Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -
الصفحة الرئيسة | الاتصال


الفصل الثالث
علوم القرآن

تَعَرَّضَ المسلمون لما أُشْكِلَ وما تشابه من آيات القرآن، فتناوله الصحابة والراسخون في العلم من بعدهم بالتأويل والتفسير، فنشأت عن هذا كله مجموعة من العلوم تعرف بـ "علوم القرآن"، وقد لخصها الزركشي في كتاب البرهان، وجلال الدين السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن(30).

لقد اصطلح العلماء على أن بعض القرآن مكي وبعضه مدني، ولكنهم اختلفوا في معنى هذا الاصطلاح، فمنهم من يقول إن كل ما نزل قبل الهجرة إلى المدينة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو المدني. والبعض يقول إن كل آية نزلت في موضع يجب أن تنسب إلى ذلك الموضع، لأن القرآن لم ينزل في مكة وحدها ولا في المـدينة وحدها، وبـعض الآيـات نزلت في "منى" مثل قوله تعالى : { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوَفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } (سورة البقرة، الآية 280). والبعض في عرفات، مثل قوله : { اليوم أكمـلت لكم دينـكم وأتـممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } (سورة المائدة، الآية 4). والبعض في الجحفة... إلخ.

وفريق ثالث من العلماء يقول إن ما يتعلق بأهل مكة فهو مكي، وما يتعلق بأهل المدينة فهو مدني، وبمقتضى هذا الاصطلاح يكون كثير من القرآن ليس بمكي ولا بمدني، مثل سورتي القصص والأحكام.

وقد ارتضى الجمهور الاصطلاح الأول، والمهم في هذا الصدد أن للمكي خصائصه من حيث المعاني والأغراض، فهو في غالب الأمر دعوة إلى التوحيد وخطاب للناس كافة ووعد ووعيد ينطقان بالإيمان وينددان بالكفر، وقصص للعبرة والذكرى. وأما المدني ففيه خطاب للمؤمنين، وتشريع للعبادات وأحكام للمعاملات، وحث على الجهاد، وتنديد بالمنافقين، وفيه جدال أهل الكتاب، مع استمرار الوعد والوعيد.

نشأة علم القراءات

إن من آيات إعجاز القرآن حفظه الذي تكفل به الحق سبحانه وتعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (سورة الحجر، الآية 9). ولقد تمثل هذا الحفظ في نقله متواتراً عبر الأجيال، منذ عهد الرسول  صلى الله عليه وسلم  إلى يومنا هذا. ففي عهد النبوءة كان جبريل ينزل بآيات القرآن وسوره كُلَّمَا أمره الله بذلك، وكان يتعهد ما نزل من القرآن بالمراجعة مع النبي  صلى الله عليه وسلم  في رمضان من كل سنة. وفي آخر سنة من حياته عرضه عليه مرتين إيذاناً بأنها العرضة الأخيرة(31). وحفظها عنه مجموعة من علماء الصحابة، منهم : الخلفاء الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومشاهير القراء المعروفين، ومنهم : عبد الله بن مسعود، وأبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي السائب المخزومي.

وبعد هؤلاء اشتهرت مجموعة ممن وقفوا حياتهم على قراءة القرآن وإقرائه، منهم : عبد الله بن عياش المخزومي، والمغيرة بن أبي شهاب، وعبد الله بن حبيب السلمي، وأبو العالية الرياحي، ويزيد بن القعقاع المدني، وشيبة بن نصاح، وشيوخ أئمة القراءة في الأمصار، والذين تواترت قراءاتهم وحروفهم، بعدما دونها ابن مجاهد البغدادي في كتاب السبعة.

وكان من شدة اعتناء القراء بحفظ القرآن وضبط نقله وروايته، أن وضعوا في القراءات علماً مستقلاً، ألفت فيه مئات المصنفات التي تتضمن قواعده الأساسية التي بني عليها تدقيق النص القرآني عن طريق اللغة، وصحة النقل الشفهي في الإسناد، وتوثيق الرسم في المصاحف. وهذه الأصول الثلاثة حررها المحقق ابن الجزري في قوله :

وكل ما وافق وجه النحو          وصار للرسم احتمالاً يحوي

وصـح إسناداً هو القرآن          فـــهــــذه الـــثــلاثــة الأركـــان

* الركن الأول : سلامة اللغة :

نظراً لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكان معجزاً لكفار العرب أهل الفصاحة والبلاغة، فقد تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، مصداقاً لقوله تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً }. (سورة الإسراء، الآية 88).

