|

2. إطار السياسات والآليات المؤسساتية
خـلال العـقدين المنـصرمين، وجـدت البـلدان النامية نفسها في
مواجهة تحدٍّ لا مفر منه، يتمثل في وضع سياسات على الصعيد
الوطني لدعم عملية الابتكار. ذلك أن تحديث البنية التحتية
المنتجة يتطلب خلق بيئة سياسات ملائمة (في إطار العلاقات
الاقتصادية الدولية ونظم التجارة) لتحفيز الإنتاجية والتنافسية
واستيعاب ونشر التكنولوجيات الحديثة بشكل فعال. فالبلدان
النامية هي الآن بصدد تعزيز التفاعل بين القطاع العام والقطاع
الخاص، وهي تسعى إلى الرفع من مستوى التعاون بين مختلف الأنشطة
الاقتصادية بشكل يسهل التقدم التكنولوجي المتكامل والابتكار
على الصعيدين الكلي والجزئي.
2.1. توجيه السياسات وإطارها
تنشأ السياسات التي تتحكم في استخدام التكنولوجيات المحلية
كذلك عن مقاصد وأهداف ووظائف ومسؤوليات الآليات المؤسساتية
ومنظمات الدعم المختلفة التي تم خلقها بهدف تعزيز استعمال
التكنولوجيات المحلية. وعادة ما يتم وضع خطط ونظم التحفيز
لتشجيع الصناعة على استحداث التكنولوجيات المحلية
واستعمالها. أضف إلى ذلك أن نظم حقوق الملكية الفكرية في مختلف
البلدان النامية تحمي حقوق مستحدثي التكنولوجيا. وتهدف كذلك
إدارة حقوق الملكية الفكرية إلى تعزيز استعمال التكنولوجيات
المحلية وذلك من خلال منح مكافآت على الابتكار.
وفي بداية الأمر، ليس كافياً أن يقوم بلد ما باعتماد خيار يكون
شاملاً أكثر من اللازم بحيث لا يسمح بتركيز الجهود والموارد.
فعلى سبيل المثال، إذا اختار بلد ما الانتقائية في التصنيع في
بعض الصناعات المهمة من الناحية الاستراتيجية، عوض تفضيل عام
لصالح الجهود المبذولة في قطاع التصنيع، فإن من شأن ذلك أن
يكون مفيداً أكثر. أما المعيار الآخر المهم في تحديد هذا الخط
الفاصل، فيتمثل في وجوب توفر البلد على نظرة داخلية في بعض
المجالات، كالتكنولوجيا المحلية بالنسبة للسوق المحلية، وعلى
نظرة خارجية في مجالات أخرى، كالتكنولوجيا المحسنة (محلية كانت
أو مستوردة ومستوعبة) بالنسبة للسوق الدولية. أما الاستراتيجية
الأخرى التي كان يتبعها المنعشون الأوائل في مراحلهم الأولى من
التطور فهي الاستيراد ـ الاستبدال. بيد أنه لوحظ أن الاستيراد
ـ الاستبدال، المقرون بالحماية ضد المنافسة الدولية، ليس
بالأمر السليم على المدى البعيد. وعليه، فإذا شمل بلد ما
الصناعة المحلية في قطاع معين بما يكفي من الحماية، يتعين
آنذاك سحب الإعانات المالية تدريجياً. إذ يجب أن يكون تدخل
الحكومة نفسه عملية حيوية وأن يخضع دائماً للمراجعة والتعديل.
وعادة ما يدور النقاش حول طبيعة الدور الذي يجب أن تضطلع به
الحكومة: هل تقتصر على دور التسهيل، كما كانت الحال عليه
بالنسبة للمنعشين الأوائل، أم أنه يتعين عليها أن تتبنى مقاربة
تدخلية ؟. ولقد بينت التجربة أنه، بالنسبة لتلك الاقتصاديات
التي تعجز فيها الأسواق عن تولي شؤونها بنفسها، وتكون فيها
الأسعار (أسعار المدخلات) لا تعكس أبداً الصورة الحقيقية، يصبح
تدخل الحكومة أمراً ضرورياً لضمان وصول الموارد إلى كل الأطراف
المعنية. وتوحي التجربة أيضاً بأنه قبل أن يكتسب بلد ما درجة
من الاستقلال التكنولوجي، فإنه يتعين عليه أن يمر بفترة طويلة
من الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة. وتتطلب الجهود الموحدة
لتكييف التكنولوجيا المستوردة واستيعابها وتحويلها إلى
تكنولوجيا محلية توزيع الجهود والموارد بشكل حكيم ومضبوط، وهذا
بدوره يستدعي تدخل الحكومة لوضع السياسات اللازمة.
