|

الرسائل الأدبية الوعظية
القسم الأول : الرسائل التي دارت بين التلميذ المجتهد
ووالده
والدي المحترم:
1. ما علمت حكمة
سيدي الوالد باعتنائه بي في تحسين معلوماتي في اللغة
العربية أيام عطلة المدارس
(المسامحة العمومية) وتوكيل أمر تعليمي فيها إلى حضرة الأستاذ
الجليل(1). إلاّ عند رفع القلم الآن بقصد التحرير إليه، نعم
عرفت ذلك وشكرت الله الذي أنعم عليَّ بوالد فاضل يهتم بشؤوني
ويبذل النّفس والنفيس فيما فيه صلاح حالي، ويعلم الله أني لست
ممن يقابل هذه النّعمة بالكفُران، ولا هذه الرعاية بالعصيان،
فقد أخذت على نفسي عهد تحقيق أملك فيّ أيها الوالد العزيز، وها
قد عدت للمدرسة، ونقلت إلى السنة الثالثة وقابلت الدروس بصدر
ملؤه البِشْرُ والسـرورُ، أسـأله تعالى المعونة لا كتساب دوام
رضاكم، والسلام عليكم، مع فائق الاحترام.
فأجابه والده
2. توسمت
فيك النجابة, فعزّ علي التقصير في لوازمك وكل عمل أبذله في
صلاح حالك لم يخرج عن الواجب على الآباء للأبناء، والحمد لله
قد وجدت فيك ثمرة غرس يانعةٍ شممتها خلال قولك، مما سرّني
وأفرح كل إِخوتك وأهلك، فاجعل على الدوام دليل عهدك حُسن عملك،
وأرسل من وقت إلى آخر ما يطمئن به قلبي عليك، وسل ما تحتاجه
أُرسله إليك، وسلام عليك مني ومن والدتك وإخوتك.
ومنه إلى والده
أيضاً
3. لولا
أن افتراقي عنكم هو لتحصيل علمٍ، وابتعادي عن التمتع برؤية
محياكم الزاهر لوقت محدودٍ، لخشيت على نفسي من تأثير الأشواق،
غير أن كل ما أتوسل به لحضرة الوالد هو أن لا ينساني من صالح
دعواته وطَيّب رسائله، فإنما هي السلاح الذي يشجعني على دوام
الجدّ والاجتهاد، والسلام عليكم ورحمة الله.
جواب والده
4. إذا كان
العُصفور لا يفوته أبداً ذكرى صغاره، فكيف لي أيها الولد
العزيز أن لا أكون شبه هذا العصفور، خصوصاً وقد لمعت بارقة
عِرْفَانِكَ وتألجت بشائر النجابة عليك، فأنعم بك من ولد نجيب،
جدير بالكرامة، حقيق بأن يفُتخر بمثله، أدام الله عليك ثوب
الاجتهاد، وأبلغك المنى والمراد، وإنى مرسل لك مع هذا حواله
بجنيه(2) تستعين به على قضاء
لوزازمك، والسلام عليك.
ومما كتبه
لوالده
5. سلاماً يهديه
مقرٌّ بالنِّعمة، داع لكم بدوام العزّ والبقاء.
وبعد: فَإني
أزفّ لسيدي الوالد بُشرى تفرحه وتزيد علىَّ رضاه، فإننا قد
امتُحنا في هذا الأسبوع في اللغة العربية الشريفة، فحزت السبق
على الأقران، ونِلت مكافأة نفيسة منقوشاً(3)
عليها بمداد الذهب (ولكل مجتهد نصيب) منحنيها حضرة ناظري
الفاضل بعبارات كلّها التشجيع على الاجتهاد الجدّ، ولست أدري
بأي الأشياء أُقابل حسن صنيعك بإرسال، الجنيه إليَّ، ولا حاجة
لي به الآن، إلا أني حفظته دليلاً على رضاكم، فلا تكلّف الخاطر
في الإرسال إليَّ فإن في هذا الكفاية، والسلام عليكم جميعاً
ورحمة الله.
جواب الوالد
6.
بشّرتني بجوابك، بنجاحك في امتحان اللغة العربية، فسررت
كثيراً، وحمدت الله على نعمة حُبِّك لغة أُمّتك، فإن هذا نعم
الدليل على حُبِّك لوطنك وأهلك، وعسى يرد لي منك أيضاً ما
يبّشر بنجاحك في اللغات الأجنبية (فإن من يعرف لغتين هو في
الحقيقة بمنزلة شخصين) أما ما أخبرتني به عن إرسال الجنيه، فلا
يغيب عن فكرك ضرورة التعود على الاعتدال في الصرف فكما أنه لا
يليق] بك [التبذير، فكذلك لا يصحّ ]منك[ التقتير، خشية
الوقوع في البخل على النفس بحاجاتها، والسلام عليك مني ومن
والدتك وإخوتك وكلّ أهلك.
ومما كتبه
لوالده
7. كنت
كلما كتبت لك مبشّراً بفوزي في الامتحان ونجاحي في تحصيل
العلوم، أخشى أن يعرف فيَّ أبي ميلاً للفخر والادعاء، وكان
ينقص قولي، بُرهان ساطع بتعزيزه، وها أنا اليوم أُرسل لك مع
هذا شهادة المدرسة دليلاً على ما أبذله من الغيرة والاجتهاد
والنشاط، رغبة في الوصول إلى الغاية المتمناه، إرضاءً لوالدي،
واستجلاباً لمحبة أساتذتي، وستراني ـ إن شاء الله ـ
باذلاً كل ما في طاقتي من الاجتهاد، ليزداد سرورك
ويتضاعف رِضاك عنّي ويخفّف عن نفسك ثقل ما تنفقه عليّ في سبيل
التعليم، مما لا أعده هيناً، وأدعو الله لك بدوام العزّ وطول
العمر، والسلام لوالدتي وإخوتي وأهلي والمحبين.