ومن أجل ذلك استبعد القُرَّاء كل ما يخالف قواعد العربية، فاعتبروا من الـقراءات الـشاذة قراءة { الـحمد للَّـه رب العالمين } (سورة الفـاتحة، الآية 1) بكـسر الدال، أو بضم لام الجـر. غير أنـهم قـبلوا كل ما له وجه نحوي إذا صح إسناده، مثل قراءة حمزة بن حبيب الزيات، { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } (سورة النساء، الآية 1) بخفض الأرحام، لجواز العطف على ضمير الجر.

ويدخل في هذا الركن قبول القراءات المتنوعة بحسب صيغ أداء القبائل العربية للحروف، استناداً إلى الحديث الصحيح القائل بأن القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرف. ومن روايات هذا الحديث ما رواه الإمام مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال : >سمعت عمر بن الخطاب يقول : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أقرأنيها، فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقلت : يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غـير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : هكذا أُنْزِلَتْ، ثم قال لي : اقرأ، فقرأت، فقال : هكذا أُنْزِلَتْ. إن هذا القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه<(32).

وحديث الأحرف السبعة متفق على صحته، مختلف في لفظه وتفسيره. وقد روى الشيخان من حديث ابن عباس أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : >أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف<(33). وله روايات وطرق أخرى متقاربة في المتن والمعنى(34).

واتفق العلماء على أن القصد هو التخفيف على الأمة، ولكنهم اختلفوا كثيراً في معنى الأحرف، فكان كل فريق من العلماء يفسر حديث الأحرف السبعة حسب تخصصه :

الأصوليون يقولون : المطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والنص والمؤول، والمجمل والمفسر، والخبر، والاستثناء وأقسامه.

والفقهاء يقولون : الحلال والحرام، والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي، والدعاء والخبر، والاستخبار، والزجر والوعد والوعيد.

ويقول أهل البيان : إنها : الحذف والصلة والتقديم والتأخير والاستعارة والتكرار والحقيقة والمجاز والمجمل والمقيد والظاهر والمضمر.

أما اللغويون، فيقولون : لغات القبائل، ويذكرون سبعة منها : وهي لغة قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن. ونسب هذا القول إلى ابن عباس. وأورد اللغويون الكلمات الخاصة بلغات هذه القبائل مثل "اللهو" ويعني المرأة عند أهل اليمن، "ييأس" أي يعلم، في لغة هوازن.

ولعلماء القراءات آراء متقاربة تتناول اختلاف أوجه الأداء في القراءات الثابتة، وقد بسطها أبو عبيد الله بن سلام وأبو حاتم السـجستاني وابـن قتيـبة وأبو الفـضل الرازي، وابن الجـزري الذي يقول : ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكر فيه وأمعن النظر من نيف وثلاثين سنة، حتى فتح الله عليَّ بما يمكن أن يكون صواباً، إن شاء الله، وذلك أنني تتبعت القراءات : صحيحها وشاذها، وضعيفها ومنكرها... فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها(35) :

الأول : اخـتلاف فـي الحركات بلا تغـير في المـعنى أو في الصورة، نحو : البُخل والبَخل، ويَحْسِبُ ويَحْسَبُ.

الثاني : اختلاف في الحركات يؤدي إلى تغير في المعنى دون الصـورة، مـثل : > فتلـقى آدَمُ من ربِّه كلمات < (سـورة البقرة، الآية 36) > فتلقى آدَمَ من ربه كلمات <.

الثالث : اختلاف في الحروف بتغير المعنى لا الصورة، نحو : تبلو وتتلو، ونُنَجِّيكَ ونُنْجِيكَ.

الرابع : اختلاف في الحروف بتغير الصورة لا المعنى، نحو : بسطة وبصطة، والصراط والسراط.

الخامس : تغـير المعـنى والصـورة، مـثل : > أشد منكم < و> أشم منهم < و>يأتل< و>يتأل<، و> فامضوا إلى ذكر الله < و> ... واسعوا <.

السادس : التقديم والتأخير، نحو : { فيَقتُلُون ويُقْتَلون  } (سورة الـتوبة، الآية 112) و>فَيُقْتَـلُون ويَقْتُـلُون<. { وجاءت سكرة الموت بالحق } (سورة ق، الآية 19) و>وجاءت سكرة الحق بالموت<.