اليابان : لعل أفضل مثال للتكامل الناجح بين الجهود الحكيمة
لاستيراد التكنولوجيا وتحويلها إلى تكنولوجيات محلية بالمنطقة
الأسيوية هو حالة اليابان. وتبين المقاربة اليابانية لتطوير
التكنولوجيا المحلية، كيف أن استيعاب التكنولوجيات (المجلوبة
من الخارج) وإدماجها وتكييفها يمكن بشكل متواصل أن يهيئ
الأرضية لبناء قدرات تكنولوجية محلية. ولقد لعبت الحكومة
اليابانية، من خلال وزارة التجارة والصناعة الدولية (MITI
)، دوراً فعالاً في مباشرة الجهود بهدف النهوض بالبحث عبر
تمويل برامج خاصة وتأسيس معاهد في
تخصصات
محددة تعمل في تعاون وثيق مع الجامعات والقطاع الصناعي. ولقد
تم تعزيز البحث التعاوني من خلال اعتماد نظام التعاقد الفرعي
أو ما يعرف عامة بـ : كيريتسو (keiretsu
). ويعود الفضل بالدرجة الأولى في الازدهار الكبير لصناعات قطع
الغيار والنسيج وبرامج الحاسوب، إلى علاقات كيريتسو التي كانت
تجمع العديد من مؤسسات دعم التكنولوجيا.
وبعد انتهاء المرحلة الأولى لتبني استراتيجية التبعية، أصبحت
هناك حاجة إلى الانتقال إلى استراتيجية قيادية. بعدها شرعت
الدولة اليابانية في تمويل مشاريع ضخمة، بل حتى تلك التي لا
تخلو من مخاطرة، مثل تطوير الحواسب ومولدات الطاقة العالية
الأداء من خلال جمعيات البحث. وتشمل بعض الجهود الأخيرة
المبذولة في هذا الصدد "برنامج البحث والتنمية الخاص
بالتكنولوجيات الأساس لصناعات المستقبل"، والذي يديره المركز
الياباني للتكنولوجيا الأساسية. ويقوم هذا البرنامج، الذي
وضعته وزارة التجارة والصناعة الدولية (MITI
)، بتوفير تمويل جزئي للتعاون الحكومي ـ التجاري ـ الأكاديمي.
ثم إن هناك مؤسسات تقنية وطنية مختلفة تديرها
وكالة
العلوم والتكنولوجيا الصناعية (AIST)،
والتي تشرف عليها وزارة التجارة والصناعة الدولية (MITI
). وتشتغل هذه المؤسسات في مجال البحث والتنمية، كما أنها تعمل
على تعزيز البحث والتنمية بالاشتراك مع الجامعات والشركات
الخاصة، وعادة ما تتولى تنظيم جمعيات التكنولوجيا والبحث. ولقد
حددت وزارة التجارة والصناعة الدولية (MITI
) اليابانية حوالي خمسين "فضاء للتكنولوجيا"، خاصاً بصناعات
المستقبل. وقد شيدت منظمة الطاقة الجديدة وتطوير التكنولوجيا
الصناعية، وهي منظمة عمومية ترعى البحث والتنمية، الأساس منه
والمتقدم، في مجال التكنولوجيا الصناعية، منشآت ضخمة بالتعاون
مع القطاع الخاص، كما أنها تنجز أبحاثاً دولية مشتركة.
كوريا : ما انفكت جمهورية كوريا (الجنوبية) تلح على ضرورة
اقتناء التكنولوجيا وتطويرها، استجابة لمتطلبات العصرنة.
فالجهود المبذولة في مجالي البحث والتنمية جديدة نسبياً في هذا
البلد، غير أنه نظرا للزخم والنجاحات التي تم تحقيقها خلال
العقود الأخيرة، بدأت كوريا تركز أولاً على تعزيز البحث
والتنمية داخل مقاولات القطاع الخاص، وثانياً على إنجاز مشاريع
قومية في مجال البحث والتنمية بتعاون مع قطاع الصناعة.
