15 عند قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994.

ولم يكن استهداف العملية التعليمية بالتضييق والإغلاق فقط، بل مارست سلطات الاحتلال أيضاً سياسة ممنهجة للحد من تطور المؤسسات التعليمية، فالإجراءات الأخيرة والمتمثلة في الحصار والإغلاق للمناطق الفلسطينية، ومنع الطلبة من الوصول إلى مدارسهم واستهداف مباني المدارس بالقصف، ما هي إلا جزء من هذه السياسة.

وهكذا فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ اندلاع انتفاضة الأقصى حصاراً مشدداً على الأراضي الفلسطينية، وأغلقت الطرق الرئيسية والفرعية بالكتل الإسمنتية والسواتر الترابية والحجرية، ووضعت الحواجز العسكرية ونشرت الدبابات والآليات الثقيلة في محيط عدد من المدارس وفي الطرق المؤدية إليها. وقد أدى هذا الحصار إلى تعثر العملية التعليمية ومنع آلاف المعلمين والمعلمات والطلبة من الوصول إلى مدارسهم.

لقد أدى هذا الحصار إلى ضياع الكثير من الحصص الدراسية على الطلبة وعرقلة انتظام الدراسة، حيث وصل النقص في الهيئات التدريسية في بعض المدارس إلى % 90 وفي أقل الحالات إلى % 10 كما جاء في المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وأظهرت نتائج المسح أيضاً أن % 61,3 من الطلبة في الأراضي الفلسطينية تغيبوا مدداً متفاوتة عن مدارسهم، وأن حوالي % 1 من الطلبة قد تركوا المدارس بسبب الإجراءات الإسرائيلية. مع الإشارة إلى أن قوات الاحتلال اعتقلت 75 مدرساً.

وفي هذا المجال، لا بد من الإشارة إلى أن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية تحسباً لكل هذه الاحتمالات، أصدرت قراراً في الأيام الأولى للانتفاضة بوجوب استمرار العملية التعليمية مهما كلف الأمر، فالمدارس يجب أن تبقى مفتوحة، والمدرسون الذين لا يستطيعون الوصول إلى مدارسهم في المدن والقرى البعيدة عن أماكن سكناهم يلتحقون بالمدارس القريبة. ونتيجة لذلك فقد صار المدرسون والطلبة يصلون إلى مدارسهم على ظهور الدواب، أو على أرجلهم سالكين طرقاً وعرة محفوفة بالمخاطر، حيث كان جنود الاحتلال يطلقون النار عليهم دون سبب. وتم تقليص فترة الدوام لحوالي %36 من الطلبة، واضطر حوالي %3 من الطلبة إلى الانتقال لمدارس أخرى قريبة، كما أجريت امتحانات البكالوريا على مراحل.

من جهة أخرى أغلقت سلطات الاحتلال سبعة مدارس طبقاً لأوامر عسكرية مشددة أصدرتها، حظرت بموجبها دخول هذه المدارس أو استخدامها بأي شكل من الأشكال، وتراوحت مدة الإغلاق هذه بين شهر وشهرين، كما أدى نظام منع التجول الذي فرضته سلطات الاحتلال إلى تعطيل الحياة التعليمية بالكامل في 850 مدرسة. كما سيطرت قوات الاحتلال على أربعة مدارس في مدينة الخليل وحولتها إلى ثكنات عسكرية ومعسكرات اعتقال، نشرت الدبابات في ملاعبها وسيطرت على أسطحها ونصبت الرشاشات الثقيلة عليها، وأنزلت العلم الفلسطيني عنها ورفعت العلم الإسرائيلي عليها.

