Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

   

دور الإعلام في معالجة ظاهرة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا)

 

الفهرس

دور الإعلام في‮ ‬إبراز صورة الإسلام في‮ ‬العالم ومعالجة ظاهرة الخوف من الإسلام‮ (‬الإسلاموفوبيا‮)‬

الشيخ الدكتور بدر الدين حسون‮(*)‬

‮{ ‬ولتكن منكم أمة‮ ‬يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون‮ }(‬1‮).

‬ الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى جميع رسل الله ومن تبعهم بإحسان إلى‮ ‬يوم الدين‮.‬

حينما نتحدث اليوم عن ثورة علمية وإعلامية،‮ ‬لابد لنا أن نعلم أن هذه‮ (‬القفزة العالمية‮) ‬التي‮ ‬نشهدها منذ منتصف القرن الماضي‮ ‬وبداية هذا القرن،‮ ‬لم تمر على آبائنا أو أجدادنا،‮ ‬إنما عرفناها من خلال رسالات السماء التي‮ ‬هي‮ ‬بين أيدينا‮.‬

فحينما تجد وأنت في‮ ‬غرفتك خبراً‮ ‬ما من البرازيل‮ ‬يقع بين‮ ‬يديك وأنت في‮ ‬سورية،‮ ‬فهـذه قـفزة ولاشك ما لها من نظير،‮ ‬أكدت عليها حيثيات الآية الكريمة في‮ ‬قوله تعالى‮ : { ‬قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني‮ ‬عليه لقوي‮ ‬أمين قال الذي‮ ‬عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن‮ ‬يرتد إليك طرفك‮ }(‬2‮).

‬ومن هنا أجد أن الحقيقة الجوهرية التي‮ ‬تقول إن الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم‮ (‬أول الإعلاميين في‮ ‬العالم بل هم أصدقهم‮).‬

مصداقية الخبر من حيث المصدر

المصدر لقد أسس الصديق رضي‮ ‬الله عنه قاعدة مثلى مفادها‮ (‬مصداقية الخبر تأتي‮ ‬من صدق المصدر‮) ‬حينما وقف أمام خبر الإسراء والمعراج الذي‮ ‬حدثته به قريش،‮ ‬والحادثة معروفة،‮ ‬رد قائلاً‮ : ‬إن كان قال ــ‮ ‬يعني‮ ‬رسول الله "ص"ـ فقد صدق‮.

‬فلذلك‮ ‬يجب علينا أن ننظر كيف تلقى الصدّيق رضي‮ ‬الله عنه،‮ ‬هذا الخبر بعقلانية وتحليل،‮ ‬وأجاب عنه بعلم وتبيين دليل،‮ ‬فقال رضي‮ ‬الله عنه‮ : "‬إني‮ ‬أصدقه في‮ ‬خبر السماء ــ‮ ‬‬يعني‮ ‬رسول الله "ص" ــ‮ ‬يأتيه ما بين الغدوة والروحة‮".

‬ ولهذا علينا أن ننتبه إلى قوله رضي‮ ‬الله عنه‮ : "‬إن قال فقد صدق‮"‬،‮ ‬فنحن اليوم نستمع إلى الإعلام دون أن نحلل فكره وفعله وكثيراً‮ ‬من الأحيان ننساق وراءه‮.‬ وحينما نخاف من الإعلام الغربي،‮ ‬أو‮ ‬يقتحمنا ذاك الإعلام،‮ ‬علينا أن نتساءل‮ :

ــ هل نحن محصّنون إعلامياً‮ ‬؟

ــ هل نحن متوازنون إعلامياً‮ ‬؟

ــ هل الغرب اعتدى علينا أم نحن فتحنا له الأبواب ليدخل بيننا وإلى بيوتنا ؟

أود أن أشير هنا إلى خطورة وأهمية هكذا ندوات من خلال ما فيها من مواضيع تمس واقعنا المعاصر في‮ ‬العالم الإسلامي،‮ ‬وإنه ليحزنني‮ ‬أننا في‮ ‬الغالب لم نُعِرْ‮ ‬أي‮ ‬اهتمام للدور الإعلامي‮ ‬في‮ ‬بناء حضارتنا‮.‬

