Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -
الصفحة الرئيسة | الاتصال

د. عبد العزيز بنعبد الله
د. أحمد شحلان  
د. عبد العزيز شهبر
د. محمد المختار ولد اباه
د. هبة نايل بركات

 


الوحي

وردت كـلمة الـوحي فـي آيات عـديدة مـن القـرآن الكريم، قال تعالى : { قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون } (سورة الأنبياء، الآية 45). { وما كان لبشر أن يكلمه اللَّه إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عَلِي حكيم } (سورة الشورى، الآىة 48). { والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى } (سورة النجم، الآيات 4-1).

وعبر القرآن في آيات أخرى عن الوحي بالتنزيل { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل } (سورة آل عمران، الآية 2). فالوحي الحق يتم بواسطة مَلَكٍ يحمل الخطاب الإلهي إلى الرسول الموحى إليه المدعَّم بالمعجزة، فكل رسول يُعَزَّزُ في رسالته بما يليق بمجتمعه وعصره، كالإعجاز الطبي في رسالة عيسى، عليه السلام، حيث أبرأ الأكمه والأبرص، والإعجاز الإحيائي فقد أحيا الموتى بإذن اللّه. واتسم القرآن بإعجاز بلاغي تحدياً لفصاحة العرب. فالقرآن هو الكلام المنزل من عند اللّه بلفظه ومعناه.

والوحي يعني في أحد معانيه الإلهام الفطري عند الإنسان، والغريزي عند الحيوان، كما جاء في قول الله تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل } (سورة النحل، الآية 68) فالإلهام الفطري وصوت الضمير لدى الإنسان هو نوع من الوحي يختلف عن الوحي إلى الرسل. وكما أن للإنسان نفس تميل إلى الهوى، وحوله شياطين توسوس له بالشر، فإن لديه العقل والقلب والضمير، وحوله ملائكة توحي إليه بالخير.

حقيقة الوحي إلى الرسل

وحقيقة الوحي لا تدرك عن طريق العقل المجرد والتصورات الشخصية انطلاقاً من المحسوس وبعيداً عن الغيب، وهي أيضاً لا تدرك بمجرد الرياضة الروحية على هامش عالم المادة. وإذا قلنا إن الوحي إلهام فاض من العقل الباطن أو النفس الروحاني فانعكس على البصر، فمعنى ذلك أن الوحي خارج من نفس الرسول. ولكن الحق هو أن الوحي نازل إلى الرسول من السماء عن طريق ملك هو جبريل.

إن حقيقة الوحي إلى الرسل تختلف عما يذكره "جورج بوست" من أنه >حلول رُوح اللّه في روح الكُتَّاب الملهمين لإطلاعهم على الحقائق الروحية والغيبيات<(25). لقد فتح هذا التصور مجالاً للمنكرين إلى اعتبار الوحي ظاهرة هلوسة وخيال نابعة من أعماق نفس مريضة.

وقد عزز بعض الفلاسفة هذا المنظور فأسندوا الوحي إلى اتصال النفس الإنسانية الناطقة بالنفوس الملكية اتصالاً معنوياً. ولكن ليس عندهم فرق بين الوحي والإلهام.

صورة الوحي

أما صُوَرُهُ فهو : إما إلقاء في الروع (أي القلب) أو إملاء عن طريق الملك أو صلصلة جرس. وقد يتلقى بعض الرسل، مثل موسى، كلاماً من اللّه بغير وحي، ولكن من وراء حجاب(26) ، كما قال تعالى : { وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحياً أو مِن وراءِ حجابٍ أو  يرسل رسولاً فيوحِي بإذنه ما يشاء } (سورة الشورى، الآية 48). ومهما يكن فإن الرسول محمداً، عليه الصلاة والسلام، قد تلقى الوحي بلقاء المَلَكِ جبريل يقظة، كما ورد في أحاديث عائشة، رضي الله عنها(27).

مضمون الوحي

إن للقرآن الكريم في قصص الأنبياء حكمته، فهو يثبت الوحي والرسالة ووحدة الأديان السماوية، ويبين العبرة من دعوة الرسل وموقف الأمم والشعوب منها، مع تحليل الرابطة الوثيقة بين الشرائع والأديان، وإبراز مدى الخير والصلاح الناتجين عن الوحي المعبر عن قدرة اللّه على الخوارق، مع وقوف العبد عند الأسباب(28).

يقول اللّه عز وجل : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً وذكراً للمتقين } (سورة الأنبياء، الآية 48). { ولقد آتينا إبراهيم رُشْدَهُ من قبل وكُنَّا به عالمين } (سورة الأنبياء، الآية 51). { وما جعل عليكم في الدين من حرج مِلَّةَ أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } (سورة الحج، الآية 76).

الوحي والدين

وفكـرة الـوحي يرتكز عليها مـفهوم الـدين، إذ الـدين جـماع ما يوحي به اللّه إلى رسله : { إن الدين عند اللّه الإسلام } (سورة آل عمران، الآية 19)(29).

وعند بعض الفلاسفة هو نوع من الإدراك لما يفوت العلم وينقطع دونه العقل(30).

