Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

د. عبد العزيز بنعبد الله
د. أحمد شحلان  
د. عبد العزيز شهبر
د. محمد المختار ولد اباه
د. هبة نايل بركات

 


سيرة مختصرة عن أشهر الرسل  

إن الوحي هو المصدر الأوحد للعقيدة والشرائع السماوية، والموحي هو اللّه، يدعو الخلق إلى الإيمان بألوهيته ووحدانيته وصفاته وملائكته ورسله، والتصديق بما حملته الكتب السماوية من شرع أصيل، ومنها الزبور والتوراة والإنجيل، والقرآن خاتمها.

ولقد انبرى أعداء الدين في كل زمان إلى التشكيك في الوحي، فهب العلماء والمفكرون لتفنيد مزاعمهم بالمنطق والحقائق العلمية. وكان الهدف من ترويج هذه المفاهيم الباطلة هو نقض مفهوم الوحي، ولكن الإرادة الإلهية الأزلية تجلت من خلال هذا الوحي، في حكمة عليا تَسَلْسَلَ الداعون إليها وهم الرسل الكرام وفي خاتمتهم سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، الذي توالى الخبر برسالته عبر الرسالات السماوية السابقة ومآثرها المادية الباقية.

إن الهدف من تسلسل الرسالات هو التذكير بالحكمة الإلهية من خلق الكون وكُنْهِ مشيئة اللّه وعِلْمِهِ، ومراعاة تبدل الظروف بتغير الملابسات والأحوال البشرية عبر العصور، والدعوة بالترغيب والترهيب إلى حساب الآخرة. وتلك حِكَمٌ أساسها مفهوم الحركية الدائبة في حياة الإنسانية { ما نَنْسَخ من آية أو نُنْسِها نَأْتِ بخير منها أو مثلها } (سورة البقرة، الآية 105). فهذا النسخ المتلاحق لا يشمل الأسـس العـقدية الـراسـخة، وإنـمـا يســتهدف بــعض المــفاهيم والأحـكام العملية { شرع لكم من الدين ما وَصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصَّيْنَا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } (سورة الشورى، الآية 11). فشريعة الله واحدة لا تتغير، وإنما الاختلاف بين الرسالات لا يكون إلا في بعض الأحكام العملية تبعاً لما يستجد من أحداث. وقد ظهر معظم الرسل في ظروف تَحَكَّمَتْ خلالها في سلوك البشر عادات وأعراف منحرفة عن المسار الذي شرعه الله سبحانه وتعالى للناس.

وجاءت الرسالة المحمدية، التي أشارت إليها من قبل كتب سماوية سابقة، وهي خاتمة الرسالات، كما بَيّن القرآن { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللَّه وخاتم النبيين } (سورة الأحزاب، الآية 40) وفي الحديث الشريف >مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجـعل الـناس يـطوفون به يعـجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ! وقال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين<(1) وسنأتي ضمن هذا البحث بما يعزز ذلك من آيات في بعض الكتب المنزلة.

وهذه الختمية في الرسالة المحمدية تتسم بطابعين اثنين، وهما :

أولاً : أنها موجهة للناس كافة { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً } (سورة سبأ، الآية 28) وقوله، عليه الصلاة والسلام، في الحديث المتفق عليه : >..وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة<(2).

ثانياً : أنها جاءت بشريعة ميسرة تعتمد على أركان رئيسة هي : الإيمان بالله ووحدانيته وبجميع أنبيائه ورسله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

الرسالات تتواكب مع تاريخ البشر

وقد نتساءل لماذا تعددت الرسالات في مناطق مختلفة، وربما في نفس العصر ونفس المنطقة، ولماذا يتعاقب نزول الوحي، فهل سبب ذلك وفاة الرسل أم ضياع الرسالات وانحراف المفاهيم، فيكون التصحيح برسالات جديدة لازماً ؟

هنا يجب أن نتحرى الحكمة من تعاقب الرسالات وما اختصت به كل رسالة، ومناحي بعث الرسل تتراً لتصل الدعوة إلى جميع البشر.

الإيمان فطرة في النفس البشرية

كان الناس في بداية التاريخ البشري على الفطرة التي فطرهم اللّه عليها، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز : { كان الناس أمة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } (سورة البقرة، الآية 211). ومعنى ذلك أن الناس كانوا، في عهودهم الأولى منذ آدم، على الهدى ودين الحق، ولكنهم اختلفوا عبر الأجيال وتنازعوا فبعث اللّه النبيين.