وتعرضت 197 مدرسة فلسطينية للاقتحام والقصف الإسرائيلي بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة بشكل همجي سافر، لا مثيل له في التاريخ. وفي أكثر المشاهد وحشية ما أقدمت عليه قوات الاحتلال حين قصفت الدبابات مدرسة المكفوفات في مدينة البيرة، حيث دب الرعب والهلع في صفوف الطالبات الكفيفات وتفرقن في صخب على غير هدى، وكذلك هدم مشاغل مدرسة طولكرم الصناعية وتدميرها بالجرافات. كما اقتحم الجيش الصهيوني مقر وزارة التربية والتعليم بالدبابات مرتين متتاليتين وخربت الأجهزة وأتلفت الوثائق التي توجد بها.

إن قصف الاحتلال الإسرائيلي للمدارس كان يتم أثناء وجود الطلبة على مقاعد الدرس كما حدث حين استشهدت الطالبة رهام ورد، وأحياناً وهم يقدمون امتحاناتهم كما حدث في بلدة سيلة الظهر. وكانت في حالات عديدة تحتجز الطلبة والمدرسين ساعات طوال،  لعرقلة انتظام الدراسة أو الإخلال بسير تقديم الامتحانات.

يبلغ عدد المدارس التي تقع في محيط مناطق المواجهة (في محيط أقل من 500 متر)، حوالي 275 مدرسة، أي ما نسبته %15,6 من مجموع المدارس في الأراضي الفلسطينية البالغ عددها 1767 مدرسة، وتبلغ نسبة الطلبة في المدارس الواقعة في مناطق التماس  %13,7 من مجموع طلبة المدارس والبالغ عددهم    540 865, طالباً وطالبة، وهذه المدارس هي الأكثر تضرراً، وقد استشعرت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية الخطر المحدق بها، فعملت على نقل خمسين مدرسة منها إلى أماكن أخرى بعيدة وأكثر أماناً.

ونتيجة لكل ذلك، فقد قررت السلطة الوطنية الفلسطينية عبر وزارة التربية والتعليم البدء بتطبيق برنامج تربوي خاص بالطلبة الجرحى، ينفذ في أماكن تواجدهم سواء في المستشفيات أو المنازل أو خارج الوطن، ويهدف إلى تقديم الخدمات التعليمية والإرشادية والصحية لهم.

وقد بلغ عدد الطلبة الجرحى الذين كانوا بحاجة إلى الاستفادة من هذا البرنامج 74 طالباً في العام الدراسي 2001-2000، وشارك في تنفيذه 631 مدرساً وبلغ عدد الساعات التعليمية التي أعطيت للطلبة الجرحى 4360 ساعة، وبلغت كلفة البرامج 48 683 دولاراً. وفي العام الدراسي 2002-2001 بلغ عدد الطلبة الجرحى المستفيدين من البرنامج 44 طالباً، وبلغ عدد المدرسين المشاركين فيه 102 مدرساً، وبلغت عدد الساعات التعليمية التي أعطيت للمستفيدين 818 ساعة، وبلغت كلفته 6400 دولاراً.

وستقوم الوزارة بالعمل بالبرنامج في العام الدراسي الحالي 2003-2002، رغم مشكل التمويل. مع العلم أن المبالغ المذكورة تقتصر فقط على تكاليف الكتب والدفاتر والمواصلات ومصروف جيب للمدرسين، وأن أهالي الطلبة الجرحى كثيراً ما ينفذون هذا البرنامج بأنفسهم نظراً لوجود مدرسين أو مختصين بينهم.

 

في المجال الصحي

>تكفل الدول حق الأطفال في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، وفي الإفادة من الخدمات الصحية والطبية<.(اتفاقية حقوق الطفل ـ المادة 24).

>يعمل أطراف النزاع على إقرار ترتيبات محلية لنقل الجرحى والمرضى والعجزة والمسنين والأطفال والنساء النفاس من المناطق المحاصرة أو المطوقة، ولمرور رجال جميع الأديان وأفراد الخدمات الطبية إلى هذه المناطق<. (اتفاقية جنيف الرابعة ـ المادة 17).