فتلازم الفلسفة والدين يرمي، كما يقول الشيخ مصطفى عبد الرَّازق(31)، إلى تحقيق السعادة عن طريق الاعتقاد الحق والعمل الخيِّر. وهو نفس ما أكده الشهرستاني(32) من أن القسم العملي في الفلسفة هو عمل الخير والقسم العلمي هو علم الحق. وقد قال ابن حزم : >الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها والغرض المقصود بتعلمها ليس هو شيئاً غير إصلاح النفس، بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد وحسن سياستها للمنزل والرعية، وهذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة<.

ولكن "ابن سينا" فَصَّلَ عندما لاحظ أن وجهة الدين عَمَلِيَّةٌ أصالةً، ووجهة الفلسفة نظريةٌ بالأصالة. وأكد على أن مبدأ الحكمة العملية مستفاد من جهة الشريعة الإلهية، ومبادئ الحكمة النظرية مستفادة من أرباب الملة الإلهية.

وقد أشار الشيخ مصطفى عبد الرَّازق فيما كتبه حول ابن سينا إلى أنه اقتنى كتاباً لأرسطو في موضوع "ما وراء الطبيعة" فانكب عليه أزيد من شهر وانغلق فهمه عليه، فاتجه صباح يوم إلى المسجد لصلاة الصبح، فلما عاد إلى البيت واستأنف قراءة الكتاب تفتحت مغاليقهُ، فكان للحكمة العملية بذلك أثر قوي في دعم الحكمة النظرية(33).

الأنبياء والرسل

الرسول إنسان من البشر أوحى اللّه إليه بشرع وكَـلَّفَهُ بتبليغه كرسالة. أما النبي فهو مُكَلَّفٌ بإرشاد قومه وفقاً لرسالة باقية لم تتغير معالمها بالتحريف أو بضياع الأصول، فكل رسول نبي ولا عكس.

وعدد الأنبياء، كما في بعض الآثار، مائة وأربعة وعشرون ألفاً، وعدد الرسل من هؤلاء ثلاثمائة وخمسة عشر، كما في حديث أبي ذر الغفاري الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(34)، وأولو العزم هم أبرز الرسل وأكثرهم قوة وصبراً، ومنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وخاتمهم محمد  صلى الله عليه وسلم ، وقد أمره الله تعالى أن يحذو حذوهم : { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } (سورة الأحقاف، الآية 34). وإنما سُمُّوا "أولو العزم" لقوة عزائمهم وشدة ابتلائهم، >أشد الناس بَلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل<(35).

والنبوة اصْطِفَاءٌ وَهِبَةٌ واخْتِصَاصٌ من اللّه لمن يشاء من عباده، فهي لا تعطى إلا للمؤمن، وهي خاصة بالرجال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } (سورة يوسف، الآية 109).

عصمة الأنبياء والرسل

وقد ورد في كتاب الله من مناقب الأنبياء والرسل ما يستوجب تقديرهم ومحبتهم، والإيمان بما جاؤوا به عن ربهم، وجميع الرسل مُثُل عُليا للمؤمنين.

{ واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صِدِّيقاً نَبِيّا } (سورة مريم، الآيتان 41-40) { إن إبـراهيم كـان أمَّـةً قانتـا للّه حنيفاً ولم يك من المشركين } (سورة النحل، الآية 120) { قـال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسـالتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين } (سورة الأعراف، الآية 144) { واذكـر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّا } (سورة مريم، الآية 54) { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار. إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار. وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار. واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار } (سورة ص، الآيات 47-44).

وهكذا أبرز الله تعالى الصفات المثلى للأنبياء والرسل، وهي كما استخلصها رجال الدين : الصدق والأمانة والعفة والفطنة والسلامة من العيوب المنفرة والعصمة من تعمد المعصية. لقد امتازوا بهذه الصفات على بقية البشر لبعدهم عن المعاصي، وعن كل ما يخل بالمروءة والكرامة، فصاروا صورة للكمال وأهلاً للإمامة ولهداية البشرية.

وينبغي نبذ كل كتابة تنسب النقائص إلى الرسل، إذ أن كل ما ينسب إلى الرسل والأنبياء من أمور مشينة إنما هو من فعل الناس وترويجهم الأباطيل وتحريفهم مضمون الرسالات.

ومعلوم عقلاً أن الأصول الأولى التي دوِّنت بالنقل المباشر عن ألْسِنَة الرُّسل السابقين على محمد  صلى الله عليه وسلم  لو كانت موجودة  لوجدناها تحفظ للرسل والأنبياء كل معاني النزاهة والكرامة، باعتبارهم قدوة ومثلاً عليا في تاريخ الإنسانية. ولكن تلك الأصول الأولى غير موجودة في عصرنا هذا، ومن الصعب العثور على شيء منها، ولا يوجد في حوزة الإنسانية المعاصرة أصل مرجعيّ يحمل نصّاً لرسالة سماوية أصيلة وكاملة كما بَلَّغَها الرسول، وبقيت لغتها حية إلى اليوم، سوى القرآن الكريم، الذي يحفظ لجميع الأنبياء والرسل العصمة والعزة والكرامة، شأنه شأن سائر الرسالات التي نزلت من عند الله سبحانه وتعالى.