فعلى سبيل المثال،‮ ‬منابرنا ومساجدنا هي‮ ‬مراكز إعلامية،‮ ‬لكن مشكلتها أنها تخاطب ذاتها وكأنها تقف أمام المرآة ولا تقف أمام الآخر،‮ ‬وطلابنا الذين‮ ‬يدرسون الشريعة،‮ ‬يجب أن‮ ‬يكونوا علماء لغيرهم،‮ ‬سفراء لهذا الدين،‮ ‬لكنهم جعلوا من أنفسهم علماء لأهلهم فحسب‮.‬

مفهوم الآخر في‮ ‬فكرنا الإسلامي

اسمحوا لي‮ ‬أن أنطلق من مفهوم مغاير هو في‮ ‬لب فكرنا الإسلامي،‮ ‬إذ ليس عندنا في‮ ‬الإسلام مصطلح‮ (‬الآخر‮) ‬أو‮ (‬الحوار مع الآخر‮)‬،‮ ‬بل عندنا‮ (‬الأخ‮) ‬أو‮ (‬الحوار مع الأخ‮). ‬ويجب علينا أن نسقط حرف الراء من مصطلح الآخر فالآخر هو‮ ‬غير الإنسان من المخـلوقات‮ (‬كالحـيوان والنبـات مثـلاً‮...)‬،‮ ‬لأن كل أبناء العالم هم إخوة لي،‮ ‬قال تعالى‮ : { ‬يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً‮ ‬وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير‮ }(‬3‮).‬

فنحن كلنا أبناء أب وأم من الأرض خلقوا،‮ ‬ومن الطاقة والروح الإلهي‮ ‬بعثوا‮. ‬فإذن نحن اليوم في‮ ‬خطابنا‮ (‬للأخ‮) ‬مقصرون،‮ ‬لذلك نرى هذا الأخ قد هاجمنا إعلامياً‮ ‬وسياسياً‮ ‬واقتصادياً‮ ‬وثقافياً،‮ ‬لأننا حقيقة لم نعطه هويته الصحيحة‮.‬

ومن هنا من خلال استقبالي‮ ‬المتكرر لوفود عربية وأجنبية مسلمة ومسيحية،‮ ‬أجد أننا مقصرون جداً‮ ‬في‮ ‬نقل رسالتنا لغيرنا،‮ ‬فكم من الوفود الذين خرجوا‮ ‬يتمزقون ألماً‮ ‬من إعلامهم وحكامهم الذين جهَّلوا الشعوبَ‮ ‬بالإسلام والمسلمين،‮ ‬وولَّدوا الحقد علينا لديهم‮.

‬هل نقلنا صورة الإسلام بشكلها الصحيح ؟‮.‬

أود أن أتطرق إلى اجتماع السادة العلماء وأصحاب السماحة في‮ ‬بلدنا سورية مع سيادة الرئيس بشار الأسد على مأدبة الإفطار التي‮ ‬جاءت بعد ست سنوات خلت،‮ ‬وقف الرئيس قائلاً‮ : ‬أتدرون لماذا أدعوكم لإفطار هذا العام‮ ‬يا علماء المسلمين ؟‮. ‬السبب الرئيس الذي‮ ‬جعلني‮ ‬أدعوكم هو شدة الهجمة على شخصية النبي؟ وعلى الإسلام العظيم،‮ ‬ثم أريد أن أسألكم ماذا أعددتم وماذا فعلتم لنصرة هذا النبي؟ ونصرة هذا الدين ؟‮.‬

هل نحن الذين أسأنا للصورة النبوية أم هم عرفوها وشوهوها ؟ أظن أن معظمنا هو من أساء للصورة النبوية الشريفة حيث قصرنا في‮ ‬نقلها،‮ ‬ولم نعرف أنه‮ ‬يجب علينا أن ننقلها كما هي‮.‬