وهذه الهداية الربانية شاملة لكل البشر لمحبة الحق إياهم جميعاً، فهم مؤهلون بالفطرة لتقبل الخير. عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : >كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه<(3)، وذكر ابن عبد البر أن ذلك عام في جميع المولودين. فالتقدير أن كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه مثلاً، فيميل عند بلوغه إلى مايحكم به عليه. ولقد أكد الله أن دين الإسلام هو الفطرة : { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } (سورة الروم، الآية 29) فالإسلام هو ملَّة التوحيد التي بعث الله جميع الأنبياء للدعوة إليها، والكفر هو تغطية وتعتيم على الفطرة التي فطر الله الناس عليها في التصديق بوجود الخالق والعالم الآخر.

تعاقب الأنبياء والرسل

نبدأ بأسماء الأنبياء والمرسلين وفقا لما جاء في القرآن الكريم، حيث قال تعالى :

{ قولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيـسى وما أوتـي النبـيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } (سورة البقرة، الآية 135). { إن اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } (سورة آل عمران، الآية 33). { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكَلَّمَ اللَّه موسى تكليماً. رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل وكان اللَّه عزيزاً حكيماً } (سورة النساء، الآيات 164-162). { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكُلا فضَّلنا على العالمين } (سورة الأنعام، الآيتان 87-86). { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كُلّ من الصابرين } (سورة الأنبياء، الآية 84).

آدم أبو البشر

إن أول هؤلاء الأنبياء هو آدم أبو البشر. وقد أنزله اللّه من الجنة ليعيش في جـزء مـن المـعمورة، فما هي تلـك الجنة، هل كانت جنة المأوى أم إحدى جنات الدنيا ؟

يرى الإمام أبو حنيفة، تبعاً لما رواه ابن عباس، وقد أدرجه القاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره : أن آدم كُلِّفَ مع حواء بعدم الأكل من الشجرة، والحياة في جنة المأوى لا تكليف فيها، وكيف يصل إليهما إبليس فيوسوس لهما إذا كانا في جنة المأوى وهي محرمة عليه ؟ وكيف يوسوس لهما أن سبب منعهما هو الحرمان من أن يكونا من الخالدين، ومعلوم أن الحياة في جنة المأوى خالدة ! وذلك المفهوم ورد أيضاً في العهد القديم(4).

عـن أبي أمامة أن رجـلا قال : يا نبي اللّه أوَنَبِيٌّ كان آدم ؟ قال : نعم نبيٌّ مُتَكَلِّمٌّ. قال، قلت : يا رسول اللّه كم وَفَّى عدة الأنبياء ؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جما غفيراً(5).

وورد في سفر التكوين أن آدم عاش عند منابع دجلة والفرات حيث أسكنه اللّه شرقي جنة عدن، فاضطر للكفاح من أجل الحياة ففلح الأرض وتزوج وَوُلِدَ له، وانطلق منذ ذاك الحين تعمير الأرض(6).

وقد واجه آدم أول محنة عندما قتل أحد ابنيه وهو قابيل أخاه هابيل. وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده قوله، عليه الصلاة والسلام : >لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه أول من سَنَّ القتل<(7).

إدريس

هو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل، أُعْطِيَ النبوة بعد آدم وشيث، وقيل إنه قد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة وثماني (308) سنوات.

ولد ببابل على الأصح، ولما أوتي النبوة انطلق بالدعوة إلى دين اللّه، فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفة شريعة اللّه التي حملها من قبله آدم وشيث، فخالفه جمع غفير. وهنا بدأت الدعوة تنتقل من جهة إلى أخـرى مـن أنـحاء المـعمور، فـرحل إدريس إلى مصر يدعو إلى مـكـارم الأخــلاق طـــوال اثنــتـين وثـــمانين ســـنة، ثــم رفـــعه الـلّـه إلــيـه : { ورفعناه مكاناً علـيّـا } (سورة مريم، الآية 57). وبدأ العلم والحكمة يتبلوران في عهده، فكان أول من كتب بالقلم وبحث في علم الهيئة والتنجيم. وقيل إنه لَقَّنَ الناس علم السياسة المدنية بعد ما أنشأ مائة وثماني وثمانين (188) مدينة. ولعل هذا من الإسرائيليات مما كان يقصّه أهل الكتاب من حكايات توارثوها عبر الأجيال، وظلت على ألسنتهم بعد أن أسلموا، ثم دونت في كتب قصص الأنبياء(8).