السابع : الزيادة والنقصان، نحو : ووصى وأوصى، {  والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى } (سورة الليل، الآيات 1-3) بحذف >ما<.

وقد يكون من أسرار حديث الأحرف السبعة أنه نفسه روي على >سبعة أحرف< فاتسعت معانيه لتتحمل كثيراً من الأقوال والآراء التي لم تستنفد إلى الآن مضامينه ومراميه.

وهكذا بَيَّنَ الرسول  صلى الله عليه وسلم  جواز تعدد أوجه القراءة، فرفع بذلك عن الأمة حرجاً لا طاقة لها بتحمله. فهذا الحديث من معجزات حفظ القرآن، ومن مظاهر رحمة الله تعالى التي أنزلها على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين. فتنوع أحرف هذا الحديث، واختلاف العلماء في فهمه، يدل على سعة تحمله.

* الركن الثاني : موافقة المقروء ـ الثابت في ذاكرة حفظة القرآن ـ لنطق حروف المصحف العثماني :

لقد اختلف في عدد المصاحف التي نسخت نقلاً عن "المصحف العثماني" عند تمام كتابته في عهد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، والمشهور أنها كانت خمسة، وقيل كانت سبعة، أرسلت إلى : مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة، واسْتُبْقِيَ واحد في المدينة. وقد عرف منها المصحف المدني والكوفي والشامي والمكي والبصري، فصار كل مصحف منها هو ما يعرف بـ "المصحف الإمام" الذي يرجع إليه في تصحيح القراءة.

ولوحظ على هذه المصاحف بعض التباين في الكتابة، وهو تنوع محدود ليس فيه اختلاف تضاد أو تناقض، وإنما هو توسعة على أهل الأداء، لأن الرسم العثماني كان خالياً من الشكل والنقط، فاحتمل تعدد أوجه القراءة، وفقاً لحديث الأحرف السبعة المذكور آنفاً.

وكانت عناية العلماء بالحفاظ على صورة الرسم العثماني بالغة، فمنعوا إجراء أي تغيير عليه بزيادة أو حذف، أو تطبيق ما جدّ من قواعد الإملاء عليه، واحتفظوا بكتابة الكلمة، ولو كانت مغايرة للنطق. فظهر ذلك في كتابتهم : { والسماء بنيناها بأييد } (سورة الذاريات، الآية 47) بيائين. وكتبت >نشاء< مرة بالألف بعد الهمزة، ومرة >نشؤا<. ورسمت >أيها< تارة بالألف، وأخرى دون ألف.

واحتفظ كذلك بكل ما جاء موصولاً أو مقطوعاً، لمنع أي تبديل في الرسم العثماني، المصطلح عليه بالسواد.

وفي أول الأمر تحرج العلماء من زيادة النقط والشكل، إلا أنهم في أواخر القرن الأول اضطروا لهذه الزيادة دفعاً لضرر آخر وهو الخطأ في القراءة، وهذا ما حدا بـ "أبي الأسود الدؤلي" أن يضيف شكلاً في صورة نقاط لضبط حركات الكلمة في البناء والإعراب، فجعل النقطة بين يدي الحرف للضم، وفوقه للنصب، وإذا كانت تحته فهي على الكسر. وجاء بعده "نصر بن عاصم" الذي أتى بنقط الإعجام للفصل بين الحروف المتشابهة، مثل الباء والتاء والثاء، وبين الجيم والحاء والخاء، ونحو ذلك.

وقد اصطلح على هذه الزيادات بمصطلح "الإعجام"، واجتهد العلماء الأوائل أن يستعملوا للشكل والنقط حبراً يخالف لون الرسم الأسود للكلمات، ولكيلا يُظَنُّ أنه منها. ثم تطور هذا الضبط في القرن الثاني الهجري، فأدخلت على الحروف علامات الهَمْزِ والمَدِّ والإمالة على يد "الخليل بن أحمد الفراهيدي" (تـ 170هـ/789م) فبقي الرسم محفوظاً مُمَيَّزاً، دون حاجة لمخالفة لونه للون الشكل والنقط.

وقد أَلَّفَ القُرَّاء في خط المصحف عدة مصنفات، منها كتب : أبي عمرو الداني في الرسم والنقط، وأنظام الخراز المغربي، ورسم الطالب لعبد الله الشنقيطي.

