Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -
الصفحة الرئيسة | الاتصال


الفصل الرابع
الخطاب النبوي

السنة النبوية تشمل ما نقل عن الرسول  صلى الله عليه وسلم  من أقوال وأفعال وتقريرات، وهي القسم الثاني من الخطاب الديني في الإسلام، فهي الحـكـمة الـتي أنـزلت مع الكـتاب على الرسول  صلى الله عليه وسلم  إذ يقول الله تعالى : { وأنزل اللَّه عليك الكتاب والحكمة وعَلَّمَكَ ما لم تكن تعلم وكان فضل اللَّه عليك عظيماً } (سورة النساء، الآية 112). وبــين الـله صدق رسوله فـي كل ما يُبَلِّغُ، فـقال تعالى : { وما ينطق عن الهوى. إنْ هو إلا وَحْيٌ يُوحَى } (سورة النجم، الآيتان 3-4).

السنة النبوية

السنة النبوية تشمل عامة أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته، ودورها يتمثل في بيان : مجمل القرآن، وتفصيل بعض أحكام الشريعة التي جاءت مجملة في القرآن. وقد تأتي السنة بأحكام جديدة، فهي وحي إلى الرسول بالمعنى لا باللفظ، إلا ما كان يصدر عنه  صلى الله عليه وسلم ، في أمور جِبِلِّيَّةٍ كطريقة مشيه، أو اجتهادات شخصية كرأيه في تأبير النخل.

وموضوعات السنة النبوية عديدة، فمنها أوامر ونواهي تشريعية، ومنها إرشاد وتوجيه، ومنها أذكار ودعوات يتعبد بها... إلخ. وجميع أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته هي امتداد وتوضيح للمبادئ الإسلامية المرتكزة على القرآن الكريم.

وتنقسم أقوال الرسول  صلى الله عليه وسلم  من حيث الصياغة إلى نوعين :

 الحديث القدسي : وهو الذي يرويه محمد  صلى الله عليه وسلم  عن ربه، وكأن المتحدث هو الله، مثل حديث : >أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إليَّ بشبرٍ تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة<(38). وهذا النوع من الحديث ليس قرآناً متلواً، فالقرآن لفظاً ومعنى من عند الله، وهو المحفوظ في الصدور والمُدَوَّن بين دفتي المصحف، والمجمع على إعجازه.

 والنوع الثاني من الحديث هو أقوال الرسول، عليه الصلاة والسلام، التي يبين من سياقها أن المتحدث هو الرسول نفسه.

جمع السنة وتدوينها

لم يكن الحديث يكتب في عهد النبي  صلى الله عليه وسلم  مثل ما كان يكتب القرآن، بل ورد النهي عن كتابته خشية أن تلتبس نصوصه بالنص القرآني. وقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : >لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وَحَدِّثُوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ ـ قال همام : أحسبه قال متعمداً ـ فليتبوأ مقعده من النار<(39).

ولكن هناك روايات تُبَيِّنُ أنه  صلى الله عليه وسلم  أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يكتب الحديث، فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة أنه كان لا يكتب حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بل يحفظه، وأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبه(40). كما أن أنس بن مالك كان يكتب الحديث، وكان لجابر بن عبد الله تقييد في الحج، وكان للإمام علي بن أبي طالب صحيفة ـ مدون فيها أحاديث ـ كانت فــي قـراب سـيفه(41). وروى الدارمي أخبرنا الوليد بن شجاع حدثنا المبارك بن سعيد قال : >كان سفيان يكتب الحديث بالليل في الحائط فإذا أصبح نسخه ثم حَكَّهُ<(42).

وهذه الأخبار وإن كانت صحيحة، إلا أنها لا تدل سوى على التدوين الجزئي للحديث، ولا تكفي للدلالة على أن السنة دُوِّنَت تدويناً شاملاً في عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  مثل ما دُوِّنَ القرآن.

