Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

د. عبد العزيز بنعبد الله
د. أحمد شحلان  
د. عبد العزيز شهبر
د. محمد المختار ولد اباه
د. هبة نايل بركات

 


الفصل الأول
معالم حول البلاغ الأصلي
وتوثيقه

نبذة مختصرة عن موسى وهارون من خلال مدونة العهد العتيق

اليهودية من الأديان السماوية الموحدة التي وصلتنا آثارها في كتاب، ولم تسم الديانة بهذا الاسم إلا بعد انقسام مُلْكِ بني إسرائيل إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهودا (يهوذا) بعد موت سليمان، ومن النسبة إلى الأخيرة كانت "اليهودية" على أشهر الأقوال. وقد نزلت اليهودية في العبريين، فمن هم هؤلاء العبريون ؟

جاء أصل اسم العبريين في مدونة التوراة(1) (سفر التكوين 10 : 21، 24) وكان علماً على الابن الرابع من سلالة سام بن نوح، إذ كان لنوح ثلاثة أبناء، هم : سام وحام ويافث. ولد سام أرفكشاد وولد أرفكشاد شالح وولد شالح عابر. وعليه فلم يكن للفظ "عابر" ـ الذي ينتسب إليه العبريون ـ في هذا السياق، أي دلالة تخص شعباً بعينه، وإنما كان يطلق على كل نسل "سام". ولم يصبح لهذا اللفظ خصوصيته إلا مع إبراهيم، وهو في الرتبة السادسة من نسل عابر.

بعد أن غادر إبراهيم مدينة "أور" الكلدانيين(2) استقر بحاران التي بين دجلة والفرات، قبل أن يسير في رحلة طويلة قطعت أرض فلسطين واجتازتها إلى أرض مصر (تكوين 11 : 31) فالجزيرة العربية(3).

وفي حاران كان وعد الله لإبراهيم بأن يخص نسله بأرض كنعان، ومن هنا ارتبط اللفظ "عبري" بنسل إسحق بن إبراهيم دون غيرهم، وصار له نسل مبارك، فمن ابنه اسحق وُلِدَ يعقوب، ورزق يعقوب من زوجاته بـ : رأوبين وشمعون ولاوي ويهوذا ويساكر وزبولون وجادا وأشير ويوسف وبنيامين ودانا ونفتالي(4). وهؤلاء هم أسباط(5) بني إسرائيل الإثني عشر.

لقد أرَّخَتِ التوراة في سفر التكـوين ـ من الإصحاح الثامن والثلاثين إلى آخر الإصحاح الخمسين وهو آخر إصحاح في السفر ـ لهؤلاء الأسباط ومواليدهم وتنقلاتهم، واستقرارهم بأرض مصر إلي موت يوسف. ولم تذكر موسى إلا في السفر الثاني، أي سفر الخروج. ولم يرد لموسى في مدونة التوراة نسب متواتر بسند متصل يرجعه إلى آدم أو إبراهيم أو إلى أي جَدٍّ أعلى، كما فعلت مع الأسباط، وإنما جاء ذكره في التوراة لأول مرة هكذا : "وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي. فحبلت المرأة وولدت ابناً" (خروج 2 : 2-1).

مـوسى

تقدَّرُ الفترة الفاصلة بين يوسف و موسى بحوالي أربع مائة سنة. ويُذَكِّرُ سفر الخروج، أي السفر الثاني من مدونة التوراة، بأبناء يعـقوب الوافدين على مصر، وبتكاثرهم واكتظاظ الأرض بهم، ثم يقول : "ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف. فقال لشعبه : هو ذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا" (خروج 1 : 9-8).