علينا أن نعلم أيها السادة الأفاضل أن الذي‮ ‬هو أمامنا ليس قوياً،‮ ‬أسوق لكم هذه المقالة التي‮ ‬قرأتها والتي‮ ‬تدل على ضعف من‮ ‬يقف في‮ ‬طريق النور الإلهي،‮ ‬هذه المقالة تتحدث عن رجل دين مسيحي‮ ‬متقاعد في‮ ‬ألمانيا وهو‮ (‬رولاند بيسلبيرغ‮) ‬حيث أضرم في‮ ‬جسده النار منذ أسبوعين أمام إحدى الكنائس،‮ ‬والسبب في‮ ‬ذلك كما تقول زوجته،‮ ‬أنه تحدث في‮ ‬رسالة تركها قبيل انتحاره‮ ‬يعلن فيها عن قلقه إزاء انتشار الإسلام في‮ ‬ألمانيا وأنه لم‮ ‬يجد طريقة لتنبيه الناس هناك إلا بهذا العمل الشنيع وهو الانتحار‮.‬

ومن هنا نسأل أنفسنا‮ : ‬لم قام بذلك ؟‮. ‬الجواب هو أن الإعلام الغربي‮ ‬أقلقه من الإسلام،‮ ‬وجعله‮ ‬يخاف من الإحراق من أولئك الجهلة الذين دخلوا إلى أوروبا وأخافوا الناس من الإسلام‮.‬

لذلك فإنني‮ ‬في‮ ‬كل حواراتي‮ ‬مع الأوروبيين،‮ ‬وحتى في‮ ‬الرسالة التي‮ ‬وجهتها إلى الرئيس الأمريكي‮ ‬جورج بوش،‮ ‬أقول إنه من بلادنا أرسل الله رسالات السماء كلها،‮ ‬فلماذا تخافون من الإسلام ولا تخافون من المسيحية،‮ ‬والإسلام والمسيحية كلتاهما شريعتان من عند الله،‮ ‬كانت بلادنا مهبطاً‮ ‬لهما،‮ ‬وكانت أرضنا المكان الذي‮ ‬أضاءت فيه تلك الشرائع،‮ ‬فنور المسيح من أرضنا أضاء،‮ ‬ونور موسى من أرضنا أضاء،‮ ‬وإبراهيم أرضنا التي‮ ‬ضمته،‮ ‬ومحمد صلوات الله عليه أجمعين من بلادنا حمل راية الإسلام العظيم‮.‬

فنحن هنا في‮ ‬أرضنا مهد الرسالات نلتقي‮ ‬جميعاً‮ ‬في‮ ‬أسرة واحدة‮. ‬والعجيب أنني‮ ‬أرى بعض الأسر تعددت أطياف أفرادها،‮ ‬فمنهم المسلم،‮ ‬ومنهم المسيحي،‮ ‬منهم من مذهبه جعفري،‮ ‬ومن مذهبه شافعي‮.

‬ وأجمل ما رأيته في‮ ‬لبنان عائلة واحدة‮ (‬آل هاشم‮) ‬ترى فيها محمد هاشم،‮ ‬وجوزيف هاشم،‮ ‬وعمر هاشم،‮ ‬وكلهم‮ ‬يقول نحن أبناء أسرة واحدة‮.‬

إذاً‮ ‬عندما اختار الله تعالى هذه الأرض لتتقبل رسالات السماء،‮ ‬علم أن الإنسان هنا قادر على حمل أعباء هذه الرسالات،‮ ‬ولكن حين نترك دورنا في‮ ‬حمل الرسالة،‮ ‬نرد إلى أسفل سافلين‮.‬

محاور الإعلام كما أراها

للإعلام الحقيقي‮ ‬والسليم أساسات ومحاور أربعة،‮ ‬وهي‮ :

‬أولاً‮ : ‬المرسل‮.

ثانياً‮ : ‬الرسول‮.‬

ثالثاً‮ : ‬الرسالة‮.‬

رابعاً‮ : ‬المرسل إليه‮.

‬فتعدد وسائل الاتصال في‮ ‬عصرنا،‮ ‬جعلني‮ ‬أتساءل‮ : ‬هل‮ ‬يقوم العالم الإسلامي‮ ‬باستخدامها الاستخدام الأمثل‮.

‬أريد أن أفرق بين الإسلام والمسلمين،‮ ‬وبين المسيحية والمسيحيين،‮ ‬وبين شريعة سيدنا موسى واليهود‮.

