Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -


5. خدمات دعم التكنولوجيا

 

لعل أهم ما يرتبط بغرضنا هنا فيما يخص معرفة المستخدمين في مجال البحث والتنمية، هو معرفة المشاكل الصناعية والحاجيات الاجتماعية. وهذا بالضبط هو الجانب الذي يتجلى فيه ضعف مؤسسات البحث والتنمية في البلدان النامية. فمن الضروري، عند القيام بمشاريع لتطوير التكنولوجيا، تتبع الحاجيات والمتطلبات التكنولوجية للصناعة عن كثب. ولن يؤتي أي جهد أكله إلا إذا توفرت إحصائيات واقعية إلى حد ما عن الموارد القومية، سواء كانت مواد خام أو مهارات بشرية أو موارد مالية، الخ. وعادة ما تنطلق مجهودات التكنولوجيا المحلية في البلدان النامية على أساس نموذج الاستيراد والاستبدال. ولن يثمر أي جهد يرمي إلى انتقاء وتصميم وتحسين أية طريقة ما دام غير قابل للتطبيق اقتصادياً. ومن الواضح أن تقييم الجدوى لا يمكن له أن يتم إلا إذا تم الاعتماد على الموارد القومية.

5.1. نظام معلوماتي للتكنولوجيا

تلعب المعلومات دورا حيويا في نقل التكنولوجيا وتطويرها. إلا أن البلدان النامية عاجزة عن إقامة بنية تحتية ملائمة لجمع المعلومات لأغراض إنتاجية ومعالجتها وتخزينها  ونشرها. وهناك نزعة إلى التعويل على الآليات العمومية عوض آليات السوق. والواقع أنه في بعض البلدان النامية لا يوجد هناك اهتمام كاف بتطوير نظام معلوماتي للتكنولوجيا.

ويحتاج أي بلد يباشر برنامج نقل التكنولوجيا وتطويرها إلى معلومات تخص التكنولوجيات البديلة ومصادرها وتكلفتها. وفي عالم اليوم، عالم التجارة الدولية والإنترنيت، أضحى البحث عن موقع تنافسي الامتياز في السوق يعني في الأساس النظر من خلال التكنولوجيا نفسها. ويمكن اكتساب المعرفة المرتبطة بالسوق من خلال نظام معلومات فعال. إلا أنه نظراً للطبيعة الحيوية لعالم التكنولوجيا، تبقى المعرفة الإضافية للتكنولوجيا بالذات غير كافية. فمن الضروري أيضاً تقييم توجهات تغييرها وتجربة البلدان الأخرى.

ويجب التأكيد على أن توفير معلومات تكنولوجية مفصلة، من شأنها ضمان موقع تنافسي، من خلال أنظمة المعلومات التابعة للقطاع العمومي أمر بعيد الاحتمال. ومن السذاجة أن نتوقع أن المنظمات التي استثمرت أموالاً طائلة في تطوير تكنولوجيا معينة سوف تضعها رهن إشارة الآخرين مجاناً. إلا أن نظم المعلومات، خاصة في عالم الإنترنت الحالي، يمكن أن تساعد كثيراً في اكتشاف مصادر هذه التكنولوجيا.

وتشمل الترتيبات الضرورية لجمع المعلومات ونشرها مؤسسات جمع دلائل الكتب والمجلات. كما أن هناك مراكز توثيق قومية من شأنها أن تساعد الباحث على إعداد ببليوغرافيات، وفي الحصول على نسخ من المنشورات العلمية المناسبة. وعدا بعض البلدان، فإن البلدان النامية لا تتبادل المعلومات فيما بينها إلا من خلال خدمات البلدان المتقدمة. ولعل أحد الأسباب الأساسية وراء هذا الوضع هو أنه إذا كانت شبكة معلومات العلوم والتكنولوجيا الموجودة في البلدان النامية بدائية، فإن بنيتها وتكوينها يوجهانها نحو تلقي ما يأتي من العالم المتقدم.