لم تكتف قوات الاحتلال الإسرائيلي بحرمان الأطفال الفلسطينيين الأبرياء من حقهم في الحياة وحقهم في التعليم، بل عمدت إلى حرمانهم من الطبابة، ومنع تقديم العلاج والعناية للأطفال المصابين، نذكر مثالاً واحداً يفضح الإجرام الصهيوني. فقد تم إيقاف المواطن أشرف جولاني وهو يحمل الطفل الجريح أحمد القواسمي بذريعة تفتيشه، ولكن الهدف من إعاقته هو ألا يتلقى العلاج والإسعاف بسرعة، حتى تتفاقم الإصابة وتتضاعف مخاطرها. وهذا هو ما وقع بالفعل عندما فارق الطفل الحياة على الحاجز. مع التذكير بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي أطلقت نيرانها نحو سيارة الإسعاف التي حاول سائقها إسعاف الطفل الشهيد محمد الدرة، الأمر الذي أدى إلى استشهاد سائق سيارة الإسعاف بسام البلبيسي أيضاً.

ونورد فيما يلي جرداً سريعاً لأنواع الممارسات الصهيونية في المجال الطبي، وكان بودنا أن نقدم كشفاً تفصيلياً لولا أن المجال لا يسمح بذلك.

ـ منع الحصار الإسرائيلي على المدن والتجمعات الفلسطينية سيارات الإسعاف من التحرك وإخلاء المصابين ونقل المرضى، وتعرضت سيارات الإسعاف وطواقمها لإطلاق النار من قبل قوات الاحتلال، فقد تعرضت سيارات الإسعاف في الضفة الغربية وقطاع غزة لـ 246 حالة إطلاق نار واعتداءات أخرى، 60 سيارة منها دمرت تدميراً كاملاً، كما منعت سيارات الإسعاف من الوصول إلى المناطق التي فيها جرحى حوالي ألف مرة، واعتدى الصهاينة حوالي أربعمائة مرة على المستشفيات ومؤسسات الصحة، وأصيب 641 من الأطباء والممرضين ورجال الإسعاف وسائقي سيارات الإسعاف، واستشهد ثلاثون منهم، كما أدى إلى موت حوالي المائة من المرضى على الحواجز بسبب عدم السماح لسيارات الإسعاف بالمرور.

ـ عمل الحصار الإسرائيلي على عدم تمكن العاملين في المستشفيات والمراكز الطبية من أطباء وفنيين وعاملين من الوصول إلى مراكز عملهم، مما أدى إلى إرباك العمل وأثر سلباً على كفاءة وتنظيم الخدمات المقدمة للمرضى والمصابين.

ـ أدى تقطع أوصال المحافظات إلى منع وإعاقة الإمدادات الطبية من الوصول إلى محافظات الوطن، وخاصة الأوكسجين اللازم لغرف العمليات والأطفال الخدّج، حيث توجد صعوبات بالغة في إرسال هذه المواد إلى محافظات غزة بسبب الحصار.

ـ عمل الحصار على عدم تمكن الطواقم الطبية من تنفيذ برامج الرعاية الأولية كالتطعيمات وغير ذلك من فحص المياه.

ـ كثير من النساء الحوامل لم يتمكن من تنفيذ برنامج متابعة الحمل حسب المواعيد المقررة، وحالات الحمل التي تحتاج إلى تحويل للمستشفيات لم تتم بالطريقة السليمة، كما حدثت إعاقة لوصول حالات ولادة للمستشفيات في الوقت المناسب، وهذا كله كان يترك آثاراً سلبية على صحة الأم والجنين ويؤدي إلى حدوث مضاعفات خطيرة، مع الإشارة إلى أن حوالي ثمانين حالة ولادة قد تمت على الحواجز مات أكثر من نصفهم.

ـ وفي المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول أثر الإجراءات الإسرائيلية على واقع الطفل والمرأة والأسرة الفلسطينية، خلال الفترة الممتدة من 2001/5/15-4/11، بينت النتائج الأولية أن %19,6 من النساء الحوامل ـ خلال فترة الانتفاضة ـ لم يتلقين الرعاية بسبب الإجراءات الإسرائيلية وهو ما يعادل أربعة أضعاف ونصف مما كان الحال عليه قبل بدء العدوان الإسرائيلي، كما أن %76,6 من النساء الحوامل اللواتي شملتهن عينة المسح لم يتلقين تطعيم التيتانوس لنفس السبب.