تلخص هذه الجملة أهم الأحداث التي مرت خلال الزمن الطويل المشار إليه. لقد كان ليوسف من السلطان في ظل الهكسوس ما مَكَّنَهُ ومَكَّنَ آله، وازدادوا غنى وعدداً إلى أن سقط  حكم الهكسوس. ولم ينس المصريون لبني إسرائيل ـ وربما لغيرهم من الطارئين ـ مؤازرتهم للحكام الهكسوس، بل خافوا إذا تركوهم على حالهم أن يعيدوا الكَرَّةَ بالتحالف مع أية قوة أخرى صاعدة. لذلك تقول التوراة إن الملك الجديد قال لشعبه : "هلم نحتال عليهم لئلا ينموا فيكون إذا حدث حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض" (خروج 1 : 10).

إنها إشارة واضحة إلى تحالف العبريين والهكسوس. ثم يبدأ عهد جديد يأمر فيه فرعون باستعباد بني إسرائيل وتسخيرهم في بناء مدينتي بيتوم ورعمسيس، ويأمر كذلك بقتل كل مولود عبري ذَكَرٍ. وفي هذه الفترة أيضا تلقي أُمُّ صَبِيٍّ عبراني ابنها في اليَم.

وتتحدث التوراة عن المولود الذي لم تذكر اسم أبيه : "وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي. فحبلت المرأة وولدت ابناً" (خروج 2 : 2-1) ولم تسمه أمه، بل ابنة الفرعون هي التي سَمَّتْهُ موسى. ويرضع موسى حليباً عبرياً، ويكبر في قصر فرعون، ويتربى فيه، ومع ذلك لم ينس بني جلدته، وقتل من أجلهم مصرياً، وفَرَّ إلى مَدْيَن، حيث تزوج بابنة كاهنها، وظل عنده يرعى الغنم إلى أن تجلى له الرب في جبل حوريب، وأمره بالعودة إلى مصر لتحرير بني إسرائيل، وأيده بالمعجزات، حتى يقنع فرعون عندما يخاطبه. غير أن هذا الأخير يَصُمُّ آذانه ولا يطلق سراح بني إسرائيل، فتتوالى عليه وعلى المصريين بلايا عشر، يفر بنو إسرائيل في آخرتها، ويلحقهم فرعون لأنه ندم على إطلاق سراحهم، فيعبر موسى وأتباعه اليم ويغرق فرعون. ثم يتيهون في الصحراء أربعين سنة، عانوا فيها قلة القوت فأطعمهم الرب مَنّاً وسلوى، واشتد بهم الظمأ، ففجر لهم العيون، ولاقوا أشد الأمم بأساً فغلبوهم. ثم اضطرب أمرهم فتفشت فيهم الأمراض، وابتلوا بالعصيان، فأخضعهم موسى أحياناً، وأحياناً ثاروا عليه. ونظمهم وخَطَّ  لهم الخطط، وَعَلَّمَهُمْ سبل النظافة والوقاية، وسلك بهم مسالك الحذر واليقظة، وأحصاهم أولاً  ليوزع عليهم الأرض، ثم أحصاهم ثانية ليمتحن قوتهم حتى يعرف مدى استعدادهم للحرب والصبر عليها.

كان موسى يقوم بكل ذلك هداية لقومه، وفي نفس الوقت كان يعاني من شكواهم وتمردهم وإبدائهم المِنَّةَ عليه بأن خرجوا معه وتركوا أرضاً، أصبحت في أعينهم بعد تركها جنة، في حين أن حياتهم كانت فيها جحيماً. ولم يواسه في كل هذا إلا التجلي، وكان هذا التجلي مصدر الشريعة والأحكام. ومع كل نازلة من نوازل التيه الذي دام أربعين سنة، كان موسى يسمع الخطاب من الرب، وينظم مناسك العبادة وطقوسها.

