|

كيف نربي الأبناء
مقدمة
يكفي النَّاقد
البصير أن يعير الوجود لفتة ليرى احتياج الإنسان إلى التربية،
فإنما يولد صغيراً مجرداً عن كل مميزات الرجال، فكما أن البدن
في الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية
بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ساذجة قابلة للكمال. ولذا صار من
وجوب العين العناية بتربية الأبناء وتهذيب أخلاقهم وتغذيتهم
بالعلم وتدريبهم على عمل يقومون به في حياتهم ويقوّمون به أود
عيشهم. ولكنه لا يجب أن يوكل أمر تربية الأبناء إلى
أنفسهم أو يترك لاختيارهم ما يرونه وسيلة لعيشهم، فإن ذلك
يستدعي خبرة وممارسة لا يستطيعون اكتسابهما في وجيز عمرهم، إلا
أن للتربية والتعليم أصولاً يجب معرفتها، ولا بيان لهذا الباب
أجمل للعين وأقرب للفهم مما جاء في كتاب >إحياء علوم الدين<
للغزالي(1) أذكر ملخصه هنا ليكون أساساً أَشيد عليه بناء هذا
الكتاب.
إنّ الصبي أمانة
عند والديه، وقلبه الطّاهر جوهرة نفيسة خالية عن كل نقشٍ
وصورة، وهو قابل لكل نقشٍ، مائل إلى ما يوجه إليه، فإن عوِّد
الخير وَعِلمَهُ نشأ عليه، وسعد حاله في الدينا والآخرة،
وشاركه في ثوابه أبواه، وكل معلِّم له ومؤدِّب، وإن عوِّد
الشرَّ وأُهمل إهمال البهائم. شقي وهَلَكَ وكان الوزر في رقبة
القيِّم عليه والمتولي أمره، فالواجب إذاً على الوالد
صيانة ولده وتربيته التربية الحسنة بأن يؤدِّبه ويهذّبه
ويعلِّمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوِّده
التنعم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرَّفاهية، فيضيع عمره
في طلبها إذا كبر، ويهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من
أول مرة، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة
تأكل الحلال(2) لأن اللَّبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه،
وإذا وقع عليه نشوء الصبيِّ انعجنت طينته من الخبث،
فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث. وينبغي للوالد دقة ملاحظة
نظافة ولده، وأن لا يتركه مع خادم(3) يقتبس منه سيء الخلق
وفساد التربية، ومتى رأى فيه مخايل التمييز أحسن مراقبته،وأول
ظهور ذلك مبادىء الحياء، فإن الولد إذا كان يحتشم ويستحي ويترك
بعض الأفعال، فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، وهذه عطية
الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق، وصفاء القلب،
وكمال العقل عند البلوغ، ولكن الصبيَّ المستحيي لا ينبغي أن
يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه، وأول ما يغلب على
الصبيِّ من الصفات شَرَهُ الطّعام، فينبغي أن يُعَلَّم آداب
الأكل، بمثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه، وأن يقول عليه (بسم
الله) وأن يُقَبَّح عنده كثرة الأكل بأن يشبَّه له كل من يُكثر
الأكل بالبهائم، وأن يحبَّب إليه القناعة في الطعام، وأن لا
يؤثر طعاماً على آخر.
ويجب أن يحفظ
الصبي عن الصبيان الذين عوِّدوا التنعّم والرَّفاهية ولبس
الثياب الفاخرة، وعن مخالفة كل ما يرغبه فيها، فإنَّ الصبيَّ
متى أُهمل في ابتداء نشوئه يخرج في الغالب ردىءَ الأخلاق،
كذَّاباً، حسوداً، سراقاً، نماما،ً لحوحاً، ذا فضولٍ وضحكٍ،
ويحفظ من جميع ذلك بحسن التأديب، وذلك بتعويده من الصِّغر على
ترك الكِبْر والإعجاب ومحبة النفس، وتكليفه باستعمال الرِّفق،
واللِّين، والتلطف مع الغير، وكذا يلزم أن يُثْبَتَ في عقل
الصَّبيِّ العقائدُ الدينية، التي تأمر بالمعروف وتنهى عن
الفحشاء والمنكر، وتبيّن له مزايا الفضيلة ليحبها ويتمسك بها،
ويُقبَّح عنده الرَّذيلة ليفرَّ منها ويبعد عنها.
هذا ومتى ظهر من
الصَّبيِّ خلق جميل وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى
بما يفرح به، ويمدح بين الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال
مرة واحدة يتغافل عنه، لا يُهتك ستره، ولا يكاشفه الأمر، لا
سيما إذا ستره الصبيُّ من نفسه واجتهد في إخفائه، فإن إظهار
ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة، فإن عاد
يعاقب سرّاً ويُعَظّم الأمر له، ولا يُكثر عليه العتاب في كل
حين، فيهون عليه سماع الملامة وارتكاب القبائح، ويسقط
وقع الكلام من قلبه. وليكن الأب حافظاً هيئة الكلام مع ولده،
فلا يشتمه، لئلا يعوّده عليها، ولا يوبّخه إلا أحياناً، والأم
تخوفه بالأب وتزجره عن فعل القبائح.
وينبغي أن يمنع
عن النوم نهاراً، فإنه يورث الكسل ولا يمنع عنه ليلاً وأن
يعوَّد الخشونة في الفرش والملبس والمطعم.
وينبغي أن يُمنع
عن كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح.
ويعوَّد في بحر
النهار المشي والحركة والرياضة، حتى لا يغلب عليه الكسل وتقوى
عضلاته.
وينبغي أن يمنع
عن أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشيء من
مطاعمه وملابسه وأدواته، بل يعوَّد التواضع والإكرام لكل من
عاشروه، والتلطف في الكلام معهم، ويجب أن يمنع عن أن يأخذ من
الصبيان شيئاً بدا له حسناً، بل يُعلَّم أن الرِّفعة في
الإعطاء لا في الأخذ، وأن الأخذ دناءةٌ وخِسَّةٌ. وبالجملةِ
يُقَبَّحُ إلى الصبيان حبُّ الذهب والفضة، ويحذَّرون منهما
أكثر مما يحذر من الحيَّة والعقرب، فإن آفة حُبِّ الذهب والفضة
والطمع فيهما أضَرُّ من آفة السموم على الصبيان، بل على الكبار
أيضاً.
ويجب أن يعوَّد
الأمانة والصدق، ويُحَرَّمَ عليه الكذب، ويمنع من الحلف رأساً،
صدقاً كان أم كذباً، ويُعَلَّم آداب المحادثة، فيمنع من لغو
الكلام وفحشه.
وينبغي أن يتحمل
عقاب معلِّمه لأنه أولى الناس بمحبة نفعه.
وينبغي أن
يُؤْذَنَ للصبيّ باللعب لعباً جميلاً بعد انتهاء الشغل ليستريح
من عناء الدرس، بحيث لا يتعب فيه، لأن منع الصبي عن اللعب
وإرهاقه إلى التعليم دائماً، كالشح عليه بالدراهم، يميت قلبه،
ويبطل ذكاءه، وينغِّص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في
الخلاص منه رأساً.
ومتى بلغ
الصبيُّ سِنَّ التمييز لا يسامح في ترك أمور الدِّين وتعلّم
آدابه وفضائله، فإن من لا يتمسك بدينه ولا يحرص عليه لا يرجى
منه خير، فإذا وقع نشوء الصبي كذلك وقارب سنَّ البلوغ، أمكنه
أن يعرف أسرار هذه الأمور، فيذكر له أن الأطعمة أدوية، وإنما
المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله والعمل، وأن
الدِّين، وخدمة الوطن، ونفع الناس، أمور واجبة، ليستمر عليها
في أدوار حياته، وهي الكفيلة له بالنجاح والسعادة في الدنيا
والآخرة.
هذه هي الآداب
الصحيحة، والدروس الأساسية للتربية الحقيقية التي يجب تلقينها
للصبيِّ، فإنها الوسيلة المثلى في جعله إنساناً كاملاً،
وبغيرها يتعذَّر تهذيبه وتكون كل التعاليم التي تلقى إليه
خياليةً لا تؤثّر على وجدانه بشيء ما. ولما كانت التربية لا
تصلح إلا إذا كان القائم بها ـ مرشداً كان أو مربياً ـ متخلقاً
بالأخلاق الحسنة والطبائع المألوفة التي يراد تعويد الصبيان
عليها حتى يكونوا خير قدوة لهم في قولهم وعملهم، وجب على
القائمين بتربية الأبناء حُسن الاعتناء بتأديبهم، والحرص على
تعويدهم على الكمالات النفسانية، وعدم مسامحة أنفسهم ومغالطة
ضمائرهم بإهمال أمرهم، فإنما هم المسؤولون عن هذه النفوس
الصغيرة. أبناء اليوم ورجال المستقبل، حقّق الله فيهم الأمل،
وهدانا جميعاً إلى نشر الفضيلة وصالح العمل.
1. قانون الأدب
(تعلَّموا
الأدب، فإن كنتم أغنياء عَظُمَ اعتباركم، وإن كنتم وسطاً فقتم
أقرانكم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم بآدابكم).
1. الأدب أو علم
تهذيب الأخلاق، هو معرفة الخير من الشرِّ، وتمييز النافع
من الضَّارّ، ومعرفة الحقّ للمطالبة به، والواجب للقيام
بأدائه، ومداواة النفس من أمراض الأغراض السَّافلة،وتبرئتها من
مساوىء العيوب، وتحليتها بالفضائل، وتطهيرها من الرذائل، حتى
يصير صاحبها محمود الأقوال والأفعال، مثالاً للفضيلة والكمال.
2. أصول الأدب
أن يعرف الإنسان :
أولاً :
الواجبات عليه لنفسه أي لبدنه وروحه :
أ) تكون
الواجبات عليه لبدنه بمراعاة القوانين الصحية.
ب) وتكون
الواجبات عليه لروحه بتغذية عقله بالمعارف والآداب.
ثانياً :
الواجبات عليه لغيره، وتكون:
أ) بأن يحب
لأخيه ما يحب لنفسه.
ب) بأن لا يفعل
مع الغير مالا يريد أن يفعله الغير معه.
ج) بأن يعامل
الناس بما يحب أن يعاملوه به.
ثالثاً :
الواجبات عليه لوطنه، وتكون بمحبته له، وخدمته بإخلاص، والسعي
في منفعته بكل ما يصل إليه جهده.
رابعاً :
الواجبات عليه لرَبِّه، وتكون باتباع أوامره، واجتناب نواهيه،
والتمسك بآداب دينه. وسنأتي على تفصيلات هذه الواجبات.
3. التربية هي
تخلية النفس عن رذيل الأخلاق ومذموم الصِّفات، وتحليتها بحسن
الطبائع ومألوف العوائد، وغايتها هي الفوز بسعادة الدارين،
والتقرب إلى الله عزَّ وجل باتباع ما أمر به واجتناب ما نَهى
عنه في كتابه العزيز، والتوصل إلى تحصيل المنفعة بأكمل الوجوه
وأشرفها، وأحسن الطرق وأسلمها، وتوصيل النفع إلى الإخوان، وأهل
الوطن، وسائر عباد الله تعالى >فإنَّ أحب الناس إلى الله
أنفعهم لعباده وأحسنهم خلقاً<(4).
4. الخصال
الحميدة كثيرة، منها الاستقامة، والصِّدقُ، والأمانة،
والعِفَّة، والحياء، وكلها تنشأ عن كمال العقل، وجميل الطبع،
فمن تعوّد عليها سَهُلَ عليه فعل الخير >ومَنْ شَبَّ على شيءٍ
شَابَ عَلَيْهِ<(5).
5. الخصال
الذَّميمة عديدة، منها الكذب، والخيانة، والفتنة، والنَّميمة،
وكلها تنشأ عن اتباع الشهوات. وطريقة معرفة هذه العيوب أن يتبع
المرء إرشاد ونصح من يثق به من أساتذته، وكبار العقول، وأرباب
الدراية، وأن يتخذ له صديقاً صدوقاً يرشده إلى الصالح، وأن
يستفيد عيوب نفسه من ألسنة الأعداء فيعمل على إصلاحها، وأن
يُخالط الناس، فيبتعد عن كل ما يراه مذموماً، ويتجلى بما يجده
فيهم من جميل الصِّفات.
2.
الأدب مع الوالدين
6. اعلم يا
بُني أن النفس الشريفة تميل دائماً لحب واحترام من أكرمها أو
جاملها، فما بالك بالوالدين، وهما مصدر وجودك، واللذان يهمهما
صالحك وحُسن حالك؟ إن كان ما تقدمه لهما، من خدمة(6)
وتقوم لهما به بإخلاص أَقَلُّ بكثير من الواجب عليك لهما،
خصوصاً وقد أوصاك الله بهما(7) وجعل
رضاه موقوفاً على رضاهما عنك(8).
7. لا تكن يا
بُني ممن يقابلون الحسنة بالسَّيِّئة، وقدِّر عناية والديك بك،
وحبهما لك، واعلم أنهما لا يُريدان إلاّ أن تكون في المستقبل
رجلاً كريماً نافعاً، فاعمل بوصاياهما، وانتصح بنصائحهما عن
إخلاصٍ ومحبةٍ، لا عن خوفٍ ورهبةٍ، فإنهما قد مارسا الحياة
أكثر منك، وعرفا ما لم تعرفه.
8. الطَّاعة
محمودة، وهي من دلائل أدب النفس، وأقرب الناس إليك ولداك،
فأطعهما يقوَ حبهما لك، وتكسب راحة الفؤاد، وتعش عيشة راضية.
9. لا ينبغي لك
أن تجلس ووالداك واقفان، ويجب أن تكون في حضرتهما في غاية
الأدب، فلا تكثر من الضحك واللعب، وأن تصغي لقولهما، وأن تبذل
جهدك في فهم مرمى إشاراتهما، وأن تكون مخاطبتك لهما بخصوص، مع
استعمال الألفاظ اللائقة، وعدم رفع صوتك فوق صوتهما.
10. لا تكن يا
بُني من الأبناء الذين يخشون الجلوس في حضرة آبائهم،
ويسأمون سماع أقوال الرجال، ويخافون آباءهم لدرجة الجبن،
فلا يستطيعون الاستفهام منهم عما يجهلونه من حقائق الأشياء، بل
كن ذا شجاعة، فإن الشجاعة من أسمى الفضائل، واعلم أن حضور
مجالس الرجال، وسماع حكيم أقوالهم يغذّي عقلك، ويزيد قوة
بيانك، ودرجة معلوماتك، ويصيّرك وأنت في صغرك في عداد الرجال.
11. إذا قابلك
والدك في طريق، فأقبل مسلّماً عليه وعلى من يكون معه،
وانتظر منه ما يأمرك به عند الانصراف، وإذا أقبل عليك وأنت
جالس، وجب عليك الوقوف واستقباله بوجهٍ باشٍ وصدرٍ منشرحٍ،
والإسراع في السلام عليه.
12. كل ما يمنُّ
عليك به والدك، إنما هو فضل منه ومحبة فيك، فليكن طلبك منه
بلطف، ولا يصح أن يكون أمام الناس، وإذا امتنع والدك عن إجابتك
فلا تلحّ عليه، لأنه أعلم منك بحاجاتك.
13. لا يجوز لك
أن تتدنى إلى طلب شيءٍ من غير والدك ولو كان من أعزِّ أصحابه،
فإن هذا أمرٌ مرذول مشين لشرف أسرتك ويدني من دناءة
النفس وقبح الخلال.