ولا يفهم من عدم تدوين الأحاديث بكاملها أنها ضاعت من ذاكرة الحُفَّاظِ في عهد الرسول والخلفاء الراشدين، بل إن جمهور الصحابة حرصوا على حفظ حديث رسـول اللـه نـصاً، وعلى اسـتظهار ألفـاظه ومـعانيه، وحدَّثوا به، ولقنوه للجيل، ومن هؤلاء : أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس... إلخ.

وفي السنوات الأخيرة من القرن الأول الهجري انطلقت حركة تدوين السنة، بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم بالإشراف على تدوين الحديث وقضاء الصحابة. ومن أشهر من قام بدور رائد في التدوين، محمد بن شهاب الزهري وصالح بن كيسان. وبدأت حركة التدوين بجمع الأحاديث وكتابتها في شبه مجامع عامة.

وفي النصف الأخير من القرن الثاني الهجري ظهرت التصنيفات. ويذكر ابن حجر(43) من أصحاب المؤلفات الأولى : الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروية البصري. وبعد ذلك صنف الإمام مالك موطأه في المدينة، ومزج جمعه للحديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين. وصنف عبد الملك بن جريح بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بن بشير بواسط، ومعمر بن راشد الصنعاني باليمن، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وهم جميعاً في عصر واحد، لا ندري أيهم هو الأول.

وتطورت عملية التدوين على يد أعلام من كبار الحفاظ، أمثال شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن مهدي، الذين أسهموا في وضع أسس علوم الحديث من حيث التثبت والتوثيق.

الكتب المعتمدة في السـنـة

واصل الناس عملية التدوين إلى أن ظهرت المسانيد الجامعة في القرن الثالث الهجري، على يد الإمام أحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة. وصنف الأئمة كتبهم المشهورة كصحيح محمد بن إسماعيل البخاري، وصحيح مسلم بن الحجاج. ثم جوامع أهل السنن، مثل أبي داوود والترمذي وابن ماجة والنسائي.

وهذه الكتب لم يزعم أهلها حصر كل الأحاديث الصحيحة، إذ ليس في صحيح البخاري سوى نحو من سبعة آلاف حديث، منها ما كان نصه مكرراً. ولقد جمع الطبراني من الحديث الكثير، وكذلك السيوطي في جامعه الكبير، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة والأحاديث الضعيفة.

وقد جرى مدونو السنة النبوية الشريفة على جمعها وتصنيفها وفقاً لأبواب الموضوعات : العبادات، الطهارة، الصلاة، الصوم، الزكاة، المعاملات، الجنايات...إلخ.

مراتب الحديث قوة وضعفاً

 ينقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف. وقد وضع الفقهاء ضوابط للتمييز بين الحديث الصحيح والحسن والضـعيف، وتـعارفوا على مصـطلحات وتقـسيمات فـي هـذا الشأن :

  * الصحيح :

الحديث الصحيح عند أهل الصنعة هو الذي اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله بدون شذوذ أو علة قادحة. فالإسناد هو نسبة الحديث إلى رواته بتراجع التسلسل الزمني حتى الوصول إلى مصدره، وهو رسول الله محمد  صلى الله عليه وسلم . ومن أمثلة الحديث الصحيح الذي لم ينقطع إسناده، حديث : >لا يبع أحدكم على بيع أحد، ونهى عن النجش، ونهى عن بيع حبل الحبلة، وعن المزابنة<(44).

وقد يتصل إسناد الحديث برواية العدول، ومع ذلك يكون شاذاً. والشذوذ عند علماء الحديث أن يروي الثقة خبراً متصل الإسناد، لكنه يخالف فيه جمهور الثقاة. ومن أمثلته ما رواه همام بن يحيى عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي  صلى الله عليه وسلم  اتخذ خاتماً من وَرِقٍ (فضة) ثم ألقاه(45). فرواة هذا الحديث ثقاة وإسناده متصل، ولكن الخبر نفسه شاذ، لأن رواية الجمهور أن الخاتم الذي تركه النبي  صلى الله عليه وسلم  كان من ذهب وليس من وَرِقٍ(46). فالشذوذ مما يضعف به الحديث. كما يضعف الحديث بالعلة القادحة، مثل حديث الافتتاح بالبسملة في الصلاة الذي عُلِّلَ باختلاف نقل ألفاظه.