من جهة أخرى، أعلن وزير الصحة الفلسطيني رياض الزعنون أن أكثر من ربع مليون طفل فلسطيني من أصل نصف مليون طفل تحت سن الخامسة يعانون من فقر دم بنوعيه الحاد والمزمن.

وقال الزعنون في تصريحات للصحفيين إن نسبة الإصابة بفقر الدم لدى السيدات من هن في سن الإنجاب بلغ نحو %40، الأمر الذي يدق ناقوس الخطر عند جميع مقدمي الخدمات الصحية في أنحاء فلسطين.

وقال إن وزارته تتعامل مع نصف مليون طفل يشكلون ثلث المجتمع الفلسطيني، معتبراً أن هذا يتطلب مجهوداً كبيراً إضافة إلى رعاية الجرحى والمصابين.

 

الآثار النفسية

يعيش الطفل الفلسطيني ومنذ اندلاع الانتفاضة حالة قديمة جديدة من العنف الإسرائيلي، والذي تمثل في استخدام جميع الأسلحة والوسائل العسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال. إن ضراوة الواقع في الأيام الأخيرة جعلت الأطفال أكثر الفئات تأثراً من الناحية النفسية، وذلك بسبب عدم تطورهم النفسي والإدراكي والاجتماعي، إضافة إلى تعرضهم المباشر للإجرام ولهمجية الإسرائيليين. إن درجة ظهور الآثار الناتجة عن الأزمات تختلف من طفل إلى آخر حسب خبرة الطفل وشدة تأثره بالحدث وكيفية تعامل المحيطين به معه بخصوص الحدث.

لقد عانى الأطفال الفلسطينيون وبشكل مستمر من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي. وحسب مختصين في الصحة النفسية فإن %90 من الأطفال كانت لهم تجربة في حوادث سببت لهم صدمة في حياتهم، وفي الأغلب كان ناتجاً عن التأثير الذي سببته قوات الاحتلال على البناء الاجتماعي للعائلة.

تركت هذه الجرائم آثاراً نفسية خطيرة على أطفال وشبان فلسطين وأحدثت تغييراً واضحاً في أنماطهم السلوكية، أكدت ذلك دراسة خاصة إذ بينت نتائج العينة العشوائية المختارة التي جرت على مجتمع الدراسة أن %31 من أفراد العينة حصل عندهم تغيير على نمط الأكل باتجاه زيادة أو نقصان في الشهية، و%52 حصل عندهم تغير في نمط النوم نحو الأرق والتبول أثناء النوم، وأن نسبة %54 من ألعاب الأطفال تمثلت في التظاهرات والمسيرات والجيش والمقاليع، و%48 حلموا أحلاماً مزعجة بالجيش والوضع الراهن و%57 من مشاعر الخوف والرعب من جيش الاحتلال، و%80 من رسومات الأطفال كانت تتعلق بالعلم والشهداء والأطفال الذين يلقون الحجارة وسيارات الإسعاف وكل شيء يتعلق بالانتفاضة. ويقول السيد منير موسى، أخصائي نفسي من مركز الإرشاد الفلسطيني أن الأطفال يغرقون بالبكاء بعد القيام بعملية الرسم، وقال أن المشكلة الحقيقة التي يواجهونها هي مع الأطفال الذين لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم.