التجارب الكورية : لتسهيل تبادل المعلومات التكنولوجية والخبرة ولفهم حاجيات الصناعة فهما تاما، تم تأسيس مركز البحث لمؤسسة الصناعة ـ الأكاديمية ـ معهد البحث بتنظيم من معهد سياسة العلوم والتكنولوجيا التابعة للمعهد الكوري للعلوم والتكنولوجيا. وتشمل أهم مهام المركز ما يلي : (1) نقل الملكيات الفكرية من مؤسسات البحث التي ترعاها الحكومة إلى القطاع الصناع، (2) استشارة تكنولوجية مجانية (حيث تقوم الحكومة بدفع التعويض) و(3) توفير معلومات متخصصة في مجالات تكنولوجية مختلفة. وفي سنة 1994، أسّس مركز تقديم الاستشارة في مجال تطوير التكنولوجيا، تحت رعاية مركز البحث المذكور، لسد حاجيات القطاع الصناعي في ميادين تكنولوجية شتى، مثل تقييم نتائج البحث المتوفر لدى مؤسسات البحث التي ترعاها الحكومة، وذلك من أجل الوصول إلى التقدم الاقتصادي المرغوب فيه.

إن الدفق الحر للمعلومات في مجال العلوم والتكنولوجيا لشرط ضروري لبناء قدرة تكنولوجية محلية. وتشكل المهرجانات والعروض الدورية منتدى يستغل عادة  لتقديم شروح عن المعلومات التكنولوجية ونشرها. وفي هذا الصدد، تتمثل المقاربة الجديدة في البحث والتطوير والعرض، الذي هو شعار نشر التكنولوجيا. كما أن التكنولوجيا تعرض من خلال قنوات عدة، كالمهرجانات والمعارض. ويتم نشر منتجات وتكنولوجيات كثيرة عن طريق معارض تنظم من قبل غرف التجارة والصناعة.

5.2. توحيد المعايير ومراقبة الجودة

إن الإنتاج وحده لا يكفي، إذ يتعين على المرء أن يبيع منتجاته، ويعتمد التسويق الناجح اليوم كثيراً على مراقبة الجودة. ويمكن توحيد المعايير من تحقيق أغراض اقتصادية ذات أهمية كبيرة. ففي المجتمع الصناعي الحالي الذي تحتدم فيه المنافسة، يكتسي ضمان الجودة والمعايير المصادق عليها أهمية كبيرة لتسويق مختلف التكنولوجيات بطريقة ناجحة. إذ ليس فقط التكنولوجيات هي التي يجب أن تثبت نجاعتها، بل يجب إثبات جودة المنتجات هي الأخرى، وإلا فإنها لن تصمد أمام قوى السوق لوقت طويل.

أما الأهداف الأساسية لتوحيد المعايير  فهي : (أ) توفير وسيلة للتواصل بين الصانع والزبون، (ب) تأمين الاستبدال، (ج) التبسيط (أو التقليل من التنوع)، (د) ضمان السلامة والصحة والحفاظ على الحياة، (ه) تنمية الاقتصاد العام، (و) إزالة الحواجز التقنية المعيقة للتجارة.

ولقد وُضعت العلاقة المفصلة القائمة بين توحيد المعايير وتطوير التكنولوجيا موضع تساؤل أحياناً. إذ يقول بعض الباحثين إن توحيد المعايير قد لا يشجع استكشاف مناحي البحث التي قد تكون مجدية. ولحسن الحظ، فإنه نظراً لكون التكنولوجيات تمر بتغيرات مستمرة، فإن المعايير تتطور هي الأخرى خلال العملية وتواجه عدة تحديات، وهكذا نجد أن جزءاً مهماً من النشاط الإبداعي يدور حول الصراع بين المعايير المتنافسة.