كان موسى دقيقاً في كل شيء، في توزيع الغنائم والأرض والمدن والجيوش، وكان بعيد النظر فيما يمكن أن يأتي به الزمان، وكان بارعاً في رسم خطط الهجوم والدفاع، بل والفرار أيضاً. وكان، مع هذا وذاك، حاد المزاج تأتيه فورات غضبية شديدة، ألم يقتل مصريا وكاد يفعل نفس الأمر ثانية ؟ ألم يصارع السقاة عند بئر مدين ؟ ألم يكسر الألواح عندما وجد بني إسرايل قد عبدوا العجل ؟ ألم يُعَنِّفْ أخاه، بل أمر بقتل كل المرتدين في ذلك اليوم ؟ ولعل خطبه الثلاث في آخر أيامه كانت خلاصة الفورة من أجل إنهاء التيه(6).

هذه هي الخيوط التي نسجت بها التوراة حياة موسى، وأضفى عليها مدونوها كثيراً من الخيال وكثيراً من الموروث الشعبي، كما فعلوا بإبراهيم ويوسف وكل الآباء والأحداث التي أَرَّخُوا لها. ولهذا بحث الدارسون لعلهم يجدون لشخصية موسى شبيهاً في الآداب البابلية الأقدم، فوجدوا ذلك في ألواح سومارية كان بطلها سرجون الأكادي، وفي قصة رملس emulus) ورموس (Remus)(7( )

ولتشابه هذه الشخصيات مع شخص موسى، عَدَّ البعض ذلك النبي العظيم في ضروب الخيال.

وينطلق فرويد من قريب من هذا التصور في كتابه "موسى والتوحيد"، ليؤسس كل نظريته التي تقول بأن موسى كان مصري المحتد والأصول، وأن الديانة التي دعا إليها هي ديانة مصرية محض، كان يحميها الفرعون أمنحوتب الرابع الذي غير اسمه فصار أخناتون. وبعد موت هذا الأخير، سنة 1350 ق.م، أعاد كهنة مصر الأمر إلى نصابه، ونقموا من كل شيء خلفته السلالة الثامنة عشرة. وكان من خلصاء أخناتون رجل اسمه توتموس (توت + موسى) وكان يشغل منصبا كبيرا، ففر بدينه مع جماعة، شرع لهم شريعتهم بعد أن غير فيها وأزال منها آثار عبادة الشمس. وخرج هذا الرجل وأتباعه من مصر، فاشتد في تربيتهم وإخضاعهم للشريعة، فثاروا عليه وقتلوه، وتخلوا عن عبادة آتون، كما فعل المصريون سابقا. وبعد ذلك اختلطوا بقبائل كانت تقيم بين فلسطين وشبه جزيرة سيناء والجزيرة العربية، وهم قبائل مَدْيَن، فأخذوا عنهم دينهم وإلههم "يهوه " "إله البراكين"، وطوروا فكرة يهوه خلال سنين، حيث ندمت الأجيال اللاحقة على ما فعله أجدادهم بموسى، وصادف أن ظهر رجل مصلح آخر اسمه موسى فتبعوه. وهكذا فعل الزمان من المُوسَوَيْنِ موسىً واحداً. هكذا كان تصور فرويد لموسى(8).

ولنعد نحن إلى اسم "موسى" وهو الاسم الذي سمته به ابنة الفرعون، ولم تسـمه إلا بـعد أن أرجـعته أمـه إليها، وقد صار طفلاً يافعاً. ومن الأكيد أن نطق الاسم : "مُشِهْ" لم يكن بالصيغة التي جاء بها في التقليد اليهودي، لأن الصنعة ظاهرة في هذه الصيغة. بل هي صيغة غير سليمة حتى من وجهة اللغة العبرية. لأن صيغة "مُشِهْ" هي صيغة اسم الفاعل لا اسم المفعول، مع أن موسى كان مُنْقَذاً مُنْتَشَلاً أي "نمشه" لا مُنْتَشِلاً(9) "ودعت اسمه موسى وقالت إني انتشلته من الماء" (خروج 2 : 10) وعليه فإن الاسم في مصريته جاء من مُسْ "موسو"، ويعني الابن، كما هو الحال في أسماء تحتمس ورمسيس وأموسيس(10).