14. تعوّد من
صغرك على حسن التصرف فيما يعطيه إليك والدك من الدراهم، ولا
تكن من الطّائشين الذين يظنون أن ما يُعطى لهم قليل، فإنما
احتياجاتهم في الصغر هي القليلة، وإن لم تتعود على ذلك من
الصغر ساء حالك في الكبر، وفقدت استقلال العيش بركوبك متن
الشطط والإسراف وتحملك بالدَّين.
15. من الأبناء
من يتركون العمل ويملّون الشغل بعد وفاة آبائهم اتكالاً على ما
تركوه لهم من وافر الثروة، فيصبحون والفساد يجذبهم ويسير بهم
في طريق الدمار والسَّفَهِ، حيث يرجعون لا مال يحفظ لهم راحةً،
ولا عمل يضمن لهم حياة، فإيَّاكَ ومثل هؤلاء الذين جلبوا
الشّقاء على أنفسهم وأهليهم ووطنهم.
16. اعلم يا
بُني أن الإنسان يحتاج في حياته إلى من يرجع إليه في بثّ
أفراحه وشكوى أحزانه، ولا مرجع تلقاه وقت الحاجة خير من
والديك، فاجعلهما خزانة أسرارك، فإنهما نعم الأمين المكين
والصادق الصدوق.
17. لا تكن يا
بني من الأبناء الذين يستسهلون انتشال ما يبدو حسناً في أعينهم
من غير علم والديهم، فيبتدأون بالولوج في خزنة المأكولات،
ليصيبوا ثمرة، أو قطعة حلوى، ولكنهم يتدرجون في ذلك فيعتادون
السَّرقة من صغرهم، ويصبحون لصوصاً ويسوء حالهم (والعياذ
بالله).
18. متى كبرت
واشتد ساعدك، فعليك بمساعدة أبويك ومعاونتهما بما في طاقتك،
لتعوَّد المروءة من صغرك، كما أنه يلزمك الاعتناء بهما في زمن
شيخوختهما، كما اعتنيا بك زمن طفولتك(9)
، فلا تظهر لهما مللاً ولا ضجراً مهما شقت عليك خدمتهما، فإنك
ستصير يوماً أباً مثلهما، وهل ترضى عند ذلك بإهانة
أولادك لك؟ >بُرُّوا آبَاءَكُمْ تَبرُّكُمْ أبنَاؤُكُمْ< (10)
وَ >الَجنَّة تَحْتَ أَقْدَامِ الأُمَّهَاتِ<(11).
19. لا تكن يا
بني من الأبناء العاقين بحقوق الآباء الذين يتربون
بأموالهم وينشأون تحت كنفهم، ثم إذا كبروا يحقرون أفكارهم،
ويستهزئون بقدر علمهم وعقولهم، ويملون سماع حديثهم، فإنما أبوك
غير مسؤول أمامك عن شيء من ذلك، وأنت بالعكس المطالب لديه
بالعلم والأدب.
20. إذا أمرك
أحد أبويك بعمل رأيته خطأً فلا يَضِقْ صدرك في إِجابتهما
بالصواب، بل أحسن المناقشة معهما، وأثبت لهما الحقيقة بغير جرح
لإحساساتهما أو تكدير لخاطرهما.
3. الأدب مع الإخوة
أَخَاكَ أَخَاك
َ ] إنَّ[ مَـنْ لا أخاً له
كسـاعٍ إلى الهيـجا بغير سلاحِ(12)
21. لزمك
التأدب مع إخوتك، واحترامهم، وحسن معاملتهم، لأنهم أقرب الناس
إليك بعد أبويك، ويحبون النفع والتقدم لك، واعتبر أخاك الأكبر
في منزلة أبيك، فعامله بالمعروف والإحسان، واعمل بإرشاداته
النافعة لك.
22. عليك أن
تلاطف إخوتك الذين هم أصغر سِنَّاً منك، وأن تشفق عليهم ولا
تؤذيهم، ولا تكون لهم مثال الوقاحة وقلّة الحياء والطمع، فلا
تشتمهم، ولا تأخذ من أيديهم شيئاً بغير رضاهم، لأن ذلك
يكدِّرهم من جهتك ويُغضب والدك عليك.
23. لك إذا رأيت
من إخوتك شيئاً غير لائق أن تقول لهم: >لا تفعلوا ذلك< وتنهاهم
عن فعل الشرِّ باللطف والمعروف، وتعرّفهم ضرره، وترشدهم إلى
طريق الخير.
24.لا يليق بك
أن تَنُمَّ على إخوتك لئلا تعتاد على هذه الخصلة الذَّميمة
وتصير ممقوتاً مدحوراً، بل ينبغي أن تثني عليهم بما تعرفه من
محاسنهم.
25. كن عضداً
ونصيراً لإخوتك في كل مُلِمَّةٍ، ولا تنتظر في ذلك سؤالاً
منهم، وساعدهم بما في قدرتك، واسع في الخير لهم، وأرشدهم
إلى ما يعود عليهم بخير المنافع.
26. حافظ على
أسرار إخوتك، ولا يضيِّق الكتمان صدرك، وبلِّغهم دائماً ما
يسرّهم، ولا تخبرهم بما يكدّرهم إذا لم يكن في كتمانه ضرر، وكن
صادقاً معهم قولاً وفعلاً، واستر عيوبهم بمكارم أخلاقك،
وقابلهم على الدوام بوجه باشٍ وصدر رحبٍ.
27. لا تكن يا
بُني من الأشقياء الذين بمجرد وفاة والديهم يقعون مع إخوتهم
وأهليهم في مشاحنات ومنافسات، طمعاً في ميراثٍ أو ثروةٍ،
فيصرفون أوقاتهم وأموالهم في الطعن والعناد، ويسيؤون إلى
أنفسهم، ويهينون اسم أبيهم، ويحطّون من شرف أسرتهم، فتسوء
حالهم، وتضمحل رابطتهم، بل كن دائماً معهم على وفاق واتحاد
وائتلاف، لا في نزاعٍ واختلافٍ، حفظاً لشرف أسرتك، وحباً في
الأمن والاطمئنان.
4. الأدب مع الأقارب
>مَنْ سَرَّه أن
يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، وأن يُنْسَأَ(13)
لَهُ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ<(14).
28.
أقاربك أولى الناس بمحبتك واحترامك، لأنهم أقرب إليك بعد
والديك وإخوتك، ويحبونك كحبهما لك، ويريدون سعادتك
وراحتك وهناءك.
29. عامل
الكبـار من أقاربـك معاملتك لوالديك، والصـغار منهم معاملتك
لإخوتك، وساوي بينهم في المودَّة، ولا تتكل على القرابة فتقطع
عنهم مودَّتك، لأن القرابة تحتاج للمودَّة، بخلاف المودَّة
فإنها لا تحتاج للقرابة، وبادر بزيارة من يمرض منهم، وشاركهم
في أفراحهم وأحزانهم، وقم خير قيام بما يكلّفونك به، مع بذل
الجهد في حُسن إتمامه.
30. اعلم أن
مساعدة ذوي القربى واجب ديني تدعوك إليه الشَّفَقَةُ، وليس من
البرِّ مساعدة الكسلان وتشجيعه على البطالة والكسل، إنما
البرُّ في مساعدة من نقصته أسباب الكسب.
5.
الأدب مع الجار
>مَنْ ]كَانَ
[يُؤمِنْ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلاَ يُؤذِ جَاَرهُ< (15).
31. جارك القريب
منزله من منزل أبيك، هو أقرب الناس إليك بعد أقاربك، فواجب
عليك محبته واحترامه وحُسن معاملته والتودِّد إليه كلما سنحت
لك الفرصة، وزيارة مريضه ومواساته في سرَّائه وضرَّائه،
والقيام بخدمته ما استطعت، ومعاونته عند الضرورة، وحبّ الخير
له.
32. غُضَّ البصر
عن محارم جارك، ولا تحدق النظر في نوافذ منزله، ولا تسئه في
ماله وعِرْضِهِ، فبذلك تكون عفيفاً شريفاً.
6.
الأدب في المنزل
كم(16)
منزل في الأرض يألفـه الفــتى
وَحَـنينـــه أبـــداً لأول مـــنـــزلِ
33. حُسن
المعاملة مع أهل منزل أبيك واجبة، لأن راحتك وسرورك مرتبطان
برضاهم عنك وسرورهم منك، فيلزمك أن تعاملهم بلطف وأدب وكمال.
34. الَخدَمَةُ
مكلفون بخدمتك، ولكن ليس لك عليهم إهانةٌ أو إساءةٌ، فلا تؤذ
أحداً منهم ولا تهنه بكلام مؤلم، لأن ذلك يدلّ على نقصٍ في
الأدب وسوءٍ في التربية.
35. من الواجب
الإنساني أن تعامل الخدم ومن على شاكلتهم، بالرّفق والإحسان
إليهم، والعفو عن هفواتهم، والتزام الوقار عند مخاطبتهم، حفظاً
لاعتبارك وقدرك، وعدم شتم أحدٍ منهم، ولا المزاح معهم، لأن هذا
من دلائل حِطَّة النفس وخِسَّتها.
36. لا يليق بك
أن تخالط الخدم أو تتحادث معهم، لأن هذا يحطّ من قدرك عندهم
ويجرؤهم عليك، وربما سمعت منهم كلاماً لا يليق أن تسمعه
فيتطرق إلى لسانك في المحادثات، فضلاً عن أن مخالطة الخدم تؤدي
في الغالب لسوء الخُلُقِ وفساد التربية.
37. من مكارم
الأخلاق أنك إذا طلبت من أحدٍ شيئاً أو مساعدتك في أمرٍ، يجب
أن تقول له ـ ولو كان خادماً ـ : >من فضلك افعل كذا ـ اصنع
معروفاً ـ أرجوك<.
38. اعلم يا
بُني أن الخدم هم مفاتيح أسرار المنازل، ينقلون ما يستمعون وما
يرون، فحاذر أن تلقي أمامهم أمراً يتعلق بداخلية منزلك، و ]
احرص على[ أن لا تطلعهم على حالك وثروتك، وكن رقيباً
عليهم في كل ما يفعلونه، فبذلك تكون آمناً من مكرهم، مطمئناً
على ما عندك.
39. ممنوع عليك
منعاً باتاً أن تخبر أحداً من الناس بشيءٍ من الأمور التي تقع
في المنزل، وأن تفشي سِرَّ أحدٍ من أسرتك.
40. عليك يا
بُني أن تقوم من نومك قبل طلوع الشمس، ومتى استيقظت فاحمد الله
سبحانه وتعالى على ما أولاك، واشكره على ما منحك من الصحة
والعافية، ثم توضأ وصلِّ، والبس ملابسك المعدة للمدرسة،
وقَبِّل يد والديك، واسألهما الرِّضا عنك والدعاء لك، وصافح
إخوتك، ثم توجه إلى المدرسة بحسنٍ نَّيةٍ وقوة عزيمةٍ.
7. الأدب في المدرسة
41. عند توجهك
إلى المدرسة تجنب اللّهو واللّعب في طريقك، لكيلا يفوتك الوقت
وتحرم من الدخول إلى المدرسة(17)،
فضلاً عن أنه من حُسن الأدب أن يسلك المرءُ سبيله بهدوءٍ
وسكينةٍ ووقارٍ، لا يلتفت لما يلهيه، ولا ينثني عن قصده.
42. متى
وَصَلْتَ إلى المدرسة فحي معلِّمك وأقرانك بوجه طلقٍ بشوشٍ
(فإن الله يكره عبده العَبُوس)(18)
وأْنس بهم، واشترك معهم في مذاكرة الدروس، لتفيدهم بما تعلمه،
وتستفيد بما يعلمون.
43. متى حَلَّ
وقت الدخول بالمكتب(19)، ودق الجرس،
إيذاناً بذلك، فبادر إلى صفّك وقف بنظام مع رفقائك، غير مزاحم
لهم، وإن رأيت مزاحمة منهم لك، فاسألهم الإفساح بلطف وأدب.
44. من اللازم
أن تسرع إلى الانتظام في الصف (الطَّابور) وتقف مستقيماً
بنشاطٍ، مع مراعاة السكون والالتفات لأوامر الضباط، وإذا
حَصَلَ لك ما دعاك للتأخر عن الحضور إلى وقت انتظام التلامذة،
فلا تدخل في وسط الصف فتخلّ نظامه بل في آخره.
45. يجب أن تدخل في المكتب ومحال المذاكرة
والأكل والنوم (إن كنت داخلياً بالمدرسة) وأنت على غاية من
السكون والانتظام، وكذلك في خروجك منها، وفي سائر حركاتك على
العموم.
46. متى دخلت
المكتب فاجلس في محلك مستعداً لدرسك وانتبه لمعلمك بِكلّياتك
وجزئياتك، ولا تدع عبارة من نصحه وإرشاده وتعليمه، إلا
قَيَّدْتَهَا في فكرك، وأثبتها في ذهنك، وعملت بمقتضاها، لتكسب
رضا الأساتذة وتنتفع بثمرة العلم.
47. عليك وأنت
في المكتب أن تتباعد عن الضوضاء والاهتزاز وقت القراءة، وأن لا
تنتقل من محلّك دون استئذان.
48. لا ينبغي لك
أن تشغل نفسك أثناء الدرس بدرس آخر، بل فَرِّغ(20)
كل حصةٍ لدرسها، ولا تتكلم وقت إعطاء الدرس، ولا تلتفت وراءك،
ولا تشتغل بمحادثة غيرك.
49. إذا وجّه
المعلم لك سؤالاً فقم واقفاً واجعل يديك بجانبيك بهيئة(21)
لائقة، وبعد أن تفهم السؤال جيدا،ً أحسن إجابتك بصوت مقبولٍ
وكلام معقولٍ، وكذلك إذا دُعيت لتسميع درسك، ولا تجاوب
إذا سئل غيرك.
50. إذا رأى
المعلم غلطات فيما كتبته أو سمعته وأصلحها لك، فلا تُظهر
علامات الغضب أو الغيظ، فإنما هو مخلص في نفعك، فاشكره على حسن
عنايته بك.
51. قم تماماً
بكل ما يأمرك به معلموك من واجب كتابي أو حفظ أو مراجعةِ درسٍ.
52. اعلم يا
بُني أن حُسن الترتيب في الصغر، والتعود على وضع كل شيءٍ في
محلّه، من دلائل حسن التمييز، وسَعَة العقل، وثبات العزم،
فاجعل درجك بالمكتب، ودولابك بمحل النوم (إن كنت داخلياً) في
غاية من النظافة وحسن الترتيب، واحترس من أن تمزّق شيئاً أو
تلوثه بحبر، وإلا عُدِدْتَ من الكُسالى المهملين.
53. اتخذ ممسحة
خاصة بنظافة الأقلام والرِّيش، واحترس من أن تمسح شيئاً في
ملابسك، أو في شعرك، أو أن تمصّ الحبر بشفتيك، فإن ذلك مضرٌّ
بالصحة، ومخالف للنظافة على خط مستقيمٍ.
54. إذا تلوثت
أصابعك بحبرٍ أو بغيره رغماً عنك، فعليك بغسلها في أقرب وقت
ممكن لك، واجتهد في حفظ ملابسك نظيفةً على الدوام.
55. محظور عليك
أن تكتب، أو تحفر على حيطان وأبواب المدرسة أو على تختها
وخريطاتها، وإلاّ عوقبت وأُلزمت بثمن ما أتلفته، كما أنه لا
يليق بك ـ وأنت في الطريق ـ أن تخطّ على الحيطان والأبواب، فإن
هذا قلّة في الأدب، ويعد من الوقاحة.
56. اعلم أن
الألعاب الرياضية، كالجمباز، والحركات البدنية، وكرة القدم
وغيرها، تنشِّطُ الجسم، وتوقظ الهِمَّة، وتقوي العضلات، فلا
تهملها، إنما يلزمك الاعتدال فيها، وعدم جعلها الشغل الشاغل
لك، وإلاّ عادت فوائدها ضرراً، ولذّتها شقاءً وألماً.