وقال السيد موسى إن الأعراض التي تظهر على الأطفال تصيب كافة الفئات العمرية في جميع أنحاء المعمورة، ولكن الذي يميز بلادنا هو أنه لم يتم تناول الحدث من ناحية نفسية. فعلى سبيل المثال، نجد في قصة استشهاد الطفل محمد الدرة تركيزاً على الجانب الإعلامي لفضح انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي. ولكن ماذا عن تضعضع صورة الآباء والأمهات أمام أطفالهم : من يحميني ؟ وأيضاً شعور الآباء بالعجز الحقيقي عن توفير الحماية الحقيقية لأبنائهم، محمد الدرة قتل في حضن أبيه، الأب لا شعورياً يضع نفسه مكان والد الدرة. وهنا يشعر الأب بالضعف (أي يصاب بمقتل).

يقول الدكتور أنور وادي من (برنامج غزة للصحة النفسية) : >معظم الأطفال الذين تعرضوا لأحداث صادمة، باتت عندهم أعراض ما بعد الصدمة النفسية، وهي أعراض تتمثل في : الأحلام المزعجة، وضعف الإنجاز المدرسي<. ويقول إن انعكاسات نفسية وسلوكية ظهرت عند الأطفال مثل : الخوف الشديد، والتعلق بالوالدين، وضعف التركيز، والعصبية الزائدة عند أي مثير، وحب الانعزال أيضاً.

وأفاد مختصون نفسيون تابعوا الأطفال خلال الانتفاضة، وخاصة أولئك الذين فقدوا أقرباءهم من الدرجة الأولى أو أصدقاء أو زملاء على مقاعد الدراسة، أن هؤلاء الأطفال تزداد عندهم حالات الاضطراب والتوتر الحاد، وأن العلاج النفسي قد نجح مع جزء منهم نتيجة التدخل المبكر، إلا أن آخرين لا تزال الحالة النفسية والعصبية ملاصقة لهم.

أما عن المخاطر المتوقعة نتيجة التأثيرات النفسية الواقعة على الأطفال حالياً، فقد بينت الأخصائية النفسية سامية طه، أنه يخشى من عدم مقدرة الضحايا على السيطرة على الانفعالات في المستقبل. وقالت أن ذلك يرتبط بعدم النمو الطبيعي للأطفال، ونقصد بالنمو العلاقات الطبيعية، فقد لا يكون بمقدور الأطفال النجاح أكاديمياً أو الدخول بعلاقة عاطفية، بالإضافة إلى عدم القدرة على اتخاذ القرارات المتعلقة بالحياة المستقبلية، وسيظهر هناك تغير في الطباع والسلوك مما يولد ظاهرة العدوان الاجتماعي، ومن المخاطر المتوقعة الميل للاكتئاب والاعتداء على الآخرين أو القيام بأعمال ضد الآخرين في محاولة لجلب الانتباه. وقالت إن هناك ردود فعل معاكسة تحدث لدى الأطفال الذين عملت معهم منذ بدء الانتفاضة، مثل الضحك في وقت الحزن، إضافة إلى ظهور أعراض نفسية في صور جسدية كآلام الرأس والمعدة، وهي بالحقيقة ألم نفسي يشعر به الطفل. وأشارت إلى أن الأطفال في سن الرابعة عشرة ينزعون في ظل هذه الأوضاع إلى ظاهرة التمرد. ورفض الذهاب إلى المدرسة، والعدوانية والتبول اللاإرادي. أما أهم ما يميز الطفولة الأصغر هي المشاكسة الزائدة، ورفض تناول الطعام.

صحيح أن الأطفال قد ولدوا وكبروا وسط أتون المعركة، وَتكَوََّن لديهم نوع من المناعة واكتسبوا كثيراً من الصلابة، إلا أنهم يبقون أطفالاً، أجسامهم ونفسياتهم طرية، لا بد وأن يتأثروا بما يدور حولهم وما يشاهدوه يومياً على أرض الواقع وعلى شاشات التلفزة، وما يسمعونه من المحيطين بهم.