وتسمية موسى بـ "مُشِهْ" أي مُنْتَشِلْ قد تكون دالة على أنه مُنْقِذُ الإسرائيليين أي هو الذي انتشلهم من فرعون، فإذا كان الأمر كذلك فيكون من أعاره هذه التسمية إنما فعل ذلك بعد اطلاعه على قصته كاملة، منذ ميلاده وحتى إنقاذه بني إسرائيل. فيكون المدوِّن اختار اسماً مقارباً في النطق لكلمة موسى، وفي نفس الوقت يعبر عن شخصية موسى النبي الرشيد الذي انتشل أي أنقذ بني إسرائيل من فرعون. ولو كانت العبرية هي لغة أتباع موسى في عصره، لوجد لموسى اسم في تلك اللغة يطابق كلمة "موسى" في النطق أو في المعنى، إلى جانب الاسم الذي يشير إلى أنه منتَشِلٌ لبني إسرائيل، والذي لم يكن ليتسمى به إلا بعد انتصاره على فرعون، أو على أقل تقدير بعد ظهور نبوته.

إنه من الطبيعي أن يُسَمَّى موسى باسم مصري لأنه نشأ وتربى في بلاط فرعون، ولكن الذي يثير الانتباه هو عبرنة الاسم بطريقة غير سليمة صرفاً ولغة، كما ذكرنا، وبالتالي فإن شخصية موسى الحقيقية أحيطت بضباب(11)، بما أضيف إليها من موروث قديم فيه الكثير من النسيج الروائي الذي يضخم الأحداث بالخيال الخصب اعتزازاً بأصول ذات ماض مجيد.

وإذا كان يوسف قد عاش حوالي 1730 ق.م، واستمر بنو إسرائيل من بعده في مصر مدة مقدارها حوالي 430 سنة حتى الخروج، وكانت مدونة التوراة تحدد سن موسى عندما توجه إلى فرعون بثمانين سنة، فإن مولده يكون حوالي 1370 ق.م وهي الفترة المعاصرة لأخناتون "أمنوفس" (1375ـ1354 ق.م) ويكون الخروج حوالي سنة 1290 ق.م وتكون سنة 1720 ق. م بالتقريب هي تاريخ قدوم يعقوب إلى مصر.

إن فترة بلغ مجموعها 430 سنة، مدة إقامة بني إسرائيل في مصر، إذا ما أنقصنا منها ثمانين سنة عاشها موسى قبل سنة الخروج، لَتَدُلُّ على أن فرعون السخرة كان رمسيس الثاني الذي حكم من 1301 إلى 1234 ق.م(12)، ويكون ذلك الفرعون نفسه هو فرعون الخروج.

 وشكك بعض الباحثين في واقعة الخروج هذه أصلاً(13). واعتبروا مرنبتاح ابن رمسيس الثاني هو فرعون الصراع فيما بعد مع بني إسـرائيل. ذلك أن مرنبـتاح هذا سـجل انتصاره عليهم في نصب مؤرخ بـ 1230 ق.م، وذكر في هذا النصب أنه قضى على إسرائيل نهائياً. ولكن مـن غـير الواضح هنا ما المقصود بإسرائيل، هل هم الشعب أم الأرض(14)  ؟ والفصل بين الأمرين ضروري جداً في هذا المقام، فإذا كانوا هم الشعب، فيكون المقصود أولئك الذين خرجوا مع موسى، وهذا لا يتفق مع ترتيب الأحداث كما رأينا. وإذا كان المقصود بإسرائيل الأرض، فتكون هي أرض فلسطين، بعد أن دخلها بنو إسرائيل.