نحن في‮ ‬كثير من الأحيان نخلط بين الإسلام والمسلمين،‮ ‬فنصدر الأحكام على الإسلام من خلال أخلاق المسلمين،‮ ‬نصدر أحكاماً‮ ‬على المسيحية من خلال معاملة المسيحيين‮.‬

أقول‮ : ‬لا‮ ‬يستطيع إنسان في‮ ‬الكون أن‮ ‬يشوه شريعة الإسلام وشريعة سيدنا عيسى وشريعة سيدنا موسى،‮ ‬لأنها صنعة الله عز وجل،‮ ‬إنما‮ ‬يشوهها من‮ ‬ينتمي‮ ‬إليها انتماء‮ ‬غير سليم،‮ ‬أو‮ ‬يفهمها فهماً‮ ‬خاطئاً‮.‬

لهذا،‮ ‬إذا أردنا تعدد كل وسائل الاتصال التي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتصل بها الإنسان بأخيه الإنسان،‮ ‬فإن العناوين الثلاثة التي‮ ‬ذكرتها،‮ ‬وهي‮ ‬المحاور قد حددتها كل الرسالات السماوية‮.

‬فالإعلام هو‮ :‬

‭.‬1‮ ‬مرسل‮ ‬يوثق به‮.

‬‭.‬2‮ ‬ورسول‮ ‬يؤدي‮ ‬الرسالة‮.‬

‭.‬3‮ ‬ورسالة تحقق مصالح الإنسان في‮ ‬الكون‮.‬

‭.‬4‮ ‬ومرسل إليه من أجله كانت الرسالة والرسول‮.‬

هذا هو مجمل الإعلام مصدر الرسالة وحاملها وجوهرها ومستقبلها‮.‬

أولاً‮ : ‬المرسل‮ :

‬إذا نظرنا إلى المرسل في‮ ‬كل رسالات السماء للإنسان،‮ ‬وجدناه واحداً‮ ‬هو الخالق عز وجل،‮ ‬فلذلك لا تعدد في‮ ‬المصدر،‮ ‬إنما ظهر هذا التعدد من خلال عبث بعض رجال الدين،‮ ‬وبعض رجال السياسة،‮ ‬في‮ ‬الرسالة‮.‬

فحينما ألبسوا الدين أثواب سياسية،‮ ‬ومذهبية،‮ ‬وطائفية،‮ ‬عندها مزقوا العالم على أساسها،‮ ‬فمن الضروري‮ ‬الآن أن نركز على وحدة المرسل في‮ ‬إعادة التواصل مع العالم كله‮.

‬ وقد أثبت العلم اليوم بعد التعرف على ما‮ ‬يسمى الاستنساخ،‮ ‬أثبت أننا جميعاً‮ ‬خلقنا من مصدر واحد،‮ ‬هو من جسد وطاقة‮.‬

ــ أما الجسد‮ { ‬فكلكم لآدم وآدم من تراب‮ }.‬

ــ وأما الطاقة فهي‮ ‬الروح التي‮ ‬نفخها الله فينا‮.‬

فالروح هي‮ ‬نفخة إلهية سرت فينا جميعاً،‮ ‬فالطاقة التي‮ ‬تمد لساني‮ ‬عند الكلام،‮ ‬هي‮ ‬عينها التي‮ ‬تمد أذني‮ ‬بالسمع،‮ ‬فلولا الطاقة التي‮ ‬فينا جميعاً،‮ ‬لما فقهنا الكلام الذي‮ ‬نتكلمه أو نسمعه‮.‬

إذن وحدة المرسل هي‮ ‬التي‮ ‬تمنع كثيراً‮ ‬من الصدامات في‮ ‬العالم،‮ ‬ولتحقيق ذلك‮ ‬يجب على كل المصادر الروحية والمراجع الدينية في‮ ‬المساجد والمعابد والكنائس،‮ ‬أن تؤكد أن الإله الذي‮ ‬نعبده‮ (‬المرسل‮) ‬هو إله للجميع وليس إلهاً‮ ‬مخصوصاً‮ ‬لطائفة أو جماعة أو أمة معينة‮. ‬لذلك عَلَّمنا الحق عز وجل العالمية في‮ ‬خطابنا الإسلامي،‮ ‬فأمرنا أن نقول كل‮ ‬يوم عشرات المرات‮ { ‬الحمد لله رب العالمين‮ }‬،‮ ‬لا أن نقول رب المسلمين‮.‬

وهذه النقطة إعلامياً‮ ‬تجعلني‮ ‬أنا والأخ في‮ ‬أي‮ ‬مكان،‮ ‬نعود لنفس المصدر الذي‮ ‬خلقنا في‮ ‬هذا الكون،‮ ‬فقد قال تعالى‮ : { ‬قلنا اهبطوا منها جميعاً‮ ‬فإما‮ ‬يأتينكم مني‮ ‬هدى فمن تبع هداي‮ ‬فلا خوف عليهم ولا هم‮ ‬يحزنون‮ }(‬4‮).

