|

الحل الإسلامي لمعاناة الطفولة في ظل الحروب
في الصراعات المسلحة بإفريقيا
د. أبو بكر دكوري(*)
المقدمة :
باسم اللّه الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم
يعلم والصلاة والسلام على من بعثه اللّه رحمة للعالمين وهداية
للخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين.
بادئ ذي بدء، يجب أن نعرف أن عناية الإنسان
بأمر الطفولة واهتمامه بتنشئته تنشئة جيدة ليست وليدة التشريع
ولا هي من ابتكار النظم الاجتماعية ولا نتيجة للتطور الحضاري
للإنسان، بل هي فطرة فطره اللّه عليها منذ خَلْقِه ووجوده في
هذا الكون فكل إنسان سليم الفطرة لا بد له أن يحرص تلقائياً
على مصلحة الطفل ويسعى جاهداً إلى تأمين حقوقه داخل الأسرة
وخارجها وهي الحقوق التي تقوم على توفير الرعاية الصحية
والتعليمية له وعلى حمايته من كل الأخطار الجسدية منها
والخلقية، ومن كل ما يُعَرِّض حياته أو مستقبله للخطر.
كيف لا وأمنية كل إنسان في الحياة أن يكون له أولاد صالحون
مباركون قادرون على تحمل المسؤولية. وقد بلغ من حب الإنسان
لولده أنه يتمنى أن يتفوق عليه ولده في كل مجال من مجالات
الحياة الخيِّرة، على الرغم من أنه مجبول على الحسد والغيرة
والأنانية لا يريد الخير إلا لنفسه ولا يرضى أن يتفوق عليه
غيره فيه، لذلك نرى الأبوين في كل المجتمعات وفي كل زمان ومكان
يهتمان بتربية أولادهما ليكونوا رجالاً ناجحين في الحياة
ويتحملون في سبيل تحقيق ذلك كل المشاق، إذن فالتزام التشريعات
السماوية والقوانين الدولية بموضوع حقوق الطفل ودعوتها إلى
المحافظة على تلك الحقوق التي تصون كرامة الطفل وتدافع عن
مصلحته يعتبر تقريراً وتأكيداً للفطرة الإنسانية.
ولكن الإنسان قد يتمرد على الفطرة ويخرج عن
طبيعته الإنسانية، فيقوم بأعمال طائشة ويقدم على تصرفات غير
مسؤولة وغير حكيمة من شأنها أن تسبب الضرر للمجتمع الإنساني
بوجه عام، وكثيراً ما يكون الأطفال الأبرياء هم أكثر المتضررين
بها مع الأسف الشديد.
الآثار السلبية للصراعات
المسلحة في أفريقيا على الأولاد
أسباب هذه الصراعات :
تشهد أفريقيا في الآونة الأخيرة سلسلة من
الصراعات الدموية ومن الحروب المدمرة التي تُشَيِّبُ الطفل من
قبل المشيب، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو ما سبب هذه
الصراعات المسلحة، هل هي طبيعية أو أنها مفروضة على القارة ؟
طبعاً لا يشك أحد أنها مفروضة من قوى خارجية تعمدت تقسيم
القارة بطريقة تستمر معها الخلافات الحدودية، والتي تنتهي في
كثير من الأحيان إلى تلك الصراعات الدموية بين الأشقاء، فأصبح
هم كل بلد إنفاق ما يملك وما لا يملك من أجل شراء الأسلحة
بأسعار خيالية حتى لا يكون للبلد أية فرصة للتنمية الاقتصادية
أو الرقي الاجتماعي. أضف إلى ذلك إثارة النعرات الدينية
والعصبيات القبلية أو الإقليمية بين أبناء البلد الواحد بغية
غرس بذور الشقاق والخلاف بينهم تحقيقاً للسياسة القائمة على
مبدأ فرِّقْ تسُدْ. كما أن التنافس بين الأحزاب السياسية
والصراع على السلطة من قبل رؤساء تلك الأحزاب، كل ذلك أدى إلى
انتشار الفوضى وعدم الاستقرار في كثير من دول القارة.
ومما يؤيد ما ذهبنا إليه في كون هذه الصراعات
المسلحة في أفريقيا مفتعلة ومدعومة من جهات أجنبية، هو أن بعض
الدول التي تجري فيها هذه الصراعات هي دول فقيرة جداً لا
تستطيع أن تؤمِّن الغذاء والعلاج والتعليم لمواطنيها ولا
تستطيع أن تؤمِّن رواتب موظفيها مع أنهم لا يتجاوزون أربعين
ألف موظف في بعض هذه الدول، ومع ذلك تراها تخوض معارك طاحنة
لسنوات طويلة تستعمل فيها مختلف أنواع الأسلحة الفتاكة، فتحتم
أن تكون هناك قوى أجنبية تقوم بتمويل ودعم المجهود الحربي لهذه
الدول.