وقد أعطت وزارة العلوم والتكنولوجيا بجمهورية كوريا (الجنوبية)
الانطلاقة لبرامج تعاونية في مجال البحث والتنمية من أجل
الاستعمال السريع لنتائج البحث في معاهد البحوث التي ترعاها
الحكومة. ولقد وضعت خططاً شتى ومنحت حوافز مختلفة لتعزيز
البرامج التعاونية بين معاهد البحوث الحكومية وقطاع الصناعة.
وفي إطار برامج التعاون في مجال البحث، قامت شركات القطاع
الخاص باقتناء تكنولوجيات جديدة، وذلك بتعاون مع معاهد البحث
الحكومية. وقد تكللت الجهود الجماعية المبذولة لاستيعاب
التكنولوجيات المستوردة بتكييف هذه التكنولوجيات بشكل ناجح،
الشيء الذي أدى إلى الزيادة من فرص استعمالها بشكل أفضل. ولعل
أهم امتياز تحققه الصناعة من تأسيس مثل هذه العلاقات العمودية
مع معاهد البحوث هو تعزيز القدرات التكنولوجية، بالمقارنة مع
الدخول إلى بعض الأسواق في حالة العلاقات الأفقية التقليدية مع
الجهات الموردة للتكنولوجيا.
وظلت مختلف استراتيجيات التنمية المتبعة في شتى البلدان هي
القوة المحركة في رصد الأولويات لاستعمال نتائج البحث المحلي.
ومن بين أمثلة استراتيجيات التنمية نجد "التصدير على أساس
النمو" بالهند، ومقاربة "التضخم بالطلب" بالفيليبين، والتنمية
المرتكزة على التكنولوجيا بجمهورية كوريا (كما سبقت الإشارة
إلى ذلك من قبل) واستراتيجيات تشجيع الصادرات المعتمدة
بباكستان.
2.2. الآليات المؤسساتية ونظام التحفيز في مختلف البلدان
أجرى عدد من البلدان تجارب شتى لتسهيل نقل التكنولوجيا بين
مجموعة من البلدان أو داخل البلد الواحد. ويستحسن في البداية
أن نفهم أنه لا توجد آلية واحدة ملائمة لكل الظروف. وللحكومات
أن تضطلع إما بدور تدخلي أو تسهيلي، كما أن المقاربة يمكن أن
تكون إدارية أو تشريعية أو سياسية فقط. والظاهر أن كل
الاستراتيجيات والمقاربات التي تبنتها مختلف البلدان خلال
العقود الأخيرة سرعان ما فقدت حيويتها. وتزداد المشكلة تعقيداً
بالتنوع الكبير للتكنولوجيات التي يتعين نقلها إلى مختلف
قطاعات الاقتصاد، كالصناعة والفلاحة والتعدين والبناء، الخ.
وتبدو البلدان النامية مقتنعة، بشكل أو بآخر، بأن المقاربة
التدخلية لابد منها، على الأقل على المدى القصير، وذلك لتوفير
التوجيه الاستراتيجي وخلق مناخ مساعد على الابتكار والتشجيع
عليه. وقد أنشأت أغلب البلدان النامية مؤسسات متخصصة في أنشطة
العلوم والتكنولوجيا. وثمة مجموعتان كبيرتان من هذه المؤسسات،
وهما :
1. المؤسسات المكلفة بصياغة سياسة العلوم والتكنولوجيا
وتنسيقها. وتشمل وزارات العلوم والتكنولوجيا، ولجن العلوم
والتكنولوجيا، ومجالس العلوم والتكنولوجيا، ومكتب المساعدة
التكنولوجية، الخ.
2. مؤسسات البحث والتنمية المنشأة لخدمة قطاعات اقتصادية
معينة، بدءاً بالفلاحة والصناعة والصحة والمياه والطاقة
والبناء والتعدين، الخ.