‬أي‮ : ‬لا خوف عليهم في‮ ‬الدنيا ولا هم‮ ‬يحزنون‮ ‬يوم العودة إلي‮ ‬في‮ ‬الآخرة،‮ ‬لأنه عز وجل المرسِل الأول‮.

‬ثانياً‮ : ‬الرسول‮ :‬

وهو الذي‮ ‬يحمل الرسالة‮. ‬ولهذا الرسول صفات معينة‮ ‬يجب عليه أن‮ ‬يكون متصفاً‮ ‬بها،‮ ‬وأن‮ ‬يكون النموذج الأمثل للرسالة التي‮ ‬يحملها،‮ ‬فالله تعالى قال‮ : { ‬الله أعلم حيث‮ ‬يجعل رسالته }(‬5).

‬فرسول لا‮ ‬يكون نموذجاً‮ ‬عن رسالته تُردُّ‮ ‬رسالته عليه‮.

‬مشكلتنا الإعلامية الإسلامية اليوم في‮ ‬حَمَلَة الإعلام،‮ ‬هل هم أصحاب رسالة أم هم أصحاب تجارة ؟‮!‬،‮ ‬وهل إعلامنا له رسالة أم هو إعلام تجاري‮ ‬؟‮! ‬وهل هذا الإعلام‮ ‬ينتمي‮ ‬إلى إنسانية وروحانية الإنسان،‮ ‬أم إلى مذهب وطائفة وجماعة ؟‮!.‬

فاليوم إعلامنا العربي‮ ‬والإسلامي‮ ‬إعلام مُضَيَّع،‮ ‬فهو إعلام إما في‮ ‬خدمة إنسان جعل من نفسه إلهاً،‮ ‬أو في‮ ‬خدمة فكر أعطى لنفسه العصمة،‮ ‬أو في‮ ‬خدمة مال ليعيش صاحبه مملوء البطن والجيب من خلال استعباده للناس‮.‬

فعندنا في‮ ‬العالم العربي‮ ‬70‮ ‬قناة عربية،‮ ‬تبث من أراضي‮ ‬عربية للفن والفنانين،‮ ‬أما قنواتنا الإسلامية،‮ ‬فيحزنني‮ ‬أنها تصور المسلم بأنه متواكل،‮ ‬لا‮ ‬يحب العمل،‮ ‬وهو زاهد في‮ ‬الدنيا لا‮ ‬يبالي‮ ‬بمظهره الخارجي،‮ ‬ويدعي‮ ‬أن الله أمره بالزهد،‮ ‬ولم‮ ‬يدر أولئك أن في‮ ‬ذلك تشويهاً‮ ‬للإسلام‮ ‬يجعل الغير‮ ‬يشمئز من هذا الدين،‮ ‬يأمر بعدم النظافة،‮ ‬وعدم الأناقة‮. ‬وأستغرب من إعلامنا الإسلامي‮ ‬أنه نسي‮ ‬أن‮ ‬يظهر المسلم الذي‮ ‬يقول‮ : { ‬وأما بنعمة ربك فحدث‮ }. ‬ونسوا كيف كان صلوات الله عليه‮ ‬يخرج من بيته وكأنه خارج من حمام،‮ ‬عليه ريح المسك،‮ ‬عليه ثياب بياضها كبياض الثلج،‮ ‬إذا نظرت إليه وإلى البدر ليلة التمام تجده "ص" قد تألق كتألق البدر،‮ ‬فهو البدر الكامل "ص".‬