وقيل إن إدريس هذا هو المسمى إلياس، الذي عرف باسم أخنوخ في سفر التكوين (5-24) وسماه الحكماء "هرميس الهرامسة" وزعموا أنه ولد في منف بمصر ومنها خرج ليجوب في المعمورة. وله آداب ورموز حِِكمية، دعا فيها إلى الاهتمام بعلم الفلك (خاصة رؤية الهـلال وحركة البروج). ومن آدابه وحِكَمه ما تناقلته الأجـيال من مخـتلف النـحل، مثل : >خير الدنيا حسرة وشرها الندم< و>حياة النفس الحكمة وتحريم الخمر<، وغير ذلك. وقد نُسِبَ إليه زوراً بناء الأهرامات، وزعم المفترون أنه صور فيها جميع الصناعات والآلات حرصاً على تخليدها. وكل هذا مخالف لما ورد في التاريخ(9).

وينقل ابن جرير رواية أخرى، وهي أن إلياس هو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزران بن هارون. فيكون على ذلك من أنبياء بني إسرائيل الذين دعوا إلى نبذ عبادة الأصنام، وخلفه اليسع رسول اللّه، وكانت رسالته لأهل بعلبك غربي دمشق الذين كانوا يعبدون صنماً يسمى بعلاً(10).

نوح

هو ابن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، ويسمى أبو البشر الثاني. كانت الأوامر أو القوانين السبعة التي أوحيت إلى نوح، عليه السلام، بعد الطوفان تدعو إلى : اجتناب الشرك باللّه، وقتل النفس بغير حق، والقذف، والنكاح الحرام، والسرقة، وأكل اللحم بروحه ودمه(11)، والدعوة إلى إقرار نظام شرعي للإنسانية. فهذه الأوامر قد سبقت الأوامر العشرة التي أوحاها اللّه تعالى إلى موسى، عليه السلام، حسب العهد القديم، عندما كَلَّمَهُ في طور سيناء.

 وقد أكد مفكران معاصران يهوديان هما : "Moses Mendelssohn" و"Herman Cohen"، أن أوامر نوح هي الأساس الخُلُقِي للعقلانية الإنسانية، ومنها انطلق Le Décalogue قاعدة التشريع السماوي في الكتب المنزلة، كما في سفر الحُكْمِ، وهو قسم من العهد القديم منسوب إلى سليمان، وكذلك في سفر حُكْمِ أيوب.

ويتساءل العلماء عمّا إذا كان طوفان نوح قد عَمَّ الكرة الأرضية، بالرغم من أن رسالته لم تتجاوز منطقة محدودة ؟

بيد أن النوع الإنساني لم يكن منتشراً آنذاك في مجموع الكرة الأرضية، بل كان الناس منحصرين في الناحية التي وصلها الطوفان، حيث استوت سفينة نوح على "الجودي" ويحتمل أن يكون هو ذلك الجبل الذي يقع في نواحي "ديار بكر" من الجزيرة (تركيا حالياً) باتصال مع جبال أرمينية. ولم يتعرض القرآن لبيان الموقع الجغرافي لذلك الحدث.

قال الله تعالى في القرآن : { ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سـنة إلا خمـسين عاماً  فأخذهم الطـوفان وهم ظالمون } (سورة العنكبوت، الآية 13).

هود

هو ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. أرسل إلى عمالقة عاد في أرض الأحقاف جهة اليمن عند حضرموت، وهو الربع الخالي أو الخليج الحالي وفي شرقه عُمان.

ولم يرد ذكر هود في غير القرآن (سورة هود)، ويقال إنه أول من نطق بالعربية، إذ كان العرب أول من سكن غربي الفرات.

صالح

هو ابن عبيد بن ماسح بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح. لم يُعرف عصره بالضبط، ولا تدل الآثار الموجودة عليه، لأن أكثرها نقوش نبطية على القبور تحمل معنى التبرك، يرجع تاريخها إلى ميلاد المسيح، عليه السلام. ويرجح أنه وقومه كانوا من العرب العاربة من بقايا عاد الذين بنوا مساكنهم بالحجر، بين الحجاز والشام. وتعرف عاد اليوم بـ "فج الناقة" وهي مدائن صالح، متاخمة لخليج العقبة، وسُمِّيَ المكان بذلك الاسم لأن صالحاً جاء بمعجزة على صدق رسالته، حيث خرجت الناقة من صخر أصم، فعاشت ما عاشت، ثم عقروها فأرسل اللّه عليهم الصَّيْحَةَ (الصاعقة) التي دمرتهم.