لقد أنشئت هذه المؤسسات خصيصاً لوضع سياسة صريحة (وأحياناً
ضمنية) خاصة بالبحث والتنمية للبلد المعني. وتهدف هذه
الجهود إلى تعزيز إنتاجية البحث والتنمية، والجهود المشتركة
بين مؤسسات البحث والتنمية والجامعات والقطاع الصناعي بهدف
تنفيذ مشاريع وبرامج انتقائية. وعادة ما تشمل الأهداف
توطين/إضفاء الطابع المحلي على التكنولوجيات الصناعية الرئيسية
من خلال دعم القدرات المحلية في مجال البحث والتنمية، وجلب
التكنولوجيا المتقدمة من الخارج بهدف الرفع من مستوى القدرات
التكنولوجية القومية.
كوريا : ما فتئت سياسات جمهورية كوريا في مجال العلوم
والتكنولوجيا تسعى إلى تحويل الاقتصاد من اقتصاد يعتمد عمالة
مكثفة إلى اقتصاد يعتمد تكنولوجيا مكثفة قابلة للتطبيق،
وتهدف إلى جعله اقتصاداً يرتكز على المعرفة المكثفة. ولقد حصل
إدراك بأنه، بالنظر إلى ضعف الموارد المتوفرة لبلد ما، يصبح
الرفع من الإنتاجية من خلال الابتكار التكنولوجي وتحسين مستوى
الفعالية، أمراً أساسياً لضمان النمو الاقتصادي السريع. وتعكس
العديد من التدابير الخاصة بالسياسات والعديد من الإجراءات
القانونية التزام الحكومة مبدئياً بتطوير واستعمال التكنولوجيا
المحلية. ويشكل قانون تشجيع العلوم والتكنولوجيا التزام
الحكومة مبدئياً بوضع سياسة في هذا المجال. أضف إلى ذلك أنه تم
سن جملة من القوانين الأساسية لدعم تنفيذ التنمية التكنولوجية،
وهي :
* قانون تشجيع التنمية التقنية الصادر سنة 1973، والذي يدعم
شركات القطاع الخاص والعام من خلال منحها امتيازات ضريبية
وحوافز أخرى.
* قانون تشجيع الخدمات الهندسية لسنة 1973، والذي يضمن الأداء
الرفيع للمهندسين المحترفين.
* قانون التأهيل التقني القومي لسنة 1973، والذي ينظم الوضع
المهني للمهندسين والتقنيين من خلال إجراء الامتحانات ومنح
الشهادات.
* قانون المساعدة الخاص بتنظيم البحث في مجالات معينة، لسنة
1973، والذي يوفر حوافز (قانونية ومالية وضريبية) لمعاهد البحث
في المجالات المتخصصة التي تركز عليها الحكومة والقطاع الصناعي
تركيزا خاصا، كبناء السفن والإلكترونيات والتواصل والهندسة
الميكانيكية والمادية والطاقة والمجالات ذات الصلة.
* القانون الخاص بالمؤسسة الكورية للعلوم والهندسة لسنة 1976،
والذي يشكل قاعدة قانونية لإنشاء المؤسسة لكي تكون عاملا
أساساً في دعم البحث في العلوم الأساسية والتطبيقية، وكذا في
الهندسة، والمتمركزة خاصة حول الجامعات، الخ.
الهند : تتبع الحكومة الهندية مقاربة ليبرالية في النهوض
بالبحث المحلي ودعمه. وتشمل هذه المقاربة عدة خطط وآليات. إذ
تسمح خطة تشجيع إنشاء وحدات داخلية للبحث والتنمية في القطاع
الصناعي بإقامة علاقة جيدة للصناعة مع المؤسسات الأكاديمية
ومؤسسات البحث العلمي، من جهة، ووحدات الإنتاج من جهة أخرى.
ويوفر إجراء آخر الدعم لإنشاء مؤسسات البحث العلمي؛ كما أن
المساهمات المالية المقدمة لهذه المؤسسات تكون معفية من
الضرائب. وتقدم الحوافز كذلك في شكل تعويض للمستثمرين عن تكلفة
المنشآت والمعدلات الآلية للمقاولات التي تستعمل تكنولوجيا
مستحدثة محلياً. وثمة تدابير تمكن كيانات القطاع العام من
توفير جو من العدالة والإنصاف في إقامة وحدات جديدة تستعمل
التكنولوجيا المحلية. وثمة تدبير آخر يخص المشاريع التنموية،
حيث يمكن اختبار اختراع أنجز على مستوى المختبر على نطاق واسع،
وذلك بمشاركة الحكومة. وتولي آليات مراقبة الأسعار اهتماماً
خاصاً للجهود المبذولة في مجال البحث على الصعيد المحلي. كما
أن التكنولوجيا المطورة محليا لا تعاني من المشكلات العادية
المتعلقة بالترخيص. وهناك أنواع أخرى من التسهيلات التي تشجع
الابتكارات، مثل تمويل جزء كبير من جهود البحث والتنمية.