ونحن نميل إلى ترجيح الفرضية الثانية، ذلك أن الخروج كان، كما سبق أن قلنا، سنة 1290 ق.م أيام رمسيس الثاني، في حين أن النصب مؤرخ بـ 1230 ق.م، ثم إن النصب يتحدث عن القضاء المبرم الذي كان ضحيته بنو إسرائيل، مع أن حدث المعجزة تمثل في القضاء على جيش فرعون لا على أتباع موسى. بل القصة كما ترويها مدونة التوراة تدل على أن الحدث كان في مصر، فبعد أن خـاطب مــوسى وهــارونُ فــرعونَ لــكي يطـلق بني إسرائيل، كان جواب الـفرعون :"لماذا يـا مـوسى وهارون تعطلان الشعب عن أعماله ؟ اذهبا إلى أثقالكما. وقال فرعون : هُوَ ذا الآن شعب الأرض كثير وأنتما تريحانهم من أثقالهم" ! (خروج 5 : 5-4).

ولعل إلحاح موسى وهارون هو الذي أحدث مراقبة شديدة بين الحدود المصرية وشبه جزيرة سيناء، فما كان يُسْمَحُ لأي من كان بالخروج إلا بعد الحصول على وثيقة من السلطات المركزية(15). وهذا ما يفسر أيضاً نزول بني إسرائيل إلى الجنوب بدلاً من أن يصعدوا إلى الشمال، أي إلى فلسطين التي كانت على مَدِّ البصر.

ومما يثير الانتباه أيضا أنه لم يرد في أي  سجل من سجلات المصريين إشارة إلى الخروج، مع أن الفراعنة كانوا يسجلون الوقائع والأحداث. وتفسير سكوت هذه الوثائق بسيط، إذ لم يعتد الفراعنة تسجيل هزائمهم بل كانوا يحذفون من تواريخهم ما لا يلائمهم، كحذفهم أسماء معارضيهم السياسيين، ومن اعتبروهم خارجين عن الدولة(16).

وبناء على هذه الوقائع، فإننا نعتقد أن ما جاء في نصب مرنبتاح (أو منوبتاح) كان بعد دخول بني إسرائيل إلى فلسطين، وأن الفرعون الجديد مرنبتاح هذا عزم على إخضاع فلسطين التي أرادت الخروج عن طاعته، وعلى الانتقام ممن كان سببا في هلاك أبيه وجيشه(17). وذلك لا يكون إلا بعد سنين، أي بعد أن أعاد مرنبتاح بناء الجيش من جديد، أي بعد عشرين عاماً من دخول الفارين إلى فلسطين، وبعد أن بدأ الوهن يدب في الجيش الذي أَعَدَّهُ موسى في الصحراء خلال التيه.

ومما يؤكد ما ذهبنا إليه، أنه حدث في هذه الفترة تخريب مدن عديدة في فلسطين. ولا شك أن هذا الخراب كان نتيجة للصدام الذي وقع بين الفرعون مرنبتاح وأهل فلسطين عموماً، عندما أرادوا استقلال بلدهم والتخلص من استبداد حكام فلسطين من الأجانب(18)، وقد يكون هذا الحدث بعد موت يوشع الذي قاد بني إسرائيل. ويشير مُدَوِّنُ سفر القضاة إلى هذا الحدث، ويرد أسبابه إلى عدم احترام بني إسرائيل لعهدهم الذي عاهدوا "يهوه" عليه.

إذاً، فخروج موسى ببني إسرائيل كان في الفترة التي أشرنا إليها، أو على أقل تقدير في زمن قريب منها، وكانت مجريات الأحداث برفقة ومساعدة هارون.

هــارون

ولد هارون قبل ثلاث سنوات من ميلاد موسى، وكان ذلك قبل صدور الأمر بقتل كل ذَكَرٍ من أبناء العبريين. وعندما غادر موسى مصر إلى مَدْيَن ترك أخاه هارون مقيماً بها، ولا ندري هل كان هناك اتصال بينهما خلال الأربعين سنة التي قضاها موسى في مدين أم لا ؟.