لقد حافظ المسلمون على رسم المصحف وضبطه وتفننوا في كتابته وزخرفتها، فأبدعوا روائع من خطوط المصاحف، واشتهر منهم نساخ مرموقون، أمثال : ابن البواب وابن مقلة والرفاعي المغربي.

* الركن الثالث : صحة الإسناد :

وهو أهم أركان ثبوت القرآن لأن كل ما صح سنده فهو عربي، ومرسوم في المصحف.

لقد كان القراء من الصحابة، ومن جاء بعدهم، يعطون الأولوية لصحة الإسناد. ففي مرحلتي الجمع وتطور التوثيق السابق ذكرهما، لم يقبلوا إلا ما أثبته العدول وتعدد رواته، وبذلك تكون الرواية بالتواتر ثابتة ومستقرة لكل ما جمع من القرآن في المصاحف. وتشددهم في الرواية جعلهم يستبعدون بعض الجُمَلِ الواردة في مصاحف خاصة، انفرد بها قراء معروفون، من أمثال عبد الله بن مسعود وأُبَيِّ ابن كعب، لأنه تبين بعد التدقيق والمقارنة أنها زيادات إيضاحية وتفسيرية، أدخلها أصحابها قبل أن تنضج لديهم ملكة تنظيم الكتابة إلى الدرجة التي يفصلون فيها بين منطوق الوحي والشروح التي أضافوها.

ثم إن الأمة أجمعت على تواتر قراءة سبع من الأئمة المذكورين في كتاب ابن مجاهد، وهم : نافع بن عبد الرحمن المدني، وعبد الله بن كثير المكي، وعبد الله بن عامر الدمشقي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وعاصم بن بهدلة، وحمزة الزيات، والكسائي. ثم إن القراء اتفقوا على تواتر ثلاثة آخرين، وهم : أبو جعفر المدني، وخلف البزار، ويعقوب الحضرمي.

وهذه القراءات محفوظة بالتواتر عن النبي  صلى الله عليه وسلم  وانتشرت عند علماء الأمصار وجمهور القراء، ودونت في مجموعة من المصنفات، مثل : كتاب ابن مجاهد، وكتب القاسم الشاطبي، وقصيدة حرز الأماني التي نظمت مضمون كتاب التيسير لأبي عمرو الداني، ثم أكملها المحقق ابن الجزري بقصيدة سماها الدُّرَّة، وهي على منوال قصيدة الشاطبي، وصارت كلا القصيدتين مرجعاً رئيساً في تدريس القراءات.

ثم كان من صنيع القراء أن وضعوا أسساً دقيقة لنقد الروايات، وبَيَّنُوا درجاتها من صحة الإسناد، ولم يجيزوا ما شذَّ منها عن الأصول الثلاثة، بحيث يقول ابن الجزري :

وحيثما يختل ركن أثبت          شذوذه لم أنه في السبعة

التفسير ومناهج المفسرين

يتضمن الخطاب القرآني آيات محكمة واضحة الدلالة، وآيات مجملة لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، وآيات متشابهة استأثر الله وحده بعلمها. ولهذا فإن عامة المسلمين يحتاجون إلى بيان القرآن بما يؤثر من السُّنَّة والحديث النبوي المفسر للقرآن، وما نقل عن أعلام الصحابة والتابعين.

ولقد اهتم العلماء بعلوم التفسير وسلكوا مذاهب متنوعة بسبب اختصاصهم. فاللغويون تناولوا مسائل المعاني والإعراب، مثل ما فعل أبو عبيدة والفراء والسراج. وتناول بعضهم مسائل البلاغة ووجوه الإعجاز، مثل ما جاء في كشاف الزمخشري وتفسير البيضاوي. أما الفقهاء فقد اعتنوا بأدلة الأحكام وأصولها، نحو كتب ابن العربي المعافري المالكي، وأبي بكر الجصاص الحنفي.

ومن العلماء من حاول أن يكون تفسيره جامعاً شاملاً للمأثور من الحديث وأقوال الصحابة وعلماء اللغة وأئمة المذاهب الفقهية. ومن أشهر التفاسير الجامعة تفسير محمد بن جرير الطبري قديماً، ومحمد الطاهر بن عاشور حديثاً، وغيرهم. ومن أجودها تفسير عبد الحق بن عطية، وتفسير محمد بن أحمد القرطبي، وتفسير أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، وتفسير شهاب الدين الألوسي، وغيرهم. وتوجد كتب تعنى بشرح مناهج التفسير مثل التفسير والمفسرون للذهبي.