وكنتيجة للحوافز الجديدة، بدأت الوحدات الصناعية في البلاد في
القيام بأنشطة البحث والتنمية، لذلك كانت مساهمة القطاع
الصناعي في الإنفاق القومي على البحث والتنمية مساهمة كبيرة
جداً.
وتشمل التدابير الأخرى المتخذة لتحسين التعاون بين قطاعي البحث
والصناعة إقامة فضاءات خاصة بمشاريع العلوم والتكنولوجيا،
أنشأتها الهيئة القومية لتطوير مشاريع العلوم والتكنولوجيا
التي تعمل تحت إشراف إدارة العلوم والتكنولوجيا. وأقيمت
الفضاءات الخاصة بمشاريع العلوم والتكنولوجيا خاصة في مجالات
الإلكترونيات والحاسوب والهندسة الميكانيكية وأدوات الآلة
والتشغيل الآلي وعمليات المراقبة والمواد الكيميائية وعلوم
المادة والتكنولوجيا الحيوية والبيئة. وما انفكت هذه الفضاءات
تلعب دوراً فعالاً في تطوير وتسويق العديد من المنتجات وطرائق
المعالجة. ونذكر من بين الأمثلة الأخرى إطلاق تكنولوجيات مطورة
محلياً برعاية مجلس معلومات التكنولوجيا والتوقعات والتقييم
الذي يعمل تحت إشراف إدارة العلوم والتكنولوجيا والبرنامج
الهادف إلى تحقيق الاعتماد على النفس في مجال التكنولوجيا
التابع لإدارة الأبحاث العلمية والصناعية. ويقوم البرنامج
الأول بمراقبة التكنولوجيات المتوفرة في المختبرات وبملاءمتها
مع مصالح الصناعات التي تكون مستعدة للمشاركة في جهود التطوير
والتصميم والتسويق؛ بينما يوفر البرنامج الثاني دعماً مالياً
جزئياً لمشاريع البحث والتنمية والتصميم والهندسة التي
يباشرها بصورة القطاع الصناعي ومنظمات البحث والتنمية
والمؤسسات الأكاديمية.
الصين : في الصين، كانت الروابط بين أوساط البحث
والتنمية والقطاع الصناعي منعدمة تقريباً، وذلك حتى أوائل
الثمانينيات. وكانت هناك أمثلة متفرقة من التكنولوجيات أنتجتها
مؤسسات البحث، والتي كان يتم توفيرها لشركات معينة دون تكلفة.
إلا أن النتائج كانت دائماً مخيبة للآمال بسبب فرض
التكنولوجيات غير الفعالة للاستغلال الاقتصادي بهذا الشكل،
والتي لم تجتز أبداً اختبار السوق. وبدأت مرحلة الإصلاح في
أواسط الثمانينيات في الصين، والتي نشأ خلالها عدد من الآليات
لربط العالم الأكاديمي بصورة فعالة بالقطاع الصناعي وذلك من
خلال اعتماد نظام البحث تحت الطلب. ومن بين الأمثلة نجد
: مراكز الخدمات الرائدة للتكنولوجيات الحديثة/العالية
والمعروفة أيضا باسم "المحاضن" ومناطق تطوير التكنولوجيات
العالية، في إطار برنامج الشعلة، وهو برنامج يهدف أساساً إنشاء
كيانات شبيهة بفضاءات التكنولوجيا (بالبنية التحتية المادية
والتكنولوجية الضرورية، والنسب الضريبية المدعومة، وتوفر
رأسمال المجازفة، الخ)، وبرنامج الشرارة، وهدفه تحسين مستوى
تطبيق التكنولوجيات المناسبة في المشاريع المقامة بالقرى
والجماعات.