57. لتكن
فُسَحُكَ ولُعبك في أوقات فُسح المدرسة،أو الفراغ من الدرس،
بغاية الأدب والاعتدال، وذلك في الأماكن النظيفة، حرصاً على
نظافة بدنك وملابسك.
58. عند انصرافك
من المدرسة لا تصحب الأشقياء عديمي التهذيب، ولا تلعب في
الأزقة والشوارع، بل سِرْ في طريقك بكل أدبٍ واحتشامٍ حتى تصل
المنزل بسلام.
59. متى دخلت
الدار فحيِّ والديك وإخوتك كما في الصباح، وضع كُتبك وأوراقك
في المحلّ المعدّ لمذاكرتك، وإذا وجدت في نفسك ميلاً للرياضة،
فليكن لعبك حسناً محبوباً، ولا تنم إلا بعد مذاكرة دروسك.
60. لا يجوز لك
أن تتفوه بكلام غير لائقٍ أو تأتي بإشارة أو عملٍ خارجين عن
حدِّ الأدب، سواء كان داخل المدرسة أو خارجها، وإلا أسأت
إلى نفسك وأبعدت الناس عن حُسن معاملتك.
61. عليك
بالمواظبة على الحضور للمدرسة، فإنك إن تأخرت عنها تفوتك
الدروس، ويصعب عليك الحصول عليها، فتتأخر عن أقرانك.
62. اعلم يا
بُني أنه ما جيء بك إلى المدرسة إلاّ لتتعلم، وتكتسب حسن
التربية والآداب، وتصير رجلاً كاملاً، فوجه عنايتك، وابذل غاية
جهدك، في اكتساب ذلك، لتفوز بالفائدة المقصودة، وتحوز وسامات
التقدُّم والشرف.
63. إذا سألك
أحدٌ وقال: لماذا أنت في المدرسة؟ وما القصد من تعليمك؟ فلا
تقل قول السفهاء:
(أتعلم لأحصل
على الشهادة وأصير مستخدماً).
بل جاوب جواب
العُقلاء:
(أتعلم لأكون
رجلاً نافعاً لنفسي وعشيرتي ووطني).
فإنك بذلك تبرهن
على تمام عقلك.
64. بعد
تمام دراستك واشتغالك بأمر معاشك، لا تكتفِِِ بما تعلمته
ثم تطوي الكتب وتهجر العلم، ظناً منك أن زمن العلم قد انقضى،
أو أنك أوتيت من العلم ما ليس عليه من مزيد، بل داوم على
المطالعة لتحفظ ما تعبت في تحصيله، وتزداد معلوماتك وتقوى
معارفك.
8. العلم وآداب المتعلم
>] طَلَبُ[
الِعلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ<(22)
65. العلم هو
كَشْف البَصِيرة، ونُورُ السَّريرة، يمحو ظُلمات الجهل، ويُبلغ
صاحبه درجةَ أهل الفضل، زينة الأُدباء، والسِّلاح على الأعداء،
رأس مال، تجارةٌ لا يعتريها كَسَادٌ ولا خُسرانٌ.
وَكَنْزٌ لا
تَخَافُ عليه لِصَّاً
خَفِيْفُ الحملِ يُوجَدُ حَيْثُ كُنْتَ
وهو يحفظ
الحياة، وييسر أسباب العيش، ويُرشد إلى الواجب وحسن السير في
طريق الحياة الاجتماعية، ويُكسب الإنسانَ الفخر، ويجعله يستفيد
من الصناعة بأنواعها، وهو أيضاً المنظّم للعقل، المحيي
للأدب، المرشد للدِّين.
66. اعلم يا
بُني أن العلماء ورثةُ الأنبياء(23) ،
ومصابيح الأزمنة،لأنهم لا يرون شيئاً إلا يبحثون عن أصله
وسببه، وما يؤول إليه أمره، وما يترتب عليه من خيرٍ وشرٍّ
ونفعٍ وضُرٍّ، أما الجهلاء فهم في عِداد الأموات وإن كانوا
أحياء، لأنك تراهم لا يلتفتون إلى شيءٍ إلا عند الحاجة إليه،
فيشربون الماء، ولا يعلمون من أمره إلا عذوبته أو ملوحته،
ويسقون به الزّرع ولا يدرون سبب نموه منه، ويأكلون الثمر ولا
يفهمون من أين أتت حلاوته.
وبالجملة فهم لا
يميزون بين مرِّ الحياة وحلوها.
67. لا تخجل يا
بُني من أن تكون أقلَّ عِلماً من غيرك، إنما خجلك يكون من جهلك
ما كان في قدرتك معرفته.
68. اعلم يا
بُني أنه يجب على طالب العلم أن لا يشتغل بالأمور الدُّنيوية،
كحب المال والشهوات، لأن العلم الصحيح يخالف ذلك، ولا
يميل إلى الشهوات إلاّ كل جاهلٍ سكنَ قَلْبَهُ الشيطان، وغضب
عليه الرحمن.
69. لا تتكبّر
على العلم، وكن ذا قابلية ورغبة فيه، واستقبل كل ما يلقى عليك
بحسن الإصغاء والارتياح، ولا تخض في الفنون مرة واحدة،
بل راع فيها الترتيب، وابتدىء بالأهم ثم المهم، وخذ من كل
شيءٍ أحسنه.
70. اعلم يابُني
أنه ليس القصد من التعليم أن يكون الإنسان محامياً أو طبيباً
أو مهندساً أو قاضياً، إلى غير ذلك، بل ليكون الناس رجالاً
عارفين بالواجب لهم وعليهم.
71. لا يكن قصدك
بتحصيل العلم: المفاخرة، والمباهاة، والحسد للناس، أو مزاحمة
أرباب الوظائف في وظائفهم، أو مضايقتهم في مناصبهم، فإن هذه
المقاصد ذميمة، وطلب العلم ـ وإن كان ممدوحاً في
نفسه ـ إلا أنه إذا قُصد تحصيله بنية ذَميمة، كان مذموماً.
أما من يُخلص
في تحصيله النِّيَّةَ، ويُحسن الطَّويَّة، ويقصد به وَجْهَ
اللهِ وَسلوكَ طريق الخير، ينفعه الله به، ويرفعه إلى
أسمى الدرجات.
72. لا تكن يا
بُني من الذين يَّدعُونَ العِلم وهم مجردون منه، ويبخسون الناس
أشياءَهم، ولا تُظهر نفسك إلا بما أنت عليه، فإن العالم
كسنبلةٍ مملوءةٍ تميل برأسها نحو الأرض تواضعاً لله ويتغذى من
ثمرها الإنسان، أما الجاهل المغرور، فهو كسنبلة فارغةٍ تهم
برأسها نحو السماء لتطير في الهواء، ولا يُنتفع إلا بحطبها في
الحريق.
9. الكتب وانتخابها، وفائدة المطالعة
73 . اعلم يا
بُني أن الكتـب تَرْجُمَانُ الأمم، ومكتشفات الرجال وجليل حكمة
العقلاء، وخلاصة التجارب في سَالِف الأعصار، كما أنها مرآة
عجائب الطبيعة ولطائفها، وهي الجليس في الخلوة، والأنيس في
الوحدة، السّمير في الوحشة، الآخذة بالناصر في أوقات الشدائد،
المواسية في الأحزان والأتعاب، وهي التي تبدّل الضجر سُروراً
وتملأ الأفكار نوراً وتشبع الأذهان بمفيد التصورات وغزير
العبارات.
قال أحد
الفضلاء: >لو خُيِّرت في أن أكـون ملـكاً في الأرض، ولي جميـل
القصور والبساتين، ولذيذ المآكل والمشارب، وفاخر الثياب، ومئات
الخدم، وثمين العَربات وجياد الخيل، واشترط عليَّ في كل ذلك أن
لا يكون عندي كتاب واحد، لرفضت ذلك المُلْكَ وقبلت أن أكون
فقيراً في عِشّةٍ معي كثير من الكتب المفيدة للمطالعة
فيها<.
74. اعلم يا
بُني أن انتخاب الكتب كانتقاء الأصحاب، فيجب انتخاب
الكتب المفيدة، وأن لا يكون الغرض من مطالعتها ضياع الوقت بل
تقويم الفكر وتهذيب الخلق، فانقش في مخيلتك كل ما تجده
حسناً في الكتب وأحوال الرجال، واعلم أن مطالعة الكتب
الرَّديئة المملوءة بالخرافات والأكاذيب، ضياع للوقت
ومفسدة للأخلاق، فابتعد عن مطالعتها.
75. اعلم]أنَّ[
من يقرأ ـ ولو ساعة واحدة ـ في كتابٍ حسنٍ مفيدٍ، يزدد
سروراً في النفس وكمالاً في العقل، ويستمر هذا السرور فتتغذى
أفكاره وتقوى مداركه.
76. إننا نرى في
الغالب كل من يُكثر الاشتغال في العقليات ضعيف الجسم، ولكن
المطالعة تعوّضه بدل الضعف نوراً في العقل وسروراً في الفؤاد،
ويجد في هذا الضعف نزاهةً وجمالاً.
77. لا تكن يا بُني من الناس الذين غايتهم جمع
الكتب للافتخار بأن عندهم مكتبة عظيمة، مع أنهم لا يستعملونها،
ولا يدرون منها شيئاً، ومثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً(24)
. وإيّاك أن تصرف قرشاً واحداً في كتاب لا تستفيد منه.
10. الكتابة وفوائدها
78. الكتابة
عَيْنٌ يُبصر بها الغائب الحاضر، ولسان يُعَبِّرُ عما في
الضّمير، ولذا قيل: القلم لسانٌ لا ينطق، بل الكتاب أبلغ من
اللسان، فإن الإنسان يقدر على كتابة ما لا يقدر أن يخاطب به
غيره ويبلغ المقصودَ حيث لا يُمكن الكلامُ مُشَافَهَةً.
79. نعم القلم
لا ينطق، ولكنه يُسمع أهل الشرق والغرب، ويسعى في قضاء
الحاجات، ويقوم مقام الإنسان في المخاطبات.
80. الكتابة
فضلُها لا يُنكر، فلولاها ما جُمعت العلوم، ولا قُيِّدَتِ
الأحكام، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا عُلمت الكتب المنزَّلة،
ولا استقام للناس دِينٌ ولا دُنيا.
81. اعلم أن
البيان بيانات: بيان اللِّسانِ، وبيان البَنَانِ(25).
ومن فضل بيان البَنَانِ أن ما تثبته الأقلام باقٍ على الدوام،
أما بيان اللسِّان فتضيّعه الساعات والأيام.
وما أحسن قول
الشاعر:
وَما مِنْ
كَاتِــبٍ إلاّ سَيَفْنـَى
وَيُبقي الدّهْرُ مَـــا كَتَبَــتْ يَــدَاهُ
فَلاَ تَكْتُبْ
بخطك غَـيْرَ شـيءٍ
يَسُرُّكَ يـومَ عَرْضِــكَ(26) أَنْ
تَرَاهُ
82. اعلم أن
قِوَام الدِّين والدُّنيا بشيئينِ : السَّيفُ، والقلم، والسّيف
تحت القلم.
وما أحكم قول
الشاعر:
إذَا افْتَخَرَ
الأَبْطَالُ يَوماً بَسْيفِهِمْ
وَعَدّوهُ مما يُكْسِبُ المجدَ والْكَرَمْ
كفى قَلَمَ
الكُتَّابِ مجـداً ورِفْعَةً
مَدى الدَّهْر أَنَّ الله أَقْسَمَ
بَالقَلَـمْ
83. الكتابة من
بين الصنائع أكثر إفادة للعقل لأنها تشتمل علوماً ومناظر، إذ
فيها انتقال من صور الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية، ومنها
إلى المعاني، فهو ينتقل من دليل إلى دليلٍ.
84. للكتابة
فائدة عُظمى، وهي أن عقل الإنسان الواحد لا يقدر على استنباط
العلوم الكثيرة، فإذا استنبط مقداراً من العلم أثبته بالكتابة،
فإذا جاء إنسان آخر ووقف عليه قدر على استنباط(27) شيءٍ
آخر زائد على الأول. وهكذا. وبالإجمال إن العلوم إنما كثرت
بإعانة الكتابة.
11. الأدب مع الرئيس ناظر المدرسة
{ يأيُّها
الَّذين آمنوا أطيعوا اللَّه وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الْأمْرِ مِنكُمْ }(28).
85. يابُني إن
الرئيس أو مدير المدرسة هو أبوك الأكـبر الذي يدبِّر أَمـوركَ
وينظر في مصالحك، فله عليك حقوقٌ يجب أن تراعيها ولا تقصّرْ
فيها، فأطعه في جميع أوامره المدرسية، وانته عما ينهاك عنه.
86. عليك أن
تحسن الكلام إذا حَدَّثْتَهُ، وأن تُنْصِتَ إليه إذاَ
حَدَّثَكَ، ولا ترفع صوتك فوق صوته، واحذر كل الحذر من أن تكذب
عليه، أو تغتاب عنده أحداً.
12. الأدب مع الأساتذة
أُقَدِّمُ أُستاذي على نفـسِ والــدي
وإنْ نَالَني
مِنْ والدي الفَضْلُ والشَّرَفْ
فَذَاكَ
مُرَبِّي الروح والرُّوحُ جَوهَرٌ
وَهَذَا مُربي الجسمِ والِجْسُم كالصَّدَفْ
87. يجب أن
تخصَّ أُستاذك بالاحترام والمحَبة، فإنه أفضل من أبيك، لأن
الأب يربِّي البدن والمعلم يربِّي الرُّوح.
88. لا تعاند
المعلّم، بل ألقِ إليه زِمام أُمورك في التعليم، وارضخ
لنصيحته، وامتثل لأمره امتثال المريض الجاهل للطبيب الحاذق،
فإن المعلّم يعالج النَّفْسَ والرُّوح، والطَّبِيبُ يُعَالج
البَدَنَ.
89. ينبغي لك أن
تتواضع لمعلمك وتطلب الثواب والشرف بخدمته، فإن كان ليس من
أخلاق المؤمن التملق، إنما يكون في طلب المعلم تعلقاً به وحباً
في الاستفادة منه.
90. يجب أن تجلس
أمام معلّمك في غاية الأدب، وأن تنتبه لما يلقيه عليك، وأن
تحترم درسه، وتعمل بنصائحه المفيدة.
91. لك أن تسأل
معلّمك عن كل مسألة لم تفهمها، لكن بدون إلحاح، بل بأدب ولطف
وحسن ألفاظ، مع التأني والتأمل.
92. لا
ينبغي لك أن تجادل معلّمك في أمر، بل اعتبر بما يقوله لك،
واعمل بكل ما يُرشدك إليه من الأمور المحمودة.
93. متى حضرت
أمام رئيسك، أو معلّمك، أو ضابط المدرسة، فقف بأدبٍ واحترام،
وإذا سألك أحدهم سؤالاً، فزن الكلام وجاوب بلطف واحتشام.
94. بعد
تتميم دراستك وخروجك من المدرسة، لا تَنْسَ فضل رئيسك،
ومعلّميك، وضباطك، وحافظ على واجباتهم، وكلَّما قابلت أحداً
منهم في طريق فلا تقصّر في تعظيمه واحترامه مهما بلغت حالتك.
13. الأدب مع التلامذة
95. يلزمك
أن تعاشر تلامذة مدرستك عموماً، وتلامذة مكتبك(29) خصوصاً
بالأدب والمعرفة، وأن تعتبرهم في منزلة إخوتك، لأنهم يشاركونك
في حياتك المدرسية.
