Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

د. عبد العزيز بنعبد الله
د. أحمد شحلان  
د. عبد العزيز شهبر
د. محمد المختار ولد اباه
د. هبة نايل بركات

 


الفصل الثالث
نقد مدونة التوراة
 

نظراً لطبيعة مضمون التوراة، كتابة ولغة وتاريخاً، ونظراً لتضارب الآراء في نسبة الأسفار، ولاختلاف المذاهب اليهودية والتقاليد المسيحية في ترتيبها وعددها، نظراً لذلك كله ظهرت مدارس نقدية للتوراة، ركزت بعض تلك المدارس على النظر المنطقي والفهم العقلاني، وبعضها اعتمدت التحليل الفيلولوجي، وثالثة اعتمدت المكتشفات الأركيولوجية، ورابعتها جمعت بين كل ذلك.

سبينوزا وابن حزم الأندلسي، وغيرهما

يعتبر سبينوزا وابن حزم الأندلسي من أبرز نقاد مدونة التوراة، بل إن الغربيين عَدُّوا سبينوزا رائداً لنقد نصوص التوراة، فقد كان يعتمد العقل واللغة مرتكزاً للنظر والفهم(57). ولم يَدَّعِ سبينوزا الريادة لنفسه في هذا المقام، بل ذكر أستاذه ـ غير المباشرـ إبراهام بن عزره (تـ 1167) الذي أبدى شكوكه في مضمون التوراة عندما شرح التكوين والتثنية.

والواقع يؤكد أن الأستاذ الحقيقي لسبينوزا ولأستاذه ابن عزره كان ابن حزم الأندلسي. وصلة الوصل واضحة، فابن عزره أندلسي الموطن والثقافة، وتتلمذ على علماء المسلمين في الأندلس، وأخذ عنهم مجمل المعارف المعروفة آنذاك، من لغة وتفسير وعلوم رياضيات وفلك... إلخ. وكان ابن حزم من الأعلام الذين كانت لهم الريادة في كثير من المجالات، في فهم المجتمع والناس، وظهر ذلك في كتبه مثل الأخلاق والسِّيَر، وفي الأنساب (جمهرة أنساب العرب) والتواريخ، وفي التجديد في النحو والفقه (مذهب الظاهرية)، وفي الأدب "طوق الحمامة"، إلى غير ذلك. ولكن ريادته كانت أبرز في علوم الأديان ومقارنتها ومناظرة أهلها، وكان يناظر أحياناً بالحسنى، خاصة في مناقشاته مع النصارى واليهود بصفتهم يشاركونه المواطنة، بل والمعارف أيضاً، وأحياناً كان يناظر بشيء من العنف، وذلك عندما يضع النصوص الدينية على محك النقد. لقد ناظر وجادل في قضايا توراتية مختلفة تتعلق بتاريخ الكون وتاريخ البشر وتاريخ الأنبياء، وانتقد الخلط الواقع في الحديث عنهم، ونسبة ما لا يليق بهم، والقول في الله بما لا يوافق العقل، وانحراف بني إسرائيل أيام موسى وبعده، والتغيير الواقع في النص التوراتي.

واستخدم ابن حزم في نقده هذا أفضل المناهج الفيلولوجية، وأدق مناهج المقارنات النصية المبنية على المنطق والحساب كما نعرفها اليوم. وكثير من المراجع الحديثة التي اعتمدناها، والتي أرخت لبني إسرائيل وتناولت كتاب العهد العتيق بالنظر، اتبعت منهج ابن حزم دون أن تشير إلى ذلك، بل الأصح أن نقول دون أن تدري بذلك. وذلك لأن مرجعها الأساس كان سبينوزا الذي، وإن لم يشر إلى ابن حزم مباشرة ضمن مصادره، إلا أنه أشار إلى ابن عزره تلميذ ابن حزم الذي شاركه العلم والموطن.

وإذا قلنا إن سبينوزا لم يعرف ابن حزم، فإننا نجزم بأن إبراهام بن عزره وغيره من يهود الأندلس كانوا يعرفونه حق المعرفة، لأن ابن حزم  خاصمهم علماً وسياسة في "الرد على ابن النغريلة اليهودي"(58)، وصادقهم وارتبط بهم إنسانياً كما يبدو في كتاب "طوق الحمامة"، ولم يُعَنِّفْ منهم إلا من اعتبره خارجاً عن حدود الشرع علماً، أو خارجاً عن حدود الاستقامة مسؤوليةً.

إن رسائل ابن حزم المنطقية والفلسفية، وكتاباته الجدلية والتاريخية كلها تفصح عن هذا. وحجر الأساس في نقده لليهودية هو كتاب الفَصْل في الأهواء والملل والنِّحَل(59).