معاناة الطفولة في ظل الحروب
والنزاعات المسلحة في أفريقيا :
في ظل الصراعات المريرة في كثير من الدول
الإفريقية في السنوات الأخيرة بسبب التنافس على السلطة بين
الأفراد أو بين الأحزاب السياسية أو بسبب العصبية القبلية أو
المشكلات الحدودية التي خلفها الاستعمار، نجد أن الأطفال هم
أكثر ضحايا هذه الحروب. فكثيراً ما يُجَنِّدُون فيها إما لعدم
توفر الرجال الأكفاء عند الفريقين المتحاربين أو أحدهما فيتم
تجنيد الأطفال جبراً لهذا النقص. وقد يرجع سبب تجنيدهم إلى قلة
التكلفة لأن هؤلاء الأطفال مطالبهم المادية محدودة، وقد تكون
معدومة بالكلية، لأنهم بمجرد انقطاع صلتهم بعائلاتهم فإنهم
سرعان ما ينسونهم ويتفرغون لمهمتهم العسكرية، بخلاف الجنود
الكبار الذين خلفوا عائلات ومصالح فتكون أولوية الأمور عندهم
الرغبة في الرجوع إلى أسرهم وتوفير حياة سعيدة لعائلاتهم، لذلك
نراهم يطالبون برواتب مالية وبامتيازات معينة أضف إلى ذلك أن
الصغار يسهل إخضاعهم والسيطرة عليهم فيقبلون كل الأوامر التي
يتلقونها من رؤسائهم بدون نقاش ولا تردد ويقومون بتنفيذ كل
المهمام التي يكلفون بها، مهما كانت شاقة وخطيرة لذلك فإنهم لا
يتخلون عن مواقعهم العسكرية ولا ينسحبون من الجبهة إلا بأوامر
صارمة من قادتهم الذين لا يجدون صعوبة في إخافتهم وإرهابهم،
نظراً إلى صغر سنهم وقلة خبرتهم في شؤون الحياة، وأيضاً فإن
هؤلاء الأطفال مناسبون للتجسس نظراً إلى صغر حجمهم أو مرونتهم
أو خفة حركتهم، فيسهل عليهم اكتشاف مواقع العدو أو وضع الألغام
أو اكتشافها دون أن يشاهدهم أحد، ولا شك أن هذه المهمات كلها
شاقة وخطيرة لذلك يلجأ المجندون في بعض المرات إلى تخدير هؤلاء
الأطفال بمختلف أنواع المخدرات قبل تكليفهم بهذه المهمات. وكل
هذه الأسباب أسهمت في تفشي ظاهرة تجنيد الأطفال في كثير من دول
العالم وخاصة في أفريقيا.
ورد في كتاب اليونسيف : حالة الأطفال في العالم
عام 2002م أن حوالي 300.000 طفل ممن تقل أعمارهم عن 18 سنة
يشاركون مباشرة في مختلف النزاعات في العالم، وأن 120.000 منهم
في أفريقيا وحدها.
وورد في تقرير اليونسيف لنفس العام أنه في
السنوات العشر الأخيرة قتل ما لا يقل عن مليوني طفل وجرح وشوه
خلقياً ما بين أربعة إلى خمسة ملايين من الأطفال بسبب الحروب
والنزاعات المسلحة التي خلفت كذلك أكثر من مليون يتيم وحوالي
12 مليون طفل بدون مأوى.
وقد بلغ عدد اللاجئين في العالم إلى 23 مليون
لاجئ نصفهم تقريباً من الأطفال، كما ثبت أن % 8 من ضحايا هذه
الحروب هم من الأطفال بعضهم يقع ضحية للتجنيد وما يترتب على
هذا التجنيد من آثار سلبية تتمثل فيما يأتي :
أولاً : الاضطرابات النفسية : لأن هؤلاء
الأطفال الذين نشأوا نشأة عسكرية في ظل الحروب والنزاعات ينطبع
في أذهانهم أن العنف هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى غاياتهم،
لذا نجدهم محرومين من علاقات طبيعية مع الآخرين سواء عن طريق
النسب أو عن طريق الصداقة، وهكذا نجد هؤلاء الأطفال قساة
القلوب لا تعرف الرحمة سبيلاً إلى قلوبهم ولا للتسامح اعتباراً
في معاملاتهم، وبذلك يكونون خطراً على المجتمع بدلاً من أن
يكونوا عناصر صالحة في هذا المجتمع تسعى إلى تعمير البلاد
وخدمة العباد.