96. من
حُسـن المعاملة أن تتكلم معهم بِحِـلْم، وأن تقابلهم بلطفٍ
وبشاشةٍ، وأن تُظهر الفرح لفرحهم والكَدَرَ لكَدَرهم.
97. إذا رأيت من
أحد التلامذة ما يُغاير الأدب، فابتعد عنه بالمعروف لئلا تسري
إليك أخلاقه فيصيبك ما أصابه.
98. لا ينبغي لك
أن تتكبّر على أقرانك، أو تفتخر بنفسك أمامهم، أو بما يملكه
والدك، أو بشيءٍ من مطاعمك أو ملابسك أو أدواتك، بل تعوّد
التواضع والإكرام لكل من تعاشرهم، والتلطف في الكلام معهم.
99. لا يجوز أن
تزعج رفقاءك بالخرافات، أو تتهكم عليهم بالكلام، أو تتطاول
عليهم باليد، أو تبادرهم بما يُكَدِّر خاطرهم، وإِلاّ
قُوبلت منهم بالكَرَاهة والعداوة.
100. ليكن
مجلسك مع إخوانك التلامذة مجلسَ أُنسٍ ورياضة للنفوس، ومناقشة
في الفوائد العلمية، لا موضع مُزاح وتنكيتٍ.
101. لا تجتمع
بالتلامذة اجتماعاً يكون من شأنه حصول مظاهرةٍ، أو تعصب
داخل المدرسة أو خارجها، فُتتَّهم بالطّيش، وتُشغل نفسك عن
دراستك.
102. لا
تأخذ من إخوانك التلامذة ما يبدو لك حسناً، بل اعلم أن
الرِّفعة في الإعطاء لا في الأخذ.
103. بعد تمام
دراستك وانفصالك عن المدرسة، لا تنس رفقاءك الذين تربوا معك
تحت سماء مدرسة واحدة، وراع لهم حقوق العِشْرَة والمودّة، ولا
تتعاظم على أحد منهم وإن كان صغيراً مهما بلغت رُتبتك أو
ثروتك، فإنه لا يفعل ذلك إلا كل لئيمٍ خسيسٍ.
14.
الصُّحْبَةُ وانتخابُ الأَصْحَابِ
تَمَسَّـك إنْ
ظَفـرتَ بذَيــلِ حُـرٍّ فَإنَّ
الحُرَّ في الدُّنْيَا قَلِيْلُ(30)
104. الصَّاحب
هو السَّاعد الأيمن للإنسان في سَرَّائِه وضَرَّائهِ، والصحبة
أساسها تبادل المنافع، ولذلك لا تفيد كثيراً مصاحبة كبير
لصغير، كما أن دواعي الاحترام الفطرية للكبير تمنعه عن مصاحبته
للصغير، فليكن أصحابك من حوالي عمرك.
105. أول رابط
للصحبة هو(31) الأُلفة، فإنها(32) عِمَادُ السِّلْمِ، ورسول
السكينة إلى القلوب، وهي الدافع لأن يعمل كُلٌّ على نفع
أخيه في حالة الشِّدة أو الخطر، وتلك الأُلفة إن كانت متينة
بين الطّرفين، مؤسسةً على التوافق والإخلاص، تكون دائمةً، أما
إن كانت لغرضٍ كقصد الانتفاع، تكون خديعةً ونِفَاقَاً، فلتكن
محبتّك لصاحبكَ خالصةً طاهرةً باطناً وظاهراً.
106. تَبَصَّر
في انتقاء أصحابك، فإنهم من أعظم زينة الحياة، وانتخبهم من
أَكْمَلِ الناسِ لِتُعَدَّ منهم، فقد قيل:
عَنِ المَرءِ لا تَسَلْ وَسَلْ عَن قَرِينِهِ
فَكُـــلُّ قَــرِيْنٍ بالمُـــقَارِنِ يَقْتَـــدي
107. اصطفِ من
الإِخوان: ذا الدِّين المتين، والحسَبِ، والرأي السَّدِيْدِ
والأدب، ليكون درأً عند حاجتك، وركناً في نَائبتك، وأُنساً في
وَحْشَتِكَ، وزينةً عند عَافيتكَ.
108. إِنَّ
الصّاحب الحقيقي الأولى بالإخلاص والمودَّة والوفاء، هو الوافر
دِيْنُهُ، الوافي عقله، الذي لا يغْفَل عنك في القُرب ولاَ
يَنْسَاكَ في البُعد، إن دنوت منه رعاك، وإن بعُدت عنه
دَعَاكَ، لا يَقْبضه عنك يُسْرٌ، ولا يَقطعه عنك عُسْرٌ، إذا
استعنت به أَعَانَكَ، وإِذا احتجت إليه منحك مَوَدَّةَ فعله
أكثر من مَوَدّةِ قوله، يستقلّ كثرة المعروف عن نفسه، ويستكثر
قليل المودَّة من صديقه.
109. إذا أسعدك
الحظ بوجود صديق لك، فحافظ عليه، وأوثق رابطتك به، ولا تجعله
يشتكي منك، وإذا فَرَّق بينكما الموت، فلا تجزع وطَمِّنْ قلبك
بأمل لقائه في الدار الآخرة.
110. لا تتعجل
في مصادقة كُلِّ من أظهر لك المودَّةَ فتصافيه، ولا بُغض من
توهَّمْتَ عَدَاءَهُ فتعاديه.
111. إذا أَظهر
لك ذُو الحاجة إليك، أَنَّه لينُ العريكة صادق الوعد، فلا تثق
بقوله ثقة عمياء ولو كان مخلصاً لك، لأن اللِّسان يخالف كثيراً
ما في النَّفس، وربما كانت مصاحبته لك لقصدٍ محدودٍ فتنقضي مع
نواله مودَّته.
112. عليك
بالتودُّد لأصحابك، لأن المودَّة روح حياة الصُّحْبَةِ، ومن لا
صَاحِبَ له فحالته تعسةٌ.
113. لا
تَصْحَبْ إلا مَنْ تثق بخالص محبَّته لك،لأنه خير
للإنسان أن لا يكون له صاحب، من أن يَصْحَبَ من لا يوثق به.
114. لا تتعجَّل
أبداً في معاتبة صاحب لك (فإنَّ النّدامة في العجلة)(33)
ولا تتسَّرع على الأخصّ في مُعاداة إخوانك، بل تَبَصَّر كثيراً
في الأمر، لأنك مهما تألمت من معاملة صديقٍ لك، ثم صبرت يوماً،
يتغير فكرك، ويتحوَّل نظرك، وربما يعود الجفاء صفاءً والخلافُ
وِفاقاً.
115. لا تنفصل
من صاحبٍ لك بحالة غضبٍ أو عدمِ اكتراثٍ، اللهم إلا إذا اضطررت
لذلك، وإلا تكون قد خالفت أصول الأدب.
116. من أعظم
دواعي بقاء الصُّحْبَةِ، دوام الاحترام، وتمامُ الاعتناء
والاهتمام بأمور صاحبك.
117. كُن عوناً
وساعداً لأصحابك، فإن المرءَ قليلٌ بنفسه، كثير بإخوانه،
والإخوان للمرء عدَّةٌ ونُصراءُ في الشِّدَّةِ.
118. لا تُخالط
الأشرار المفسدين، ولا تَسْلُكْ لهم طريقاً، فلا تنامُ لهم
جفونٌ إلا إذا عملوا الشَّرَّ أو أوقعوا رجلاً في التّهلكة، لا
أكل لهم إلا عيش الشَّقَاءِ، ولا شُرْبَ غير اقتراف الذّنوب،
ولكن سبيل الصّالحين سَاطِعُ النُّور، فاسلكه تَنَلْ الخير
وترتق إلى نهاية الكمال.
119. مُخالطة
الأَشرار ـ ولو كانت ضَارَّةً ـ إلا أنه من الصواب عدم
معاداتهم لأنهم عديدون، فانتهز كُلَّ فُرصةٍ في أن تُظهر لهم
مِنَ اللُّطْفِ واللِّينِ ما يمنع أَذَاُهمْ عَنْكَ.
15.
آدابُ الوجه
120. اعلم يا
بُني أنَّ الوجه مرآةُ النَّفْسِ، ودليل على شفقة القلب
وقساوته، فلتكُن(34) هيئةُ وجهك موافقةً للأحوال، وعليك
بمراعاة الآداب الآتية:
121. متى خاطبتَ
أحداً فلا تُحَوّل نَظَرَك مِنْ جِهَةٍ إلى أخرى، ولا تحدق
نظرك فيه.
122. انظر بعين
القَنَاعَةِ لكل ما تراه، وإن رأيت عند أحدٍ من نعم الله ما
ليس عندك، فلا تحسده على هذه النِّعمة، أي لا تتمنى زوالها، بل
ادع له بالكثرة منها، والتمس مثلها لك( 35).
123. تجنّب
تقطيب الوجه والعُبُوس، وكل ما يدلّ على الطَّيش ويوجب
الاستهزاء.
124. كُن طَلْقَ
الوجه مع إخوانك، لكيلا تحبس حريتهم في المحادثة والمعاملة.
16.
آداب الفم
125. إن كنت في
احتفال، كوليمةٍ، أو زفافٍ، فكن باشَّ الوجه، واحترس من
الإفراط في الضحك والمزاح، وكُن بغاية الحِشْمَةِ والكمال.
126. لا تتبسّم
في وجه متألم، ولا تضحك في وجه غضبان.
127. إن كنت
بحضرة من بهم كَدَرٌ أو حُزْنٌ، فتجنب التَّبسُّمَ والضحك، ولا
تتكلم إلا بما يسلي خاطرهم ويخفّف آلامهم.
128. متى تكلمت،
فلا تطبق أسنانك بعضها على بعض، وليكن صوتك متوسطاً، لا
مرتفعاً ولا منخفضاً، وتعوّد حُسـن اللفظ والرَّويـة في الكلام
واستعمال العبارات الموجزة الموضحة.
129. اعلم يا
بُني أن المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فاللِّسان عضو وضع للتعبير
عما في نفس صاحبه، وبه تقاس درجة فضل المتكلم، وبه يُقَدَّرُ
مقدارُ معارفه، وهو مَحَكٌّ تعرف به حقيقة آدابه وخافي أخلاقه،
من حِلمٍ، وغضبٍ، ورِقَّةٍ، وخشونةٍ، وكمالٍ، ونقصٍ، فاجعل
لسانك لسان صدقٍ في القول، ومروءةً في المعاملة، واحفظه من سيء
الأحاديث، فبذلك تبرهنُ على تمام عقلكَ، وفي الأمثال (يُعرف
الإنسان بحلاوةِ اللِّسانِ) و(سلامة الإنسان في حفظ
اللِّسانِ).
130. لا تستعمل
لِسانك في مسح شفتيك، ولا أسنانك في قرض أظافرك، فإن ذلك
مغايرٌ للآداب.
131. من الأدب
عدمِ التجشي (التكرع) أمام الحضور، والتَّثاؤب بدون وضع اليد
على الفم، بل يجب أن يُستر الفم ببطن اليد، أو بظهر اليد
اليمنى، أو بظهر اليد اليُسرى، أو بمنديل، مع إمالة الوجه،
وكذا وقت السُّعَالِ، وتجنّب التكلم وقتهما.
132. إذا تكرّر
التثاؤب أو السُّعَالُ في حضرة أُناس، فالأليق الخروج من
مَحلِّ الاجتماع لعدم إزعاج راحتهم.
133. يلزمك
الاحتراس وقت التكلم من خروج اللُّعاب من الفم ووقوعه أمام
الحاضرين، ولا يكون ذلك إلا بالتّوءَدَةِ في الكلام، وحُسن
تخريج الألفاظ.
134. تجنب البصق
على الأرض، وعلى الحيطان، ومن الشبابيك، واللازم أن يكون في
المنديل، أو في المبصقة المعدة لذلك.
135. لا توسِّخ
فمك، ولا تقبح رائحته بشرب الدخان، فإنه فضلاً عن أن
في استعماله ضرراً بليغاً في الصحة، فإن فيه فقداً للمال
أيضاً، فإذا قَدَّم لكَ أحدٌ (سيجارة) فلا يجوز الرفض
بالإشارة، بل اعتذر وابد شكرك باحترام.
فائدة
136. كُلُّ
المدخنين (شاربي الدُّخان) يشكون منه، ومن سوء تأثيره على
صحتهم، ومن كثرة مصاريفه، ويودون من صميم أفئدتهم تركه،
ويعجبون من أن الأطباء الذين عرفوا لكل داء دواء، وأتوا
بالمدهش الغريب، لم يقفوا على دواء يمنع هذا السُّمَّ الزّعاف،
إلا أن العجب من هؤلاء أنفسهم، فإنهم إنما يعرفون ضرر
الدخان ويشترونه أيضاً، ويعزمون على تركه ثم يعودون إليه، ولم
يشعروا بأنهم بذلك يدلّون على نقص عزيمتهم وقِلّة ثباتهم، وخير
وسيلة لترك الدخان والخلاص من ضرره، صدق العزم على تركه، وعدم
شرائه مرة واحدة، والله الموفق.
17.
آدابُ الأنف
137. تجنب لمس
الأنف، أو وضع الأنامل فيها(36) إلا لضرورة، وعند التمخط يلزمك
مراعاة الأدب، فلا تستعمل يدك ثم تمسح في الحيطان أو الثياب كا
لرُّعَاعِ، بل استعمل المنديل.
138. إذا دعتك
الضرورة لذلك وقت الأكل، فابعد رأسك، وامسك أنفك في المنديل
بدون ضجة.
139. إذا لزم
الحال للسلام وقت ذلك، فيكون بحني الرأس فقط.
140. وقت العطاس
يجب أن يُلفت الوجه عن مقابل من يكون حاضراً، مع وضع المنديل
على الوجه، فإن ذلك أليقُ وأظرفُ.
18. آدابُ
السَّمَعِ
141. خلق الله
لك أُذنين لتسمع بهما الأصوات، ولتقطف الأحاديث والأخبار،
فاسمع كلام رَبِّك وأحاديث نبيِّهِ، واعمل بها، واسمع كلام
أبيك ومرشديك لتنال الفوز والرِّضوان.
142. اعتن
بنظافة أُذنيك وصيانتهما عن سماع القَبيح، فالقبائح تصل للعقل
وتؤثّر فيه تأثيراً سيئاً.
143. إذا
سمعت أحداً ينمُّ على أحدٍ أو يغتابه، فلا تشترك معه، وإن كان
أكبر منك سِنَّاً وقدراً، بل اخفض عينيك والزم الصَّمْتَ، وإن
كان من أمثالك فأبد له النصحية بالابتعاد عن مَذَمَّةِ الناس،
وإن كان أصغر منك ِسِنّاً فازجره مع تفهيمه مضارَّ فعله.
144. لا
تنقل حديثاً سمعته لئلا تكون مفتاح الفِتنة وسبب الشرور
والمخاصمات { والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِن الْقَتْلِ}(37).
145. لا تسترق
السَّمْعَ خلف الباب، فإن هذا يُعَدُّ خيانة يوبخك عليها
الضّمير ويعاقبك عليها قانون الأدب.
146. إن سماع
الأصوات المطربة وإن كان مفيداً للسمع ولكن الانقطاعِ إلى سماع
الأغاني والاشتغال بها شغلٌ للبال، وإضاعة للوقت، وصرف للقوة،
وتشتيت للفكر، وتهييج للإحساس.
19.
آدابُ الأيدي
147. إذا مدَّ
لك أحدٌ يده للسلام فصافحه بيدك اليُمنى.