ولا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا بأن علماء المسلمين، بدءاً من المفسرين إلى أقطاب علوم الكلام والفلسفة، كلهم كانوا أساتذة ليهود الأندلس في باب النظر في النصوص الدينية بعين العقل، وبالأدوات اللغوية والبلاغية والأصولية. ويمكننا أن نقول إن ابن ميمون نفسه وأبناء تبون وابن جرسون وغيرهم، كلهم أعادوا النظر في فهم التوراة، نظراً لتأثرهم بمناهج علماء الكلام في الأندلس. غير أن منهجهم لم يسر بعيداً ليشكك في النص، وإنما آثروا تأويل النصوص، وهذا ما يدل على رفضهم لمنطق التوراة بظاهرها النصي، ولذلك اعْتُبِرُوا من أقطاب نقد التوراة بعد ابن حزم وقبل أبراهام بن عزره، فنقدهم يصنف ضمن أعمال الخاصة لا العامة(60).

ويختلف ابن عزره عن غيره من النقاد لأنه اعتمد ابن حزم الأندلسي الذي انتقد النصوص صراحة ولم يلجأ إلى تأويلها. وفي هذا كان ابن حزم أستاذاً لأبراهام بن عزره  ولسبينوزا، لأن نقد هذين الأخيرين لم يتخذ التأويل منهجاً لحل مبهمات العهد العتيق، ولكنه أخذ ينظر في تناقضاته المختلفة، ويناقش عدم توافقه مع صدق الواقع في الأحداث والتواريخ ومستوى اللغة، ويبرز عمل الإنسان الذي أخفى، بما أدخله على النصوص، حقيقة ما جاء في رسالة السماء. بل كانا يناقشان مفاهيم اللغة التي إذا خرجت عن سياقها، أو إذا استعملت بعض الكلمات على أنها مرادفات، تحول المعنى كلية عن المقصود الحقيقي، فلا هو صدق بدلالة العبارة ولا هو ضرب من المجاز.

هذا هو لُب نقد ابن حزم الذي كان فاتحة علم مقارنة الأديان والنظر فيها. وأملنا أن نخصص دراسة نبحث فيها في المصادر اليهودية التي اعتمدها ابن حزم، وخصوصاً نسخ التوراة، وهل كان له نظر في التلمود وتوابعه ؟ آملين من ذلك إبراز جانب لم يهتم به الدارسون كما ينبغي، أو أن الذين اهتموا به لم يسلكوا المسلك الذي يجب أن يتبع لإبراز جهد هذا العالم وريادته في علم مقارنة الأديان(61).

ولا نستطيع أن نتناول بالتفاصيل ردود سبينوزا لنصوص الكتاب المقدس وانتقاداته لمحتواها، لأن هذا يتطلب حيزاً أكبر يخرج عن نطاق دراستنا هذه. ولكن ذلك لا يمنعنا من تلخيص نظريته في خطوط عريضة، فهو يرى أن :

1. ما فهمه مدونو التوراة على أنه خطاب إلهي إلى غير موسى هو أمر غير سليم، لأن الخطاب لم يستعمل إلا مجازاً، كقول التاجر أن الله أعطاه مالاً، في حين أنه هو الذي سعى لكسب هذا المال. ولا يصح أن يدعي أحد بأن الله خاطب نبيّاً من الأنبياء إلا بدليل، لذلك فالمُخَاطَبُ وحده هو موسى.

2. قانون الله وشريعته ووصاياه هداية عامة لكافة البشر، وقانون التوراة خاص ببني إسرائيل دون غيرهم، وهذا غير ممكن.

3. الوعد بالجزاء في الديانة الحق هو وعد روحي يعد بالسعادة الأبدية، ووعد التوراة دنيوي لا غير.

4. اللغة مقوم أساس لفهم النص، واللغة العبرية التي وصلتنا يكتنفها كثير من الغموض والتشوش. هذا ولم يترك علماء التوراة واللغة القدماء مصادر تقنن لنحو اللغة وتاريخها وتطورها، ولا معاجم تحدد معانيها، وذلك جعل مدوني التوراة يضيفون المعانيَ للألفاظ ويستعملون بعضها باعتبارها مترادفات، مع أن الأمر قد يكون على غير ذلك في لغة البلاغ الأصلي الذي جاء على لسان موسى، فلغة العبرانيين مرَّت بمراحل تطور فضفاضة وكتابة اللغات السامية متشابهة، فرسم الدال يشبه رسم الراء، ورسم الباء يشبه رسم الكاف، ورسم الهاء يشبه رسم الحاء، ورسم السين يشبه رسم الميم في آخر الكلمة. كما أن الحرف العبري القديم كان خالياً من علامات ترمز للحركات أو للوقف، فنتج عن هذا كله قاعدة، سماها النحاة فيما بعد، قاعدة المقروء والمكتوب. وبمقتضى هذه القاعدة نقرأ 1350 لفظاً قراءة مخالفة لرسمها(62).

