|

مقدمة
الرفع من فعالية تطوير المناهج والإصلاح
منذ بزوغ فكرة التعليم المنظم، كثر النقاش حول المنهاج وحول
دور الطفل في تطويره وتبليغه. فالمواقف الأكثر مغالاة تراوحت
بين منهاج معد من طرف المعلم والمتعلمين معاً، وآخر يقوم
بإعداده أخصائيون من المستوى الرفيع، الذين يقررون بأن الأطفال
عليهم أن يتعلموا فقط. كان هذا الحوار في معظم الأحيان مرتبطاً
بأهداف التربية. فكان هناك من يقول بمنهاج يجعل من الطفل مركز
اهتمامه، وآخرون يعارضون هذه المقاربة على أساس أنها لم تكن
كافية لتربية الأطفال. إلا أنه بات من المؤكد أن طبيعة الطفل
لابد أن يكون لها موضع في المنهاج. وفي الوقت ذاته، تطلب تصنيع
المجتمعات أن تقوم المدارس بإعداد الناس لسوق العمل.
وهكذا، وسط جدال كبير، تطورت المناهج التعليمية في البلدان
المتقدمة. فلقد قامت الطبقات المثقفة بتحمل مسؤولية تطويرها،
ربما بغرض تسريع وتيرة التقدم في البلاد. لم يكن أي منهاج تم
إعداده من طرف المتخصصين، على حساب إقصاء المستفيدين منه، لم
يكن أبداً ليعتبر منهاجاً مُرضياً؛ ولذلك، فخلال عقود من
الجدال والنقاش، حاولت البلدان المتقدمة إيجاد الحل المناسب
للمسألة عن طريق التوصل إلى حل وسط يجمع بين الموقفين
المتعارضين. ومع ذلك، انبثقت المناهج التعليمية وتطورت من
داخل مجتمعاتها.
فبينما كان المنهاج موضع نقاش وجدال في البلدان المتقدمة، كان
برنامج تعليم صغار السن في البلدان النامية، وخاصة في إفريقيا،
مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالحياة اليومية للأطفال، وبثقافتهم
وقيمهم. وكان الاهتمام موجهاً إلى إعداد المتعلمين لمرحلة
مابعد البلوغ. وكان يقوم بدور المعلمين الكبار من الرجال
والنساء في الجماعة. وكانت الفتيات يتعلمن من النساء، بينما
يتعلم الفتيان من الرجال. ولقد حدد هؤلاء المعلمون اختياراتهم
الخاصة، والتي كانت تعتمد على إظهار المهارات التي اكتسبوها.
لذلك، كان هذا المنهاج الطبيعي يلقن دروساً حول مواضيع السكن
والغذاء والتغذية والفلاحة واللباس والإنجاب والصحة والعلاقات
الإجتماعية والحفلات الثقافية والفنون والحرف والدين. وكانت
التربية مسؤولية الجماعة التي كانت تقدم النماذج التي ينبغي
الاحتذاء بها.
إن التربية الإفريقية لم تتطور عن أصول هذه "المدرسة
الطبيعية"، بل نقلت، في معظم الجوانب، أفكاراً غربية. وقد جاء
هذا التحول مع إدخال نظام التعليم الذي حظي بالقبول من طرف
المجموعات الثرية. ولم يكن الأمر مجرد حادث أو صدفة أن يعكس
المنهاج التعليمي مطامح هذه الطبقة، بدل حاجات العامة من
الشعب. وقد طغت هذه المقاربة المنهاجية على الأنظمة التعليمية
الإفريقية لعدة عقود. وكانت النتيجة أن النجاح في الدراسة أصبح
حكراً على أولئك الأطفال الذين يعيشون في وسط يشجع الإنجاز في
إطار المنهاج.