148. صُن يديك
عن الأذى، واعلم بأنَّ >المسلم من سَلِمَ(38) النَّاسُ مِنْ
يَدهِ وَلِسَانِهِ<(39) ولا تمدّ يدك لأخذ شيءٍ لا حَقَّ
لك فيه،لأن هذا يُعّدُّ سَرِقَةً.
149. مِنَ
الكمال وحُسن الأدب تجنّب اللعب بالأيدي وفرقعة الأصابع
أو تشبيكها وتقليم الأظافر أمام الناس.
150. إذا كنت في
حضرة أُناس وأردت أن تشير لشخصٍ بعيدٍ عنكَ أو قريبٍ منكَ، فلا
تمد يدك أو أصبعك، ولكن أَشر إليه بصوتٍ منخفض جداً بحيث لا
تهوّش(40) على الحاضرين.
20.
آدابُ الرأس
151. يجب أن
تتعود على حفظ الرأس مستقيمةً فلا تُرفع ولا تُخفض ولا تُمال
إلى إحدى الجهات، ولا تُسند باليد، ولا تهزّ وقت القراءة أو
الكتابة.
152. لا يليق
أدباً حَكُّ الرأس باليد (أي الهرش) أمام الحضور.
153. لا
ينبغي أن تكشف رأسك أمام الحضور(41) وإن دعاك الحَرُّ لذلك فلا
بأس، بشرط أن تكون على انفراد، وإذا دخل عليك أحدٌ وأنت كاشفٌ
رأسك وجب لبس الطربوش في الحال مراعاةً للاحترام.
21 .
آدابُ المجالسة
>إيَّاكم
والجلوس بالطرقات، وإذا أبيتم إلاّ المجلس، فأعطوا الطّريق
حَقّهُ وَحقُّ الطّريق: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأذى،
وَرَدُّ السَّلاَمِ، والأمر بالمعروفِ والنَّهي عَنِ
المنكرِ<(42).
154. عليك أن
تجلس أمام الناس بغاية الاعتدال والأدب، وأن تقعد في المحلِّ
اللائق بك، وأن تبتعد في جلوسك عمن هو أكبر منك سِنَّاً
احتراماً لمقامه.
155. لايصحّ أن
تضع قدماً على الآخر، أو تهزهما، أو تحك بهما الأرض، أو
البلاط، أو البساط، ولا يليق الجلوس على الكرسي باعوجاجٍ.
156. في
أثناء جلوسك، كُن صاغياً للمتكلم، ولا يجوز أن ترفع صوتكَ فوق
صوته، أو تضحك إلا لضرورةٍ.
157. لا
ينبغي أن تتكلم في المجالس بكلام غير لائقٍ بالمقام، أو تقطع
كلام المحدّث، وراع آداب المحادثة، وحافظ على احترام من
يكون بالمجلس.
158. إِيَّاك
وحبّ الرئاسة، فإنها رأس كل خطيئة(43)، ولا شيء يُغضب الناس
أكثر من أن يشعروا بأنهم أدنى منك.
159. ضع نفسك في
موضع احترام واعتبار، واعلم أن المرءَ حيث وضع نفسه، فإن وضعها
في موضع جدٍّ وإكرام، كان معظّماً مكرماً، وإن وضعها في موضع
هَزْلٍ، كان مُهَزَّأً، وفي المثل: >المرء من حيث يثبت
لا من حيث ينبت<.
22. آدابُ
المشي
{ وَلاَ تَمْشِ
في الأَرْضِ مَرَحاً إنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن
تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً }(44).
160. يجب أن
يكون مشيك معتدلاً لا سريعاً ولا بطيئاً، وأن تكون قامتك
مرفوعةً وعضلات الرِّجلين مشدوةً لتحفظ لجسمك نشاطاً وتزيده
قوةً.
161. لا
تمش وسط الطّريق بل كُن دائماً في الجهة اليمنى لوجهة سيرك،
ليكون بعيداً عن المصادمات وخطر العجلات.
162. إن
كنت سائراً في طريقك فوجّه نظرك دائماً إلى الأمام، ولا تصوّب
النظر إلى الشبابيك، أو إلى راكبي العربات، أو ]إلى [المارّين،
ولا تقف إلا لضرورةٍ.
163. من
المروءَةِ إذا صَادَفْتَ في طريقك ضعيفاً أو عاجزاً أن تأخذ
بيده وتساعده على قَدْرِ الإمكان، وترشده إن أمكنك إلى الجهة
التي يقصدها.
164. إذا رأيت
اثنين يتشاجران، لا تشترك معهما، وابتعد بقدر ما يمكنك عنهما،
لئلا يصيبك من أحدهما ضررٌ كما أن الاشتراك في مثل هذه الأمور
مما يزيدها في الغالب ارتباكاً وإشكالاً.
165. انتخب
الطرّق النظيفة المتسعة، ولا يدفعك حبّ العجلة إلى أن تمشي في
الأزقّة الضيقة لقرب المسافة، لأنه ربما صادفتك عَثَرَاتٌ
تؤخّرك عن الوصول في الميعاد، فضلاً عما تستنشقه من الروائح
الكريهة، وعما تراه من المناظر القبيحة، فابتعد بقدر ما تستطيع
عن المشي فيها، وتحقق أن أقرب الطرق أسلكها وأنظفها، وإذا رأيت
وساخةً في طريقك فلا تقرب منها حفظاً لصحتك ونظافةً لملابسك.
166. التزم
الكمال في مشـيك وحركاتك، فلا تختلْ عجباً ولا تتمايل تبختراً،
ولا تلتفت يميناً وشمالاً أو ]إلى[ خلفك، لأن ذلك من
علامات الحُمق والخِفَّةِ والطَّيشِ.
167. تجنب
في مشيك الاحتكاك في الناس، أو في الحيطان، ولا تزحم الطّريق
بل قف بالجانب الأيمن منه، حتى يمكنك المرور بكلّ راحةٍ
وسهولةٍ.
168. إذا اضطررت
للسير في طريق مزدحمة باحتفال (كمولدٍ أو زفافٍ) فاحترس على ما
معك لئلا يُسرق منك شيءٌ في وسط هذا الازدحام أو يصيبك ضررٌ.
169. إن كان
بيدك مـظلّة فارفعها وقت اللزوم، بحيث لا تحجُب نظرك مخافةَ أن
تتصادم مع غيرك.
170. إذا
صَادَفَكَ في الطّريق شيخٌ كبير السِّنِّ، أو رجلٌ يحمل
ثِقْلاً، فافسح الطّريق، احتراماً للأول، ورأفةً بالثاني.
171. إذا قابلت
أحد معارفك في الطّريق فسلّم عليه بإكرام، وإن ابتدأك بالسلام
فردّ عليه بأحسن عبارةٍ وألطف إشارةٍ، وإن كان أكبرَ منك
سِنَّاً فابدأه بالتعظيم اللاّئق والتحية، وَقبِّل يده إن سمح
لك بذلك(45).
172. لا
يجوز مطلقاً الأكْلُ في الطَّريق، لأنه من علامة الشَّرَهِ
وسوء التربية، ولا يليق إلا بالسُّفَل وصِغَارِ الأطفال.
173. لا يليق
التبولُ على قارعة الطّريق، فإن هذا أمرٌ قبيح جداً مخالفٌ
للأدب وللصحة العمومية.
174. إذا مشيت
مع من هو أَكبرُ منك سناً وقدراً، فاجعله على يمينك وإن كان
جليل القدر فامش متأخراً عنه بضع خطوات، وإن بدأ بالتكلم فانحن
له قليلاً لسماع ما يقوله لك.
175. إذا ركبت
عربةً وكان معك من هو أكبر منك سِنَّاً أو مقاماً، فتأخر
وادعه(46) للصعود أولاً، ثم اجلس على يساره، وعند النزول
أسرع أنت بالنزول لاستقباله.
176. لاتسعَ
بقدميك لإساءة أحد من الناس، أو لقضاء غاية دنيئة، أو لشهادة
زُورٍ، بل اسعَ في الخير تنل خيراً.
177. إذا
قصدت التوجه من بلدة إلى أخرى، فأول أمرٍ يجب عليك ]فعله
هو[ أن تعرف مواعيد قيام القُطُور(47) وأن تذهب
قبل الميعاد بنصف ساعة على الأقل، لأخذ تذكرة السفر، وابتعد عن
الازدحام بقدر ما يمكنك، واحترس من النَّشالين عند الركوب في
عربة القُطُرُ في الدرجة التي ترغب النزول فيها، وضع أمتعتك
بترتيبٍ واجلس غير مزاحم لمن يكون معك من المسافرين، وكن معهم
في كمالٍ وأدبٍ، ولا تُسىء أحداً منهم بكلام أو بإشارة خارجة
عن حدِّ اللّياقة، وإذا دعاك أحد للحديث فتكلم معه بلطف، وعند
ما يصل بك القُطُرُ للمحطة التي تقصدها، فلا تتسرع في النزول،
وانتظر حتى يقف القُطُرُ تماماً ثمَ سَلِّم أمتعتك ـ بعد معرفة
عددها ـ للحّمال، واحفظ نمرته، وبعد خروجك من المحطة استلم منه
الأمتعة بالعدد وسلّمها للحوذي (العربجي)(48) الذي يسير بك
حتَّى تصل المنزل بسلام.
33 . آدابُ الأكل
{ وَكُلُوا
واشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُواْ }(49).
178. يجب أن
تغسل يديك قبل الأكل، وأن تمسحها بالفوطة(50).
179. لا تبادر
بالجلوس على المائدة ـ خصوصاً ـ إن وجدت من هو أكبر منك سناً
أو قدراً.
180. يلزمك أن
تجلس بغاية السكون، ولا تلعب بأدوات المائدة، ولا تُطل المكث
عليها، فإن الحِكمة في أن ينتهي الإنسان من الأكل وعنده بعض
الجوع، عملاً بقول الحكيم: >نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا
أكلنا لا نشبعُ<.
181. توضع
الفُوطة على الركبتين، وَيُسَوّغُ وضعها على الصدر إذا خيف
تلويث الملابس.
182. لا
تقرب من المائدة كثيراً ولا تتباعد عنها، بل يلزم أن تكون
المسافة مناسبة لإطلاق حركة يديك، ولعدم مضايقة من يكون
بجانبك.
183. لا يجوز أن
تستند على المائدة بيدك، ويلزم أن تكون مستقيم القامة ولا
تنحني إلا قليلاً عند تناول الطعام.
184. خذ الطّعام
بيدك اليُمنى، وابتدىء ببسم الله واحمده سبحانه عند نهايته.
185. يجب أن لا
تُسرع في الأكل، وأن تجيد المضغ، وأن لا تلطّخ يدك ولا ثوبك
بالطعام.
186. لا يجوز أن
تفتش في الصحون على ما يناسبك من الأطعمة، وإذا وجدت شيئاً لا
تقبله نفسك فكل من غيره بدون إظهار كراهةٍ أو اشمئزازٍ.
187. لا تتعّود
الشراهة في الأكل والكثرة فيه فتضرّ صحتك، وتعرِّض نفسك
لانتقاد الناس، بل اتخذ الاعتدال في الأكل قاعدة أساسية لك في
الحياة، لتبرهن على ثباتِ عقلكَ وقوة حزمك.
188. لا تُحدق
النظر في الأكل، ولا إلى من يأكل، ولا تجعل الأكل هَمَّكَ، بل
يكون (أكلك لأن تعيش، لا عيشك لأن تأكل) وهذه خير وصية تهدى
إليك.
189. التكلم على
الأكل مما يساعد على حسن الهضم، إنما بتجنب التكلم بحدَّة،
ويجب أن يكون الحديث لطيفاً مناسباً.
190. ليكن
أخذك الطعام على طرف اللقمة، فلا تغمر أصابعك في الصحن، وإذا
تلوّثت رغماً عنك فلا تمصّها بشفتيك، بل انتظر حتى تنتهي من
الأكل ثم اغسلها.
191. إذا شربت
وقت الأكل، فليكن شربك بسكون، ولا تشرب حينما تكون اللقمة في
فمك، ويجب بعد الشُّرب أن تمسح شفتيك بالفوطة(51)، ولا يليق
مسحهما في ثيابك أو في يديك.
192. لا يصحّ أن
توبّخ أحداً أو تذمّه على المائدة مهما كان ذنبه.
193. بعد الأكل
تُغْسَلُ اليدان والفم بالماء والصابون، ثم تنشَّف بالفوطة،
وتنظف الأسنان جيداً من فضلات الطعام، وتستحب الراحة قليلاً
بعد الغداء في الظهر، إنما لا يضيَّع فيها زمن طويل.
194. إن
أَكْلَةً من الحشائش يتناولها الإنسان بهناء نفسٍ وطيب خاطرٍ،
خير له من أكلةِ عجلٍ سمينٍ، مع تشرب القلب بالعداوة والبغضاء،
كما أن قطعة من الخبز القفار(52) مع التمتع براحة البال، أشهى
بكثير من طعام وليمةٍ مع وجود المشاكل والمتاعب، فابتعد عن ذلك
بقدر ما تستطيع، وكن طاهر القلب سليم النِّيَّة.
24.
آدابُ الوليمة
1. آدابُ صاحب الوليمة
195. أن يخبر من
يدعوهم قبل الوقت بأسبوع على الأكثر، ليكون الميعاد حاضراً في
ذهنهم.
196. أن يقابلهم
عند قدومهم بالتّرحاب والإكرام، ويجلسهم حسب درجاتهم، مظهراً
السرور والبشاشة لهم.
197. أن يدعوهم
للطعام (بعد ربع ساعة من حضورهم على الأقل لا مباشرة)
ويجلسهم على المائدةِ بحسب ما يناسب مقام كل منهم، وأن يكون
على كل مائدةٍ من لهم معرفة ببعضهم، وإلا فيبتدأ بتعريف بعضهم
لبعض، لعدم حبس حريتهم في الأكل.
198. أن لا يمدح
طعامه مهما كان مُكْلِفاً أو لذيداً، وأن لا يورِّط أحداً في
كثرة الأكل باللطف ولين الكلام، لئلا يخجل ويأكل فوق
طاقته، فيكون سبباً في تكدير صحته.
199. أن
يقعد مع كل منهم ولو برهةً من الزمن، ليلاطفه ويسامره.
200. أن يودّع
كل من يريد الذهاب، معرباً له عن مزيد شكره وخالص سروره،
داعياً له بالمسرَّة والفرح.
2.
آدابُ المدعوين
201. إجابة
الدعوى، والحضور قبل الوقت بزمن قليل، ومقابلة صاحب الوليمة
بوجه السرور، وتهنئته، ورجاء دوام مسرته.
202. الجلوس مع
من يليق به، ومراعاة آداب الجلوس.
203. الإجابة
للطعام، والجلوس على المائدة باحتشام، مع مراعاة آداب الأكل.
204. لا يجوز
إظهار عدم موافقة الأطعمة وإن كانت غير موافقة، أو ليست
مجهزّة كما ينبغي، بل يظهر لصاحب الوليمة استحسانه وقبوله.
205. إذا
قُدِّمَ له في الوليمة بعض الأطعمة، فيقبلها بشكر، وإذا أبت
نفسه قبولها، فيمتنع عنها بلطف.
206. بعد الفراغ
من الأكل وغسـل الأيدي، يرجع لمجلسه، وعند الانصراف يقابل صاحب
الوليمة، ويعبِّر له عن خالص امتنانه وانشراحه، ويقدم له
عبارات التهنئة.
207. إذا طرأ
عذرٌ لأحد المدعوين يمنعه عن الحضور، وجب عليه تقديم اعتذاره
وتهنئته لصاحب الوليمة، إما بنفسه، أو بواسطة كتاب أو صاحب له.