جواب الوالد
8 . وصلني جوابك
فأنساني ما كنت فيه من تعب هذه الحياة، وبدّل ما ألاقيه من تعب
هذه الحياة، وبدّل ما ألاقيه من الأسف على بُعدك عني فرحاً،
ولا أخفي عليك مقدار سروري برؤيتك نائلاً أسمى الدرجات في
الأخلاق والعلوم الدينية كما في باقي العلوم، وأدعو الله أن
يجعلك خير ذُخرٍ لوطنك وأبيك وأن يتم عليك نعمته ويزيد
في تقدمك وسعادتك آمين.
ومما كتبه
لوالده
9 . في هذا
اليوم كان موعد الاحتفال بالمسابقة بالألعاب الرياضية
بالجزيرة(4)، حيث افتتحت الحفلة
بحضور مولانا ملك مصر المعظم في الساعة الثالثة بعد الظهر،
وأظهرت التلامذة من النشاط الزائد والتمرينات العجيبة ما أدهش
الناظر وسَرَّ الخاطر، وبعد تمام المسابقة وزّعت الجوائز على
من حاز قَصَبَ السّبق، فنلت ساعة فضية، ولعلمي بأن هذا مما
يسرُّ والدي، حرّرت هذا إليه مع رجاء تبليغ سلامي لحضرة والدتي
وإخوتي.
جواب الوالد
10. هنيئاً لك
يا ولدي بالسّاعة الفضية التي نِلتها في ساعة كنت تبرهن فيها
بين إخوانك على حُسن عنايتك بصحة الجسم كما عرفوك، مهتماً بما
فيه صحة العقل، وأنعم بها من تمرينات تكسب الصحة والنشاط
والإقدام، وكما أنك جمعت بين ما يغذي عقلك وما يقوي جسمك، فقد
جمعت أيضاً بين رضائي عنك ومحبتي لك، والسلام.
ومما كتبه
لوالده
11. أكتب هذا
وقد عدت من زيارة آثارنا المصرية القديمة بالجيزة، فإن حكمة
حضرة سيدي معلّم التاريخ قضت بأن لا يكون تدريس هذا العلم إلّا
محسوساً تستفيد منه الروح ويتغذى به العقل، فأوجب علينا هذه
الزيارة في يوم الجمعة الفارط(5)،
ويعلم الله أنها كانت أُمنية في النفس أترقب من أجلها الفرص،
إذ كيف يرى المصري حضور الأجانب من أقاصي البلاد يُحَمِّلُونَ
أنفسهم مشاقَ السَّفَرِ، وكثير المصرف (6)
لمشاهدة هذه الآثار، وهو يشبّ ويشيب وقَلّ أن رآها إلّا عفواً
منه، أو لصدفة باغته، فتوجهنا ومعنا إخواننا التلامذة، ومررنا
أولاً بدار التحف (الانتيقخانه) وصار حضرة الأستاذ يعبّر لنا
عن كل ما رأيناه من العجيب الغريب، عن ملوك] مصر [القدماء،
الذين على قدم عهدهم كأنهم ما ماتوا إلا من بضع سنين.
ثم ذهبنا
للأهرام فأدهشنا حُسن منظرها، وعظيم شكلها، وما كادت العين
تراها إلا وترجع مندهشة، مسطوراً أمامها ذلك الشعر العربي.
تلك آثار نا
تدلّ علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
في الهذا الدهر
الذي أبقى هذه العجائب، وأعجز أهل هذا العصر عن القيام
بقليلها، أليس في ذلك من حكمة بالغة، فيعرف علماء هذا الزمان
أنهم إنما يبحثون عن مدينة قديمة هم في بداية طريقها، ولعلك
تُسَرّ من هذه الزيارة، أسأله تعالى دوام سعودكم، آمين.
جواب الوالد
12. تلقيت كتابك
بمزيد الفرح والسرور، وعجبت من صدق حُبّك لوطنك وميلك
لرؤية ما يبعث في النفس النشاط والإقدام من رؤية آثاره
القديمة، وطربت من حُسن وصفك لها، واستخلاصك منها الحكمة
البالغة، وأحمده تعالى على غرسه هذه الثمرة في قلبك، وأدعوه أن
يتمّ عليك فضله ويرقبك بعين رعايته، وها قد قرب امتحان آخر
السنة، فأرجو تحقيق أملي في نجاحك، وعند الانتهاء منه تحضر
هنا، فإن القلوب في شوق لرؤيتك عظيم، والسلام.
ومما كتبه
لوالده
13. بعد يومين
من تاريخه سيبتدىء الامتحان، وقد أعلمنا حضرة الناظر بأنه
سيحضر من نظارة المعارف العمومية لجنة من حضرات مفتشيها
لاختبارنا تحريرياً وشفهياً، وإني مع اعتمادي على الله، ثم
على(7) ما بذلته من الجدِّ في
مراجعة دروسي، لي أمل في النجاح، وإن شاء الله قريباً سأبشر
والدي بنتيجة الامتحان، ولا علم لي الآن بالزمان الذي سيستغرقه
لأحدد وقت سفري فموعدي جواب آخر، ولكم مني خالص السلام.