إبراهيم

هو ابن تارخ (ولقبه آزر) بن ناحور بن ساروغ، حتى يصل إلى سام بن نوح، وهو خليل الله ويسمى أبو الأنبياء وأولو العزم من الرسل، موسى وهارون ومحمد، وعيسى عليهم الصلاة والسلام. هو من أهل "فدان أرام" بالعراق، حسب التوراة، وقد انتقل إلى "أور" الكلدانيين، وهي مدينة على الشاطئ الغربي للفرات، ثم قصد حاران ثم فلسطين ثم مصر. وكانت زيارته لمصر في عهد "امنمحات الثاني" (حوالي 2200 قبل الميلاد).

نزل إبراهيم بأرض مكة مع ولده إسماعيل من هاجر التي أهداها له ملك الكنانة (مصر) ثم ترك إسماعيل مع أمه وحدهما في الوادي ورحل، طاعةً لأمر الله تعالى. ولما أصابهما الظمأ، ظهر ماء زمزم تحت رجل إسماعيل معجزةً واستجابةً لدعاء أمه التي كانت تسعى وراء السراب بحثاً عن الماء. وكان ظهور الماء سبباً لاستيطان قبيلة جُرْهُم بمكة، فنشأ إسماعيل فيهم وأخذ لسانُه عربيةَ الجرهميين، وترك سريانية أبيه.

قـام إبــراهيم مـع ابـنه إسـماعيل ببناء الكعبة على القواعد القديمة لذلك البيت العتيق المتهدم، ثم أمره الله بأن يؤذن في الناس بالحج : { وأَذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } (سورة الحج، الآية 25)، فأصبحت زيارة الكعبة منذ ذاك الحين من المناسك. عاش إبراهيم من العمر حوالي 175 سنة.

إسماعيل

أُرْسِلَ إلى القبائل العربية التي نشأ فيها كما سبق ذكره. وعاش 137 سنة، ومات بمكة ودفن عند قبر أمه هاجر في الحجر، على المشهور الصحيح. وتذكر التوراة أنه مات بأرض فلسطين.

إسحاق

أرسل إلى الكنعانيين من بلاد الشام وفلسطين، وقد ولد وعمر والده إبراهيم مائة سنة. عاش إسحاق من العمر 180 سنة، ودفن في حبرون (الخليل) حيث دفن أبوه. وقد اختلف في الذبيح وقد ورد عن ابن عباس مرفوعاً أن الذبيح هو إسحاق، كما ورد في أثر آخر أنه إسماعيل(12).

لوط

هو ابن هارون بن تارخ، فهو ابن أخي إبراهيم. أرسله اللّه إلى أهل "سدوم" شرقي الأردن، وقد انتشر فيهم الشذوذ الجنسي { ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين.إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون } (سورة الأعراف، الآيتان 80-79)، ولما أبوا التوبة والانصياع لما جاء به رسول الله لوط، أهلكهم الله، وكانت زوجته مع الهالكين لأنها كانت تُقِرُّ قومها على فسادهم، وقد نجت معه ابنتاه.

وكانت قرية لوط بمكان البحر الميت الذي يعرف أيضاً ببحيرة لوط، ولما جعل اللّه أعلى الأرض سافلها، صارت الأرض أخفض من سطح البحر فامتلأ المكان بالماء. وقد اكتشفت آثار من مدن قوم لوط على حافة البحر الميت.

ولم تهلك امرأتا نوح ولوط عن ارتكاب فاحشة الزنا أو ما شابه ذلك، وإنما عن كفر برسالة زوجيهما. وكما قال ابن عباس : >ما بغت امرأة نبي قط< لأن بغاء المرأة يحط من كرامة زوجها، وجميع رسل الله وجهاء كرام(13).