فـي السـنوات الأخـيرة، صـار العـالم كــله يــنادي مــن أجـل
أن تصبح المدرسة مجدية أكثر لكل الأطفال. إن فتح طرق سيارة
جديدة في مجال الإعلام والتحول إلى نموذج من النمو يضع نمو
الإنسان في قلب برامج الإصلاح الاقتصادي أصبح الآن يؤيد هذا
الطلب المتزايد. فأصبحت الثقافات والحساسيات والطموحات
الإنسانية تؤخذ الآن بعين الاعتبار في الاستراتيجيات التنموية.
وأضحت التربية باعتبارها عاملاً مساهماً في التغيير والتحول
الاجتماعيين، تحظى باهتمام خاص. وفي هذا الجو، تجد الأنظمة
التربوية نفسها تحت الضغط من أجل أن تعيد التفكير في أهداف
التربية بكيفية تضع التنمية البشرية في قمة الأولويات.
ويعتمد النموذج الجديد في إصلاح المناهج على توليد أفكار
المنهاج من شريحة واسعة من المجتمع، وعلى تحقيق إجماع وطني حول
أهداف المنهاج كجزء لا يتجزأ من عملية إصلاح المنهاج. ومن بين
الذين يحظون بنصيب في العملية، هناك المدرسون، ورؤساء
الجماعات، والآباء، والسياسيون، وممثلو القطاع الخاص، والزعماء
الدينيون. ويتوقع أن ينتج عن هذه المقاربة منهاج من شأنه أن
يقدم تجارب تعليمية أكثر دلالة وإفادة للأطفال.
يشكل إشراك فئات عريضة من المجتمع في عملية إصلاح المنهاج
التعليمي خطوة حاسمة. فهو لا محالة سيشجع فئات المجتمع
المختلفة على الإسهام في إغناء العملية بأفكارهم واقتراحاتهم.
بل لابد كذلك أن يولد اهتماماً بالأداء الفعلي على مستوى
المدرسة. إضافة إلى ذلك، سيساعد الناس على إدراك ما يمكن
انتظاره، في حدود المعقول، من أي نظام مدرسي، وإدراك الدور
الذي يمكن للوسط أن يلعبه في مساعدة المدارس على الرفع من
مستوى الإنجاز التعليمي للجميع.
عندما أخذت التربية طابعاً رسمياً، اندثر محتوى التربية "
الطبيعة" مع منهجياتها، وحل محلها برنامج اعتبر أكثر ملاءمة
لمجتمع حديث أو في طريق التحديث. ولقد أدى هذا إلى انخفاض قيمة
التربية " الطبيعة" وجعلها تبدو دون وسائل التعليم الأخرى.
فالمنهاج الرسمي كان يؤكد على أهمية المهارات الثلاث : القراءة
والكتابة، والحساب، ويتطلب كتباً ومدرسين مكونين، وبنايات
مدرسية ومشرفين. إلا أن الجماعات المحلية لم تكن تملك لا
الوسائل ولا القدرة على توفير هذا النوع من التربية الرسمية.
فكان هناك نقص في وسائل النشر والطباعة. وكانت هناك قلة قليلة
من الكتّاب لتأليف الكتب الضرورية. وكان ثمة عدد قليل من
الأفراد الذين يمكن تدريبهم ليصبحوا مدرسين. كذلك لم يكن هناك
فهم أو تفهم كاف للمنافع التي تستطيع التربية الرسمية أن
توفرها. في مثل هذه الظروف، وعند إعداد برامج التربية الرسمية،
كان يتم الاعتماد على المناهج واللوازم التي أنتجت في أماكن
أخرى. وكان هذا الأمر يحدد تكلفة واختيار البرامج التربوية
التي يتم إدخالها وتقديمها.