وممـا كتبه إليه
والده قُبيل الدخول في امتحان الحصول على الشهادة الابتدائية:
14. أصبحت اليوم
على باب الدخول في أول امتحان عمومي يضمك أنت وأقرانك المجدّين
مثلك في الحصول على العلم، فهو لك منظر جديد لم تتعوده عيناك،
حيث تدخل فيه مجرداً من كل كتابٍ ومرشدٍ أو أستاذٍ لا مساعد
لك(8) إلا حافظتك، وما اكتسبته من
المعلومات من، فهو مضمار تتسابق فيه الأفكار، وصيّتي لك الحرص
على ميعاد الحضور، لأن من يتأخر ولو دقيقة واحدة عن الساعة
المحددة لبدء الامتحان لا يُقبل فيه، وأن تذهب قوي الجاش (إذ
قلّ أن يفوز بالنجاح جبانٌ ولو كان من العلم على أوفر نصيبٍ)
وفي الأمثال (من هَابَ خَابَ) فإن الإقدام في مثل هذا المجال
يُكسب اطمئنان الخاطر، وارتياح الضمير، ويترك للعقل حرية
الرَّوية وحسن النظر، ولا يدخلك وهم عند إلقاء الأسئلة، فإن
الوهم يجسّم الصغائر، ويصعّب السّهل، واعلم أن كل ما تُسأل عنه
إنما يدور في حيّز قدرتك ولا يخرج عن نتيجة ما اكتسبته في
مدرستك، فدقق النظر في عبارات الأسئلة واجمع أطراف الجواب في
مخيلتك، ثم اكتبها واحترس من السرعة ومن الميل إلى الانتهاء
قبل أقرانك، فإن العجلة لا تتفق مع الإتقان، بل رتّب وقتك،
ومتى انتهيت أعد قراءة ما كتبته مرة أو مرتين، ففي الإعادة
إفادة، وإذا قصّر عليك الوقت فأوجز الجواب بما لا يخلُّ
بالمقصود أو يذهب ببهاء الموضوع, وإني أُحذِّرك من التكلّم مع
أحد في الامتحان، أو الإشارة إليه بشيء أو غير ذلك مما يوجب
الاشتباه في أمرك، فهناك مراقبون واقفون لكم بالمرصاد(9)،
وكل من استعمل بالغش في الامتحان أو حاول استعماله يُطرد
حالاً، ولكن على من يقع منه أي أمر مخالفٍ لنظام الامتحان
يُطرد وتذهب أتعابه سدىً، وأملي فيك حفظ قولي هذا والعمل به
لتفوز بالمرام، وعليك السلام.
ومما كتبه
لوالده
15. بيد
الامتثال والأدب قد تناولت شريف مكتوبكم وعلمت بما جاء فيه من
الوصايا النافعة، واليوم قد انتهى الامتحان على أحسن
حال، وظهرت النتيجة، ولله الحمد قد نجحت وترتيبي العاشر في
جدول المقبولين، فأًبشِّر والدي بذلك وأُعلمه بأني قد عزمت على
الحضور إن شاء الله بعد أسبوع، والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
جواب الوالد
16. إن نجـاحك
في الامتـحان حقّق فيك أمالي، وبرهن على ذكائك واجتهادك، ووجب
عليّ الشكر لحضرة ناظر مدرستك وحضرات الأساتذة الذين قاموا
بحقوق الكفالة، فلا تنس فضلهم عليك واشكرهم ما حييت، ولقد
جهّزت لك عندي لوازم رياضتك في أيام المسامحة، وأعددت لك مكتبة
تجد فيها من نفيس الكتب الأدبية والفكاهية والتاريخية ما يسلّي
خاطرك، ويروّض فكرك، ويزيد في معلوماتك، وهذا هو خير مكافأة
رأيت أن أقدمها إليك، ولو علمتُ شيئاً أجلّ من هذا لكافأتك به،
وقد كلّفني أخوك، وَعمّك، وباقي الأسرة (العائلة) بتقديم
سلامهم وتهنئتهم إليك.
ومما كتبه
لوالده
17. بلغني اليوم
وجود وظائف خالية بديوان... (10)
وأغلب إخواني الذين حصلوا معي على الشهادة الابتدائية في هذا
العام قدموا طلباتهم للتوظف ودعوني لتقديم طلب معهم، فلم أتسرع
في هذا الأمر، وقلت: لا بد من استشارة والدي فيه قبل الإقدام
عليه، فجئت بكتابي هذا أستشير حضرتكم فيما إذا كنتم توافقون
على توظفي الآن وإِلا تفضلون دخولي بمدرسة من المدارس الثانوية
لأُتمم دراستي، أرجو حضرة الوالد إفادتي، ولكم الرأي الصّائب،
والسلام عليكم ورحمة الله.
جواب الوالد
18. يسرني أن
أراك موظفاً بالحكومة لتخدم وطنك، ولكن مثلك لا يليق به التوظف
الآن لصغر سنه، ولكونك لم تبلغ من العلم والعمل ما يؤهلك
للقيام بأعباء خدمة الحكومة، فضلاً عن أن تتميم دراستك خير لك
من أن تتوظف الآن بمرتّب زهيدٍ، لا يقوم بمعاشك، ولا تضمن
زيادته في المستقبل وإني مع مداومتك على الاجتهاد قابل بكل
ارتياح أن أنفق عليك حتى تتمم دراستك، وتكون كفوأ لخدمة
الحكومة قادراً على القيام بمعاشك، فلا تغرنّك أقوال الشُبَّان
ورغبتهم في الاستخدام مع قلّة معلوماتهم، فإنهم يفعلون ذلك
فراراً من الدراسة وتخلصاً من مسؤولية آبائهم، مع أنهم بذلك لا
ينفعون المصلحة ولا أنفسهم، ويضيّعون مستقبلهم، فاسمع نصحي،
واجتهد في المذاكرة، واستعدلأداء امتحان الدخول بالمدرسة
الخديوية(11)، وقد سررت كثيراً من
استشارتي في هذا الموضوع، وإني أدعو الله بأن يزيدك علماً
ومعرفة والسلام.