يسمح توحيد المعايير لصانعي أدوات التجهيز باستعمال نفس الممون الذي يزودهم بجزء معين، مما يساعد على تحقيق وفورات الحجم، وهذا يجعل التخفيض في تكلفة قوائم الجرد أمرا ممكنا بالنسبة للمستعمل. كما أن هذا يقلص من تكاليف التصميم وتصنيع الأدوات والآلات وزمن الإعداد للتجهيز. كما أن توحيد المعايير قد يسمح باستبدال القطع بشكل أكبر، الشيء الذي يجب أن يخلق منافسة  أكبر بين المزودين بالقطع . أضف إلى ذلك أنه قد تكون هناك وفورات الحجم في عرض المنتجات المتكاملة وفي توفير خدمات الإصلاح أيضاً. فعلى سبيل المثال، يمكّن توحيد معايير نظام تشغيل ميكروكمبيوتر ( Windows ) من إنتاج واسع لبرامجيات تطبيقية معيارية.

أما الامتياز الآخر لتوحيد المعايير فهو تخفيض تكاليف التعلم : فالشخص الذي تمرن على استعمال حاسوب شخصي ( PC ) يستطيع أيضاً أن يستعمل أي حاسوب شخصي تلاؤمي بقليل من التمرس الإضافي أو من دونه. ثم إن المعايير تخفض تكاليف الصفقات، وذلك من خلال التقليل من الشك فيما يتعلق بجودة المنتجات ومقومات أدائها. فإذا اشتهر منتوج ما بكونه يستجيب لمعايير محددة، بإمكان المشتري أن يكون على ثقة، وبدرجة عالية من الاحتمال، من أي منتوج سيكون له أداء معين.

عندما تضع حكومة ما المعايير، فإنها تعتمد في ذلك على اللجن التقنية المكونة من ممثلين عن الصناع والمستعملين والمصالح الحكومية والمختبرات الجامعية، وذلك قصد تحديد المواصفات. ويتطلب تطبيق المعايير إنشاء مؤسسة تتولى تحديد طريقة اختيار العينات واختبارها وإقامة برنامج لمنح الشهادات وتوفير الاستشارة التقنية للصانعين قصد الرفع من مستوى جودة منتجاتهم حتى تتلاءم مع المعايير المحددة. ويعتبر برنامج منح الشهادات، الذي يمنح تراخيص رسمية تشهد بأن الصناع يحترمون المعايير، بمثابة برنامج قومي لضمان الجودة. وبما أنه ليس بإمكان الهيئة المكلفة بالمعايير أن تراقب باستمرار مدى احترام كل منتج منحت له شهادة لمعايير الجودة المحددة، فإنه يتعين استكمال البرنامج ببرامج ضمان الجودة داخل الشركات المنتجة نفسها أو داخل معاهد البحث المتخصصة أو المختبرات التي تقدم خدمات لتلك الصناعة على وجه التخصيص بالنسبة للصناعات التي تتكون من عدة منتجين صغار. وستكون الهيئة القومية للسهر على تطبيق المعايير في حاجة إلى الموافقة على برامج أخذ العينات واختبارها، التي تتوفر عليها مثل هذه المعاهد والمختبرات. والواقع أن مختبرات التجارب هي جزء لا يتجزأ من تطبيق المعايير.

ولضمان فعالية الأجهزة المستعملة في الاختبار والقياس، سواء في مختبرات الشركات أو في مختبرات مستقلة لإجراء الاختبارات أو في مختبر أبحاث مركزي، فإنه من الواجب إقامة نظام معايرة منتظم. عادة، وباتباع مقاربة "سلسلات المعايرة" التراتبية المألوفة، نرى أنه كلما تم الاقتراب من مختبر الأبحاث المركزي كلما زادت صرامة الشروط التي تتم بمقتضاها معايرة الآلات والأدوات. ومن الناحية العملية، فإن المهم هو مدى جودة أداء آلة أو أداة ما في أخذ المقاييس في ظروف تشغيل حقيقية. وقد يكون في صالح المختبر الذي يعاير الآلات والأدوات أن يفعل ذلك آخذاً بعين الاعتبار مجموعة كبيرة من الظروف المختلفة المتوقع مواجهتها أثناء الاستعمال الحقيقي. وربما تكون هذه المقاربة مناسبة للبلدان النامية بوجه خاص، حيث تتقلص إمكانية التحكم في بيئة تشغيل أجهزة القياس والتنبؤ بها، مقارنة مع البلدان المتقدمة.