5. يؤكد العقل أن البيان الإلهي للحقائق كان في النص الأصلي واضحاً وجلياً، تحمله عبارات وألفاظ لا تحمل ـ في ظل لغة البلاغ الأصلية ـ غماماً يجعل غَسَق الفضفضة يكتنف المعنى. ولكن عندما تكررت كتابة محتوى هذه النصوص في الأسفار المتعددة وترجماتها، اصطبغت معانيها بمقاصد كاتبيها وظروفهم ومواطنهم.

6. كل الأسفار المسماة بأسماء الأنبياء والأشخاص هي منحولة عليهم، وكتبت بعد عهودهم بزمن طويل.

7. الأحداث التاريخية في التوراة مشوشة ولا علاقة لها بالتسلسل الزمني، فهي احتطاب لأحداث ووقائع وضعت في غير سياقها التاريخي.

8. كثير من الأماكن والمواضع جاءت بمسميات لم تكن معروفة حين وقوع الأحداث، فهي أيضاً منحولة، وكل ما تعلق بها من أحداث قد وقع فيما بعد، ثم أقحمه المدونون في غير موضعه.

ولا نريد أن نُفَصِّلَ القول في كل ما جاء في كتاب سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة، لأن ذلك سيخرجنا عن غرضنا الذي هو الإشارة إلى سلسلة النقد التوراتي المبني على النظر في النص على ضوء المنطق والحساب والوقائع والأحداث التاريخية، وتحليل أعمال الكتاب والمؤرخين. ولكن لا بأس في هذا الصدد من تلخيص النتائج الأساسية التي توصل إليها سبينوزا فيما يتعلق بالجزء الأول أي التوراة ـ وهو الذي يعنينا في بحثنا هذا ـ وبعض الأسفار الأخرى من العهد العتيق :

يرى سبينوزا أن طريقة الكلام والاستشهادات ومجموع النصوص الخاصة بقصة موسى ونسبة التوراة إليه، كل ذلك يشير إلى أن موسى لم يكن هو كاتب هذه الأسفار، بل كتبها شخص آخر عاش بعد موسى بقرون عديدة(63)، ذلك الشخص هو عزره. والنتيجة أن الجمع كان متأخراً عَمَّا كان يعتقده علماء اللاهوت التقليديون، وكان يختلف أيضاً عَمَّا تصوره سبينوزا، إذ يرى نقاد التوراة أن الأصل فيها قديم، أما نصها الحالي فيرجع تاريخه إلى ما بين القرن الثامن والثاني قبل الميلاد. بل يرى البعض أن ليس في الأسفار ما يرجع إلى ما قبل القرن الخامس قبل الميلاد(64).

 فـتح سبـينوزا بكتـابه المـشار إليـه، وكـذا النزاع الـذي أثــاره  (1638-1722  م) بمـؤلفاته فــي مواجـهة البروتستانتية(65) و فتح هؤلاء حركة نقدية لم تقتصر على فرنسا وهولندا فحسب، بل عَمَّتْ أوروبا بأجمعها، لأنها صادفت مخاض الحركة الإصلاحية السياسية والدينية والاجتماعية. ومن أهم نتائج هذه الحركة أنها جعلت النص المقدس شأنه شأن أي نص، يمكن نقده والنظر فيه، على اعتبار أنه كتاب قام بتدوينه أناس كثيرون على مدى القرون. وإن كان مضمونه ينسب إجمالاً إلى رسول الله موسى، عليه الصلاة والسلام، إلا أنه يتضمن عناصر تاريخية ولغوية سبقت بكثير الفترة التي اعتُقِدَ أنها تنتسب إليها، وأخرى تأخرت عنها بكثير.

ونتيجة لذلك، اشتعل جدل بين المذاهب المسيحية، وظهرت العديد من الكتابات النقدية واللاهوتية التي جمعت بين الفلسفة والتأمل من جهة، والجدل والنزاعات من جهة أخرى. ويكفي الرجوع إلى المؤلفات التي كتبت في هذه الفترة للدلالة على ذلك(66).

في هذا الجو من النظر والجدل اللاهوتي ظهر كتاب بعنوان : فرضيات حول المدونات الأصلية التي يظهر أن موسى كان قد استعملها لوضع سفر التكوين، مع ملاحظات تؤيد أو توضح هذه الفرضيات، لـ J. Astruc. وكان ظهوره حدثا في تاريخ نقد الكتاب المقدس، فقد اتسم بجرأة كبيرة تعمقت إلى حدٍّ بعيد في الفرضيات، الأمر الذي أدى بمؤلفه إلى تجنب إصداره باسمه، كما انتحل اسم دار للطبع في بلجيكا، مع أنه طبع في باريس(67).