ولم يُذْكَرْ هارون في التوراة إلا عند محاولة موسى الاعتذار عن الرسالة متعللاً بِعَيِّهِ اللساني، فعندها قال له يهوه : "أليس هارون اللاوي أخاك ! أنا أعلم أنه هو يتكلم، وأيضاً هاهو خارج لاستقبالك، فحينما يراك يفرح فتكلمه وتلقن فمه الكلمات. وأنا أكون معكما وأعلمكما ماذا تصنعان" (خروج 4 : 15-14).

وتحـكي التـوراة أن يـهوه خـاطب هـارون فـي أمـر القيام بالرسالة عوناً لأخيه :"وقال الرب لهارون : اذهب إلى البرية لاستقبال موسى" (خروج 4 : 27) ثم جعله الرب رسولاً  لفرعون "فقال الرب لموسى : أنا جعلتك كإله لفرعون، وهارون أخوك يكون كَنَبِيٍّ لك" (خروج 7 : 1).

وبعدها أصبح هارون لسان موسى لقومه وإلى فرعون، وعلى يده جرت معجزات موسى، وعلى يده حَلَّت بفرعون وقومه ثلاث بلايا من عشر. وتلقى الكلمات مع موسى، وخاطب معه الرب في خيمة الاجتماع، وقاد معه بني إسرائيل في التيه، وقام بقسط  كبير في تنظيمهم، ولامه موسى وعَنَّفَهُ لعدم استطاعته منع القوم من صناعة العجل وعبادته. وبعد أن انصلحت الأمور أصبح هارون أول رئيس لكهنة بني إسرائيل، وصارت الكهنوتية في نسله دون غيره، ونظم طقوس الهيكل تنظيماً محكماً، ولم يَنْسَ في ذلك شاذة ولا فاذة. ثم مات وهو على بعد خطوات من أرض كنعان، لأنه مكتوب أن كل جيل الخروج لا يدخل هذه الأرض.

وليس هناك مصدر يؤرخ لحياة هارون غير مدونة التوراة، وأعاد التلمود ما جاء فيها مع بعض المبالغة في الوصف والأعمال. وقد رأى المحدثون في هارون رجلاً مصرياً، أو على الأقل كان يُسَمَّى باسم مصري. ولا غبار على أن الأسماء التي حملها حفدته كانت أسماء مصرية، مثل "بنحاس"، ولعل الأسماء المصرية كانت شائعة عند اللاويين الذين انحدر منهم موسى وأخوه هارون(19).

لـغة موسى، لغة المدونة الأصلية للتوراة

وليس هناك أي دليل في مدونة التوراة الحالية على اللغة التي كتبت بها أصولها الأولى. بل تذكر أن ما سمعه موسى من فم يهوه، عند تلقي الألواح، لم يكن كلاماً ولا لغة، إذ تقول التوراة نفسها : "وكان صوت البوق يزداد اشتداداً وموسى يتكلم والرب يجيبه بصوت" (خروج 19 : 19)(20).

ومن الواضح أن "صوت" أو "رعد" أو "ضجيج" هي ألفاظ لا تحمل بياناً محدداً للغة الخطاب. ولعل ذلك ما دفع بعض علماء التوراة إلى القول بأن موسى كان يتلقى  معانٍ لا لغة، وكان هو يترجمها إلى لغة الناس(21).

ما هي تلك اللغة التي كان موسى يخاطب بها الناس ؟

لم يرد ذكر في التوراة للفظ عبرية بمعني اللغة.ففي سفر إشعياء حيث تبشر مدونة التوراة بالاستيلاء على مصر وإخضاعها ليهوذا، تقول : "في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان" (إشعياء 19 : 18). والمقصود بطبيعة الحال لغة بني إسرائيل الذين سينتصرون، وتلك اللغة لم يكن لها علاقة باللغة العبرية.

ولما حاصر قائد عسكر الأشوريين أورشليم، بعث إليه الملك حزقيا خدامه فخاطبهم القائد، ثم أجابوه : "خاطب عبيدك بالآرامية لأننا نفهمها ولا تخاطبنا باليهودية في مسامع الشعب الذين على السور" (إشعياء 36 : 11)(22).