باكستان : الباكستان بلد زراعي، تساهم الفلاحة فيه بالنصف
تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. ويقوم مجلس الأبحاث
الفلاحية لباكستان، الذي أنشئ في أوائل السبعينيات، بإجراء
البحوث وتشجيعها وتنسيقها في جميع مجالات الفلاحة. وإدراكاً
لأهمية الترابطات القوية بين تنظيم البحث الفلاحي وبين
المزارعين، تم إنشاء هيئة تحمل اسم : لجنة علاقات الصناعة
الزراعية في مجلس الأبحاث الفلاحية لباكستان. وكان من بين
أهداف اللجنة تشجيع الترابطات الوثيقة بين مكونات نظام البحث
والحصول على أثر رجعي حول المشكلات والقضايا المتعلقة بشركات
قطاع الصناعة الزراعية، والصناعات المعتمدة على الزراعة،
والتنسيق مع الباحثين لإيجاد الحلول ومساعدة العلماء في
التسجيل والحصول على براءة التصاميم والتقانات والطرائق، الخ،
وتنشيط تسويق التكنولوجيات والتصاميم والطرائق المطورة محلياً،
الخ، وتقديم المساعدة للشركات التجارية في تنظيم وتنفيذ برامج
البحث داخل المؤسسة. وتشمل صيغ التعاون مع القطاع الخاص توفير
خدمات استشارية والمساعدة في التصميم والتطوير والاختبار
وتقييم المنتجات وفي إنجاز دراسات الأسواق وتكوين المستخدمين
وإقامة مشاريع البحوث التعاونية مع القطاع الخاص. وعلى المستوى
الشعبي، يتم توفير الخدمات الإرشادية لإجراء اختبار ميداني على
التكنولوجيات المطورة والمستحدثة من خلال مشاريع مختلفة لمجلس
الأبحاث الفلاحية لباكستان قبل أن يشرع في التوزيع العام لها
بين المستعملين النهائيين.
2.3. الخطط الترويجية ونظم التحفيز
لم تنجح معاهد البحث والتنمية بشكل عام في أغلب البلدان
النامية في تسويق الطرائق المطورة، لأن هذه الأخيرة فشلت في
الاستجابة لحاجيات أولئك الذين وضعت من أجلهم، خاصة القطاع
الخاص. فالبحوث التي كانت تنجز في هذه المعاهد كانت ذات طبيعة
تكييفية تعتمد خاصة على المواد الخام المحلية. وتواجه الخبرة
التقنية المحلية معارضة شديدة لأسباب سياسية وتجارية مختلفة.
وفي بعض البلدان، أدخلت تدابير منظمة من أجل استعمال الطريقة،
اعتماداً على التكنولوجيا المحلية.
وتتجلى الأهمية المولاة لاستعمال التكنولوجيا المحلية في مختلف
الخطط الترويجية والمنظمات والأنشطة ذات الصلة. وما انفكت
الحكومات تسعى إلى النهوض بتطوير التكنولوجيا وباستعمالها،
وذلك من خلال وضع نظم تحفيز وخطط ترويجية أخرى بهدف تشجيع
استغلال نتائج البحوث وبراءات الاختراع المعنية. وتسود أنظمة
خاصة للتحفيز الضريبي في معظم البلدان النامية، الأمر الذي
يوفر امتيازات مالية جذابة للشركات والمقاولين الذين يتولون
تسويق التكنولوجيات. كما أن الوكالات التي تستعمل التكنولوجيات
المحلية تحظى بمعاملات تفضيلية مرفقة بإعفاءات ضريبية.
بالإضافة إلى ذلك، ثمة عدة وكالات مالية ومصرفية تنموية، تلعب
هي الأخرى دوراًِ في استغلال التكنولوجيات تجارياً. فهي تمنح
قروضاً مشتركة للمشاريع، وفي بعض البلدان حتى رأسمال
المجازفة وتمويل المخاطرة. وتشكل الخطط الترويجية وأنظمة
التحفيز عنصراً رئيساً في تطوير التكنولوجيا. وقد ركزت مختلف
البلدان في وضع هذه الخطط والأنظمة على استراتيجيات تطوير
التكنولوجيا الخاصة بكل بلد على حدة.