انطلقت نظرية J. Astruc من ملاحظة بسيطة، ذلك أنه لاحظ وهو يقرأ سفر التكوين وسفر الخروج، أن اسم "الله" كان يأتي أحيانا بلفظ "إلهيم" وأحيانا بلفظ "يهوه"، فأخذ يفصل بين الفقرات التي تتضمن الاسم الأول وتلك التي تتضمن الاسم الثاني، فحصل على نصين منفصلين ومتوازيين. ولاحظ بعد هذا الفصل غياب التكرار الذي كان موجودا في النص الأصلي، كما لاحظ أيضا زوال الخلط التاريخي (وهذا أمر من الأمور التي كانت وما زالت تحرج قارئ الكتاب المقدس). ثم عزل "أستريك" النص الذي لا وجود فيه لذكر "الله"، وهذا نادر، ثم النص الذي يتعلق بالشعوب الأجنبية غير بني إسرائيل، وهو نص يتألف من ثمانية وثائق صغيرة، وكذا وثيقة تتعلق بغزو الملوك الأربع (تكوين 14) وأخرى خاصة بأحفاد إسماعيل (تكوين 25 :12 ـ18) ووثيقتين تتضمنان قوائم الآدوميين (تكوين 36). ويرى أستريك أن موسى جمع هذه المدونات الإثني عشرة الأصلية وكتبها على أربعة أعمدة، غير أن النساخ فيما بعد صاغوا من هذه نصاً واحداً، بعد أن قرأوا أسطر الأعمدة الأربعة ـ سطراً سطراً ـ متصلة ببعضها أفقياً، دون أن ينتبهوا إلى أنها كانت أعمدة، كل عمود منها مستقل بأسطره عن الآخر، ومن هنا وقع التداخل بين الوثائق المختلفة. وقد شعر أستريك بثقل المهمة التي تعترض الباحث في وثائق الكتاب المقدس بعد اكتشافه هذا(68).

لقد فتح هذا العمل عهداً لقرنين من البحث النقدي في التوراة (أخماس)، فهو أول محاولة تعتمد نظرية المصادر المتداخلة، ولم يختلف عمل أستريك كثيراً في تقسيماته عن عمل Welhausen (69. ومنذ ذاك الحين أصبح اعتماد الفروق في اسم "الرب"( معياراً للتفرقة بين المصادر.

أثارت هذه النظرية ردود فعل متضاربة، فاستقبلت في فرنسا بعدم المبالاة، وانقسمت الآراء حولها في ألمانيا، وكان Eichhorn من مؤيدي Astruc وتجلى ذلك في كتابه مدخل إلى العهد العتيق الذي أصدره سنة 1781م(70).

لقد وطد "إشهورن " النظرية بأن أضاف إلى معيار اسم الرب أموراً أخرى، مثل الأصول والأنواع الكتابية والمعاني الدينية، وفرق بين المصادر المتداخلة، وحاول إرجاع النص إلى حقيقته الأصلية باستخراج الإضافات وإظهار النواقص.

ونشر Hupfeld  سنة 1853م دراسة حول مصادر التكوين(71) بَيَّنَ فيها أن المصدر الذي بَيَّنَهُ أستريك باسم "إلهيم" هو في حقيقة أمره مصدران أو روايتان أو وثيقتان مختلفتان أسلوباً ومضموناً. فأطلق على المصدر الأول " التشريع الكهنوتي "، وترك للثاني اسم "إلهيم".

وبعد سنة من ذلك التاريخ أصدرRiehm  كتاباً بعنوان تشريع موسى في بلاد مؤاب(72)، وتناول فيه بالدرس سفر تثنية الاشتراع، واعتبره مصدراً قائماً بذاته.

وبهذا تتكامل نظرية المصادر الأربعة في عمومها : "اليهوي" و"الألوهي" و"الكهنوتي" و"تثنية الاشتراع".

لقد أصبحت نظرية المصادر الأربعة أساساً في نقد التوراة، ولكنها صارت في نفس الوقت محلاً للنقد، سواء بالرفض أو بالوسم بالقصور وعدم التوصل إلى كل العناصر التي يتركب منها أصل الكتاب المقدس، أو عدم الدقة في تحديد التواريخ... إلخ.

آثار نقد الكتاب المقدس

لقد تسبب نقد الكتاب المقدس في أمرين اثنين :

1. زاد  من  شك أتباع الكنيسة المسيحية، بمذاهبها المختلفة، في أمر نسبة التوراة كلها إلى موسى، وأكد لهم ما كانوا يشعرون به من اضطراب في سرد الأحداث وعرض الوقائع في الكتاب.

2. حث كبار علماء اللاهوت من المسيحيين على النظر في الخلل الواقع في الكتاب المقدس والبحث عن أسباب وقوعه، حفاظاً على العقيدة المسيحية ودفاعاً عن مبادئ الكنيسة، بعيداً عن كل انفعال أو جدل عقيم.