ومما كتبه والده
له
19. إنك وإن
صغرت عن أخيك في العمر، فقد علوت قدراً بحسن سيرك واجتهادك،
فلا غرابة اليوم إذا أوصيتك وجعلتك الكفيل عليه في القاهرة،
فقد كفى عندي من الأدلة على خبث طويته ونقصه في أداء الواجب،
نعم إنه سينفر عنك ويبغضك ويحتقر نصحك، إلا أن لي فيك من الثقة
ما أطمئن به مقدماً عن لينك في الإرشاد وحُسن ذوقك في
إلقاء النصيحة، وها أنت مع صغرك عنه سنتين في العمر قد لحقت في
فرقته، وصرت متقدماً عليه فيها، لتكون له أُسوة حسنة يقتدي بك
في قولك وفعلك، فإن أَمرته أو نَهيته عن شيء فليكن أمرك ونهيك
بلين، فتبث له من الإرشاد ما ينطق به قلبك الطّاهر، وتصف له من
وقت إلى آخر لذّة حسن السّير والاجتهاد، وكيف أن والدكما يعتني
بتربيتكما حباً في تقدمكما وحسن مستقبلكما(12)،
وأرجو الله أن يكلّل أعمالك بالفوز والنجاح، فيرد لي عاجلاً ما
أطمئن به، والسلام.
جواب التلميذ
لوالده
20. قضت إرادة
والدي أن يجعلني لأخي الكبير بمنزلة الكفيل له، وأوصاني أن
أحيطه علماً بكل حادث يلّم بأحدنا ليكن على بيِّنة من أحوالنا.
نعم إنه تحوّل
عن المنهج القويم في سلوكه، وتغيّر حاله في المدرسة، ومال به
اللهو واللعب إلى هجر الدروس، وكما أن هذا كان يكدر والدي فقد
تكدّر خاطري أيضاً، ويعلم الله أني لم أُقصّر في واجبِ الأخوّة
نحوه(13)، وقد ورد جواب سيدي
الوالد، وكنت أخذت منه عهداً على أن لا نفترق عن بعضنا، وكما
أننا إبنا(14) والد واحد، كذلك نكون
معاً في مذاكراتنا وفسحتنا.
أسأله تعالى
توفيقنا إلى ما فيه رضاه ورضاك لأُبشّرك في القريب العاجل بما
يَسُرُّ خاطرك، وينسيك الماضي، والسلام عليكم ورحمة الله.
القسم الثاني : الرسائل التي دارت بين التلميذ المتأخر وأبيه
1. ولدي العزيز:
لم يرد لي منذ
عودتك للمدرسة جواب يطمئنّ به خـاطري، وينشرح لمطالعته صدري،
وأعرف منه ما تعلمته في هذه المدة، وما أنت عليه الآن، حتى
أصبحت في حيرة فكر وانشغال بال أترقب ورد الإفادة منك، فبادر
بتحرير جواب يشهد لك بالجدّ والاجتهاد في دروسك عند والدك،
الذي يرجو تقدمك ولا يغفل عن دوام الاستفسار عنك والدعاء لك.
2. والدي المحترم:
بعد إهدائكم
مزيد التسليمات وتقبيل أياديكم المباركة(15)،
أُعَرِّفُ حضرتكم أن السبب في تأخري عن المكاتبة هو أني لما
حضرت للمدرسة وجدتهم أَخّروني في فرقتي ونقلوا كثيراً من
التلامذة، ولهذا ما أمكنني مخاطبتكم خوفاً من غضبكم عليَّ،
وإني ما دمت بهذه المدرسة لا أمل لي في النجاح، والسلام.
3. ولدي:
طالما نّبهتك
على المذاكرة في دروسك وقت الإجازة(16)
وأنت لا تطاوعني وتطاوع نفسك، وتخدعك شهواتك، فأخذت تلعب،
وأضعت وقتك فيما لا فائدة فيه، حتى فاتتك الفرصة، وتأخّرت في
فرقتك، فانظر ياولدي عاقبة إضاعة الوقت سدىً، وإني أُوصيك من
الآن فصاعداً بالجدّ والاجتهاد في أشغالك، لعلك تتدارك ما فات،
وأن لا تهمل لغد ما يمكنك عمله اليوم، فقد لا يساعدك
الوقت على فعله، واعلم بأنك إذا تأخّرت في هذه السنة أيضاً
طُردت من المدرسة وحُرمت من التعليم، واقبل نصيحتي هذه،
والسلام.
4. والدي
المحترم:
قد اتضح لي أن
المدرّسين يتقصدونني، ولذا أبقوني في فرقتي، وإني مع هذه
الحالة لا يمكنني البقاء أبداً في هذه المدرسة، وها أنا قد
أعلمت حضرتكم، ومن باكر لا أتوجّه للمدرسة، وقصدي أتوجه
لمدرسة...(17) فهناك لا يؤخّر
تلميذ، وحيث أَنَّك أرسلت المصاريف، فأرسل مصاريف المدرسة التي
سأتوجه إليها، وكذا ثمن الكتب والأدوات.
5. ولدي:
إنما
الولد مجلبة السعادةِ أو الشقاء، منشأ للراحة أو العناء، وأنت
يا ولدي من الشّطر الأخير، سببت بسيءِ سَيْرِكَ تنغيص عيشي،
وشقاء نفــسي، أرسلــتك لمصر(18)
لتتغذى من ألبان المعارف في معزل عن المشاغل والمتاعب، وليرتاح
بالك ويخلو لنجاحك جوّ الشباب، وأودعتك بمدرسة، هي السّامية في
التعليم، الأولى في التربية، وأنفقت عليك ما ليس بالقليل، حتّى
إني اقتصد من الغذاء الضروري وأريحك، وليس عندي أمل غير نجاحك
لتُرجع شيبي شباباً، وفاقتي وسعاً، وتشّرفني بعلمك، وترفعني
برفعتك، ولكنك عملت على العكس، فأضفت لعنائي ألفَ شقاءٍ،
ولتنغيصي مصائب دهماء. يا ولدي إني أستعين عليك بالصبر، وأسأل
الحكيم القادر هدايتك، إني أعلمك ضعيفاً غير أهل لأن تكون
بفرقتك، فأنصحك بالبقاء فيها كما اقتضاه نظام مدرستك، إعادة
لدروسك وتقوية لمبادئك، وكنت أنا الأولى بعدم قبول ذلك، لما
أتكبّده من المصروف(19)، ولما
أنتظره بفروغ صبر من ثمرات علمك.يا ولدي الاجتهاد ممدوح،
ياولدي إنما التلميذ تلميذ ليشتغل بدروسه، ويجتهد في الحصول
على العلم، لا ليتكاسـل ويهمل، ويكلّ من تعب الدروس. يا
ولدي إنما تعبك في الدروس وأنت شاب صغير أولى بك من
التعب طول الحياة، فإنك إن تعبت الآن حصلت على الراحة الأبدية
في المسـتقبل، فأفدني برجوعك لمدرستـك، ودخولك في فرقتك،
ووصيتي لك الاجتهاد وحُسن الاعتقاد في معلّميك، والامتثال
لرؤسائك، والسلام.