208. لا يليق
التكلم في الوليمة على الولائم التي حضرها، أو الأطعمة التي
أكلها، إذ ربما يكون في ذلك ما يجرح إحساس صاحب الوليمة، كما
أنه لا يليق بعد الانصراف من الوليمة إخبار الغير عما أكله
ورآه، فإن هذا يُعّدُّ وقاحةً وسوءَ أدب.
209. لا تذهب
إلى وليمةٍ لم تدع إليـها(53) وإلاّ عُدِدت طُـفيلياً،
وعرَّضـت نفسك للإهانة والخِزْي والعَارِ.
نصيحة
210. في الولائم
والأفراح، لا ينبغي للإنسان أن يسيء التصّرف، ويقتل نفسه حباً
في المظاهرة والمفاخرة فإن هذا فضلاً عما فيه من الخُسران،
فإنه لا يخلو من الذَّمِّ والانتقاد، فيتبدل فرحه ترحاً وسروره
كدراً، إنما يجب الاعتدال وعدم الخروج عن الحدِّ ليجمع بين
الراحة والفرح.
25 . الزيارة
وآدابها
{ يأيُّها
الَّذين أَمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْر بُيُوتِكُمْ
حَتَّى تَسْتأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فإنَ لَّمْ
تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ
لَكُمْ وَإن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى
لَكُمْ واللَّهُ بَمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ َ (28)}(54) .
211 . الزيارة
تنقسم إلى أربعة أقسام:
1. الزيارة
الرسمية
2. الزيارة
الوِدَادية
3. زيارة المريض
أو عيادته
4. زيارة
التّعزية.
1.
الزيارة الرسمية وآدابها
212. الزيارة
الرسمية تكون للملوك، والأمراء، والوزراء، والقضاة والعُلماء،
وأرباب المناصب، في أوقات معينّة، بملابس مخصوصة، وآدابها هي:
213. الاستئذان
أو الذهاب في الوقت الذي يعيّن لذلك.
214. اتباع
التعليمات التي تُعطى من المعيِّن للمقابلة.
215. السلام عند
المقابلة، وعدم الابتداء في الكلام، والإجابة على قدر السؤال
بعبارات مختصرة مفيدة، مع مراعاة آداب المحادثة.
216. مخاطبة
المزور بضمير الغائب(55)، فإنها أبلغ في الاحترام.
217. عدم إطالة
مدة المقابلة، والاستئذان في الانصراف، أو الانصراف عند إشارة
المزور.
218. السلام عند
الانصراف كالأول، وعدم تولية ظهره مباشرة، بل يتأخر بظهره ثم
يعتدل، ولا يجوز رفع الطّربوش مراعاةً للأدب والكمال.
2. الزيارة الودادية وآدابها
219.
الزيارة الودادية تكون للأهل والأقارب، وهي واجبة، ولو في
الأسبوع مرة على الأقل، وتكون للأحباب والأصحاب في كل وقت ما
عدا أوقات الأكل والنوم والشغل، وآدابها هي:
220. متى زارك
أحد أصدقائك، فاستقبله في الحال ببشاشة وطلاقة وجه، وصافحه،
ورحِّب به، وأجلسه في المحلّ اللائق، واسأله عن صحّته،
وسامره بلطفٍ وأدبٍ، وعامله حسب العوائد والرسوم، وعند انصرافه
يجب عليك توديعه، وختام الزيارة بالسلام كما ابتدأت.
221. إن كان
الزائر أكبر منك سِنّاً وقدراً، فاشكره على تنازله بزيارتك،
وعامله بكل احترام وإكرام.
222. إذا أتى
أحد لزيارتك، فليس من الأدب أن تخفي نفسك عنه، ويعتذر عنك
الخادم بأنك غائب عن المنزل أو نائم، بل يجب مقابلته بأي حال
من الأحوال مهما كان بينك وبينه.
223. متى زارك
أحد وجب أن تردّ له الزيارة، مهمــا كانــت درجــتــه، أو ]أن[
تعتذر له بعدم معرفة منزله، ولا تتعاظم عليه، وإن كان أكبر منك
سناً وجب عليك أن تزوره مقدّماً.
224. إذا دخل
عليك زائر وأنت مشغول بكتابة أو بقراءة جواب، فإن كان مهمّاً
فاستسمحه حتى تنتهي منه، ثم عد إلى الائتناس بزائرك.
225. كما أنك لا
تقبل أن يزورك أحد بملابس وسخة وهيئة مختلة، فكذلك عند زيارتك
للناس يجب أن تكون بملابس نظيفة وهيئة منتظمة.
226. إذا زرت
صاحباً ووجدت باب داره مغلقاً فاطرق الباب بلطف، فإذا لم يفتح
فاطرقه(56) ثانية وثالثة، وبعد ذلك إذا بقي مغلقاً كان دليلاً
على عدم وجود من تريد زيارته أو اشتغاله.
227. إذا ذهبت
لزيارة أحد أصحابك وأخبرك خادمه بخروجه، فلا تظهر علامة الكدر
أو الاستغراب، وانصرف برفق تاركاً لصاحبك اسمك مع الخادم، أو
على بطاقة الزيارة.
228. إذا وجدت
الباب مفتوحاً فلا تدخل إلاّ بعد أن ترسل الخادم ليستأذن لك،
أو ترسل معه بطاقتك، وإذا صادفك أحد يريد زيارة من تقصده، وكان
أكبر منك سناً ومقاماً، فمن الأدب أن تقدمه عليك في الدخول.
229. إذا وجدت
الشخص الذي تقصد زيارته فسلِّم عليه بما يليق بمقامه، وإذا
رأيته مشغولاً في حديث مع أحد فاعتزل إلى جانب وانتظر انتهاء
حديثهما ثم فاتحه في السبب الذي جئت من أجله بغاية الاختصار،
ولا تكثر عليه الكلام خشية الملل.
230.
إذا وجدت المزور مشتغلاً بكتابة أو بقراءة جواب فلا تسأله عما
يكتب أو يقرأ.
231.
إذا وجدت في بيت المزور جماعة من الزائرين يلزم أن تسلّم على
الأكبر سناً والأسمى مقاماً، ثم على من بجانبه الأيمن فالأيسر،
ثم اجلس في المحلّ اللائق بك بغاية الحشمة والأدب.
232.
إذ وجدت في بيت المزور فلا يصحّ أن تدور في المحلّ وتتفرج على
الأدوات، أو تفتش في الكتب والجوابات، إلا إذا دُعيت لذلك، كما
أنه لا يصحّ أن تقرأ أو تفتح جواباً ليس باسمك.
233.
لا يكن قصدك من زيارة أخيك استطلاع أحوال منزله، أو الوقوف على
داخليته، بل ليكن لإِخلاصٍ في المودة وصداقةٍ في الأخوة.
234.
اعلم أن الزيـارة هي الواسـطة الوحيـدة لدوام رابطة الأخوة
والصحبة بين الناس، إلا أن كثرتها ربما تكون سبباً في تقليل
المحبة وضعف المودة، فيجب التوسط فيها واتباع المثل >زُرْ
غِبَّاً تَزْدَدْ حُبَّاً<(57).
235.
إذا وعدت أحد أصدقائك، أو هو وعدك بالحضور لمنزله لزيارته أو
لأمرٍ آخر، فلا تخلف وعدك معه، لأنه لا شيءَ أصعب على الإنسان
من الانتظار الذي يوجب القلق والملل، وإن طرأ عليك عذرٌ مهم
فواجب عليك إخبار صاحبك قبل الميعاد أو بعده بقليل بالعذر الذي
أوجب التأخير عن الوفاء بالوعد.
236.
إذا غاب عنك صديق لك فلا تقطع عنه المراسلة استفساراً عن صحّته
والوقوف على أخباره للاطمئنان، ودوام الصِّلة بين الإخوان.
237.
لك إذا تأخر] صديقك[ عن مراسلتك أن تعاتبه عتاباً لطيفاً
وتعلمه(58) بأن من أحيا مودته بعتابه فقد استبقى محبته.
3. زيارة المريض وآدابها
238.
متى بلغك مرض صديق لك، وجب عليك في الحال عيادته للوقوف على
حالته والاطمئنان على صحته.
239 .
إذا أردت أن تعود مريضاً وعلمت بشدة مرضه أو إصابته بمرض معدٍ،
فلا تدخل عليه فَتُقلق راحته، وتذكّره بسوء حالته، بل ابعث له
بسلامك، وسَلْ عن صحّته ممن بالمنزل.
240.
ينبغي أن لا تكون عيادة المريض طويلة المدة، وأن يكون الكلام
فيها قليلاً بصوت هادىء يسمعه المريض، والحذر من ذكر عبارات
تكدّره، أو وصف آلام الأمراض، وصعوبة تعاطي الأدوية أو ما شابه
ذلك.
241.
من العبث لوم المريض على تهاونه أو عدم انتباهه الذي أوجب
مرضه، فإن ذلك مما يزيد آلامه ويغيّر أفكاره.
242.
من الإنسانية والظّرف سـماع شكوى المريض وتخفيف آلامه وتسكينها
بعبارات لطيفة وتشجيعه وتصبيره على مرضه بكلام وجيز، وإزالة
الخوف من فكره، والدعاء له بالشّفاء العاجل والصحة والسلامة.
4. التَّعزية وآدابها
243.
التَّعزية هي الحمل على الصبر، وذكر ما يسلي المصاب ويخفف حزنه
ويهوّن مصيبته، ويقال فيها: >عظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر
لميتك، وإنا لله وإنا إليه راجعون، له ما أخذ وله ما أعطى وكل
شيءٍ عنده بأجلٍ<.
244.
متى بلغك وفاة أحد من معارفك وجب عليك في الحال تعزية أهله على
مُصابهم، والاشتراك معهم في الاحتفال بتشييع جنازته كما هو
الواجب.
245.
يجب أن تكون التَّعزية بالملابس السوداء أو ما يقرب منها علامة
على الخزن والأسى(59).
246.
يتجنب التّبسم والضحك، وكذلك التكلم إلاّ بما يعزّي
النّفس، ويلطّف الحزن، ويخفف ألم المصاب.
247.
من الواجب عليك وأنت في مأتم أن تحترم مجلس القرآن
وتجتنب شرب الدخان فإن من يفعل ذلك يبرهن على مكارم أخلاقه
ووفرة عقله.
نصيحة
248.
إذا رزئتَ بوفاة أحدٍ من أسرتك (عائلتك) وكنت أنت المنوط بعمل
المأتم، فاتبع في ذلك أحسن العادات، ولا تكلّف نفسك بما يخرج
عن الحدّ، حباً في المظاهرة والمفاخرة، فإن الفخر بعمل
المبَّرات لا بالإسراف، وإلا كنت هدفاً للانتقاد والمذّمة،
وامنع بالكلية دخول النادبات وخروج النساء في المشهد عملاً
بالشرع، وليكن قصدك من عمل المأتم طلب الثواب والرحمة
والغُفران للفقيد.
26.
آدابُ اللباس(60)
249.
يلزمك الاعتناء في الملبس، إنما يكون التجمّل فيه بغير تكلّف
أو فقد كثير من الزمن والدراهم.
250.
اجتهد في دوام نظافة ملا بسك وطربوشك(61) وأحذيتك، فإن ذلك
داعٍ لبقائها زمناً بدون أن تتلف، ويوفّر لك كثيراً من
المصاريف.
251.
اجتهد في تحسين هيئتك، فإن معظم الناس يحكمون في الغالب على
على حُسنها فإن رأوك مهملاً شخصك، كان لهم الحقّ في نسبتك إلى
الإهمال في باقي أمورك.
252.
يلزمك لتحسين هيئتك أن تلبس كأهل حرفتك وأقرانك، وأن تكون
معتدل القامة، نظيفاً، مرتباً لباسك(62)، وأن تقصّ وتحلق ما
جرت العادة بقصه أو بحلقه، ولا تتولّع بترك شعرك وتجعيده وصفه
على انحناءات مختلفة ودهانه بالمواد المحسنة، فإن هذا لا يليق
بالشبَّان العقلاء.
253.
عليك بانتخاب الملابس المتينة اللائقة بالحِشْمَةِ، واعلم
أن الذي يختار من الملابس أمتنها قماشاً، وأقلّها زخرفةً،
وأطولها عمراً هو الذيُ ينظر إليه بعين الاعتبار والاحترام،
أما الذي يُكثر من زخرفة ملابسه والتفنّن في تفصيلها وترتيبها
وانتقائها من الألوان الباهرة، هذا هو الذي يحتقره(63)
العقلاء ويعدونه في منتهى الجهل.
254.
لا يليق أن تلبس ما ليس أهلاً لك أو ليس من مقامك، لئلا تتعب
وتعِّرض نفسك للسُخرية والملام.
255.
لا تولع النفــس بحب الملابــس المزخرفة، ولا تتبع المبتدعات
(المودات)(64) لأنك توقع نفسك في مهاوي الإسراف، حيث تصير كلما
اشتريت أو فصّلت (بذلةً) راقت في عينك، تصبح مولعاً بغيرها
تعجبك أيضاً.
256.
لا تكن ممن يبحثون على الملابس الرخيصة الثمن رغبةً في
الاقتصاد مع أنهم يضطرون بذلك إلى زيادة الإنفاق، لأن الملابس
الرخيصة الثمن سريعة التلف قصيرة العمر، أما ما يكون غالي
القيمة فهو في الحقيقة رخيصٌ لأنه يكون أكثر متانة وأطول
عمراً، خصوصاً مع دوام نظافته.
257.
كل ما يدعو للزينة محمود لا شك،إلا ما كان بتكلّف واصطناع، فلا
تكن من البسطاء الذين يجعلون ملابسهم كمخزن روائح عطرية،
فإن هذا مما تمجّه الأذواق السليمة، ولا ينطق على الكمال في
شيءٍ، وكل ما يلزم هو المحافظة على نظافة الجسم والملابس لحفظ
الرائحة الطبيعية.
258.
إيَّاك والتقليد الأعمى في الملبـس والزَّيِّ والشكل، لئلا
تكون كالغراب الذي لم تعجبه مشيته، فأراد محاكاة بعض
الطيور في المشية، فأخذ يمرّن نفسه على ذلك، فلم يحفظ مشيته
الأصلية، ولم يوفّق للمشية التي أرادها، وهكذا حالُ من يقلّد
غيره في شكله وعوائده أيضاً.
259.
لا تـكن ممن يتفـاخرون بمـلابسهم، وحُسن أزيائهم، ولا ممن
يحكمون على الأشخاص بظواهرِهم، لأنك ترى منهم في الغالب من هو
خالي المعرفة، ناقص التربية، لا همَّ له إلا التأنق في تحسين
ملبسه وشكله، ويقضي معظم وقته في المجتمعات ينتقد زيداً في
بساطة ملبسه، وعَمْرَاً في مخالفته للمودة(65) واعلم أن
العقلاء لا يحكمون على الأشخاص إلا بمعارفهم وآدابهم، لا
بزيّهم وثيابهم.
27. آدابُ المحادثة
>مَنْ
كَانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخِر فليقل خيراً أو
ليَصْمُتْ<(66).
260.
إذا حدَّثت فكن صادقاً، بحيث لا يمنعك الصّدق عن الاحتراس عن
الوقوع في الخطأ، وتعوَّد في كلامك الصدق، فإذا تمكن حبه من
قلبك تصبح من أشرف الناس وأكملهم.
261.
إيّاك والكذب، فإنه صفة ممقوتة تزري بصاحبها، والكذب كالغيبة
والنّميمة من الطباع السّخيفة التي تعود على فاعلها بالخزي
والعار.
262.
إذا نطقت فليكن نطقك عن علم، وإن سكت، فليكن سكوتك عن
حِلْمٍ.
263.