  Albert Lagrange (1855-1938، ونذكر في هذا الصدد اللاهوتي الفرنسي( الكاثوليكي الذي لم يرفض النقد باعتبار أن في الكتاب 'Bible"  ما هو إلهي وفيه ما هو بشري، ولكنه نبه إلى وجوب النظر في كل هذا انطلاقاً من الإيمان العميق والفحص المتأني، لا بالاعتماد على النقد الفقهي اللغوي والتاريخي وحدهما، ولا انطلاقاً من صراع مذهبي. ورأى أن النظر في النص المقدس وشرحه لا يجب أن يكون منافياً  لعلم اللاهوت، بل يجب أن يلتقي وإياه في المعطيات العلمية الحقيقة. وشعر أيضاً بأن الدراسات والبحوث اللاهوتية في حاجة إلى مؤسسة تجمع بين الإيمان العميق وقواعد العلم الصحيح، فأسس في 15 أكتوبر 1890م "المدرسة التطبيقية لدراسة الكتاب المقدس" وفي سـنة 1892م أنشـأ مجــلة للمــدرسة بعــنوان مجــلة الكـتـاب المـقدس La Revue Biblique. وقضى Lagrange  ثلاثين سنة، منذ تأسيس المدرسة إلى أن توفي، وهو يدرِّس جاهداً لتكوين طلابه تكويناً حيادياً، ولم يتوان عن الكتابة في المجلة بانتظام خلال هذه المدة.

وفي سنة 1900م قام Lagrange بنشر مشروع التفسير الكامل للكتاب المقدس، ودعا العديد من المختصين للمساهمة فيه بقصد  إعداد تفسير كاثوليكي يرتكز على ترجمات الأصول ترجمة جيدة وعلى النشرات العلمية المحققة. وافتتح هو المشروع سنة 1903 بتفسيره لسفر القضاة(73).

 وقد أرَّخَ عالم اللاهوت المشهور R. De Vaux  في كتابه الشرق والكتاب المقدس(74)  لـ Lagrange ولهذه الحركة النقدية اللاهوتية. وعَبَّرَ في كتابه هذا عن رأيه في هذه المسيرة الطويلة، خصوصاً في الفصلين المعنونين بـ "نظر في الحال التي عليها نقد التوراة اليوم" و"هل في الاستطاعة الكتابة في علم لاهوت العهد العتيق ؟". وعرض في الكتاب لأعلام علم نقد الكتاب المقدس وأعمالهم، سواء أولئك الذين تبنوا نظرية المصادر المختلفة أو أولئك الذين رفضوها. وقد تردد هو نفسه قبـل أن يتـبنى هذه النـظرية نهائياً، ورأى أن صـياغة التـوراة ــ الأخـماس أو الأسداس ــ(75) لا يمكن أن تتصور إلا في شكل عمل أعيدت صياغته اعتماداً على مصادر أو روايات أو وثائق كان لها وجود حقيقي، وظلت محفوظة في أماكن العبادات التي كان يجتمع فيها بنو إسرائيل ليستمعوا إلى الوعظ أو أخبار الرواة الذين كانوا يذكِّرون بالأحداث والوقائع الكبرى التي جرت في عهد الآباء، وكانوا يمزجون قصصهم بذكر كرامات وأفعال إلهية تخص الشعب المختار. وأدرجت كل هذه القصص في تدوين طقوس الأعياد للتدليل على عناية الرب ببني إسرائيل.

   واعتبر'De Vaux'  الكتابات التشريعية نتاجاً من عمل كهنة المعابد، لأن هؤلاء وضعوا لحياتهم وعملهم قوانين وتشريعات صاغوها في دستور يحدد حقوقهم وواجباتهم، كما وضعوا تشريعاً بمقتضاه يقوم المؤمنون بدينهم. بل أكثر من ذلك أن هؤلاء كانوا هم أنفسهم مصدر الأحكام والفتاوى، وكانوا المرجع في السلوك الأخلاقي الذي ينبغي على بني إسرائيل التزامه، وهذا ما يمثل مفهوم التوراة أو التعاليم أو الشريعة.

ويرى'De vaux'  أننا إذا كنا نستطيع استنتاج أن هذه الأعمال كانت ثمرة المعابد، إلا أننا لا نستطيع أن نستنتج أي شيء يدلنا على هذه المعابد نفسها وأين كانت.

ويظهر أن منبت الرواية أو المصدر "اليهوي" هو مملكة يهودا، ومصدر الرواية "الإلوهية" هو إفراييم، أما التثنية فهي شبيهة بأسلوب تقاليد الشمال، حملها اللاويون بعد سقوط مملكة إسرائيل، فأضافوا إليها من اعتقاداتهم بعد أن استقروا في أورشليم. أما التقليد الكهنوتي، فهو يرتبط  بالهيكل والكهنة وأورشليم.

ولقد تداخلت الأحداث فيما بعد في هذه الروايات لتصبح جزءاً منها، فَدُوِّنَ كل ما يتعلق بالتشريع في إطار، وَدُوِّنَتْ القصص والأخبار في إطار آخر. وفي مرحلة لاحقة من التدوين أدمجت كل هذه فصارت ركاماً من التشريعات الخاصة بالعبادات، والأخرى المتعلقة بالمؤسسات (نظم الكهنة ونظم الدولة ) والروايات التاريخية، وظلت الرواية الشفوية موازية لهذا التقليد المكتوب تتفاعل وإياه على مدى قرون وفي أماكن مختلفة.