يتضح من السياق التاريخي الذي أوردناه، أن البلاغ الأصلي للتوراة كان موجهاً إلى فرعون وإلى بني إسرائيل، فإذا كان القوم قد دوَّنوا البلاغ مباشرة عن لسان موسى، فإن التوثيق الأصلي للتوراة ــ أي المدونة الأولى التي لا وجود لها بين أيدي الإنسانية المعاصرة ـ لا يمكن أن يكون بالحرف العبري الذي نعرفه حالياً.

لقد عاش موسى في مصر أربعين سنة تربى خلالها في بلاط فرعون فتكون لغته الأم هي المصرية. ويمكن أن يكون ملمّاً بلغة أخرى إلى جانب المصرية كعادة الملوك في تعليم ذويهم عدة لغات، فربما كان ملمّاً بلغة خاصة بالعبرانيين أو الإسرائيليين ــ ولم يكن بنو إسرائيل آنذاك سوى قلة ضمن شعوب العبرانيين ــ فإذا كان الإسرائيليون يحتفظون بلغة لأنفسهم إلى جانب المصرية التي هي  لغة المحل الذي سكنوه لعدة قرون، فإن هذه اللغة الخاصة لا يمكن أن تكون هي اللغة العبرية المعروفة لدينا، فهذه لم تتبلور إلا بعد وفاة موسى بحوالي أربعة قرون. إذاً فهناك احتمال غالب أن تكون لغة البلاغ الأصلي للتوراة هي المصرية دون غيرها، باعتبارها اللغة المشتركة بين جميع سكان مصر. أو يحتمل أن تكون لغة التوراة الأصلية هي لغة هؤلاء الذين هاجروا من فلسطين إلى مصر وهم أخلاط، فتأثروا بعادات مصر واكتسبوا لغتها، ثم رجعوا إلى فلسطين يحملون معهم موروثهم الثقافي والفكري الجديد، فكانت لغتهم على أقل تقدير خليطاً من المصرية والكنعانية الحيثية، فتكون هي اللغة التي دونوا بها التوراة نقلاً عن موسى. وإذا كان موسى قد عاش أربعين سنة في مصر، ثم رحل إلى مَدْيَن وهي قبيلة عربية ـ أو على الأقل ليست إسرائيلية ـ ليعيش فيها أربعين سنة أخرى، فإنه بالتأكيد كان قد ألم بلغة هذه القبيلة قبل عودته إلى مصر رسولاً. ولكن يبقى السؤال : ما حاجة سكان مصر من فراعنة وإسرائيليين لأن يخاطبهم موسى بلغة غير اللغة المصرية التي هي لغة المحل ؟

ونخلص من ذلك إلى القول بأن الوثيقة الأولى للتوراة، التي تحمل البلاغ أصلاً خالصاً كما بلغه موسى، مفقودة في عصرنا الحاضر ولا تتوفر الإنسانية المعاصرة عليها.

وما يقال عن لغة موسى يقال عن لغة هارون أخيه، إذ أنه من سلالة الإسرائيليين الذين سكنوا مصر لأكثر من أربعمائة عام، وقد عاش طيلة حياته في مصر، وكان معاوناً لأخيه موسى، عليهما الصلاة والسلام.

ولعل نصوص شمره الغنية تلقي ضوءاً على علاقة وطيدة بين لغة العبرانيين والكنعانيين الذين دَوَّنُوا تراثهم بلغة جديدة، هي خليط من المصرية والكنعانية، أخذوا يستغنون فيها شيئاً فشيئاً عن الدخيل المصري الذي تسرب إلى ألسنتهم، حتى غلب المعجم الحيثي على ما عداه. ولذلك فالكتابات التي اكتشفت في فينيقيا وسوريا، وهي وثائق أكثر عدداً من تلك التي وجدت في فلسطين، كانت تمثل نموذجاً من لغة قديمة تطورت مع الزمان لتُكَوِّنَ بعد قرون اللغة العبرية. وبفضل هذه الاكتشافات زال كثير من الغموض عن معجم ونحو وأسلوب مدونة العهد العتيق بلغتها التي وصلتنا، بل زالت الظلال الضبابية التي غلفت الشخصيات والأحداث والوقائع والحضارات التي تأثر بها مدونو العهد العتيق، وهم غافلون عن ترتيب العهود التاريخية والمواقع الجغرافية(23).