إذا ابتدأك أحدٌ بحديث فلا تنصرف عنه قبل إتمام حديثه، كما أنه
لا يجب إظهار معرفة بقية قوله، بل انتظر لغاية كلامه، فإنك
لابد أن تعلم شيئاً جديداً، وفي الإعادة إفادة واستفادة.
264.
إذا تبيّن لك خطأ في حديث أحدٍ فارشده إلى الحقيقة بألطف إشارة
وأرقّ عبارة، ولاتَقُل له مجاهراً (كذبت أو أخطأت) فإن هذه
الأقوال ثقيلة على السمع، ولا تستلفت أنظار الغير إلى خطئه
فتسبّب نفور القلوب منك.
265.
إن أخطأت في أمرٍ فاعترف بالخطأ، فإن الاعتراف ـ ولو أنه صعب
على النفس ـ جميل، والاستمرار على الخطأ أشدّ وأصعب، وربما
أضرّ، وإِن خطّأك أحد في كلامك فلا تحتد عليه بل جاوبه بأدبٍ
وأقم البرهان بعقلٍ على صحة قولك.
266.
إذا تكلمت فلا تذكر شيئاً من العيوب الجسمانية، إذ ربما يكون
في المجلس من فيه ذلك فيخجل، وتكون سبباً في تكدير خاطره
وإبعاده عنك.
267.
لا تستغرق كل وقت المحادثة في الكلام وإلجام الغير عن القول،
وإلا كنت كآلة، وتعتاد على الإكثار في القول بما ليس فيه
فائدة، فكن رَزيناً ميّالاً للسكينة، واعلم أن لسان العاقل من
وراء قلبه، وقلب الأحمق من وراء لسانه، وأن النجاح في الكِتمان
لا في ثرثرة اللّسان والمرء بعمله لا بقوله.
268.
إذا ابتُليت بمتكلّم مكثارٍ، فألق إليه سمعك طوعاً أو كُرهاً،
حتى ينتهي من كلامه، ولا تقابله بالإعراض.
269.
من كمال المتكلم إذا خاطب وجيهاً أو ذا رتبةٍ أن لا يقول له:
(أنت) مجردة عن التعظيم والاحترام، بل يقول له: حضرتكم ـ
جنابكم ـ سيادتكم ـ سعادتكم، إلى آخره بحسب ما يليق بمقامه.
270.
إذا سألك طالبٌ فجاوبه بلطفٍ، لأن الجواب اللطيف اللَّين يطفىء
الشدة، ويسكن الحدّة، ويريح الخاطر، بخلاف الجواب المؤلم
الصعب، فإنه يكدر النفس ويُشعل لهيب الغيظِ.
271.
اعلم أن فصاحة اللِّسان والبلاغـة في الـكلام لا يكفيان لنوال
المقاصد، إذا لم يُقرنا بالذّوق السليم والطبع اللطيف.
272.
لا تتكلم كثيراً عن نفسك، سواء كان في صالحك أو لضدك، واقبل أن
تتكلم ]مع [ الناس عن أنفسهم بما يشتهون، فإنما يفعلون ذلك
لانشراحهم منه، وكلما أظهرت لهم زيادة رغبتك في الإصغاء إليهم،
زادت محبتهم فيك.
273.
إذا أردت أن تستعيد قولاً لم تفهمه أو لم تسمعه تماماً، فلا
تستعمل عبارات العوام، مثل كيف؟ ماذا قلت؟ ما سمعت، مافهمت، بل
استعمل العبارات الرقيقة الأدبية وقل: يا سيدي اعمل معروفاً
وأعد لي الكلام، تفضلْ عليَّ بإعادة ما قلت، أرجوك المعذرة
فإني ما وعيت تماماً ما ذكرت، وهكذا.
274.
إذا سمعت حديث غيرك فأصغ له ولا تجب بلفظة: نعم أولاً، ولا
تنتقد كل ما تسمعه أو تقطع حديث المتكلم، بل انتظر حتّى تدرك
جيداً ما يقول، ولا يليق أن تنقل ما تسمعه أو ما يمكنك
استخلاصه من قوله مما يمسُّ بحقوق غيرك.
275.
إذا أردت أن تبدي رأيك في شيءٍ فأظهره بحكمة ورَوِيةٍ، وتحاش
في كلامك ذكر عبارات القَسَم، فإن تكرارها يقلّل الثقة بالشخص،
ولا تحلف رأساً، ولا تُعجب برأيك، فإن الإعجاب عنوان الجهل
ودليل على الطيش.
276.
إذا اضطررت لمعارضة أحد فليكن بعقلٍ وأدبٍ قائلاً: (ربما كان
كذا، أو على ما أظن كذا، أو بحسب فكري الضعيف أفتكر أنه كذا،
إلخ)، ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن(67)، ولا تقل
إلا ما تحقّقه بعقلك وتصدّقه بعملك وخبرتك.
277.
اعلم أن كثرة المناقشة والمجادلة تؤدي في الغالب إلى الشّحناء
والبغضاء ورُبَّ كلمةٍ واحدةٍ أفقدت صاحباً عزيزاً لك، فإذا
اضطررت إلى المناقشة فتجاوز فيها ما أمكنك، وناقش بلطف وبكل
اختصار ووضوح.
278. لا تأت في حديثك
بأخبار محزنةٍ إلاّ إذا دعتك الضرورة لذلك، ولا تتكلم بما يخرج
عن حدّ الأدب، وتجنّب التنكيت والمزاح ما أمكنك، فإنهما يذهبان
بالشرف والاعتبار ويجلبان الحقد والبغض.
279. إذا أَمَّنَكَ
أَحَدٌ على سِرٍّ، فإياك أنْ تفشيه لأن كتم الأسرار من أعظم ما
تتميز به الرجال.
28. الرِّياضة وفوائدها وآدابها
1. الرياضة العقلية
280. الرياضة العقلية
هي تنقيح الفكر وتنقيته من المكدرات، وهي لازمة لجميع الناس
على اختلاف طبقاتهم، فتلزم لذوي الأشغال العقلية،
كالمؤلِّفين، والمدرِّسين، والقضاة، والمحامين، والمهندسين،
والحكماء، لترويح أذهانهم، ولذوي الأشغال اليدوية كأرباب
الصنائع، لا راحة أبدانهم وترويض أفكارهم، وذلك بسماع
لطيف النوادر، ورؤية الحدائق والمياه الجارية، والتأمل في
عجائب الكون وجليل صنع الخالق جَلّ شأنه.
2. الرياضة البدنية
281. الرِّياضة
البدنية هي تحريك الأعضاء بانتظام كما في الجمباز والألعاب
الرياضية، وركوب الخيل، والصيد، والسباحة، إنما ينبغي أن تكون
بالتدريج، فلا ينكبّ الإنسان عليها مرَّةً واحدةً، ولا يكثر
منها، وهي قبل الأكل تنبِّه الشهية إليه، وبعده بقليل تساعد
على الهضم، ثم ينشأ عنها راحة الأعضاء بالاستغراق في النوم.
282. فائدة الرياضة
أنها تمنح الإنسان الصّحة العقلية والبدنية، مع تعويده على
تحمّل الجَلَد والصبر على المتاعب، وإخضـاع النفس،
واكتساب صفة البَشَاشة، كما أنها تحفظ الصحة وتُكسب الإنسان
إقداماً على العمل، وتعوّده على الاتحاد، وتجعله لا يَغْتَرُّ
بنفسه، وتوجد فيه فضيلة الثّقة بالأعمال.
283. إن
للألعاب الرياضية تأثيراً أدبياً مفيداً، لأنها تعلّم الشبَّان
واجبات المعاشرة، وتثبّت في نفوسهم روح التعاون والتعاضد، التي
هي من أسمى أسباب النجاح في الحياة. وفضلاً عن ذلك فإنها تعوّد
الإنسان على الحرية مع إخوانه، وتولّد فيه دقيق الإحساس ورقيق
الشعور، إنما يجب أن تكون تفكهة للإنسان لاشغلاً شاغلاً له
يمنعه عن القيام بواجباته.
284. ضروري
(68)لصحة العقل والجسم من الهواء المطلق فإنه إذا تريض
الإنسـان في الغيطان يتمتع برؤية بسـاط الخُضرة والنبات في
الأرض وبياض السّحاب وتلونه في السماء، ويلتذ من سماع خرير
الماء ورؤية جريانه.
285. اعلم أن في رؤية
الأرض، والسماء، والحقول، والغابات والجبال، والأنهار،
والنهيرات، والبحار، والبحيرات، لرياضة صحية مفيدة يتعلم منها
الإنسان ما لا يتعلمه من الكتب، ويرى في مناظر الكون المبهجة
ما يُعجز أمهر مصوّر عن إبراز ما يشبهه. وعلى كل حال فإن
الإنسان يجد في الطبيعة ما يشتهيه من عظيم المسرات.
286. إذا ذهبت للخلاء
وجلست بجانب عين ماء تجري أو قطعت أزهاراً أو جمعت حِجارة من
مناجم، أو قوقعات من شاطىء بحر، أو لعبت الكرة، أو جريت في
فسيح الفضاء، لا شك أنك تتمتع برؤية محاسن الطبيعة، وتتقدم
صحتك، وتذهب شواغلك، لأن سكون الطبيعة يُرطّب الجسم ويقوّيه،
ويريح العقل ويفرحه.
287. السِّـبَاحَةُ،
وإن كانت من الرياضة البدنية المفـيدة، إلاّ أنه يلزم لمعرفتها
كثرة التمرين، فلا تجازف بنفسك في السباحة قبل أن تتعودها
تماماً .
288. إذا تفسّحت في
بُستان الغير فاحذر أن تقطف شيئاً من أزهاره أو أثماره بدون
إذن صِاحبه، وإلا تعدّ منك سَرِقَةً تُعاقب عليها.
289. إذا أردت
التّفَسُّح مع جماعة من أمثالك، فاقبل المحلّ الذي وافقهم
واتفقوا عليه، وإذا فوّض إليك أمر انتخابه فاختر المحلّ
اللائق، ويجب أن تكون الفسحة بملابس نظيفة.
290. لا تمل كثيراً
إلى الوجود في الاحتفالات العمومية، واكتف برؤيتها مرة واحدة،
لأنه فضلاً عن كونها تشغل الفكر فإنك لا تأمن على نفسك من سماع
ما يؤلمك، أورؤية ما يكدّر صفوك.
291. ابتعد ما أمكنك
عن محالّ اللهو، ولا تظنّ أن فيها شيئاً من الرياضة، فإنها
بالعكس فاقدة للراحة، مميتةٌ للعواطف، متعبةٌ للعقل، مفسدةٌ
للأخلاق، مضيعةٌ للزمن، مهينةٌ للشرفِ.
292. إن في رؤية محاسن الطبيعة لسروراً دائماً،
ولكن بهجة السماء وصفاء الجوّ لا يفيدان إذا كان القلب
مُظلماً، فيلزمك الإخلاص والاحترام والمحبة لجميع من تعاشرهم.
فائدة
273. إذا خرجت للرياضة في الخلاء أو في
المنتزهات، فعلّق في مذكّرتك كل ما راق في عينيك، مِن وصف
مناظر الكون العجيبة، لتكون درساً مفيداً لغيرك وتذكاراً لك.
29.
آدابُ الدّين
294. اعلم يا بُني أن
الله الذي خلقك وصوّرك، موجد كل شيءٍ وُمدَبِّر كل شيء يرى كل
شيءٍ، ويمنح من يحبه جميع الخيرات، فواجب عليك عبادته
وتعظيـمه، ومحبّته وإطاعـته، أكثر من تعظيمك ومحبّـتك وإطاعتك
لأبويك ومعلّمك.
295. عليك باتباع
أوامر خالقك، فإنها أُمّهات الأخلاق الكريمة التي يجب التمسك
بها من الصغر، لمن يريد أن يكون رجلاً، شريف النفس، عالي
الهمّة >علوّ الهِمَّةِ من الإيمان< واعلم أنك إذا لم تحترم
أوامر الخالق تضرّ ـ بلا شكٍ ـ نفسك وغيركَ ضرراً بلغياً،
وتكون كل أعمالك مجلبة للأذى على الغير، أما إذا عملت بها
فتعود عليك بالسعادة الأبدية.
296. ليست العبادة
كما يظنّ البعض أن يَلْزَمَ الإنسان الزوايا والمساجد، ويقضي
يومه في الصلاة والتسبيح، ويترك أعماله المعاشية، بل هي خضوع
بعض الناس لبعض، والتزام الآداب للتعاطف والتراحم، والتعاون
على البرّ والتقوى، والتباعد عن الإثم والعدوان، ومقابلة
السيئة بالإحسان.
297. أمرنا الله أن
نُطهر أبداننا وثيابنا من جيمع الأوساخ والأدران، حتى لا تنفر
العيون من منظر قبيح، والأنوف من مشمّ كريه، كما أنه أمرنا
بتطهير نفوسنا وإخلاص ضمائرنا من الغشِّ، والنِّفَاقِ،
والخِداع، والضّغينة، والحِقْد، والحسد، إلى غير ذلك من أسباب
الفساد والشقاء في الدنيا والآخرة، حتى بذلك تنشرح صدورنا،
وتطمئن نفوسنا وتتآلف قلوبنا.
298. أمرنا الله
بإقامة الصلوات شكراً له على جليل نعمائه، وحمداً ]له [على
جزيل آلائه، ولكي نكون باجتماعنا في عبادته مخلصين له سبحانه
ولأنفسنا، فنتبادل(69) المنافع والأُلفة والاتحاد.
299. أمرنا بالصوم
لترويض نفوسنا، وكبحها عن الشهوات، وتخليصها من الرذائل،
وتعويدها(70) على الصبر والجلد، لكي يشعر كُلٌّ منا بحال
الفقراء، وما يقاسونه من ألم الجوع، فتميل قلوبنا إليهم،
ونتصدق بما تجود به أنفسنا عليهم.
300. أمرنا الله
بالزكاة للتعوّد على الجود والسَّخاءِ، وتنزيهاً للنفس
من رذيلة الشُحِّ والبخل، وللتفريج على الفقراء والضعفاء(71).
301. أمرنا الله
بالحجِّ لفوائد كثيرة، منها السياحة، والتآلف، والتعارف،
والاختلاط، والارتباط، والتعوّد على التَّغَرُّبِ والبُعْدِ عن
الأوطان (72).
302. اعلم يا بُني أن
الله أرسل الرسل (عليهم السلام) ليهدونا الطريق المستقيم
ويبلّغونا رسالته، وهي اتباع أوامره وتجنّب نواهيه، فيجب عليك
بعد محبّة الله وتعظيمه محّبة وتعظيم أنبيائه الأتعاب(73)
(صلوات الله عليهم) والاعتقاد بأنهم أمناء معصومون من الذنوب
والقبائح.
303. اعلم أن الدِّين
هو قاعدة السير في هذه الحياة وسبيل للتقدم، نتعزى به في
المصائب، يساعدنا على تحمّل المتاعب، وهو مأمن عند الأخطار،
ومُواس عند الحزن، وملجأ الأمان والسِّلم، وطريق للآخرة.
304. اعتقد بكتاب
الله المبين، وبما جاء فيه من القواعد الدِّينية والحكم
التهذيبية، وبأن لك ديناً ترجع إليه في أمور دنياك
وآخرتك، يبيّن لك الحلال من الحرام، والنافع من الضار،
وما ينبغي لك عمله، وما يجب عليك تركه، وقد وعد بالثواب وأوعد
بالعقاب.
305. عليك بتقوى الله
في جميع أقوالك وأفعالك، والتمسك بدينه القويم، وعمل الخير،
فإن هذا وحده هو الذي يخفّف عنك الآلام عند ما تكون في
سكرة الموت التي هي أصعب الحالات وقل: (اللهم أمتني موت
الأبرار، وأسكني دارك التي وعدتهم(74) بها).