وفي مقابل الصورة السابقة للأطفال الفلسطينيين بعد أن انعكست على نفسياتهم ممارسات جيش الاحتلال الصهيوني ومستوطنيه، فإن هناك صورة مغايرة تماماً لما سبق، تتضح في معالم التضحية والفداء وحب الوطن والاستشهاد في سبيله. وتتجلى تلك المعاني من خلال دراسة ميدانية للباحث الدكتور فضل أبو هين مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات في غزة، أظهرت أن %90 من الأطفال الذين أجريت عليهم الدراسة وتتراوح أعمارهم بين 17-9 عاماً أبدوا موافقتهم على المشاركة في فعاليات الانتفاضة، فيما شارك فعلياً (حتى صدور النتائج) %42، وأشارت نتائج الدراسة المعنونة بـ "تدافع الأطفال الفلسطينيين نحو الاستشهاد" أن مشاركة الأطفال جاءت وسط توقعات بنسبة %45 بالتعرض للإصابة برصاص الاحتلال وتمنى %72 منهم الاستشهاد. ووصف أطفال فلسطين الدعاية الإسرائيلية حول أسباب تدافعهم إلى ساحات المواجهة، إذ عزا %7 منهم فقط أسباب المشاركة والتدافع إلى الفقر وقلة المال وعدم توافر فرص العمل، فيما عزاها %14 منهم إلى عدم قدرة الآباء على تلبية احتياجات الأسرة وضيق المسكن والحي السكني وأثره على التدافع، بالمقابل أكد %79 من الأطفال أن ممارسات الاحتلال العدوانية هي السبب وراء تدافعهم للشهادة، فيما أرجعها %57 منهم إلى فهمهم لليهود ووعيهم مخططاتهم التدميرية، إضافة إلى تقدير المجتمع ونظرته الإيجابية نحو الشهداء والتي جاءت نسبتها %50. وتكشف الدراسة نتيجة مهمة إذ اعتبر %48 من أطفال العينة أن استشهاد الدرة سبب لتدافعهم نحو الاستشهاد، في وقت يعتقد فيه %62 أن سماع الأطفال عن استشهاد طفل منهم يعتبر دافعاً لهم للتوجه إلى ساحات المواجهة للثأر لاستشهاده.

ويخلص الباحث إلى أن الأطفال قد نسفوا النظريات النفسية التي توقعت انحسار وتراجع عدد الأطفال المشاركين في فعاليات الانتفاضة، ورغم التأثيرات السلبية على أوضاع الأطفال الصحية والنفسية إلا أنها تشكل جانباً من الحماية النفسية لإخراج عوامل الخوف والتوتر، وتقدير الذات والمجتمع بصورة تدعم النواحي الإيجابية لهذه المشاركة.

وإذا أتيح لك أن تلتقي أحد الأطفال الفلسطينيين لتستجلي حقيقة ما يروجه الإعلام الصهيوني أو المتصَهْين عن إرسال الوالدين أبناءهم ليموتوا، وتسأل هذا الطفل عما دفعه للمشاركة في فعاليات الانتفاضة، فإنك تسمع إجابات تفاجؤك، مثل :

ـ أنا من قرية (...) المحتلة عام 1948، وأريد أن أعود إليها، رغم أن أباه لا يعرف تلك القرية التي احتلها الصهاينة قبل ولادة الأب.

ـ أخي (أو قريبي) استشهد قبل أيام، وأريد أن آخذ بثأره.

ـ صديقي (أو زميلي في المدرسة) استشهد قبل أيام، وأنا أسير على دربه.

ـ اليهود لا يفهمون إلا لغة القوة، وأريد أن أكلمهم باللغة التي يفهمونها.

ـ أنا أعبر عن رفضي لاتفاقات السلام، التي نسيتنا نحن اللاجئين.

ـ ألم تر ما يفعله الجنود وأصحاب الجدايل (المستوطنون المتدينون) ؟

ـ عندما اندلعت الانتفاضة الأولى كنت طفلاً ولم أحظ بشرف المشاركة فيها، ولا أريد أن يفوتني شرف المشاركة في الانتفاضة الحالية.