وهكذا ركزت خطة التحفيز في اليابان على البحث والتنمية وهمت
قطاعات معينة كالمعادن والصناعات. أما في جمهورية كوريا، فإن
نظام التحفيز يغطي كل التكنولوجيات سواء تلك المستوردة من
الخارج أو المطورة محلياً. كما تهدف الخطط الترويجية في
اليابان وجمهورية كوريا على حد سواء إلى تسريع وتيرة تنمية
المقاولات الصغيرة والمتوسطة. وفي الهند، تمنح الحوافز للصناعة
ليس فقط من خلال الإعفاء والتخفيض الضريبي، بل أيضاً عن طريق
إلزام الشركات باستعمال التكنولوجيات المستحدثة محلياً.
وتتوفر جمهورية كوريا على مؤسسات وآليات هائلة نسبيا وكفيلة
بالنهوض بالبحث المحلي. وأقامت الحكومة "المؤسسة الكورية
للتقدم التكنولوجي" كمؤسسة عمومية لتعزيز نشر نتائج البحث
والتنمية المحلية والتكنولوجيات الأجنبية بين المقاولين
المحليين من خلال رعاية مشاريع البحث والتنمية، وتقديم خدمات
استشارية في مجال الإدارة وبيع الخبرة الفنية والمعدات
النموذجية، الخ. وكانت الحوافز الممنوحة في إطار قانون
تشجيع تطوير التكنولوجيا لسنة 1967 تهدف إلى تقليص تكلفة
مستوردات التكنولوجيا الأجنبية وأعمال البحث والتنمية التي
تنجز داخل المقاولات الصناعية عن طريق تخفيض التعريفة الجمركية
على ما يستورد من معدات البحث والتنمية واقتطاع النفقات
السنوية غير الرأسمالية على البحث والتنمية وعلى الهندسة من
الدخل الخاضع للضريبة واهتلاك متسارع لمنشئات البحث والتنمية
الصناعية وحسم ضريبي للاستثمار في منشئات البحث والتنمية
والعمل الهندسي في تسويق نتائج البحث والتنمية المحلية. وتوفر
المؤسسة الكورية للعلوم والهندسة الأموال لدعم الأبحاث
الأساسية والتطبيقية. كما أن مؤسسة كوريا لتقدم التكنولوجيا
والمؤسسة الكورية لتنمية التكنولوجيا والمؤسسة الاستثمارية
التنموية الكورية والمؤسسة المالية الكورية للتكنولوجيا كلها
توفر رأسمال المجازفة (بالإضافة إلى المصارف التجارية) لدعم
تسويق التكنولوجيا.
2.4. حماية حقوق الملكية الصناعية وتعزيزها
قال لينكولن كلمة في صميم الموضوع، وهي أن نظام البراءة يضيف
>وقود الاهتمام< إلى >نار العبقرية<. فالاختراعات والإبداعات
هي الأساس السليم لاستحداث التكنولوجيا وللتقدم الصناعي
والتكنولوجي، وهي تشكل قوة دفع بالنسبة للتكنولوجيا والاقتصاد
وحتى لثقافة مجتمع ما. وتعتبر الضمانات التي يمكن الاعتماد
عليها في منح واستعمال حقوق الملكية الصناعية (اختراعات،
تصاميم صناعية، علامات تجارية للسلع والخدمات، الخ) من أهم
خصائص البلدان المتحضرة. كما أن نظام حماية حقوق الملكية
الصناعية لبلد ما هو جزء لا يتجزأ من النظام العام لحماية
الملكية الفكرية في بلد ما. ويسهم هذا الأخير في تنمية
الاقتصاد القومي وحماية الطاقات العلمية والهندسية وتحسينها
وتنمية التجارة الخارجية وتحفيز النشاط الإبداعي، بالإضافة إلى
حماية مصالح المواطن الاقتصادية والاجتماعية.
ومن بين أهم التدابير المتخذة في إطار الجهود الرامية إلى
حماية حقوق الملكية الصناعية إنشاء مكتب لبراءة الاختراع.
ويضطلع عادة مكتب براءة الاختراع هذا بوظيفة هيئة تنفيذية
مركزية، كما أنه يضمن تحقيق أهداف السياسة الموضوعة، وذلك من
خلال تنفيذ الشروط التشريعية والإدارية. وعادة ما يتم إصدار
قوانين خاصة بحماية الحقوق في الاختراعات والنماذج والتصميمات
الصناعية والعلامات التجارية للسلع والخدمات وتطوير أنواع من
المنشآت، الخ.