*  معجم التفاسير القرآنية :

تهتم المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالتعريف بأشهر مفسري القرآن الكريم، لذلك أصدرت الجزء الأول من "معجم التفاسير" ويتضمن تراجم لثمانين مفسراً ومعلومات أساسية عن أعمالهم ومناهجهم في التفسير، وتتصدر هذا المعجم مقدمة تعرف بنشأة التفسير وتطوره وازدهاره(36)، وسيصدر الجزء الثاني من هذا العمل قريباً، ويتضمن حوالي مائة تفسير.

نبذة عن فهم القرآن ومعانيه وأحكامه

يمكن تقسيم الخطاب القرآني إلى أربعة أقسام من حيث البيان(37) :

 المحكم : أي واضح الحكم والدلالة، مثل قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليـصمه } (سورة البقرة، الآية 184)، وهو الغالب الأعم من آيات القرآن.

 المـتـشابه : وهو ما اسـتأثر الله بعلمه، مثل قوله تعالى : { الم } (سورة البقرة، آل عمران، العنكبوت، الآية 1). و{ حم } (سورة الشورى، الزخرف، الدخان، الآىة 1) ونظائرها في فواتح السور.

 الظاهر : وهو ما يحتمل معنيين وهو راجح في أحدهما، مثل قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة } فالصلاة قد تعني الدعاء، ولكنها هنا تعني العبادة المعروفة. ومن قبيل الظاهر ما ورد في العموم والإطلاق.

 المجمل : وهو الذي يحتاج إلى تفسير، كألفاظ المشترك، ومن أمثلتها قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } (سورة البقرة، الآية 226) لأن القرء قد يعني الطهر وقد يعني المحيض.

توجيه الخطاب القرآني

يتوجه الخطاب في القرآن الكريم إلى محمد  صلى الله عليه وسلم  باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين، ثم إلى الذين آمنوا من الناس، ثم إلى أهل الكتاب، ثم إلى جميع الناس عامة.

يقول الله تعالى مخاطباً النبي : { يا أيها الرسول بَلِّغْ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بَلَّغْتَ رِسَالاتِهِ } (سورة المائدة، الآية 69). وخطاب التبليغ فرض على الرسول، ليكون { مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً } (سورة الأحزاب، الآيتان 46-45) فعليه بمقتضى هذا الخطاب دعوة الناس إلـى تـوحيد اللـه وطـاعته، والتصديق برسله، وهي أمانة قال الله فيها : { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } (سورة المزَّمِّل، الآية 4) وأمر الله في هذا الخطاب الرسول أن يبين للناس شريعة الحق، فأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم في الجاهلية بعد انحرافهم عن مِلَّة إبراهيم، فأبلغهم الدين الخاتم الذي ليس فيه حرج ولا مشقة، فقال تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج مِلَّة أبيكم إبراهيم هو سمَّاكم المسلمين من قبل } (سورة الحج، الآية 76) وقال سبحانه : { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد مِنَ الْغَيِّ } (سورة البقرة، الآية 255).

أما الخطاب الموجه إلى المسلمين فإنه يدعوهم أن يأخذوا بما أمرهم به الرسول، وأن يجتنبوا ما نهاهم عنه، فقال تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } (سورة الحشر، الآية 7).

كما أمر الله بمراعاة وحدة الأمة والحفاظ على كيانها وعزتها وأخوة الإسـلام، فـقال تـعالى : { إن هـذه أمَّتكم أمَّةً واحدةً وأنا ربُّكم فاعبـدون } (سورة الأنـبياء، الآية 91). و{ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلَّكم ترحمون } (سورة الحجرات، الآية 10). { واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولا تَفرَّقوا } (سورة آل عمران، الآية 103). و { ولا تكونوا كالَّذين تَفَرَّقُوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البَيِّنات وأولئك لهم عذاب عظيم } (سورة آل عمران، الآية 105). و { ولا تـنازعوا فتـفشلوا وتـذهب ريحـكم واصبروا إن اللَّه مع الصابرين } (سورة الأنفال، الآية 47).