نحن اليوم في‮ ‬مشكلة حقيقية في‮ ‬قضية الرسل مع الغرب ووسائل الاتصال معهم،‮ ‬فالحروب العسكرية والاقتصادية الفكرية تبدأ بالإعلام،‮ ‬فحرب العراق بدأت إعلامياً‮ ‬قبل أربع سنوات،‮ ‬وحرب أفغانستان بدأت إعلامياً‮ ‬قبل ست سنوات،‮ ‬أما فلسطين فمنذ تسعين سنة وقبل أن‮ ‬يستولي‮ ‬الصهاينة على القدس،‮ ‬كان المؤتمر الأول والمؤتمر الثاني‮ ‬للكيان الصهيوني،‮ ‬ونحن نائمون‮ ‬غائبون حتى جاءوا وأخذوا الأرض وهتكوا العرض‮.‬

فكما ذكرنا آنفاً‮ ‬للرسول صفات معينة‮ ‬يجب أن‮ ‬يتصف بها،‮ ‬فقبل ألف وأربعمائة سنة استعمل الرسول "ص" رسلاً‮ ‬معينين،‮ ‬فبعث إلى هرقل دحية الكلبي‮ (‬وهو من أجمل العرب‮) ‬هنا نجد أن النبي "ص" قد استعمل عنصر الجمال،‮ ‬لأن الإنسان‮ ‬يوم صاغه الله وأبدع في‮ ‬مظهره وخلقته،‮ ‬جعله من اللحظة الأولى عندما‮ ‬يرى شيئاً‮ ‬إما أن‮ ‬يقبله وإما أن‮ ‬يرفضه‮.

‬بينما اختار رسول الله؟ لأقوام أخر أقوى الرجال،‮ ‬فلكل قوم رسول‮ ‬يكون نموذجاً‮ ‬لهم في‮ ‬حياتهم‮.

‬لهذا‮ ‬يجب أن ننظر في‮ ‬الرسول الذي‮ ‬يذهب إلى الغرب ليخاطبهم،‮ ‬هل هو مهيأ لحمل الرسالة ؟‮. ‬فإذا لم‮ ‬يكن مهيأ،‮ ‬سنجد هجمات عديدة على الإسلام،‮ ‬ورسول الإسلام "ص".

ثالثاً‮ : ‬الرسالة‮ :‬ إن الرسالة التي‮ ‬نحملها رسالة عالمية،‮ ‬وبعض المسلمين في‮ ‬العالم الإسلامي‮ ‬يعتقدون أنهم هم المعنيون بالرسالة دون‮ ‬غيرهم‮. ‬لا هذا فهم قاصر،‮ ‬ذلك لأن رسالتنا ليست محددة لجماعة أو ثلة من الناس،‮ ‬إنما رسالتنا للعالم كله‮ { ‬الحمد لله رب العالمين‮ }.‬

ولذلك‮ ‬يجب علينا أن نعرف العالم أننا أمة نؤمن بحقوقه،‮ ‬فهل‮ ‬يستطيع العالم أن‮ ‬يؤمن بحقوقنا ؟‮. ‬حينما أَجْتَمِعُ‮ ‬مع‮ ‬يهودي‮ ‬أو مع مسيحي‮ ‬أو مع بوذي‮ ‬أو مع هندوسي،‮ ‬أقول لكل واحد منهم‮ : ‬إنني‮ ‬مؤمن بحقوقك،‮ ‬فهل أنت مؤمن بحقوقي،‮ ‬فيقول لي‮ : ‬كيف تؤمن بحقوقي،‮ ‬أقول لأن رسالتي‮ ‬علمتني‮ ‬أن أكون مؤمناً‮ ‬بك كإنسان ومؤمناً‮ ‬بك كروح،‮ ‬أما اختلافي‮ ‬معك في‮ ‬أسلوب عبادتك لله،‮ ‬فسيحاسبك الله عنها‮ ‬يوم اللقاء معه سبحانه‮.‬

رسالتنا أيها السادة رسالة مظلومة من أبنائها،‮ ‬مقهورة في‮ ‬هذا الزمن من حملتها،‮ ‬فعندنا أكثر من ثلاثة ملايير منبر في‮ ‬العالم الإسلامي،‮ ‬يدخل ما‮ ‬يقارب السبعمائة إلى الثمانمائة مليون أسبوعياً‮ ‬إلى المساجد ليسمعوا رسالة،‮ ‬فإذا بهم‮ ‬يخرجون كما دخلوا،‮ ‬والكثير منهم‮ ‬يخرج أضعف منه حينما دخل،‮ ‬لأن المتكلم لم‮ ‬يستوعب تلك الرسالة،‮ ‬فكيف‮ ‬يوصلها للمخاطب ؟‮.‬