ولا يعرف بالتدقيق مسار التقليد الشفوي الذي اندمج في آخر المطاف مع التدوين السابق عليه، من أجل هدف معين هو الحفاظ على روح النص المدون وطريقة تأليفه، دون أن يأخذ بعين الاعتبار الترتيب الزمني ومصداقية وقوع الأحداث في سياقه(76).

إن مكونات التوراة ـ التي بين أيدي الناس في عصرنا هذا ـ لغة وكتابة ومضموناً، وتقاليد وعادات وأعرافاً، كانت كلها تُسْتَقَى من حضارات قديمة وآداب سابقة، بل وعقائد متقدمة عن زمن موسى بكثير، صاغها المدونون لتكون تاريخاً مسترسلاً يبدأ بالخلق، ثم يتناول تاريخ العبريين في مصر، ثم خروجهم منها تحت إمرة موسى، ثم موت هذا الرسول العظيم.

هذه هي الصيغة في بساطتها، ويمكن ردها إلى عناصرها الأولى على ضوء علم الحفريات والنقد اللاهوتي، فكل سفر يتركب من عناصر تجد أصولها في أعمال سابقة تعلقت بالأحداث والشرائع، ثم صيغت على عِلاتِها صياغة متأخرة، لِتُكَوِّنَ هذا الذي أصبح توراتاً أو أخماساً. فمصادر تلك التوراة متداخلة، ومنها :

1. المصدر "اليهوي" : وفيه استعمل الكتبة أو المدونون في النص لفظ "يهوه" عَلَماً على اسم الرب.

2. المصدر "الإلوهي" : وفيه استعملوا لفظ " إلهيم" عَلَماً على اسم الرب.

وقد جمعت أساسيات هذين المصدرين في بدء حكم سليمان.

3.  تثنية الاشتراع، وتؤرخ بنهاية عهد الملكية : وهي في حقيقة أمرها إعادة لصياغة التشريعات التي نظَّم موسى بمقتضاها بني إسرائيل في منطقة موآب، والمرتفعات التي تتاخم الحدود الشرقية لفلسطين. وهي أيضاً إعادة نظر في كل التشريعات التي عمل بمقتضاها العبريون في شبه جزيرة سيناء، وواحة قديش.

4. المصدر الكهنوتي : ويتضمن كل التشريعات الكهنوتية الخاصة بالكهنة والهيكل والأحداث التاريخية من الوجهة الطقوسية. واكتملت بنية هذا المصدر في فترة السبي البابلي.

 ولنبسط الأمر أكثر لكي نفهم معنى تداخل هذه المصادر، يمكننا أن نتصور أن رواية لأحداث قد دَوَّنَهَا مُدَوِّنٌ على حدة ورمز لها بـ  J.E (يهوه)، ورواية أخرى منفصلة عنها وفي نفس الموضوع، دونها مدون آخر على حدة ورمز لها بـ  (إلهيم)، ثم ثالثة دونها آخر على حدة ورمز لها بـ  (تثنية الاشتراع)، ورابعة دونها رابع أيضا على حدة ورمز لها بـ  (كهنوت)، وكلها تدور حول نفس الأحداث وتتضمن نفس المواضيع. وبعد حقب من الزمان قام مُحَرِّرٌ أو جماعة من المؤرخين بدمج الروايات بعضها في بعض، ووضعوا في العبارة الواحدة قسماً من رواية يهوه، وآخر من رواية إلهيم، وفقرة من مصدر التثنية، ورابع من المصدر الكهنوتي، وذلك لأسباب قد تكون قومية أو شخصية أو ثقافية... إلخ. وتكون من هذا الخليط مدونة التوراة الموجودة بين أيدينا، متجردة عن الشفافية اللازمة لبيان معاني الرسالة التي نزلت على موسى، عليه الصلاة والسلام. ذلك أن أصل تلك الرسالة كان لا يتعدى مقدار كتابة لوحين، ثم بدأ التدوين بعد زمان تعرضت فيه ذاكرة المدونين لتراكم الأحداث وتداخل التواريخ وتشابه الوقائع واضطراب ترتيبها، فطرأت زيادات على النصوص الأصلية وإسقاطات منها، وجاءت المعاني متناقضة، وورد في النص ما لا يقبله العقل، كالتجسيم وبعض الصفات التي وصف بها الآباء والأنبياء(77).