وقد نبه علماء الحديث إلى أن المقصود بالصحيح هو ما استوفى الشروط الخارجية، وذلك يعني أن توفر شروط الصحة المتعلقة بالسند لا تعني القطع بصحة مضمون الحديث، وذلك لإمكان تعرض الثقة للخطأ والنسيان، فنسيان كلمة أو إبدالها، وإسقاط حرف أو إضافته، قد يغير معنى الخطاب.

* الحَسَنُ :

والقسم الثاني من الحديث هو ما اصطلح عليه بالحسن : وهو ما اشتهرت روايته من غير المتهمين بالكذب، وسَلِمَ من الشذوذ، وهو دون رتبة الصحيح، أي لم تكتمل فيه شروط الصحة، إلا أن العلماء قبلوه وعملوا به لوجود أحاديث صحيحة تعضد معناه، أو لأن مضمونه يتفق مع روح شريعة الإسلام. وفيما عدا البخاري ومسلم اللذين اهتمَّا بجمع الأحاديث الصحيحة، اعتبرت أكثر أحاديث أهل السنن من الأحاديث الحسان، لأن أهل السنن والمسانيد يتساهلون في شروط الرواية، على خلاف البخاري ومسلم.

* الضعيف :

أما الحديث الضعيف فأنواعه كثيرة، يقال إنها تزيد على الأربعين، ومجمل المعنى أن كل حديث لم تتوفر فيه الشروط المذكورة آنفاً فهو ضعيف.

ومن أشهر أنواعه :

المنقطع السند، وقد يكون معضلاً إذا سقط اثنان من سلسلة رواته، أو موقوفاً على راوٍ معين. وإذا ما رفعه التابعي إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  فإنه يعرف بالمرسل، وله حكم خاص، لأن بعض العلماء يلحقه بالصحيح.

ومن أنواع الضعيف الحديث المروي بالعنعنة إذا كان في رواته من يعرف بالتدليس. والتدليس إيهام بصحة السند بحذف بعض الرواة، أو ذكر الراوي باسم لا يعرف به.

ومن الحديث الضعيف ما يعرف بالموضوع، وهو الحديث المختلق كذباً على النبي  صلى الله عليه وسلم ، والوضَّاعون كُثر، وقد أُلِّفَتْ فيهم كتب عديدة تحذِّر من افترائهم وزورهم.

وأسباب الوضع معروفة، ذكر علماء الحديث منها : أعمال الزنادقة والمنافقين أعداء الإسلام، وما وضعه أهل البدع والأهواء لنصرة نِحَلِهِم بغير الحق، وكذلك أحاديث وضعت في فضائل الأقاليم. ومن الأحاديث الضعيفة التي تسربت إلى المؤلفات الإسلامية ما يعرف بالإسرائيليات، وهي قصص مروية عن أناس جهلة أو مجاهيل.

وقد بذل نقاد الحديث وصيارفته جهوداً كبيرة في وضع ضوابط للحديث، والكشف عن مواطن الزيف وأعمال المنتحلين، فأقروا قواعد الإسناد التي لولاها لقال من شاء ما شاء. وألفوا الكتب في أحوال الرواة وسيرتهم، وصنفوا الدرجات لتعديلهم وجرحهم، فقالوا إن منهم : الحجة، والثقة، والصدوق، ومن ليس به بأس. وإن منهم : الوضاع، والكذاب، ولين الحديث. وإن منهم : من يقبل حديثه عن جماعة معينة ولا يقبل عن غيرهم، ومثلوا لذلك بإسماعيل بن عياش الذي يُرْتَضَى حديثه عن الشاميين ويُتَحَرَّزُ منه إذا رَوَى عن الحجازيين. وذكروا أن من الرواة من اختلط في آخر زمنه، وأعطوا تاريخ اختلاطه، فمن رَوَى عنه في صحته أجازوه، ومن رَوَى عنه في زمانته، أي اختلاطه، تركوه.