يعقوب

هو ابن إسحاق بن إبراهيم، ويسمى "إسرائيل" أي عبد الله. ولد في فلسطين ثم رحل إلى "فدان آرام" في بابل بالعراق عند خاله "لابان" فرأى رؤيا في مكان سمي "بيت إيل" أي بيت اللّه وهو موضع "بيت المقدس" الذي بناه يعقوب بعد ذلك. ثم تابع سفره إلى العراق حيث تزوج بابنتي خاله معا، ولم يكن الجمع بين الأختين محرماً وقتئذ، ثم نسخ ذلك الحكم من بعد ذلك في شريعة التوراة. وولدت له إحداهما، وهي "راحيل" الكبرى، يوسف وبنيامين. وقد دفن يعقوب مع أبيه في مدينة الخليل.

يوسف

هو كما قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : >الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم<(14). وقد عَمَّرَ الإيمان قلبه وتعطرت سيرته، فتجنب المعصية مع امرأة عزيز مصر الذي رَبَّاه وأكرمه. وعند اجتماعه بأبيه بعد الفراق كان عمر يعقوب 130 سنة، ثم توفي بعدها بـ 17 عاماً. أما يوسف فقد عاش من العمر 110 سنوات. مات ودفن بمصر، ثم نقلت رفاته إلى الشام أيام موسى، ودفن بنابلس على الأرجح. وكانت وفاته بعد ميلاد جده الأكبر إبراهيم بـ 361 سنة، وقبل مولد موسى بـ 64 سنة.

شعيب

هو شعيب بن مدين، قيل إنه من سلالة العيص بن إسحاق، والراجح أنه ابن ميكيل بن يشجن بن مدين بن مديان بن إبراهيم، عليهم السلام. ويُسميه المفسرون خطيب الأنبياء لفصاحته.

لقد كانت بعثة شعيب قبل رسالة موسى، وقد التبس الأمر على بعض المؤرخين فظنوا أن شعيباً  كان بعد موسى بعدة قرون، ويبدو أنهم خلطوا بينه وبين النبي "إشعيا".

ومساكن أهل مدين كانت في الحجاز من جهة الشام قرب خليج العقبة شمالاً، جنوبي فلسطين. وكان أهل مدين أهل تجارة وزراعة فطففوا في المكاييل والموازين، ولعل ذلك كان بعد انتقال بني إسرائيل إلى مصر، فكان هذا الغش في التجارة سبب بعثة هذا الرسول، عليه السلام، فقد كانوا يكيلون بمكيالين مختلفين، أحدهما للشراء والآخر للبيع. فلما لم يستجيبوا للرسول وأصروا على الاستمرار في الغش، أخذهم عذاب يوم الظُّلَّة بالزلزال والصيحة.

أيوب

هو ابن موص بن زراح بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام، وكان من الروم. كان صاحب ثروة وبنين ابتلاه الله بالغنى، فكان تقياً شاكراً، ثم ابتلي بلاء شـديداً فـي أهـله وبدنه ومـاله، فصبر. ثم أنقذه اللّه من الضر، كما قال تبارك وتعالى : { وأيوب إذ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنت أرحم الراحمين } (سورة الأنبياء، الآية 83).

ولا يصح ما تنقله الإسرائيليات من أن أيوب حين اشتد به المرض وتعفن جسده، ألقاه الناس في مزبلة خارج بلده (حسب التوراة) لأن في ذلك تحقير يأباه الإسلام. وقد استقطع مرضه 18 سنة من عمره الذي بلغ 93 سنة. ولد له 26 ذكراً منهم "بشر" الذي يقال إنه هو "ذو الكفل" المذكور في القرآن ضمن الرسل.

وقد أرسل أيوب إلى أمة الروم، وكان مقامه بدمشق وأطرافها. وبه اتصلت الرسالة الإلهية بالرومان انطلاقاً من دمشق، ثم إلى بلاد فارس، ثم إلى أرض العجم التي عرفت بعد ذلك ببيزنطة (آسيا الوسطى). وفي ذلك دليل على أن الرسالات الإلهية غمرت آنذاك المناطق الآهلة من المعمورة.

موسى وهارون

هما من أولي العزم، ابنا عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى هو كليم الله { وكلَّم اللَّهُ موسى تكليماً } (سورة النساء، الآية 164). وقصة موسى وهارون معروفة (سنرجع إليها في العلاقة بين التوراة والإنجيل). ولد هارون قبل موسى بثلاث سنين، وكان فصيح اللسان قوي الجنان، عاش من العمر 122 سنة، وتوفي قبل أخيه موسى بأحد عشر شهراً في أرض التيه، قبل دخول بني إسرائيل أرض فلسطين.

قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : >لا تفضلوا بين أنبياء اللّه فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء اللّه، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بُعِثَ، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أم بعث قبلي ! ولا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن متَّى<(15).