6. والدي
المحترم:
سلامي على
حضرتكم كثير، وقد رجعت إلى المدرسة مؤقتاً إلاّ أنه لا يمكنني
الاستمرار، وما تصرفه عليّ في هذه المدرسة ضائع في الهواء، حيث
إني حزين، فاقد الراحة، ولا فكرة لي في الدروس، وأرجوكم إرسال
بعض الدراهم لأن ما أخذته صرفته، والسلام.
7. ولدي العزيز:
لا يضيق صدري عن
سماع قولك، ولا يضيع أملي في إصلاح حالك أدعو لك بالتوفيق
والهداية إلى أقوم طريق. يا ولدي نصحتك فلم تعتدل، ورغّبتك في
العلم فلم ترغب فيه، وأمرتك بالعودة لمدرستك والاستمرار على
الدراسة فلم تقبل، وبيّنت لك الحال وما يكون المآل فلم تع قولي
ثم تطلب مني نقوداً لبحبوحتك، تصرفها في فسحتك، وأنا لا أضنّ
بها عليك، بل أزيدك أضعافها، وأفضل حِرْمَان نفسي من ضرورياتها
لأرسل لك ما طلبت، ولكن هذا يستدعي منك بُرهان الاستحقاق، وأنت
لا تزال مصرّاً على رأيك، كأنك الخلقة الكاملة التي لا تخطىء،
فكفّر عن خطيئتك بالإذعان، وأفدني بارتياحك في مدرستك،
واجتهادك في دروسك، وزوال تلك الفكرة السيئة عنك، لأُعجّل لك
في إجابة طلبك، والسلام.
8. والدي
العزيز:
أظنك يا والدي لا تريد بي فضيحةً بين إخواني
التلامذة، فتبخل عليّ بالدراهم بعد كثرة طلبي، فكل التلامذة
يصرفون كثيراً، وتأتيهم من آبائهم دراهم في كل حين، وقد اضطررت
لقرض سُـلْفَةٍ من أحد التلامذة، فإن لم تسعفني إلّا زَهَقْتُ
روحي(20) من الدنيا وما فيها.
9. ولدي
العزيز:
لقد تجاوزت
الحدَّ وكدت تضيّع أملي فيك، وتذهب شفقتي عليك، حيث جاهرت
بالرّذائل، ودّونت في جوابك ما يدل على طيشك وجهلك، فوجدت من
الصالح إدخالك داخلية بالمدرسة، لتتوفر لك أسباب الراحة
والتفرغ للدراسة، وبعثت اليوم طلباً للمدرسة بذلك، أرسلت معه
فرق المصاريف، وإنك تلحّ في طلب دراهم لمصروفك، فها أنا مرسل
لك مع هذا حوالة بنصف جنيه لاستلامه، إنما أُعلمك بأن الشاب
الصغير إذا أحسن التصرف في قليل ما يعطى له، فإنما يدل على أنه
في ميزان العقل، ويرجى منه حسن التدبير أيضاً عندما يكون
كبيراً وينقد كثيراً فإنما احتياجات الصرف تنفرج مع الوقت، فإن
كنت طامعاً فيما عندي من قليل الثروة التي أُحَمِّلُ نفسي من
أجل ادّخارها لتربيتك، مُرّ الأحوال، ومصاعب الحياة، فإنما
تكون مغروراً، إذ كم من ثروة طائلةٍ بدَّدها مثل هذا الطّيش
وهذا الغرور، فاعلم ياولدي أني لا أضنّ عليك بشيءٍ إذا برهنت
لي على دوام اجتهادك واستقامتك، بل أُجيب سؤلك وأُحسن مكافأتك،
والسلام.
10. ولدي
العزيز:
بلغني من حضرة
ناظر المدرسة أنك أضعت بعض كُتبك وأدوات تعليمك إهمالاً منك
وأن حضرته نبّه عليك بشراء غيرها، فاعلم يا ولدي أن كتاب
التلميذ ساعده ومُرشده في غياب أستاذه، ولولاه لكان التعليم
قاصراً قليل الفائدة، وكنت أودّ أن لا يصلني شيءٌ(21)
مما يدل على إهمالك، ولكني قد سامحتك في هذه المرة، وأنهاك(22)
عن العودة لمثل ذلك، واستلم من البريد (البوستة) مبلغ... (23)
لشراء بدل الكتب الضائعة، وحافظ عليها، وعلى جميع أدواتك
المدرسية ورتّبها باعتناء، واجعل درجك دائماً نظيفاً، والسلام.
11. والدي
المحترم:
أخبرك بحادثة
حصلت لي أمس، وهي أنه بينما كنت ألعب مع بعض رفقائي في حوش
المدرسة، إذ سقط كرسي من الكراسي الحديد الزهر فكُسر، فجاء
الضابط وأخذ يوبخّنا وأمر بحبسنا، ولما عرض المسألة على
الناظر، أصدر أمره بأن يدفع كل منا ما يخصه من ثمن هذا الكرسي،
فتقرر عليَّ أن أدفع مبلغ (25) قرشاً وإن لم أدفعه بعد مضي
ثلاثة أيام طُردت من المدرسة، فأرجو ]يا[ والدي أن تسرع(24)
بإرسال هذا المبلغ، مع قبول عذري وسلامي.