ولقد فتح الإعلان عن البرامج التسلسلية 9000 و14000 وغيرها، لمنظمة المعايير الدولية، عهداً جديداً، حيث حظي التصديق على إجراءات التنظيم المعيارية بالتأييد لكونها تشكل مؤيدا قويا لتنافسية السوق عند الشركات في الأسواق المحلية والدولية.

5.3. خدمات الدعم التنظيمية الخاصة بتوحيد المعايير ومراقبة الجودة

ثمة في البلدان النامية أنواع مختلفة من خدمات الدعم التنظيمية الخاصة بتحديد المعايير ومراقبة الجودة، نذكر منها :

مصر : في مصر هناك هيئتان تسهران على توحيد المعايير : معهد المعايير التابع لأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا والمنظمة المصرية لتوحيد المعايير، وهي وكالة تابعة لوزارة الصناعة المصرية. وتضطلع هاتان الهيئتان على التوالي بمسؤولية السهر على تحديد المعايير الأساسية والثانوية. فالأولى هي هيئة علمية تهتم بعلم القياس الصناعي والعلمي والقانوني، أما الثانية فتعنى بتنفيذ جميع الوظائف العادية لمنظمة تحديد المعايير، وتنشر المعايير بمساعدة اللجن المختصة في شؤون المنتج/المستهلك العادي، ويشارك كل من معهد المعايير والأخصائيين في البحوث والتكنولوجيا في فروع المعرفة ذات الصلة ويمنحون علامة الجودة.

اليابان : تشمل الأمثلة من اليابان المعايير الصناعية اليابانية. حيث يتم حالياً في البلاد تشجيع البحث من أجل التحديد الأولي للمعايير في عدد من الميادين، وذلك لتحسين جودة المعايير القائمة أو لإصدار معايير جديدة. وتعمل المعايير الصناعية اليابانية على دعم :

* تحسين الجودة وعقلنة الإنتاج

* تبسيط التجارة وضمان نزاهتها

* عقلنة الاستعمال (أو الاستهلاك) من خلال معايير معقولة وملائمة.

كوريا : في جمهورية كوريا، كانت وظائف المعايير وتحديد المعايير المختلفة مشتة بين عدة منظمات قبل السبعينيات. وفي منتصف السبعينيات، تأسس معهد كوريا لأبحاث المعايير بهدف تحديث نظم المعايير في جمهورية كوريا. ومعهد كوريا لأبحاث المعايير يشكل حالياً السلطة المركزية لنظام المعايير القومي الذي يقدم خدمات المعايرة ويجري البحوث حول دقة المقاييس وتطوير الآلات الدقيقة.

الفيلبين : في الفيلبين، يعد مكتب المعايير الفيلبيني المعايير ويرتب إجراءات منح  الشهادات للبضائع. ويقوم المعهد القومي للعلوم والتكنولوجيا بجمهورية الفيلبين بتطبيق معايير القياس القومية والمحافظة عليها بالنسبة للبلاد ويقدم خدمات تقنية، مثل إصلاح المعدات العلمية و اختبار/تحليل المواد والمنتجات والسلع. وهو يقوم بدور الحكم في حالات النزاع حول الاختبارات والتحليلات العلمية والتقنية. كما أن هناك عدد من المنظمات الأخرى التي تعنى بمنح شهادات احترام المعايير، مثل المختبر القومي للمعايير والتجارب، وإدارة التغذية والعقاقير ووكالة معايير المنتجات والجمعية الفيلبينية للمعايير. وهذه الأخيرة هيئة مستقلة توفر المساعدة لوكالة معايير المنتجات ولمنظمات أخرى ولشركات خاصة.

باكستان : أما نظيرات هذه المنظمات في باكستان فتشمل : المؤسسة الباكستانية للمعايير، والمعهد الباكستاني للبحث في معايير الجودة، والمركز الباكستاني السويسري للتكوين،  ومختبرات التجارب المركزية، ومركز تطوير الأبحاث المعدنية والصناعية.

 

Untitled Document