ولمواجهة الانعكاسات المدمرة للممارسات الصهيونية الهمجية على نفسية الأطفال الفلسطينيين، فقد قامت السلطة الوطنية الفلسطينية عبر وزارة التربية والتعليم بعدة إجراءات بالتعاون مع بعض المؤسسات المحلية والدولية، ومن أبرز هذه الإجراءات :

1. تأهيل الـ (450) مرشداً الذين يعملون في المدارس الحكومية، حول التدخل وقت الأزمات، وكيفية مواجهة الأحداث، حيث عقد لأجل ذلك (17) دورة متخصصة، بواقع (20) ساعة/دورة.

2. تدريب جميع معلمي المدارس الحكومية حول كيفية التعامل مع الطلبة خلال الأزمات.

3. عمل لقاءات مع الأهالي في غالبية التجمعات السكنية، مع التركيز على التجمعات السكنية التي تعرضت أكثر من غيرها لأحداث واعتداءات من قبل المحتلين.

4. طباعة وتوزيع نشرات نوعية موجهة للمجتمع المحلي في كيفية مواجهة الأحوال والظروف الصعبة.

5. إنتاج فيلم فيديو يوضح كيفية عملية الإخلاء في المدارس، وتدريب الطلبة والمعلمين على عملية الإخلاء ميدانياً.

6. تشكيل لجان طوارئ على مستوى الوزارة ومديريات التعليم والمدارس.

7. إجراء تدريب للطلبة والمعلمين حول الإسعافات الأولية.

8. تنفيذ نشاطات ترفيهية للطلبة للتعبير عن أحاسيسهم، ولتفريغ مشاعر الكبت والقهر من خلال الرسم واللعب والقصص والشعر.

ومما لا شك فيه أن هذا البرنامج له تكلفة مالية لا يستهان بها، وتقوم السلطة الوطنية الفلسطينية بتغطيتها حسب ما يتوفر لها في هذه الظروف الصعبة جداً، ولكن هذا وحده لا يكفي فلا بد من دعم الأشقاء والأصدقاء من أجل :

1. دعم قطاع الإرشاد المدرسي من حيث التأهيل والعدد، حيث أن قطاع الإرشاد يغطي ما نسبته % 65 من المدارس الحكومية فقط وبصورة جزئية.

2. دعم برامج إعلامية لتنتج وتبث من خلال الإعلام المحلي.

3. دعم المدارس المتضررة بصورة مباشرة ببرامج ترفيهية تربوية، وبألعاب ومواد مناسبة.

وبعد، مهزلة العصر الذي نعيش هو شعور الغرب الإمبريالي والصهيونية العالمية بضرورة حرمان "الضحية" من حقها في التعبير عن الظلم اللاحق بها. مهزلة العصر أن يفترض هذا العدو من ضحاياه أن يموتوا وتكسر عظامهم بهدوء ودون ضجة، وأن يتحملوا الذل والقتل والاعتقال دون أن ينبسوا ببنت شفة ودون أن يثيروا شفقة وعطف أحد معهم حتى إخوتهم خارج الحدود. مهزلة العصر هوأن تكون جريمة "الضحية" هي وجوده، فوجوده هو الذي جعل من الصهيوني قاتلاً ومجرماً وسفاك دماء. والحل الأمثل في نظره إسكات هذه الضحية وقتلها ومحو ثقافتها ووأد أدبها ومنع البكاء عليها أو تأبينها ؟؟.

ومن الذي سيقف أمام هذا الصهيوني إلا العربي والمسلم المؤهل للوقوف أمامه بإمكاناته المادية الكبيرة ومخزونه الثقافي والديني العريق ؟ والإنسان الحر الشريف الذي صاغ إنسانيته عشرات من المواثيق والمعاهدات الدولية، وها هو يراها تمزق وتخترق من قبل دولة الاحتلال الصهيوني، الأمر الذي يتطلب منه موقفاً جاداً وعملياً لوقف هذا الكيان عند حده ولتمتيع الشعب الفلسطيني بنفس الحقوق التي تتمتع بها كل شعوب الأرض.