إن التقدم التكنولوجي‮ ‬في‮ ‬الاتصالات الذي‮ ‬يوصل صوتنا ورسالتنا إلى الآخر لم نستعمله استعمالاً‮ ‬مثالياً‮ ‬صحيحاً،‮ ‬بل استعملناه لنشر فكر عبادة الأشخاص وعبادة المذاهب وعبادة الطوائف،‮ ‬وتركنا العبادة السامية التي‮ ‬حملناها للعالم ديناً‮ ‬واحداً‮ ‬لا أدياناً،‮ ‬ذلك لأن الدين واحد مصدره الديَّان الواحد سبحانه‮.

‬فحينما خاطب رسول الله "ص" أهل مكة الذين‮ ‬يدينون بالوثنية،‮ ‬قال‮ : { ‬لكم دينكم ولي‮ ‬دين‮ }. ‬فدينكم هو صنيعكم،‮ ‬وأما ديني‮ ‬فهو من صنع الواحد جل في‮ ‬علاه‮. ‬وحينما وصل إلى المدينة خاطب أهل الكتاب فقال‮ : { ‬قل‮ ‬يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله‮ } ‬وقال أيضاً‮ : { ‬لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً‮ }‬،‮ ‬فكان الخطاب لأهل الشرائع السماوية بوحدة المرسل وتعدد الرسالات‮.‬

رابعاً‮ : ‬المرسل إليه‮ :‬

هم نوعية الناس الذين‮ ‬يجب على الرسول أن‮ ‬يعرف كيف‮ ‬يخاطبهم،‮ ‬ولذلك كل رسالة في‮ ‬الكون متناسبة مع المرسل إليه،‮ ‬قال تعالى‮ : { ‬فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين‮ }.‬

فالإعلامي‮ ‬الذي‮ ‬يعرف من أين انطلق وأي‮ ‬فكر أو مصدر أرسله،‮ ‬يجب عليه أن‮ ‬يعرف الرسالة التي‮ ‬يحملها ويلتزم بها أولاً،‮ ‬ويعرف من‮ ‬يخاطبهم في‮ ‬العالم،‮ ‬أَهُمْ‮ ‬أبناء له أم إخوة‮. ‬أعتقد أن هذا ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتفاعل معه المرسل إليه‮. ‬وبهذا تكتمل رسالة الإعلامي‮ ‬والإعلام في‮ ‬عالمنا الإسلامي‮.

‬بهذا فقط نزيل الخوف والضعف من أنفسنا ومن نفوس الذين نحمل إليهم فكرنا ورسالتنا،‮ ‬فننشئ بذلك عالماً‮ ‬تعيش فيه الأمم والحضارات مع الشرائع بتكامل لا بتصادم،‮ ‬وببناء لا بهدم،‮ ‬وبتآخ لا بتنابز‮.

هذه هي‮ ‬رسالة السماء التي‮ ‬حملها كل الأنبياء عليهم السلام والتي‮ ‬يجب أن نعود إليها مبتعدين ما استطعنا عن الطائفية والفئوية والمذاهب والأهواء،‮ ‬لتكون هذه الرسالة عالمية تبعث النور لكل البشرية هداية وحباً‮ ‬وعطاء‮.‬ والحمد لله رب العالمين‮.‬

 

ـــــــــــــــ

(*) ‮ ‬المفتي‮ ‬العام للجمهورية العربية السورية،‮ ‬رئيس مجلس الإفتاء الأعلى‮.

‮(‬1‮) ‬سورة آل عمران،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬104

‮(‬2‮) ‬سورة النمل،‮ ‬الآيتان‮ ‬39‭-.‬40

‮(‬3‮) ‬سورة الحجرات،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬13

‮(‬4‮) ‬سورة البقرة،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬38

‮(‬5) ‬سورة الأنعام،‮ ‬الآية‮ ‬‭.‬124

 

   

منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ـ إيسيسكو ـ 1429هـ/2008م

Untitled Document