ثم قَرَّرُوا ضوابط الرواية، لمعرفة إمكان تَحَمُّلِ الخبر وأدائه، والألفاظ الدالة على السماع، ففرقوا بين : أنبأنا، وأخبرنا، وحَدَّثَنَا، وقال، وفلان عن فلان. كما بَيَّنُوا شروط الإجازة في مجال الرواية.

كل هذه الجهود التي بذلت في تصحيح الأحاديث، سواء على مستوى الجمع والتصنيف والتبويب أو على مستوى النقد والتقويم، أنشأت علماً دقيقاً، اختص به علماء الإسلام لتنقية الخطاب النبوي وإبرازه في الإطار الذي يليق به.

وقد ساعد المحدثين في هذا العمل ما قام به اللغويون من شروح لكتب الآثار وبيان غريبها ومشكلها. كما أفادوا أيضا من نقد علماء الفقه الذين اعتنوا بمضمون الخطاب التشريعي، فنقدوا المتون، وبحثوا في اختلاف الحديث، وبَيَّنُوا ما صاحبه العمل وما لم يصاحبه، وما كان ثابت الحكم وما نسخ حكمه بحديث مثله أو بالقرآن.

كل هذه الأعمال المتضافرة تعطي الناس اليوم صورة واضحة من معالم الخطاب الديني في الحديث النبوي الشريف.

والملاحظ أن انتشار الخطاب النبوي في الناس عامة ظل محدوداً، لأنه يكاد يقتصر على ذوي الاختصاص، فبقي محصوراً في اللغة العربية، ولم يترجم من مدوناته إلا القليل، وقد أخذت بعض اللغات الأوروبية مثل الإنجليزية والفرنسية حظّاً من ترجمة أهم جوامع الأحاديث مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم.

أما عن نشر الحديث النبوي بالطباعة والوسائل التقنية المعاصرة، فله حظ وافر في ذلك. فجوامع الأحاديث والسنن الشهيرة تطبع في الكتب وتتداول على أقراص الحاسوب، ومن أشهرها : صحيح البخاري، صحيح مسلم، موطأ مالك، مسند أحمد، سنن ابن ماجة، سنن الترمذي، سنن الدارمي... إلخ. ومن أفضل الشروح للحديث النبوي الشريف، فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، وغيره.

وقد انتشرت في الآونة الأخيرة الموسوعات الحديثية في أقراص حاسوب. وللحديث الشريف مواقع على الأنترنيت، أشهرها موقع "المُحَدِّث" : www.muhaddith.com.

 مضمون الخطاب النبوي

وعلى ذلك، فمضمون الحديث يشمل :

خطاب النبي   صلى الله عليه وسلم  الذي توجه به إلى ربه، يسأله التوفيق إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات وحب المساكين، ويدعوه ويستغفره ويلتجئ إليه، ويناجيه بالتحميد والتمجيد.

كما يشمل الحديث أيضاً خطاب النبي  صلى الله عليه وسلم  إلى أمته ليُفَصِّلَ لهم ما أنزل اللَّه من الأحكام المذكورة في القرآن إجمالاً، ويُعَلِّمُهُمْ أركان الإسلام الخمسة، وشعب الإيمان المتعددة، ودرجات الإحسان، ويرشدهم إلى طريق الهدى والتقوى، فيقول لهم : >إن الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ وبينهما مُشَبَّهَاتٌ لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشُّبُهَاتِ كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه<(47).

ويخبر النبي  صلى الله عليه وسلم  أمته أيضاً بفروض الوحدة والأخوة، فمثلهم في تراحمهم وتوادِّهِمْ وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمَّى(48). وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه(49). وأنه لا ضرر ولا ضرار(50). وأن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نَوَى(51).

ثم يأمرهم على مستوى الإنسانية أن يفشوا السلام، >عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : أي الإسلام خير ؟ قال : تُطْعِمُ الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف<(52)، وأن يفعلوا الخير، وأن يقسطوا في الحكم، وأن يبتعدوا عن الخيانة والغدر والغيبة والنميمة والبهتان.

Untitled Document