لا تزال الحكومات الإفريقية تبحث عن استراتيجيات تؤدي إلى
الحصول على أنظمة تربوية بتكلفة مناسبة وملائمة للشعوب التي
تخدمها، والتي ستعمل في نفس الوقت على تحديث مجتمعاتها. إن هذه
الحكومات في حيرة من أمرها : فهي تقر بالحاجة إلى نظام تربوي
يأخذ بعين الاعتبار البيئة المحلية، ويحاول في نفس الوقت
مجاراة التقدم التكنولوجي السريع. فالفجوة واسعة بالفعل بين
إفريقيا وقارات العالم الأخرى. ويمكن تشبيهها بالفرق الموجود
بين السبورة الخشبية والحاسوب المحمول. لقد كان الإصلاح
التربوي في أفريقيا يحدث بمساعدة وكالات مانحة أجنبية، خاصة
البنك الدولي. فخلال العقود الثلاثة الماضية، استثمرت ملايين
الدولارات في التربية في إفريقيا. وكنتيجة لذلك، ارتفع عدد
الأطفال المسجلين في المدارس الابتدائية مابين سنة 1985 و1995
من 75.6 مليون إلى 92.1 مليون. واليوم توجد أعداد لم يسبق لها
نظير من الأفارقة يعملون في مجالات التدريس والتأليف والنشر
والطباعة، إضافة إلى أطر مدرسية في ميادين تطوير المناهج
والتخطيط التربوي والاختبار والقياس، والبحث التربوي والتنمية،
والتكنولوجيا التربوية. وهناك عدد متزايد من التجارب والمشاريع
ترمي إلى الرفع من نوعية التربية وتيسيرها. ومع ذلك، فلا تزال
الحاجة ماسة إلى مزيد من الجهد من أجل جعل التربية متاحة وفي
متناول الجميع.
وبالرغم من أن الكثير قد أنجز في هذا المجال، إلا أن النمو
المتسارع للسـكان فـاق القـدرة علـى تلبـية الطـلب. لذلك، ورغم
الاستثمارات الضخمة، كان لا يزال في إفريقيا سنة 1995، 141
مليوناً من الأميين وأعداداً هائلة من الأطفال الذين لم
يلتحقوا بالمدرسة. إن جودة التربية المتوفرة بدورها ينقصها
الشيء الكثير . وهناك مشاكل جمة يجب مواجهتها من أجل إنشاء
أنظمة تربوية مستديمة، تضمن احترام حق كل طفل في تربية حسنة
وتعليم جيد.
إن هذه الوثيقة تعنى بجانب واحد من التنمية التربوية، ألا وهو
المنهاج، وإصلاحه وتطويره. ولقد قامت عدة بلدان فعلاً بإدخال
إصلاحات في المنهاج، إلا أن فوائد تلك الإصلاحات لم تكن دائماً
مطابقة لما كان يريده مخططوها.
وهـناك عـدة أسبـاب لذلك. فعـندما قـررت الـسلطات الـوطنية
إصـلاح الـبرامج، كان هناك افتراض تلقائي بأن المناهج
المستعملة لم تكن مُرضية، رغم أن نواقصها يمكن أن تكون راجعة
إلى عوامل مختلفة، مثل أهداف المنهاج ومحتواه، والمدرسين غير
الأكفاء وغير المدربين، وضعف جودة وسائل التعليم والتعلم،
والإجراءات المتبعة في التقييم والحصول على الأجوبة. وفي حالات
أخرى كان التغيير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية لحكومة
ما، يتطلب تغييراً مماثلاً في المنهاج الدراسي. وهو ما حدث في
السبعينيات، حين كانت بعض البلدان تنادي بالاشتراكية والاعتماد
على النفس، وتغيرت المناهج التربوية وفق ذلك.
ففي حالات عدة يكون المنهاج المعمول به محروماً من نظام الدعم
الذي يضمن له الفعالية. وكيفما كان عدد الإصلاحات المنجزة، فإن
المنهاج يبقى عاجزاً على إعطاء نتائج أفضل. ومهما تكن الأسباب
الداعية إلى تغيير المنهاج، فإن إصلاحات كانت تحدث. إن التحدي
القائم اليوم يكمن في إصلاح المناهج إصلاحاً يؤدي إلى مشاركة
متزايدة في عملية التمدرس، وإلى الرفع من جودة التربية التي
يتم توفيرها.
|