ثانياً : الحرمان من التربية والتعليم : لأنهم
لا يجدون مجالاً للتربية الخلقية داخل الأسرة نظراً إلى تشردهم
وانفكاك الأسرة ولا مجالاً لمزاولة الدراسة في أحد المؤسسات
التعليمية، التي انهدمت معظمها أو أصبحت غير صالحة للعمل لذلك
لا تكاد تجد في هؤلاء الأطفال الذين نشأوا في ظل الحروب من
يجيد القراءة والكتابة، الأمر الذي يسبب لهم مشكلة كبيرة عند
مغادرة الجيش أو المليشيات التي كانوا مجندين فيها لأنهم يجدون
صعوبة كبيرة في الحصول على العمل أو المعلومات التي تمكنهم من
تحسين أحوالهم المعيشية.
ثالثاً : الاعتداءات الجنسية : يتعرض الأطفال
المجندون إلى الاستغلال الجنسي مما يعرضهم لأخطر الأمراض
الجنسية المميتة كالإيدز وغيره ولجروح مؤلمة في حالات
الاغتصاب، وكثيراً ما يتعرض البنات للاغتصاب في أثناء الحروب
فينجم من ذلك الحمل المبكر غير المرغوب فيه ومعلوم أن هذا
الحمل يعرض صحتهن للخطر إذا لم يكتمل نمو أجسامهن إلى درجة
تمكنهن من الإنجاب الطبيعي لذلك كثيراً ما يمُتْنَ في أثناء
الولادة ومن قدر لها الحياة منهن فإنها لا تنجو من العار
والفضيحة ومن نبذ المجتمع لها، فلا تجد زوجاً كفؤاً في محيطها
القريب كما أن ولدها يكون منبوذاً هو الآخر في المجتمع ولا
يتقبله أحد من أفراد العائلة وبذلك تكون حياته هو الآخر معرضة
للخطر.
ومن المؤسف أن الاعتداءات الجنسية التي يتعرض
لها الأطفال في حالات الحروب لا يُبلَّغُ عنها فضلاً من أن
يعاقب عليها، الأمر الذي شجع على تفشي واستمرار هذه
الاعتداءات.
رابعاً : آفات الألغام : تستخدم الألغام في
معظم الحروب والنزاعات المسلحة في أفريقيا بوجه عام وفي
أفريقيا الغربية بوجه خاص مما أدى إلى نزوح الناس وفرارهم من
أماكن إقامتهم وابتعادهم من قراهم ومزارعهم ليكونوا هم أيضاً
من ضحايا هذه الألغام، بالإضافة إلى المجروحين والمعوقين
المصابين مباشرة بهذه الألغام.
وتفيد الإحصائيات الرسمية أن % 90 من ضحايا
الألغام هم من المدنيين العزل ونصف هؤلاء من الأطفال ولا يزال
حتى الآن ما يزيد على مائة مليون لغم أرضي مزروعاً في أكثر من
بلد من بلدان العالم وأكثرها في أفريقيا، ولما كان الأطفال هم
أكثر الناس حركة وتنقلاً وفضولاً بسبب حاجتهم المستمرة إلى
اللعب ورغبتهم في اللعب بالخلاء، فإنهم لا يتقيدون الطرق
الآمنة وكثيراً ما يكلفون ببعض المهام من قبل آبائهم كرعي
المواشي أو تبليغ رسالة إلى جهة ما ... إلخ، ونظراً إلى أنهم
قد لا يتمكنوا من الاهتداء أو قراءة التحذيرات المكتوبة في
الأماكن الملغومة أو محاولتهم اللعب بهذه الألغام عندما تقع في
أيديهم، فإن الأطفال يكونون دائماً أكثر الناس تعرضاً لمخاطر
هذه الألغام وأكثرهم تأثراً بأضرارها.
إن الأطفال الذين أصيبوا بعاهات من جراء
الألغام لا يعتبرون أعباء ثقيلة على آبائهم وعلى المجتمع فحسب،
بل هم غير معتبرين كأعضاء منتجين في المجتمع لأن هذه العاهات
لا تمكنهم في الغالب من التعلم أو التدرب على الحرف التي
تمكنهم من تأمين حياة كريمة لهم ولعائلاتهم، وبالتالي فإنهم لا
يتمكنون من الزواج عندما يكبرون وبذلك يحرمون من المساهمة في
تنمية مجتمعهم سكانياً واقتصادياً.