هكذا إذاً توصل نقد التوراة إلى هذه الحقيقة التي بدأ البحثَ فيها ابن حزم الأندلسي، وتتلمذ عليه فيها أبراهام بن عزره وسلسلة أعلام اليهود الأندلسيين ومن سار على طريقهم فيما بعد، ثم Spinoza وWelhausen  وAstruc وEichhorne  وRiehm وLagrange  وVaux De. والمكتشفات التي عثر عليها في تل العمارنة (بمصر) ورأس الشمرة والبحر الميت وجزيرة سيناء، وفي غيرها من الأماكن، كلها أدلة على أن أصل الرسالة لم يعد يمثل في التوراة إلا آثاراً باهتة الصورة.

والكشوف الغزيرة التي أبانت عن تقاليد وعادات وأشخاص لم تكن على عهد موسى، بل كانت في عهود سابقة عليه بزمان طويل، وَلَّدَت لدى علماء اللاهوت نظراً حائراً. ولكن التقليد المسيحي رأى أن من واجبه أن يقول كلمته الأخيرة، ولعل هذه الفقرة تلخصها : "إن التقليدين اليهودي والمسيحي ينسبان إلى موسى وضع التوراة، وترى لجنة الكتاب المقدس في روما أنه لحد الساعة لا يمكن للبراهين التي قدمها نقد القرن التاسع عشر والتي بمقتضاها أَرَّخُوا للمصادر الأولى للتوراة بعهد مملكة إسرائيل (ق 9 و 8 ق.م) لا يمكن أن تكون كافية لتغيير ما كان عليه اعتقاد التعاليم الكاثوليكية. ولا تزال هذه التواريخ في الحقيقة لا تتعدى الفرضيات، غير أن لجنة الكتاب المقدس تعترف بأن تدوين التوراة يمكن أن يتصور أنه قد كان بواسطة جماعات من الكتبة تحت إمرة موسى، وكان يُسْمَحُ بالنظر في عمل كل جماعة من هذه الجماعات على حدة. وربما حدث فيما بعد أن دمجت هذه الأعمال وصيغت من جديد في عمل واحد هو التوراة (الأخماس) وربما كان ذلك متأخراً".

   ويرى 'P.Brcker' أنه ليس بمستبعد أن تلك المصادر الثلاثة أو الأربعة ظلَّت منفصلة زمناً طويلاً، وليس هناك ما يمنع من تأخير ضمها كاملةً ونهائياً حتى السبي البابلي، أو إلى عهد ابن عزره(78).

النصوص المسمارية

إن التسلسل التاريخي للأحداث والمعطيات اللغوية التي تعرضنا لها في هذه الدراسة تحمل دلالة قاطعة على غياب التوراة الأصلية. ومع ذلك، فقد تحرك الباحثون لعلهم يجدون، فيما اكتشف من آثار أركيولوجية تعود إلى عهود قديمة جداً، ما يساعدهم على استجلاء ما أضيف من أثر إنساني وموروث شعبي إلى نصوص التوراة، لتعطينا المدونة التي بين أيدي الناس اليوم. وبمناسبة ذلك تردد السؤال الآتي :

هـل تؤكد النصوص المسمارية التوراة أم تفندها ؟(79).

إن النصوص المسمارية هي ألواح مكتوبة بالخط المسماري يرجع تاريخها إلى عهد قديم يسبق بعثة موسى وهارون بكثير، وقد رأى E. Chiera أن ما جاء في هذه النصوص المسمارية يوافق بعض ما جاء في التوراة حقاً، ذلك أن التوراة لا تمثل كتاباً واحداً وإنما تمثل كتباً عدة، لم يضعها ـ في رأيه ـ مؤلف واحد، وإنما اشترك في وضعها مؤلفون، وما تتضمنه لا يعود إلى عهد واحد، بل إلى عهود عديدة، وفيها القضايا الدينية والتاريخية والكونية، والشعر وتأملات الفلاسفة وغير ذلك من الآداب. وهذه المضامين التوراتية طرحت السؤال السابق، إذ لم يعد الأمر يتعلق بتأكيد هذه النصوص لحقيقة التوراة، وإنما الحقيقة هي أن التوراة الحالية ليست إلا جماع الكتابات الأشورية وغيرها مما خلفته الشعوب السابقة(80). بل جل مضامينها ما هو إلا "التوراة الكنعانية"، ذلك العنوان الذي وضعه H.E. Del Medico 81 على كتابه، مع ما في ذلك من مجاز بلاغي تشفه الحقيقة كما سنرى.

فما هي قصة النصوص المسمارية ؟

في تل رأس شمرة، الواقع على بعد 12 كم من أنطاكية على الساحل السوري، اكتشف أحد الفلاحين صدفة، سنة 1928، عندما ارتطم محراثه بغطاء مغارة، موقعاً أثرياً اشتهر فيما بعد لأنه كان يتضمن تراثاً إنسانياً غَيَّرَ محتواه كثيراً من معارف الناس حول تاريخ المنطقة ومعتقداتها. بل غَيَّرَ رأي الباحثين فيما تضمنته مدونة التوراة التي كانت في نظر الناس إلى ذلك الحين، أكثر الكتب قدماً وشهرة وتأثيراً.