ذو الكفل

أما ذو الكفل فقد رجح ابن كثير نبوته، وإن كان بعض العلماء يرون أنه رجل صالح من بني إسرائيل، حيث اقتصر وصف القرآن له على أنه من الصالحين الأخيار. ولكن ابن كثير يرى أن هذا الوصف هو أيضاً للرسل، كما في قوله تعالى : { وإسماعيل وإدريس وذا الكـفل كـل مـن الصـابرين. وأدخـلناهم فـي رحـمتنا إنهم من الصالحين } (سورة الأنبياء، الآيتان 85-84) { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار }  (سورة ص، الآية 47). ولا ندري الظروف التي دعت إلى بعثته.

داود

هو ابن إبشا بن عويد بن عابر بن سلمون، حتى يصل إلى يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

بعد وفاة موسى وهارون، تولى يوشع بن نون أمر بني إسرائيل، حيث دخل بهم بلاد فلسطين التي وعدوا بها على لسان موسى في التوراة. ولما توفي يوشع، تولى أمرهم قضاة منهم طوال 356 سنة. وقد دب الوهن والضعف في بني إسرائيل بعد أن ضيعوا الشريعة، فغزاهم العمالقة والآراميون والفلسطينيون، وجرؤوا على قتل الأنبياء.

وكان بنو إسرائيل يحملون آنذاك "تابوت الميثاق" أو "تابوت العهد" وفيه ألواح موسى وعصاه، للنصرة ببركته، فانتزعه منهم أهل غزة وعسقلان، فمات ملكهم كمداً، وبقوا كالغنم بدون راع حتى بعث اللّه إليهم نبياً هو "شمويل" (صمويل).

وقد تملك عليهم بعد ذلك "طالوت" بوحي من اللّه، وجاء إليه التابوت الذي انتزع منهم، ثم تمردوا عليه، فامتحنهم اللّه بشدة الظمأ فلم يبق مع طالوت سوى 319 جنديّاً من 80.000، فاكتفى بهم في قتال خصومه الوثنيين الفلسطينيين، وكان قائد جيشهم هو "جالوت" الذي طلب المبارزة، فتقدم إليه فتى صغير من جند طالوت اسمه "داود" وبارزه فقتله، فانتصر بنو إسرائيل وبايعوا داود بعد وفاة طالوت، فأصبح ملكاً عليهم، وكان ابن ثلاثين عاماً، فساس بني إسرائيل بالعدل والمساواة وتحكيم التوراة إلى أن أوحى اللّه إليه "الزبور" بعد أن بلغ الأربعين.

وكان حسن الصوت، إذا قرأ الزبور تكف الطير عن الطيران، كما كان يأكل من عمل يديه، يصنع الدروع والسيوف ليكسب عيشه، دون أن يأخذ من المال العام. روى ابن عباس كما في الصحيحين عن الرسول  صلى الله عليه وسلم  : >أحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود، وأحب الصيام إلى اللّه صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً<(16).

ومن الافتراءات على ذلك النبي الكريم ما زعم من أمر عشقه لزوجة قائد جنده >أوريا<. فقد قيل إن داود أرسله مراراً إلى الحرب وأمره أن يتقدم إلى أن قتل، وذلك بغية أن يتزوج امرأته. وهذا افتراء وهزء لا يقبل في حق الأنبياء والرسل، قدوة البشرية الذين عصمهم الله من الزلل في الخطايا ومن الغدر والخيانة. وهل يعقل أن نبي الله داود، عليه السلام، يخدع قائد جنده الذي يعينه على الجهاد.

عاش داود، حسب مصادر أهل الكتاب، 77 سنة. وفَنَّدَ ذلك ابن جرير الطبري مؤكداً أنه عاش مائة سنة، لما رواه أحمد من حديث آدم الذي ورد فيه أن اللّه زاد داود أربعين سنة على عمره، فأصبح مائة سنة(17).

سليمان

خلف سليمان أباه داود وكان عمره 12 أو 13 سنة، ومع حداثة سنه كان ذكياً حسن القضاء والتدبير والسياسة، وكان بعيد النظر حكيماً. وهو الذي عَمَّرَ بيت المقدس، تنفيذاً لوصية أبيه داود، بعد أربع سنوات من توليه الملك، وأقام سور "أورشـليم". ولـما بنـى بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً، كما جاء في حديث رسول اللّه  صلى الله عليه وسلم  : >أعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون له الثالثة. فسأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه الله إياه. وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه الله إياه. وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه. فنحن نرجو أن يكون الله عز وجل قد أعطاه إياه<(18).