12. أيها
الشّقي:
كيف تجاسرت على
طلب مبلغ (25) قرشاً مع رفضك نصائحي والسير في طريق الشَّقَاء
والكسل، ونعم ما فعله معك ناظر المدرسة، فهذا جزاء كل من خالف
النّظام، ولولا شفقة الوالد ومخافة طَرْدِكَ من المدرسة لا
متنعت عن إرسال هذا المبلغ إليك، ولكنني أرسلته لعلك تعتبر
وتتوب، وترجع وتترك هذه الشقاوة، وتبتعد عن مصاحبة الأشرار
الذين يقودونك إلى مالا تُحمد عقباه، ولطالما أَوصيتك
بالاستقامة والالتفات إلى أعمالك، أسأله تعالى هِدَايتك
وتوفيقك إلى ما يحبه ويرضاه، إنه السّميع المجيب.
13. والدي
المحترم:
إني أَعترف بما
وقع مني في المدرسة، وإني أستحق التوبيخ والعقاب، ولكن يا
والدي ما هذه إلا غواية شيطانية وأفعال صبيانية، قد جَرَّني
إلى فعلها التلامذة الأشقياء، وإني أُعاهدك بأن أبتعد عن
مصاحبتهم، وأن لا أعود لمثل ما حصل،وأن أتبع أمرك ونصحك،
والسلام.
14. ولدي
العزيز:
بلغني ممن أثق
بهم أنك على نهج غير قويم، وسير غير مستقيم لمخالطتك الأشرار،
فإن كُنت نجلي وأنا أبوك, فلا ترافق غير أمثالك، ولا تعاشر إلا
أولاد الأشراف، لأن قَرين السوء يعدي(25)
والطبع من الطبع سَرّاق، واعلم يا ولدي ـ هداك الله إلى طريق
الاستقامة ـ أن الناس أجناس، منهم: الصالح والطالح، والمحسن
والمسيء، والنافع والضّارّ، والطّيب والخبيث، فأوصيك أن تختار
لنفسك من يبدو لك نفعه ومروءتُه وخَيره وصلاحه من إخوانك في
التعليم وأترابك من جيران وأصحاب، وتنقّده بالاختيار والتجربة،
واحرص على ودَاده، فلا تعرّضه لغضب يغيره، أو حُمق يحولّه عنك،
وإن بدت لك منه هَفْوَةٌ أو إساءة فلا تعجل في الانتقام منه بل
تجاوز ما أمكنك بقاءً لمحبته، وإن تكررت منه الإساءة فلا بأس
من عتابه باللطف واللّين، حتى يقلع عن خطته، مع بقاء مودَّته
وإصلاح شأنه أما من تتوسم فيه الميل إلى الشرّ، والجنوح إلى
الضُرِّ، والإقبال على المفاسد(26)
فاجعل بينك وبينه حِجاباً مانعاً، وفِرّ من مصاحبته فِرَارك من
الأسد، (27) لأن فساد الأخلاق، وسوء
الطّباع ينتقل من صاحبه إلى مُصَاحبه انتقال عدوى المريض إلى
الصحيح، بل هو أسرع سرياناً وأقوى انتشاراً، وعليك أن تغرس في
قلبك حُبَّ من تعاشره من أمثالك، ومودّة من تخالطه من معاصريك،
وصداقة من تصاحبه من مواطنيك، وأن توقّر الكبير، وترحم الصغير،
وتعامل الرّفيق معاملة الأخ الشفيق، وتسعى فيما يُقَرِّبك
إليهم، ويوجه إليك قلوبهم، فإن الناس، بالناس ويد الله مع
الجماعة، واعمل بوصيتي هذه تفز بالخير والرِّضا، والسلام.
15. والدي
المحترم.
قد مضى فصل
الصيف وجاء فصل الشتاء بملابسه اللطيفة، وكل عام وأنتـم بخير،
وقد شـاهدت عند الخياط عَيّنات جديـدة من آخـر طُـرز أعجبتني
وأدهشتني، واشتاقت نفسي لأن أُفَصِّلَ منها بدلتين وصاكو(28)،
فأرجو والدي أن يرسل لي مبلغ عشرة جنيهات، وفي يقيني أنه لا
يتأخّر عن إجابتي، والسلام.
16. ولدي
العزيز:
لم يمض ِعليك
شهران وأنت بالمدرسة، وقبل دخولك اشتريت لك بدلتين، والآن تطلب
عمل بدلتين غيرهما وصاكو فعجباً لك يا ولدي، ياتُرى ماذا فعلت
بملابسك، هل فقدتها ـ أم مزقّتها ـ حاشا أن يكون كذلك، بل أقول
إنه غرّك الزِّي الجديد، وحب التّقليد، فخيَّل لك عقلك الصغير،
وميلك إلى الإسراف والتبذير، أن تُفَصِّلَ بدون لزوم، تقليداً
لغيرك وإرضاءً لنفسك، أتريد أن تزيد في ملابسك وتُحَسِّنَ في
زِيّك، ولا تريد أن تزيد في معلوماتك وآدابك؟ فما هذا والله
شأن الشُبَّان العقلاء، تميل إلى التقليد في الزَّيِّ والشكل،
ولا تميل إلى الاجتهاد والاقتصاد، فما هذا وايم الحقّ حالة
الشبان النُّجَبَاء؟
انظر إلى أنجال
فلان...(29) ترى الواحد منهم لا
يشتري في السنة الواحدة زيادة عن بدلتين أو ثلاثة، ولا يجتهد
في أن يشغل باله وأفكاره بأنواع المبتدعات الحديثة، مع كونه في
هيئة حسنةٍ وملابسه في نظافة تامَّة، فدعك يا ولدي من هذه
الأوهام، ولا تغتر بالمناظر وحسن الأشكال.