وألزم الله المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : { كنتم خـير أمَّةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } (سورة آل عمران، الآية 110). كما بيَّن أن على المؤمنين أن يكونوا أمة وسطاً تحمل الرسالة الخاتمة التي جاءت بالخير إلى الناس كافة { وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } (سورة البقرة، الآية 142).

ثم نجد في القرآن الكريم خطاباً موجهاً إلى أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهؤلاء لهم في الإسلام وضع خاص يميزهم عن سائر غير المسلمين. فقد خاطبهم القرآن، يدعوهم إلى تصحيح كلمة التوحيد، ويبين لهم أن المؤمن هو من آمن بجميع الرسل، لا يفرق بين أحد منهم، ويصحح ما وقع في عقائدهم من تبديل وتحريف، يقول تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بَيْنَنَا وبينكم ألا نعبد إلا اللَّه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله } (سورة آل عمران، الآية 63). فإذا كانت شرائع الأنبـياء مخـتلفة في الأحكام العملية، فإن الــدين مـن حــيث العـقـيدة واحــد، وقـد نـــهى الـــله عــن التـفـرقة فيه، فقال تعالى : { شرع لكم من الدين ما وَصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تَتَفَرَّقُوا فيه } (سورة الشورى، الآية 11). هذا، ويجب على الناس اتباع آخر شريعة نزلت من السماء.

لقد تردد خبر موسى كليم الله في القرآن حتى قيل إن القرآن موسوي، يقول الله تعالى : { واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيا. وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } (سورة مريم، الآيتان 51-52). ويؤكد القرآن أن عيسى كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح مـنه، فـهو عـبد اللـه ورسوله، جعله ربُّهُ هو وأمه آية للعالمين : { يا أهل الكتاب لا تَغْلُوا في دينكم ولا تقولوا على اللَّه إلا الحقَّ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وَرُوحٌ منه فآمنوا باللَّه ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما اللَّه إله واحد سبحانه أن يكون له وَلَدٌ له ما في السماوات وما في الأرض وكفى باللَّه وكيلاً } (سورة النساء، الآية 170).

أما الخطاب القرآني الموجه إلى عموم الناس، مؤمنهم وكافرهم، فإنه يدعوهم أن يوحدوا خالقهم وأن يعبدوه وحده لا شريك له، ليس له والد ولا صاحبة ولا ولد : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنَّا كنَّا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وَكُنَّا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } (سورة الأعراف، الآيتان 172-173). وأمرهم أن يرجوا رحمته، وأن يتقوا عذابه، ولم يكلفهم إلا ما هو في طاقتهم، فقال تعالى : { لا يكلف اللَّه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } (سورة البقرة، الآية 285) { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } (سورة الإسراء، الآية 15).

ثم أمرهم أن يراعوا الحقوق وأن يتـواصلوا فيما بينهم على الخير، وأن يجتنبوا الظلم والـفواحش، فيـقول الحق سبحانه وتعالى : { إن اللَّه يأمر بالعدل والإحسـان وإيتـاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلَّكم تَذَكَّرُونَ } (سورة النحل، الآية 90). { يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن اللَّه عليم خبير } (سورة الحجرات، الآية 13).

هـذا هـو مجـمل الخـطاب المـوجه إلى النـاس عمـوماً، إلـى المـشركين ليـؤمنـوا وإلى المؤمنين ِليُحْسِنُوا، ففيه مراعاة حقوق الله بالتوحيد والعبادة والطاعة، وحقوق الرسل بالتصديق والاتباع، وحقوق الناس بالتعارف والتراحم والتعاون.

ترجمة معاني القرآن الكريم

إن القرآن مُنَزَّلٌ بلسان عربي، وهو موجه إلى الناس كافة. ولما دخلت في الإسلام أمم من غير العرب، جدُّوا في حفظ القرآن للتعبد، ومعرفة مـعانيه لـلتدبر والامتـثال. فمنـهم من درس اللـغة العـربية وبـرع فـيها، والملاحظ أن كثيراً من علماء العربية كانوا من أصل غير عربي، مثل سيبويه وأبي علي الفارسي والزمخشري، ومنهم من استعان بترجمة معاني القرآن التي بدأت في عهد مبكر، فيذكر أن سلمان الفارسي ترجم سورة الفاتحة إلى الفارسية، وأن أبا حنيفة أجاز قراءة ترجمة معانيها في الصلاة  لمن لا يعرف العربية. وقيل إن معاني القرآن الكريم ترجمت إلى السريانية في عهد الحجاج بن يوسف.