وفي سنة 1929   أشرف' M.M Claude Schaeffer & George Chenet'  على الحفريات في رأس شمرة. ومن بين ما عثرا عليه ألواح مكتوبة بنوع من الخط المسماري وبلغة لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت. وانكب عدد من علماء اللغات السامية على هذه النصوص، كل على حدة. من هؤلاء Charles Virdleaud الذي نشر أول نص أوغاريتي، وهذا هو اسم  لغة النصوص التي عثروا عليها في موقع رأس شمرة، نسبة إلى مدينة أوغاريت الـقـديـمة(82) (في سوريا)، وتـوالـت التــرجـمات والــدراسـات، مـنـهـا مـا قـام به  :  Hans Bauer83  و E. Dhorme84 و 85.  Del Medico وCh.Gordon 86  و Ernest Doblhofer 87 و  M.Dahood 88  و  Aistleitner 89   Virdleaud 90  و 'Sznycer' وغيرهم كثير (92,91).   

ارتبط النص الأوغاريتي بالتوراة واللغة العبرية منذ بدء اكتشاف الألواح في رأس شمرة. وكان ذلك انطلاقاً من اعتماد أولئك الذين سهروا على فك رموز هذه اللغة القديمة على اللغة العبرية، وتقريبهم معجم هذه من تلك. وكان من الطبيعي أن يجدوا، وهم يقارنون بين اللغتين، كثيراً من المفاهيم والوقائع والأحداث والشخصيات والمعتقدات المتشابهة، لأن هذه النصوص المسمارية تمثل كتاباً دينياً قديماً، لذلك جعلها الباحثون من أهم مصادر العهد العتيق(93  ). بل اعتبرها   H.E. Del Medico "توراة كنعانية" حقاً وليست مجازاً، فقال : >لم تأت تسمية هذا الكتاب بالتوراة الكنعانية لأن كثيراً من مكونات قصص رأس شمرة ترددت في كتاب العهد العتيق العبري، بل هناك كثير من الأسباب تفرض أن هذه النصوص كانت عند الكتبة الكنعانيين توراة...<. وإذا كان لدى هذا الباحث استعداد لإطلاق توراة على أي كتاب يحمل نصوصاً مشابهة لما هو مدون في العهد العتيق، فإننا نذكر بأن أصول الكتب السماوية واحدة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يصدر عنه التناقض، ولكننا في بحثنا هذا نبحث عن أصول التوراة باعتبارها رسالة أنزلت على موسى وهارون دون سواهما(94).

وتتضمن نصوص رأس شمرة أساطير وأخباراً ومزامير وصلوات ونصوصاً تشريعية، وجد الدارسون كثيراً مثلها في العهد العتيق، ولا تخلو ترجمة من ترجمات هذه النصوص من إشارات إلى ذلك. وتعتبر ترجمة A. Caquot وM. Sznycer وA. Herdner : نصوص أوغاريتية، ملاحم وأساطير(95) من أهم الترجمات الفرنسية، نظراً لاعتمادها أوثق الدراسات وأكثرها جدية، ونظراً للجهد الذي بذلوه في فقه اللغة لرد الألفاظ إلى أصولها، ونظراً للمقارنات التي عقدوها بين النص التوراتي والنص الأوغاريتي(96). لقد أثارت هذه الصلات الوطيدة بين النص الأوغاريتي والنص التوراتي الباحثين، مما أدى إلى خلق مؤسسة، مهمتها تعميق النظر في المكتشفات الأثرية والذهاب بعيداً في المقارنات الأوغاريتية ـ التوراتية، هذه المؤسسة هي : The Ugaritic and Hebrew Parallels Project 97. والملفت للنظر أن كل الدراسات والترجمات والمعاجم التي وضعت حول الأوغاريتية كانت تثبت دوماً هذا التداخل وهذه العلاقة بين هذه اللغة الأوغاريتية واللغة العبرية والتوراة. إن النصوص الأوغاريتية تعتبر حقاً رافداً من روافد العهد العتيق ومصدراً من مصادره التي لم تأت عرضاً، وإنما كانت حضوراً في اللغة والمعتقد والمفاهيم، ولعل هذا هو السبب الذي جعل هذه النصوص أكثر إثارة من الناحية الأكاديمية وأكثرها أهمية لدى المشتغلين بعلم الآثار.

 ونختم دراستنا هذه بكلمة مؤلفي "Litterature" : >... إن الجديد في شريعة الـرب هـو  الوحـدانية والـتأكيد علـى الجـانب الخُلُقي الذي غَيَّر نهائياً روح القوانين  السالفة ] وفرض احترام الضعيف، والعطف على الفقير من ذوي القربى والأرحام. هذا هو الجديد وإلا لكان هذا التشريع بدون ثورة تشريعية، وهذا هو الوحي الإلهي<(98).

  

Untitled Document