واجتهد في تزيين
عقلك بالآداب والكمالات، واقتنع بما عندك من الملابس، فإنها
تكفيك ما دمت محافظاً عليها مراعياً نظافتها وترتيبها واسمع
قول الحكيم:
مَاكُلّ ما فوق
البسيطة كافياً وإذااقتنعت فكل شيءٍ كافي
وَليتكَ كُنت
طلبت مني نقوداً لتشتري بها كتباً نفيسةً حتى اُجيبك في الحال،
فأوصيك يا ولدي إذا أردت أن تعيش مستريحاً أن تنظر لمن هو أقلّ
منك في الملابس والزّينة، ولمن هو أرقى منك في المعارف
والآداب، وأن تنظر لمن هو تحتك في الدنيا ولمن] هو[ فوقك
في الدِّين، والسلام.
17. ولدي
:
مما لا يذهب عن
فكري عدم نجاحك في امتحان العام الماضي، وكنت ]قد[ قدمت
لي عذراً، واستشفعت لدي في قبوله لصغر سنك مع كثرة الدروس،
ووعدتني بالاجتهاد في هذه السنة، وقد مضى ثلثاها ولم أَدْرِ
إذا كنت مُجِدّاً في وفاء الوعد أم تناسيته، فأفدني بما حصلت
عليه، وهل تأمل الفوز في امتحان هذا العام أم لا؟.
18. والدي
المحترم:
مَا أصعب دروس
هذه السنة، وما أشد قسوة المعلّمين، وإني وإن كنت وعدت والدي
بالاجتهاد، ولكنني أشكّ كثيراً في النجاح في هذا العام أيضاً،
لأنه ينقضي كثير من الدروس، فإذا سقطت(30)
ألتمس من والدي عذراً آخر، والسلام.
19. ولدي:
إنه ليحزنني أن
أراك متأخراً في دروسك، غير قادر على امتحان هذه السنة، كما في
السنة الماضية لاشتغالك باللعب واللهو اللذين(31)
طالما حذّرتك منهما، ولو كنتَ داومتَ على مذاكرة دروسك أولاً
فأولاً لما تأخّرت عن أقرانك، ولما كنت خاطبتني بهذا الجواب
المكدّر فخبرّني كيف تفعل إذا لم تنجح في امتحان هذا العام؟
أنسيت أن التلميذ الذي يتأخر في فرقته سنتين يرفت(32)
من المدرسة ولا يقبل بها؟ أتكون مسروراً إذا طردت من المدرسة،
ورأيت نفسك بين الخدم تشتغل كما يشتغلون، وتأكل كما
يأكلون؟ فإن كانت هذه الحالة ترضيك فإنها لا ترضيني ولا ترضي
أسرتك (عائلتك) فاتق الله في نفسك والتفت لدرسك، وكفى ما
فات من إضاعة الوقت والشتات، واجتهد فيما بقي من السنة ولا
تشغل فكرك إلا بما فيه نجاحك وتقدمك، عسى الله أن ينجح مقصدك
ويبلّغك أمانيك، والسلام.
ولا تنظر لأثـوابٍ
على أحــدٍ
إن رُمْـتَ تـعــرفه
إلـى الأدب
فالـعُود لـو لم
تفح منه روائحه
لم يفرق النـاس بين العود والحطب
20. ولدي:
إن أردت أن
تُعّدَّ من الفضلاء، وأن ترتقي مراتب العلياء، فعليك بالجدّ
فيما تتعلم، والالتفات إلى ما يلقيه إليك المعلّمون، حتى لا
يفوتك من نتائج أفكارهم فائدة، وأن تقابلهم بالأدب والاحترام،
وتتلقاهم بالإجلال والإكرام فتعظم في عينهم، وتكبر في قلوبهم،
فلا يبخلون عليك بما عندهم من العلوم والمعارف وجواهر الآداب،
فتقتبس من أنوارها سِراجاً وهّاجاً، وتلبس من جواهرها
تاجاً، وتفوز بالسعادة والسيادة.
أما إذا اتبعت
هوى النفس، وأهملت الدرس، وسلكت مسلك الأشقياء، نفّرت عنك
قلوبهم، وتحولت] عنك [ أنظارهم، وضنّوا عليك بثمرات
أفكارهم وفوائد نصحهم، ووقعت في خيبة الآمال وسيء الأحوال،
وكنت من الخاسرين أعمالاً، وها أنا قد نصحتك لتكون على بينة من
أمرك وبصيرة على نفسك، فتسلك سبيل الرشاد، والسلام.
21. ولدي
العزيز:
أُهديك سلامي
وأكلّفك بإبلاغ(33) مزيد احترامي
لحضرات أساتيذك(34) الكرام،
واستلفتك إلى أن تصرف كل رعايتك وتوجه جليل عنايتك إلى تسهيل
الصعب في طريق إدراك العلوم والمعارف، ولا تكسل، فقد قيل: (ما
أبعد الخيرات عن أهل الكسل) بل تلق الدروس بعزمٍ قوي، وحزمٍ
ثابت، ونيةٍ خالصةٍ (فإن من جدّ وجد) (ومن تعب صغيراً استراح
كبيراً) وحَسْبُكَ في ذلك أن تردّد الطَّرف حولك لترى أن من
استنارت بصيرته بالمعارف قائم بجليل الأعمال من غير نصب ولا
تعب، وأن من حُرم العِلْم مرتبك الأَحوال، حتى في ضرورياته،
وإيّاك وحبّ النفس الأمَّارة بالسوء، واعلم أن العلم بضاعة
سوقها رابح، فلا تقصّر عزيمتك، ولا تضعف من هّمِتك في سبيل
الحصول عليه، فالعلم كنز يزداد كلما أنفقت منه، على أنه للفقير
مالٌ، وللغني كمال، وللعاطل حلية، وللعاري حِلّة، يجعل للمرء
مقاماً محموداً وفضلاً مشهوداً وشأناً رفيعاً وجاهاً منيعاً.