ويمكن الإشارة إلى بعض النقط بشأن مدى صلاحية وجدوى نظام براءة
الاختراع في البلدان النامية. أولاً، يتطلب نظام براءة
الاختراع مسطرة تضفي الشرعية على ادعاءات أصحاب الطلبات بأن
منتوجاً جديداً أو طريقة إنتاج جديدة تمثل >تقدماً تكنولوجياً
مهماً< قابلاً للتطبيق في المجال الصناعي. وما من شك أن تنفيذ
قوانين حماية الملكية الصناعية مسألة تدخل في نطاق المعاهدات
الدولية. ولكي تكون البلدان مؤهلة للتصدير بكل حرية، يتعين
عليها أن تصادق على هذه المعاهدات. وتتطلب الشروط المرتبطة
بالانضمام إلى الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة
والمنظمة العالمية للتجارة في جميع الحالات التصديق على هذه
القوانين وتنفيذها في الدول الأعضاء.
إلا أن المصادقة على مثل هذه القوانين وإصدارها لا يخلو من بعض
العوائق والشوائب. أولاً، لابد من توفر خبرة هائلة في مجال
معين لتقييم أهمية تكنولوجيا جديدة. وتكاد هذه الخبرة تكون
منعدمة في كثير من البلدان النامية، لذا فمن حق المرء أن
يتساءل عما إذا كان بالإمكان الاستفادة من هذه الخبرة المحدودة
في قطاع الإنتاج لاستحداث التكنولوجيات عوض القطاع العام الذي
يعمل على تقييمها. والانشغال الثاني هو أنه إذا كان بلد ما لا
يفرق بين المقاولات القومية والشركات المتعددة الجنسيات في منح
براءة الاختراع، فإن عدداً كبيراً من هذه البراءات في العديد
من البلدان سوف تسجل وتمنح للشركات المتعددة الجنسيات، والتي
تنشط بصورة أكثر في مجال الابتكار. وإذا كانت الأرباح المجنية
من براءات الاختراع التي تملكها شركات أجنبية تحول إلى الخارج،
فإن الجواب عما إذا كان البلد يستفيد من منح البراءات سيكون
آنذاك متوقفاً على السؤالين التاليين: (أ) هل بإمكان النتاج أن
يطور بشكل آخر ؟ (ب) هل الفوائد الاجتماعية التي سيجنيها البلد
عند نهاية أجل البراءة من توفر هذا المنتوج هي أكبر من
التكاليف الاجتماعية المتمثلة في دفع أثمان مرتفعة مقابل
الحصول عليه خلال فترة سريان البراءة ؟ والمسألة الأخرى تتعلق
بإمكانية أن كثيراً من الابتكار الحاصل في البلدان النامية هو
تزايدي في طبيعته ويتشكل من تحسينات طفيفة يتم إدخالها على
طريقة إنتاج معينة؛ ولا يمكن للشركات إلا أن تستفيد من هذه
الإبداعات من خلال عدم الكشف عنها.
ومن جهة أخرى، إذا كانت حمائية السوق تثبط روح الابتكار على
المستوى الوطني، فإنها أيضاً تصبح ضرورية، إلى جانب كونها
الخيار الوحيد القابل للتطبيق لاحتضان المقاولات الصغرى
المبتدئة. وهذا أمر لابد منه لحماية المقاول المحلي من
المنافسة الشرسة السائدة في الأسواق الدولية. ويتجلى هذا مثلاً
في حالة صناعة كباسة النشادر المستعملة في مصانع الثلج ومخازن
التبريد حيث كان فرض قيود على استيراد آلات جديدة بمثابة قوة
دافعة لتطوير هذه الصناعة في السوق المحلية. ومع ظهور
عدد من المنافسين المحليين في السوق، تبددت المخاوف التي كانت
سائدة في البداية من ميل بعض المصنعين إلى احتكار هذه الصناعة،
وبالتالي تزويد السوق بمنتجات رديئة الجودة. وهكذا استطاع
المصنعون، من خلال منافسة مشروعة، أن يرفعوا من مستوى جودة
منتجاتهم بشكل كبير.
|