ولما انتهى من بناء بيت المقدس بنى الهيكل، أي القصر الملكي، خلال ثلاث عشرة سنة، ومعه "مذبح القربان". وكان له أسطول بحري يجلب به من الهند الذهب والفضة والبضائع، وكان يروض الخيل.

عاش سليمان 52 سنة ولبث في الملك 40 سنة، وكان ملكاً نبياًّ عَلَّمَهُ اللّهُ منطق الطير وسائر لغات الحيوان، وسخر له الجن ومردة الشياطين. ولم ينل أحد من الأنبياء ما ناله سليمان من الملك، كما جاء في قوله تعالى : { قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص. وآخرين مقرنين في الأصفاد. هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب. وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب }، (سورة ص، الآيات 39-34).

وقد روت الإسرائيليات حكايات غريبة حول خاتم سليمان وضياعه في البحر، ولذلك فقد ملكه. وقد فند هذا الزعم ابن كثير والفخر الرازي والبيضاوي، وغيرهم.

يونس

هو من بني إسرائيل، من أحفاد بنيامين بن يعقوب، عليهم السلام، ويسميه أهل الكتاب يونان بن أمتاي. أُرْسِلَ إلى أهل نِينَوَى Ninive عاصمة آشوريا Assyrie، التي كانت في أرض العراق، في القرن الثامن قبل الميلاد، وكانوا يعبدون صنماً يسمونه عشتار. وقد ظل يدعو قومه إلى توحيد اللّه وعدم الشرك به، فلما لم يستجيبوا له، ترك البلدة ورحل مغاضباً لهم متوعداً إياهم، قبل أن يأمره اللّه بذلك ـ خدعه الشيطان ـ فلما خرج يونس ودعا على الظالمين، تحقق القوم من العذاب عند رؤيتهم علاماته، فتابوا واستغفروا إلى أن رفع الله عنهم ذلك العذاب وأعاد إليهم الأمن. وكان يونس وقتئذ راحلاً على ظهر سفينة، فلما اهتزت ورُجَّتْ تشاءم القوم فاقترعوا فوقعت عليه القرعة مراراً، فعلموا أنه سبب فيما يحدث للسفينة على غير العادة، فألقوه في البحر، فالتقمه الحـوت، وأوحى اللّه إلى الحوت أن لا يمسه بسوء. ثم نادى يونس في الظلمات { أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } (سورة الأنبياء، الآية 87)، فقذفه الحوت ـ قيل على شاطئ في العراق ـ ثم عوفي، وعرف تسرعه في ترك القوم قبل أن يأمره اللّه بذلك، فعاد إلى قومه فوجدهم مؤمنين. ولكنهم فسدوا ثانية بعد حين، فَسَلَّطَ اللّه عليهم من دمر مدينتهم.

زكريا ويحيى

هو زكريا ابن لدن ـ أو ابن دان ـ بن مسلم بن صدوق، ويحيى ولده، ويصل نسبهما إلى سليمان، عليهم السلام.

بعثه الله قبل عيسى إلى بني إسرائيل فنهاهم عن الفجور والفسق والتفسخ، فقد كانوا يسفكون دماء الصالحين والأنبياء، وكان أعظمهم فتكاً بهؤلاء "هيرودوس" حاكم فلسطين، الذي قيل إنه أمر بقتل يحيى بن زكريا، فجاؤوا برأسه في طبق إرضاءً لرغبة عشيقته.

كان عمران والد مريم هو العالم الأكبر لبني إسرائيل آنذاك، فلما توفي كفل زكريا مريم، وهو زوج خالتها. طلب زكريا من الله أن يرزقه ولداً، قيل كان عمره حين طلب الولد 99 سنة، وعمر زوجته 98 سنة، فأنجب يحيى الذي قتل في حياته، ثم قتل زكريا بعده، حسب بعض المؤرخين.