أما الجهل فإنه مجلبة الهوان وداعية الحِرمان, لا يرضاه إلا
عديم الشّرف، قليل الحيلةُ.
ولله در القائل:
رأيت العــــزّ
في أدبٍ وعلمٍ وفي الجهـل
المذّلةُ والهّوانُ
واعلم يا بني أن
الوقت نفيسٌ لا تضيّع منه لحظة بدون فائدة تعود عليك، وإنك إن
لم تتعلم في صغرك لا تنجح في كبرك، بل تعيش عيشة تعسةً
لا يرضى بها إِلاّ الجاهل المسكين، وتكون عاراً على أسرتك
(عائلتك) ويذهب ما أمَّلْتُهُ فيك، وتضيع المصاريف التي
أنفقتها عليك، فإذا عملت بوصيتي هذه، والتفت لدروسك، نجحت
وتقدمت، وفُزت برضاي ومحبتي، والسلام.
22. والدي
المحترم:
مضت أشهر العمل،
وجاءت أيام البطالة(35)، فأرجو ]من
[ والدي أن يأمر الخادم بانتظاري على المحطة بالركوبة في
يوم...(36) المقبل، فقد عزمت على
قضاء أيام الإجازة بينكم لأتمتع بمشاهدتكم وأتفسح في الغيطان,
وإني لفي أسفٍ شديد على عدم نجاحي في هذه السنة كما حصل
في العام الماضي لصعوبته، ولكن سأبذل الجهد في المذاكرة لأحصل
على المرغوب إن شاء الله.
23. ولدي:
وصلني كتابك،
وقد استنتجت من مطالعته، أنك أنت الخمول بعينه، فقد عبّرت عن
مدة العمل بالأشهر، ومدة البطالة بالأيام، دلالة على أنك تكره
العمل وتأنفه، وتحب الكسل وتألفه، هكذا شأن الخامل الذي لا
يرعى لنفسه شرفاً، ولا يحسب لمستقبله حساباً، ولقد طلبت الخادم
لاستقبالك، ولكن يعزّ عليّ أن أراك راكباً، ووراءك خادم أنفع
منك، كما أنه يحزنني أن تحسب عليّ من زينة الدنيا، فعجّل
بالحضور، فقد أعددت لك بين رعاة الغنم والمواشي وظيفة تليق بك،
واحتسبت ]أجري على[ الله فيما صرفته عليك، فإن من لم
تصلحه الكرامة يصلحه الهوان، ومن لم يُرَبِّهِ(37)
والداه يربيه الزمان.
(1) كذا في
الأصل نقط في هذا الموضع.
(2) لو يعلم
القارىء اليوم كم كان الجنيه المصري يساوي إرساله لطالب مدرسة
أو طالب جامعة آنذاك لنادى بأعلى صوته: أيُّ كرم كان عند
ذلك الأب، وإن الجنيه في ذلك الحين ـ بقيمته الشرائيةـ كان
يساوي خمسمائة جنيه مصري من جنيهات هذه الأيام، وربما أكثر من
ذلك بكثير.
(3) في
الأصل >منقوش<.
(4) تنبيه: كذا
في الأصل: >بالجزيرة< وأظنه سبق قلم من المؤلف رحمه الله، ولعل
الصواب >بالجيزة< كما جاء في الصفحة التالية. بل هذا صحيح،
لأنه يوجد في القاهرة، نادي الجزيرة > المراجع<.
(5) يعني
>الماضي<.
(6) يعني >كثير
المصروف أو المصاريف<.
(7) في
الأصل: >وعلى<.
(8) يعني >بعون
الله تعالى<.
(9) في الأصل:
>بالرصاد<.
(10) هكذا في
الأصل نقط في هذا المكان.
(11)
وكانت المدرسة الخديوية في مصر آنذاك تضم القسم
الإعدادي والقسم الثانوي بتعبير زماننا.
(12) في الأصل:
>وحسن مستقبلك<.
(13) في الأصل:
>في واجب الأخوة له<.
(14) في الأصل:
>بنا<.
(15) في الأصل :
> أيديكم المبروكة<.
(16) في الأصل :
> وقت الأجازة<.
(17) هكذا
في الأصل نقط في هذا المكان.
(18) يعني
>للقاهرة< لأن أهل مصر جميعاً يطلقون اسم مصر على القاهرة.
(19) في
الأصل: >المصرف<.
(20) في
الأصل:>فإن لم تسعفني وإلا زهقت روحي....<.
(21) في الأصل:
>شيئاً<.
(22) في
الأصل: > وأنهيك<.
(23) هكذا في
الأصل نقط في هذا الموضع.
(24) في الأصل:
>أن يسرع<.
(25)
لتمام الفائدة انظر الحكاية التي كتبتها بعنوان >أصحاب السوء<
في كتابي >الكشكول الصــغيـــر< ص ( 81-79 ) طبع مكتبة دار
العروبة بالكويت، ودار ابن العماد ببيروت.
(26) في
الأصل: >على الفاسد<.
(27) هذه
استعارة من حديث >فرَّ من المجذوم فِرارك من الأسد< الذي رواه
البخاري رقم (5707) في الطب: باب الجذام، من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
(28)
صاكو: كلمة تركية معناها بالعربية (مانطو).
(29) هكذا
في الأصل نقط في هذا الموضع.
(30) يعني
>رسبت<.
(31) في الأصل:
>الذي<.
(32) أي يفصل.
(33) في
الأصل:>ببلاغ<
(34) في
الأصل: أساتذك.
(35) يعني
>العطلة<.
(36) هكذا
في الأصل نقط في هذا الموضع.
(37) في
الأصل : > لم يربياه<.
|