الحل الإسلامي لمشكلة الطفولة
:
إن الإسلام دين الفطرة ودين الرحمة، إذن فلا
يستغرب أن تكون تشريعاته وتعاليمه منسجمة مع الفطرة الإنسانية
المجبولة على حب الأولاد، كيف لا وهم فلذات أكبادنا وبهم تمتد
حياتنا وقد كرم اللّه الطفولة وأجل شأنها واعتبرها دليلاً
ملموساً في عالم البشر على قدرة اللّه عز وجل، فمن نطفة ضئيلة
يخرج اللّه الخالق البارئ المصور هذا الوليد الجديد بما فيه من
قابلية للنمو والتعليم والعمل إذا وجد من يهتم به ويوجهه
التوجيه السليم، فتتفتح طاقاته الفكرية والجسمية يوماً بعد
يوم: {وَنُقِرُّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم
طفلاً}(1) فتبارك اللّه أحسن الخالقين. وقد اعتبر اللّه الولد
نعمة كبرى يمن بها على عباده ويذكرهم بقدرها وحقها فيقول : {
وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة }(2)،
ويكفي شرفاً أن نرى القرآن الكريم يقسم بها فيعلي من شأنها
ويلفت الأبصار والبصائر إلى مكانتها فيقول : {لا أقسم بهذا
البلد وأنت حل بهدا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في
كبد }(3).
وقد أرشد القرآن المسلمين إلى أن يدعوا اللّه ويسألوه طيب
نسلهم وإصلاح ذريتهم فيقول : { وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك
وإني من المسلمين }(4)،
وأثنى على عباده الصالحين الذين يدعون اللّه ويسألونه ذرية
طيبة صالحة والتي تتمثل الطفولة أول أمرها : {والذين يقولون
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين
إماماً }(5).
ومما تقدم، ندرك أن الإسلام لم يهمل أمر
الطفولة بل اعتبر أي تقصير في صيانتها ورعايتها جريمة من حق
الدين وفي حق المجتمع يستحق مرتكبها العقوبة الدنيوية
والأخروية.
والإسلام عندما أوجب على الآباء أن يعتنوا
بأبنائهم ويرعوا نشأتهم ويصونوا طفولتهم حتى تكون خالصة من
الأذى ومجردة من التعاسة والشقاوة لم يجعل ذلك مقتصراً على
هؤلاء الأبناء فقط، بل وسع الدائرة لتشمل العناية أطفال غيرهم
لأن الأطفال بشكل عام هم وديعة محترمة وأمانة جليلة يتحمل
مسؤولية حمايتهم وتربيتهم التربية الحسنة كل أفراد المجتمع وفي
ذلك يقول تعالى : {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية
ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا اللّه وليقولوا قولاً سديداً}(6).
ففي هذه الآية تحذير للإنسان من أن يتعدى على
ذرية غيره بأي لون من ألوان الاعتداء حتى لا تقيض له الأقدار
يوماً من يعتدي على ذريته بعد وفاته. ومن الحقوق الأساسية التي
أقرها الإسلام للطفل حق الحياة، وتمتد عنايته به من البداية
حتى النهاية حيث حرم الاعتداء عليه وهو في بطن أمه سواء
بالإجهاض أو بالاعتداء على أمه، بحيث يلحقه أذى من جراء
ذلك ووضع له دية إن خرج ميتاً بسبب هذا الاعتداء، كما حذر كل
التحذير من قتله بعد ولادته لأي سبب من الأسباب وفي ذلك يقول
تعالى : {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم}(7)،
ويقول في آية أخرى : {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير
علم}(8).
ويقول أيضاً : { يا أيها النبيُّ إذا جاءك
المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن باللّه شيئاً ولا يسرقن ولا
يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن
وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن اللّه إن
اللّه غفور رحيم }(9).
وكان
ص يوصي قواده بحقن دماء الأطفال وبعدم التعرض لهم بسوء وإن
كانوا من أبناء ألد أعداء الإسلام ويأمرهم أن لا يأذنوا لمن لا
يطيق القتال من أبناء المسلمين بالخروج مع المقاتلين حتى لا
يتضرروا ويفقدوا أرواحهم، ومن هنا ندرك أن الإسلام قد حفظ
للطفل حياته وحقن له دمه حتى في حالات الحروب وحتى إن كان من
الأعداء.