وقد نبئ يحيى وهو ابن ثلاثين سنة، وكان قد ولد قبل عيسى بثلاثة أشهر، فكان في شبابه يأوي إلى القفار ويقتات بالجراد والعشب، وصار عالماً يُرْجَعُ إليه في الفتوى (19). وكان يحيى يدعو بني إسرائيل إلى طاعة اللّه، ويبشرهم باقتراب ملكوت السماوات. وقد ظهر في الأردن وكان يُعَمِّدُ الناس في النهر، وقد عَمَّدَ المسيح عيسى ابن مريم في نهر الأردن(20).

المسيح عيسى ابن مريم

هو ابن العذراء مريم ابنة عمران من سلالة داود، التي قالت : { أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيًا، قال كذلك قال ربك هو علي هَيِّنٌ ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضيّاً. فحملته فانتبذت به مكاناً قصيّاً } (سورة مريم، الآيات 21-19). وكان ميلاد المسيح معجزة، إذ جعله الله يتكلم في المهد ليبرىء أمه مما رماها الناس به {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا. وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصـلاة والزكـاة ما دمت حيًّا} (سورة مريم، الآيات 30-28).

بعثه اللّه تعالى بعد قتل يحيى بن زكريا، عليهما السلام، فلما أدى رسالته، كان ما كان من سعي اليهود إلى قتله وصَلْبِهِ. ويعتقد المسيحيون في وقوع ذلك للمسـيح نـظراً لأن اليـهود تمكنوا من قتل وصلب رجل آخر ألقى الله عليه شبهاً بعيسى : { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } (سورة النساء، الآية 156).

ويتفق المسيحيون والمسلمون على بعثة المسيح من جديد قبل قيام الساعة، غير أن المسلمين يؤمنون بأنه سيحمل مبادئ التوحيد التي جاءت بها المسيحية الأصيلة، وسيهدي الناس وفقاً لشريعة الإسلام الخاتمة.

وقد أرسل سيدنا عيسى إلى بني إسرائيل بعد أن طال عليهم الأمد، ثلاثة عشر قرناً خلت من الأنبياء، قست قلوبهم خلالها فَحَرَّفُوا شريعة اللّه وضَيَّعُوا الكثير من معالمها، فتحرّجوا عن عمل الخير واتخذوا من يوم السبت عطلة، وفَوَّتوا طاعات كثيرة في هذا اليوم، وتهالكوا على المادة وحب المال.

وقد نَزَّهَ القرآن عيسى وأمه مريم عما ألصق بهما من صفات باطلة : { وإذ قال اللَّه يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللَّه قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب } (سورة المائدة، الآية 118). وقد أعـطى اللَّـه نبـيه المسـيح وأمـه قـدرهما مـن التـكريم، قـال تـعالى : { وإذ قالت الملائكة يا مريم إن اللَّه اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين } (سورة آل عمران، الآيـة 42). { إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللَّه يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين } (سورة آل عمران، الآية 45). وفـي الحديث الـشريف، عـن أبي هريرة، مرفوعاً إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  : >ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مَسِّ الشيطان، غير مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة، أي يتلو قول الله : { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم }<(21).

محمد   صلى الله عليه وسلم  خاتم الرسل والنبيىن

ينتسب النبي محمد  صلى الله عليه وسلم  إلى عدنان، فهو :

محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (وغالب بن فهر هو الملقب بقريش، وإليه تنتسب القبيلة) بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان(22).

ومن عدنان يصعد نسبه إلى إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فعدنان هو ابن أد بن هميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال بن أُبَيّ بن عوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن ناحش بن ماخي بن عيض بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربي بن يحزن بن يلحن بن أرعوي بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد بن أيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمي بن مزي بن عوضة بن عرام بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم. عليهم الصلاة والسلام(23).

وتسمى أسرة محمد  صلى الله عليه وسلم  بالأسرة الهاشمية.

ولد محمد  صلى الله عليه وسلم  بشعب بني هاشم بمكة، في شهر ربيع الأول، لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان. ويحتمل ذلك موافقة أحد الأيام 20 أو 21 أو 22 أبريل من عام 571م(24). واشتهر عند أهل السير أنه في الثاني، وقيل التاسع وقيل الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل إنه وافق يوم الإثنين.

توفي أبوه قبل ولادته ببضعة أشهر، ثم توفيت أمه حين كان عمره ثلاثة أعوام.

ونكتفي هنا بذكر نسب خاتم الأنبياء والمرسلين اعتباراً إلى أن الباب الثالث من هذا الكتاب يشتمل على دراسة حول رسالة الله إلى محمد، عليه الصلاة والسلام.

Untitled Document