هل يمكن أن نواجه أطفالنا ونحن نحرص فقط على تغذيتهم وإيجاد ملاهي وملاعب لهم وتغرقهم بقصص السوبرمان والرجل الآلي، عندما سيفتحون يوماً عيونهم ليجدوا الطائرات والدبابات والمدفعية الصهيونية تقصف بيوتهم كما فعلت مع أقرانهم في فلسطين ؟.

وكيف سيواجه أطفالنا غداً إسرائيليين تربوا على كتابات النائبة الصهيونية المتطرفة غيئولا كوهين، التي تدرّس كتاباتها في المدارس الإسرائيلية، والتي تخاطب الطفل اليهودي قائلة (أنت أيها القارئ الصغير، ستصبح جندياً شجاعاً أليس كذلك ؟ ... ستقود الطائرة أو الدبابة كي تطرد الغزاة العرب وتحمي إسرائيل ... أرض الميعاد ... أنت لن تثق بالعربي، ولن تحاور العربي، ولن تتاجر مع عربي، ولن تنام مع عربي).

إن النضال الذي نحياه، ليس نضالنا وحدنا، والطفل الفلسطيني صورة قابلة للتكرار والانعكاس في جميع المرايا التي تحمل صفة التحرر والتطلع إلى الغد، وعندما نخاطب طفلنا من منطلق الطفل الفلسطيني، فإننا لا نؤرخ للطفل الفلسطيني وحده، بل نؤرخ لكل أطفال العالم. المطلوب من الأدباء والمفكرين والباحثين أن يشرحوا لأطفالهم حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي وحقيقة ما يجري لأطفال فلسطين على أيدي هؤلاء المحتلين الصهاينة، ذلك لأن هذا الصراع سيصل إليهم وفي عقر دارهم رضينا أم أبينا. إنه صراع وجود لا صراع حدود، وعلينا أن نتسلح، نحن وأطفالنا لنواجه هذا العدو.

إن ما يقوم به الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية هو (إرهاب دولة) منظم، يتطلب أن يلتفت إليه العالم وهو يتكاثف لمواجهة الإرهاب بعد الأحداث الأليمة التي وقعت يوم 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. وهو يدخل في صلب جرائم إبادة الجنس البشري، التي يسعى العالم إلى محاكمة مرتكبيها في كل مكان، مما يستدعي جلب سفاح الحرب شارون وعصابته للمثول أمام هذه المحاكم، وهو انتهاك لأهم الحقوق الأساسية للإنسان الفلسطيني وحقوقه المدنية التي ضمنتها مختلف المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف لعام 1949، كما أنه خروج على قرارات الشرعية الدولية التي انطلقت على أساسها العملية السلمية وخاصة القرار رقم 194 لعام 1948 الذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، وقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي ينص على انسحاب القوات الأسرائيلية من كل الأراضي المحتلة عام 1967.

إن شعبنا الفلسطيني الذي قدم كل أشكال التضحيات منذ بداية القرن الماضي، وتحمّل وواجه غطرسة القوة الإسرائيلية، يواصل نضاله بمختلف الوسائل في الوقت الذي يمد يده للسلام. على أن يكون هذا السلام شاملاً ودائماً وعادلاً، ولن يكون كذلك إلا بالاعتراف بحقوقه الوطنية المشروعة في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وهو يتطلع إلى أشقائه العرب والمسلمين وإلى قوى العدالة وداعمي حقوق الإنسان، للتحرك لحمايته ولوضع حد للظلم الذي يتعرض له، ومساعدته لإعادة بناء بلده ومعالجة جراحاته، ولكي تعود فلسطين أرض الديانات السماوية خالصة من الظلم والإرهاب والاحتلال. وبدون ذلك يصبح الحديث عن الأطفال والطفولة لا معنى له.

 


(*)  وزير مفوض بسفارة فلسطين بالمملكة المغربية.

 

Untitled Document