والواقع أنه مع انتشار الإسلام كثرت الترجمات، حتى جاوزت الآلاف، فترجمت معاني القرآن إلى أكثر من ستين لغة، من أبرزها : الفارسية والتركية اللتين تداخلتا مع العربية في نمط الخط وفي كثير من الألفاظ، بسبب التمازج بين علماء العرب والفرس والترك، الذين جمعتهم وحدة العقيدة والثقافة. كما أن هناك ترجمة إلى اللغة الأردية، وهي لغة كثير من علماء الإسلام، كما ترجمت معاني القرآن الكريم إلى الصينية واليابانية.

وترجمت في إفريقيا إلى عدة لغات مثل السواحيلية والبولارية.

وفي أوروبا ترجمت معاني القرآن إلى اللاتينية في أواسط القرن الثاني عشر الميلادي، وتوالت الترجمات إلى اللغات الحية، مثل : الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والألمانية، وبدأت طباعاتها في القرن السادس عشر. إلا أن تلك التراجم الأوروبية كانت في أغلبها مشوهة، إما عن جهل أو عن سوء نية، إلى أن ظهرت في العصر الحديث تراجم تعاون عليها علماء عرب مسلمون ولغويون مختصون، فصححت كثيراً من الأخطاء التي امتلأت بها الترجمات الأولى.

نشر المصاحف والتفاسير والترجمات بالطباعة والتقنيات المعاصرة

لقد اخْتُرِعَتْ الطباعة في أوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي، وصدرت أول طبعة للمصحف الشريف خارج العالم الإسلامي بمدينة البندقية (فنيسيا) في إيطاليا، في أوائل القرن السادس عشر.

ويرجع تأخر طباعة القرآن الكريم عن بداية اختراع المطابع إلى سببين اثنين : أحدهما أن العالم الإسلامي لم يعرف نهضة الطباعة إلا في عهد متأخر عن تاريخ اختراع المطابع. والسبب الثاني هو تردد علماء الإسلام في بادئ الأمر حول إجازة طباعته، خشية الإخلال بقواعد الرسم والضبط التي يجب الحفاظ عليها، كما كانوا يخشون أيضاً احتمال إجراء عملية الطباعة في ظروف يصعب فيها احترام قداسة المصحف الذي لا ينبغي أن يَمَسَّهُ إلا المُطَهَّرُونَ. وكان لموقفهم ما يبرره، فقد كانت طبعة البندقية التي أصدرها "ألساندرو باكنيوا" مليئة بالأخطاء الفادحة حتى في سورة الفاتحة، ثم تلتها طبعة هامبورج في ألمانيا، وكانت مشوهة كذلك، لأنها نسبت القرآن الكريم إلى محمد، دون ذكر نبوَّته ورسالته.

ولكن مع التقدم العلمي، ومشاركة الأمَّة الإسلامية في تسخير الطباعة لنشر العلم، استطاع المسلمون أن يجدوا الحلول المناسبة لطباعة القرآن الكريم، مع مراعاة قواعد رسمه ونقطه، وقواعد حرمته.

وتوالت الطبعات، فبلغت طباعة المصاحف أعلى مستوى في الجودة والإتقان. وقد طبعت مصاحف من قراءة نافع في رواية ورش وقالون، ومن قراءة عاصم في رواية حفص، ورواية الدوري عن ابن عمرو بن العلاء... إلخ.

ومن أهم المؤسسات الإسلامية المعاصرة المتخصصة في طباعة المصاحف وترجمات معاني القرآن "مجمع الملك فهد" بالمدينة المنورة، الذي ينشر ملايين النسخ من المصاحف، تصدر بعد مراجعة مشاهير علماء القراءات والتجويد. وكذلك وزارات الأوقاف بالدول الإسلامية، والأزهر بمصر، وغير ذلك من المؤسسات العامة والخاصة القائمة على نشر المطبوعات القرآنية بعد تدقيق مراجعتها.

واليوم نجد القرآن ـ وتفاسيره وترجمات معانيه ـ مدخلاً في أسطوانات الحاسوب، ويمكن الاطلاع عليه عبر شبكة الأنترنيت، مع الأخذ في الحسبان أن بعض المواقع، البعيدة عن إشراف المسلمين وأصحاب التخصص، تحتوي عروضها على أخطاء طباعية.

Untitled Document