ويجمع اللغويون على أن اللغة الكنعانية هي أقرب اللغات إلى لغة التوراة الأصلية، وأيدوا ذلك بالكتابات التي عثر عليها في تل العمارنة بمصر العليا، وهي رسائل خطت بالحروف البابلية، ويعود تاريخها إلى حوالي 1400 ق.م وكانت عبارة عن مراسلات دبلوماسية كتبت على يد كتبة من بلاد كنعان إلى السلطات المصرية. وكان هؤلاء يستعملون كلمات وصياغات من لغتهم الأصلية التي هي قريبة جداً من أقدم الآثار التي عثر عليها، وأعني نقش سلوان بالقدس (700 ق.م) ونقش ميشع ملك مآب (حوالي 850 ق.م)(24).

وهذه اللغة القديمة في شكلها وفي حروفها، كانت هي لغة "يهوديت" الوارد ذكرها في التوراة "ونادى بصوت عظيم باليهودي" (سفر الملوك الثاني 18 : 28)(25). ولم تكن تلك اللغة القديمة متمثلة في قالب واحد، بل كانت لهجات غير موحدة(26). أما اللغة التي خطت بها مدونة التوراة الموجودة بين أيدينا، فهي العبرية الحديثة التي لم تنضج إلا بعد زمن طويل من عهد موسى، وذلك إذا ما اعتبرنا أن ما بين القرن العاشر وسقوط مملكة يهوذا (586 ق.م) هو عهد طفرة اللغة العبرية وتطورها.

وبهذه اللغة العبرية الحديثة حُرِّرَت مدونة العهد القديم الموجودة بين أيدينا اليوم. ولهذا الفارق الزمني والفوارق في اللهجات، صَعُبَ على المختصين كتابة تاريخ دقيق للغة العبرية، يُمَكِّنُ من الرجوع إلى فترة توحيدها، وإلى تحديد منضبط للغة النصوص التوراتية الأصيلة.

ومما يزيد الأمر تعقيداً وغرابة أن اللغة العبرية الحديثة مرَّت بمرحلتين، فبعد أن تشكَّلت معالمها هجرها لسان اليهود إلى اللغة الآرامية، ثم عادت مرة أخرى لتتبلور في شكلها الجديد المعروف في عصرنا. وهذا ما يفسر وجود نصوص من العهد العتيق مكتوبة بالآرامية، وهذه أيضاً ليست من الأصول الأولى التي كتبها أو أملاها موسى، عليه الصلاة والسلام. وذلك يفسر أيضاً وجود الترگوم أو الترجمة الآرامية، وهو ما يفسر كذلك تأليف العمل الضخم المعروف بالتلمود، كما سنرى.

وكل ذلك يوضح أن التدوين الأول للتوراة ـ كما تلقاها الناس مباشرة عن لسان موسى ـ غائب. وتكمن أهمية الحفاظ على المدونات الأولى للكتب السماوية في أمرين : الأمر الأول : أنها ملك للإنسانية لأنها تمثل حقبة هامة من تاريخها. والأمر الثاني : أنها وثائق حاكمة، تفصل فيما هو بين أيدينا من مكتوبات لنعرف ما زاد وما نقص وما انحرف عن الأصل، ونستجلي مضمون ما حمله لنا التاريخ من خطاب سماوي في وضوح وشفافية.

     

  

Untitled Document