أضف إلى ذلك أن الإسلام بعد أن فرض على
المسلمين ـ أفراداً وجماعات ـ حماية الأطفال ونهى عن تعريضهم
لأي نوع من أنواع الخطر، أوجب لهم حقوقاً أخرى تتمثل في حسن
الرعاية، الرعاية الجسمية أولاً بحيث يوفر لهم الطعام والشراب
والعلاج والكساء وكل ما يلزم لاستمرار نموهم الطبيعي ودوام
صحتهم الجسمية، وثانياً الرعاية التربوية والروحية بأن يغرس في
نفوسهم الإيمان الصحيح وهم صغار، وأن يُعَلَّمُوا كل ما ينفعهم
في أمور دينهم ودنياهم منذ المرحلة الأولى من طفولتهم لأن
العلم في الصغر كالنقش على الحجر، كما ورد في الأثر.
فإذا تربى الأولاد تربية حسنة وعرفوا الخير
وتعودوا عليه وهم صغار فإنهم يشبون ويشيبون عليه لأن من شب على
الشيء شاب عليه كما قال الحكماء، وبذلك نكون قد حصناهم
بالتربية منذ الصغر من الأمراض القلبية والاجتماعية، كما
نحصنهم من الأمراض الجسمية بحسن تغذيتهم وتطعيمهم منذ الصغر.
وكلما كان الطفل أضعف وأكثر حاجة إلى المساعدة
كانت رعايته أوجب في الشريعة الإسلامية، لذا خص الإسلام البنات
واليتامى بمزيد من الاهتمام لأنهم كثيراً ما يهملون ويحرمون من
حقوقهم الأساسية في المجتمع، فقد قال رسولنا الكريم صلى الله
عليه و سلم في حق البنات : >من رزقه اللّه تعالى ثلاث بنات
فأحسن تربيتهن أدخله اللّه الجنة، قالوا : واثنتين يا رسول
اللّه ؟ قال : واثنتين، قالوا : وواحدة يا رسول اللّه ؟ قال :
وواحدة<(10).
ويقول في حق اليتامى الذين لا يجدون عائلاً ولا معيناً : >أنا
وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى<(11).
وما أكثر النصوص الشرعية من القرآن الكريم
والحديث النبوي الشريف التي حثت على وجوب تربية اليتامى
ورعايتهم وحفظ أموالهم وتهيئة الأسباب التي تجعلهم رجالاً
صالحين قادرين على تحمل مسؤولية الخلافة لأسلافهم. وقد ذَمََّ
القرآن في أكثر من آية الذي يسيء معاملة اليتيم.
ومن المبادئ التي قررها الإسلام لحماية الطفل
جعل كفالته في يد أمه إذا وقع النزاع أو الفراق بين الأبوين
لأنها أحرص على مصلحته وأقدر على توفير الرعاية اللازمة له،
اللّهم إلا إذا قام دليل مادي ملموس على خلاف ذلك. ومن الأدلة
على مبالغة الإسلام في حماية الطفل وتجنيبه كل سوء ومكروه أنه
أعفاه من العقوبات الجسدية المغلظة كالقصاص والحدود ونحوها
وذلك في قوله صلى الله عليه و سلم : >رفع القلم عن ثلاث
النائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق والصبي حتى يحتلم<(12).
فهذه بعض الأمثلة على إكرام الإسلام للطفل
وعنايته به وتوفير الحماية اللازمة له حتى ينشأ ويترعرع ويصبح
عنصراً صالحاً في المجتمع ومعلوم أنه لا يتمكن من ذلك إلا إذا
نال حقوقه كاملة داخل الأسرة وفي المجتمع.
ومن هنا نستطيع أن نجزم بأن الإسلام له فضل
السبق في رعاية حقوق الطفل وحمايته من كل التصرفات التي تحط من
قدره أو تعرضه لأخطار جسمية في وقت الحروب وغيرها، ونسأل اللّه
أن يوفقنا للتمسك بتعاليم الإسلام دين الرحمة والعدالة
والسلام.
وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
(*) المستشار الرئاسي للشؤون الإسلامية ـ
بوركينافاسو.
(1) سورة الحج، الآية 5.
(2)
سورة النحل، الآية 72.
(3)
سورة البلد، الآيات 4-1.
(4)
سورة الأحقاف، الآية 15.
(5)
سورة الفرقان، الآية 74.
(6)
سورة النساء، الآية 9.
(7)
سورة الإسراء، الآية 31.
(8)
سورة الأنعام، الآية 140.
(9)
سورة الممتحنة، الآية 12.
(10)
رواه كل من الترمذي وأبي داود وابن ماجه وأحمد.
(11)
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد.
(12)
رواه كل من الترمذي وأبي داود وابن ماجه وأحمد.
|