إن الإسلام يحترم جميع الرسل والأنبياء، ويذكر بإمامتهم وبما حملوه من مبادئ لهداية البشر، كما قال اللّه تعالى : { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } (سورة الأنبياء، الآية 72) فالنبي أو الرسول قدوة لا يمكن أن يوصم بما يتنافى مع الخلق القويم، وإن كان يمكن أن يخطئ في تقديراته واجتهاداته الشخصية، بعيداً عن الوحي، إلا أن خطأه لا يصل بأي حال إلى أن ينزل به عن الخلق الرفيع.

إن محمداً هو خاتم النبيئين : { ما كان مُحَمَّدٌ أبا أَحدٍ من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين }، (سورة الأحزاب، الآية 40)، ولا يجوز للناس التفضيل بين الأنبياء والرسل { لا نُفرِّق بين أحد من رسله } (سورة البقرة، الآية 284). والحديث : >لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى<(36). إن اللَّه وحده هو الذي يفضل بينهم : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كَلَّمَ اللَّه ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البيِّنات وأيدناه بروح القدس } (سورة البقرة، الآية 251). { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً } (سورة الإسراء، الآية 55). إن بعثة الأنبياء كلها منارة للهدى ومعلمة للفضيلة، وجرت رحمة اللّه أن لا يعاقب أمة قبل أن يبعث إليها رسولاً : { وما كُنَّا معذِّبين حتى نبعثَ رسولاً } (سورة الإسراء، الآية 15). وما من أمة خلت من الرسل : { ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً وجعلناهم أحاديث فبعداً  لقوم لا يؤمنون } (سورة المؤمنون، الآية 44).

ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن بعث الرسل من البشر دون الملائكة، وذلك حتى لا يكون للناس حجة إذا ما انحرفوا عن شرع الله ناظرين للملائكة أن طاعة الله تسهل عليهم لفطرتهم النورانية. إن مهمة الرسل ـ إضافة إلى الكشف عن الأمور التي لا يكفي العقل البشري وحده للتفريق بين خيرها وشرها ـ تقتضي البيان العملي بالطاعة، وأن تكون أعمالهم من نوع مايحتمله الناس، فعلى بشريتهم يرتكز التبليغ والهداية والإرشاد، وإنذار الناس بالبعث وحساب الآخرة.

هل ينزل الوحي على غير الأنبياء والرسل ؟

إن رؤية المَلَكِ لا تستلزم بالضرورة نبوة أو رسالة، فالنبوة ليست هي مجرد الوحي كما يعتقده الكثير، لحصوله ــ أي الوحي ــ لمن ليس بنبي كريم، بل النبوة عند المحققين هي إيحاء اللّه لرجل  بحكم إنشـائي(37). ورد في صحيح الإمام البخاري ما رواه أبو هريرة عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : >لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثُونَ، فإن يك في أمَّتي أحدٌ فإنه عمر<(38)، ولا تكون مخاطبة هؤلاء بالوحي عن طريق الملك، وإنما يلقي الله إليهم الحق بوحي الإلهام.

وأمـا أم مـوسى فقد أوحي إليها ولم تكن نبية : { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنَّا رادُّوه إليك وجاعلوه من المرسلين } (سورة القصص، الآية 6).

ومــن وحــي اللــه سـبـحانه ما كـان مـوجهاً إلى غـير الإنـسان، قـوله تعالى : { وأوحى ربك إلى النحل } (سورة النحل، الآية 68) { وأوحى في كل سماء أمرها } (سورة فصلت، الآية 11)، وذلك يعني العطاء الفطري، فهو بمثابة وحي.

وقد فرق بعض العلماء بين وحي الرسل والأنبياء من ناحية، وإلهام الأولياء، فقالوا : إن وحي الأنبياء يسمَّى كلاماً وإلهام الأولياء يسمى حديثاً. فالكلام يلزم تصديقه ومَن ردَّهُ كَفَر، والحديث من رده لم يكفر(39).

وقد ثبت بالكتاب والسنة أن من المؤمنين من رأى الملائكة دون أن يكون رسولاً ولا نبياً، قال تعالى : { واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيـا. فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويـا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيـا } (سورة مريم، الآيات 17-15).

وقال القاضي ابن العربي المعافري، في تفسير قوله تعالى { إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة } (سورة فصلت، الآية 29) : قال المفسرون عند الموت، وأنا أقول في كل يوم(40). ويؤيد تصريح ابن العربي ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه قال : >إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد اللّه تعالى على مدرجته مَلَكاً، فلما أتى عليه قـال : أين تـريد ؟ قال : أريد أخاً لي في هذه القرية. قال : هل لك عليه من نعمة تَرُبُّهَا ؟ قال : لا، غير أني أحببته في اللّه عز وجل. قال : فإني رسول اللَّه إليك بأن اللَّه قد أحبك كما أحببته فيه<(41)، قال النووي، في شرحه على مسلم : >وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة<(42).

Untitled Document