306. اعلم أن من يريد
نَعيم الآخرة فليسلك في حياته طريق الصالحين، فاستقم كما
أُمرت، وابتعد عن مسالك التُّهم لئلا تُتّهَمَ، وقل: اللهم
اكفني شَرَّ التُّهَمِ الباطلة.
307. اعلم أن الذي
يفكّر كثيراً في الموت واليوم الآخر، وفي الجنّة و النار، لا
بد أن يتعظ و يسلك طريقاً مستقيماً و تحسن سيرته (وكفى بالموت
واعظاً).
307. لا تطلب
من الله ما تحب أن تخفيه عن الناس، ولا من الناس ما تحب أن
تخفيه عن الله، وهذه خير وصية تهدى إليك.
309. إذا دخلت مسجداً أو معبداً فتأدّب
بآداب دينك، وتُب إلى الله، وقُم بما فرضه عليك، وقل: رَبِّ
اهدني ووفقني لما تحبه وترضاه.
310. اعلم أن الشَّرع الشَّريف قد منع السجود
على الأعتاب، وتقبيل الأعمدة والمقاصير، والطوّاف حول
القبور، لأنه لا طواف إلاّ حول الكعبة الشريفة، ولا سجود إلاّ
للربِّ المتعال، فإيَّاك وهذه البِدَع في المساجد.
311. من آداب الدِّين أن تُخلص لله
ولأولـيائه(75) وأن تستخيره في جميع أقوالك وأعمالك(76) وأن
تحترم العلماء، وأن تصلح قلبك باتباع الفرائض الدِّينية
والأوامر الشرعية، فبصلاح القلب يصلح الإنسان وبفساده
يَفْسُدُ، وقل: >اللهم أصلح فساد قلوبنا، حتى تستقيم أمورنا
وتعتدل أحوالنا، إنك ]أَنْتَ[ السميع المجيب<.
(1) هو حُجّة
الإسلام الإمام الكبير أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي
الطُّوسي، صاحب المؤلفات المفيدة النافعة الماتعة، المتوفى سنة
(505)هـ. انظر ترجمته في >الأمصار ذوات الآثار< للذهبي. ص 79
و>شذرات الذهب< (6/ 18 (22-وكلاهما بتحقيقي وإشراف والدي
وأستاذي العلاّمة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى،
طبع دار ابن كثير بدمشق.
(2) كانت قضية
إحضار المربيات والمرضعات للأطفال مألوفة في عصر المؤلف رحمه
الله لدى الطبقات الثرية والمتوسطة في مصر وسواها، لأن الناس
كانوا يعيشون بيسر وسهولة آنذاك.
(3) وكان
استقدام الخدم إلى بيوت أهل الطبقات الثرية والمتوسطة مألوفاً
في عصر المؤلف رحمه الله.
(4) قلت:
وذلك اقتباس من حديث ذكره الهيثمي في >مجمع الزوائد< (191/8)
وعزاه للطبراني في >معاجمه< الثلاثة من حديث عبد الله بن عمر
بن الخطاب رضي الله عنهما،أن رجلاً جاء إلى النبي ص فقال: يا
رسول الله،أي الناس أحب إلى الله عز وجل، وأي الأعمال أحب إلى
الله تعالى؟، فقال رسول الله ص، >أحب الناس إلى الله عز
وجل أنفعهم للناس<، وأحب الأعمال إلى الله تعالى، سرور تدخله
على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً،أو تطرد عنه
جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في
هذا المسجد شهراً، في مسجد المدينة، ومن كف غضبه، ستر الله
عورته، ومن كظم غضبه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه
رخاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له
ثَبَّتَ الله قدمه يوم تزل الأقدام >وقال<: >وفيه مسكين بن
سراج وهو ضعيف<.
وأورده المحدِّث
الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في >صحيح الجامع
الصغير وزيادته< رقم (176) وعزاه لابن أبي الدنيا في >قضاء
الحوائج< وللطبراني من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي
الله عنهما، وقال: >حسن<.
وكان والدي
وأستاذي العلامة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله يحدِّثُ
به كثيراً في مجالس وعظه، وكان من عادته ـ نضَّر الله
وجهه يوم الدِّين ـ ألا يحدِّثُ إلا بالأحاديث الصحيحة
والحسنة بصورة عامة. انظر >سيرته< رحمه الله.
(5) قلت: وفي
معناه بيت شعر للشاعر محمد بن عبد الله بن سالم المعولي
اليماني، المتوفى في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، يقول فيه:
مَنْ شـــــَبَّ
علـــى شــــيءٍ وَلـــم
يَـرْتَــــدِعْ شــــَابَ عَـــلــَيْــــهِ وَثـــقـــلْ
وهو من قصيدة
طويلة له مطلعها:
شَمِّــــــرِ
الَّذيْـلَ و بَـادِرْ للعَمَـــلْ
وَالْـزَمِ التَّقْــوى وَدَعْ عَـنْكَ الكَسَــــلْ
(6) في الأصل:
>من خدم<.
(7) لقوله
تعالى: { وَوَصَّيْنَا الإنسنَ بوالديه } (سورة لقمان،
الآية 14)، و(سورة الأحقاف، الآية 15).
(8) ليس
هناك في التنزيل العزيز آية في ذلك صراحة بهذا المعنى، ولكن
الله تعالى حضّ في كثير من الآيات على طاعتهما ولوكانا من
المشركين، فكيف إذا كانا من المؤمنين؟ فذلك من باب أولى.
(9) في
الأصل: >طفوليتك<.
(10) ذكره
الهيثمي في >مجمع الزوائد< (139-138 /8)وعزاه للطبراني
في >الأوسط< من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله
عنهما، وقال: >ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد]
فهو[ غير منسوب، والظاهر أنه من المكثرين من شيوخه فلذلك لم
ينسبه. والله أعلم<.
(11)
ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في >الأحاديث الموضوعة< ص
(139-138/8)بتحقيقي ولم ينسبه لأحد. وقال في تعليقه عليه:
>معناه<: إن التواضع للأمهات سبب لدخول الجنة، وما يعرف من
اللفظ مرفوعاً بإسناد ثابت، والحديث المرفوع عن ابن عمر، عن
النبي ص: >الوالدُ وَسَطَ أبواب الجنة، فأضِع ذلك الباب أو
احفظه< وانظر التعليق عليه هناك.
وذكره الذهبي في
>ميزان الاعتدال< (220/4) بهذا اللفظ عن ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعاً، وفي سنده موسى بن محمد بن عطاء الدمياطي، كذّبه
أبو زرعة وأبو حاتم، وقال النسائي: >ليس بثقة< وقال الدار قطني
وغيره: >متروك<.
وقد روى ابن
ماجة رقم (2871) والنسـائي في >المجتبى< (11/6) والحاكم في
>المستدرك< (104/2) من حديث معاوية بن جاهمة السُّلَمي،
أن جاهمة جاء إلى النبي ص وسلم فقال: >يا رسول الله أردت أن
أغزو، وقد جئت أستشيرك، فقال: >هل لك أُمٌّ؟< قال: نعم، قال: >
فا لزمها، فإن الجنة تحت رجليها< وصحّحه الحاكم، ووافقه
الذهبي، وأقرَّهما والدي وأسـتاذي العلاَّمة الشيخ عبد القادر
الأرناؤوط رحمه الله في تعليقه على >الأحاديث الموضوعة< لشيخ
الإسلام ابن تيمية، بتحقيقي، طبع مكتبة دار العروبة بالكويت.
(12) في
الأصل : آخـاك آخـاك من لا أخـاً له
كســاع إلى الهيجاء بغير سلاح
(13) في
الأصل >ينشأ< والتصحيح من >صحيح البخاري<. وقال الحافظ ابن حجر
العسقلاني في >فتح الباري بشرح صحيح البخاري< (416/10): >ينسأ:
أي يؤخّر<.
(14) رواه
البخاري رقم (5985) في الأدب: باب من بسط له في الرزق بصلة
الرحم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(15) قطعة
من حديث رواه البخاري رقم (6018) في الأدب: باب من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومسلم رقم (47) (75) في
الإيمان: باب الحث على إكرام الجار والضيف... من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه.
(16) في
الأصل المطبوع:>كل<.
(17) في
الأصل: >من الدخول في المدرسة<.
(18)
لم أقف عليه بهذا اللفظ، وعند ملاّ علي القاري في >الأسرار
المرفوعة< ص (147) >إن الله يكره العبد المتميز على أخيه<
وقال: >قال ابن الدَّيبع: لا أعرفه<.
(19) يعني
الفصل الدراسي، أو ما أصبح يعرف في أيامنا بالصف الدراسي.
(20) في
الأصل: >بل تفرغ<.
(21) في الأصل:
>بهئة<.
(22) حديث
صحيح، ذكره السيوطي في > الدّرر المنتثرة في الأحاديث
المشتهرة< رقم (283) بتحقيقي بالاشتراك مع الأستاذ بدر الدين
قهوجي، طبع مكتبة دار العروبة بالكويت، وأطال الكلام عليه،
فليراجع، وما بين الحاصرتين مستدرك منه، ولفظة >ومسلمة< مدرجة
وليست من الحديث، وإن كانت صحيحة من حيث المعنى، لأن كل أمر
فرض على المسلم فهو فرض على المسلمة أيضاً.
(23)
لقوله ص : >العلماء ورثة الأنبياء< وهو حديث صحيح رواه جمع من
الأئمة عن أبي الدرداء رضي الله عنه. انظر نصَّ الحديث وتخريجه
في كتاب >أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب< للحوت رقم
(937) بتحقيقي.
(24) استعارة من
قوله تعالى: { مَثَل الَّذينَ حُِّمِلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ
لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الِحِمَارِ يَحْمِلُ أَسفَاراً }
سورة الجمعة:5].
(25) البَنَانُ:
الأصابع، وقيل: أطرافها، وإحداها بنانة. > لسان العرب< (بنن).
(26) في الأصل:
>يسرّك في الآخرة< وفيه كسر، وما أثبتّه تقتضيه صحة الوزن.
(27) في الأصل:
>استنناط<.
(28) سورة
النساء، الآية 59.
(29)
يعني صفّك الدراسي.
(30) البيت أحد
بيتين شهيرين لأبي إسحاق الشِّيرازي (إبراهيم بن علي بن يوسف
الفيروز أبادي الشّيرازي، المتوفى سنة 476هـ) وهما ضمن
ترجمته في >شذرات الذهب< (323/5ـ (326 بتحقيقي،
وروايتهما فيه:
سَأَلْتُ
النَّـاس عَنْ خـِلِّ وَفــيِّ
فَقَـالـوا مَـا إلــى هَـــذَا سَبِيِــلُ
تَمَسَّكْ إِنْ
ظَفِرْتَ بِــودَِّ حُـــرِّ فَإنَّ الحُرَّ
في الــدُّنيــاَ قـَلــيـــلُ
(31) في الأصل:
>هي<.
(32) أي الصحبة.
(33) وقد قيل
قديماً:
في التأني
السَّلاَمَةُ وَفي
العَجَلَةِ النَّداَمَةُ
(34) في
الأصل: >فليكن<.
(35) لو
قال: >والتمس مثلها لنفسك< لكان أحسن للسياق.
(36) لو
قال: >أو وضع الأنامل فيه< لكان أصحّ لغة.
(37) سورة
البقرة، الآية 191.
(38) في
الأصل: >سلمت< وما أثبته من سياق الحديث النبوي الشريف.
(39) رواه
البخاري رقم (11) في الإيمان: باب أي الإسلام أفضل؟
ومسلم رقم(42) في الإيمان: باب بيان تفاضل
الإسلام، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(40) أي لا
تخلط. انظر >لسان العرب< (هوش).
(41) قال ذلك
لأن الرجال والفتيان كانوا يعتمرون الطربوش آنذاك، وسيشير
المؤلف إلى ذلك بعد قليل.
(42) رواه
البخاري رقم (2465) في المظالم: باب أفنية الدور والجلوس فيها،
والجلوس على الصُعدات، و(6229) في الاستئذان: باب قول
الله تعالى: { يأيُّهَا الَّذين آمنوا لاَ تَدَخُلوا
بُيُوتاً غَير بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأنِسوا وَتُسَلِّمُوا
عَلَى أَهلِهَا } (سور النور، الآية27 )، ومسلم رقم (2161) في
السلام: باب من حق الجلوس على الطريق ردّ السلام، من حديث أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه بتمامه عند البخاري في
المظالم: >إياكم والجلوس على الطّرقات< فقالوا: ما لنا
بدٌّ،إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: >فإذا أبيتم إلاّ
المجالس فأعطوا الطريق حقّها< قالوا: وما حق الطريق؟ قال: >غض
البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهي عن
المنكر<.
(43) وفي
هذا المعنى ما رواه البخاري رقم (6622) في الأيمان والنذور:
باب رقم (1) ومسلم رقم (1652) في الأيمان: باب رقم (3)
وفي الإمارة: باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، من حديث
عبد الرحمن بن سَمُرَة رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله ص
: >يا عبد الرحمن، ولا تسأل الإمارة، فإنك إن أُتيتها عن مسألة
وكلت إليها، وإن أتيتها عن غير مسألة أُعنت عليها...< واللفظ
للبخاري.
(44) سورة
الإسراء، الآية 37.
(45) لو
عدنا إلى مثل ما كان عليه حال الناس المسلمين زمن المؤِّلف
لأصبحنا سادة العالم أجمع.
(46) في
الأصل: >وأدعه<.
(47) جمع
قُطُرٍ، وذلك ما كان سائداً في مصر بلد المؤلف آنذاك، وهو ما
ينطبق في أيامنا على الركوب في القطارات والحافلات والطائرات.
(48)ويماثله في
أيامنا سائق التاكسي.
(49) سورة
الأعراف، الآية 31.
(50) ويقابلها
المنشفة في أيامنا.
(51) يعني
بالمنديل.
(52) الخبز
القَفَار : من قَفِرَ الطعام : كان قَفَاراً أي غير مأدوم.
انظر >المنجد في اللغة< : مادة >قَفِرَ<.
(53) في الأصل :
> لم تدع فيها<.
(54) سورة
النور، الآيتان 27 و28.
(55) كأن تقول
له : > كيف حالهُم، كيف صحتُهم< وما شابه ذلك.
(56) في الأصل :
> فأطرقه<.
(57) بل هو حديث
نبوي صحيح، ذكره السيوطي في >الدرر المنتثرة< رقم (47) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه وعزاه لعدد من الأئمة، الحفاظ أصحاب
المصادر الحديثية.
ولا بن دُريد في
هذا الأمر بيتان يحسن إيرادهما:
عليــك بإغبــاب الزيـــــارة إنهــــا إذا
كثرت كانت إلى الهــجــر سُلَّمــا
فإني رأيـت الغيــــث يســـأم دائــماً
ويســأل بالأيـدي إذا هــو أمســكــا
(58) في
الأصل:> وتعلنه< والصواب ما أثبتناه.
(59) بل
ليس ذلك من الواجب، ولبس الثياب السوداء من العادات غير
الإسلامية بصورة عامة وهي لا تعكس الشعور بالحزن، كما أن عدم
لبسها لا يدل على عدم الحزن أيضاً.
(60) في الأصل:
>آداب اللبس< وما أثبته يقتضيه السياق.
(61) وتقوم مقام
الطربوش الآن القبعة والكوفية وماشابه.
(62) في الأصل:
>لبسك<.
(63) في الأصل:
>يحتقرونه<.
(64) أي
(الموضات) كما تعرف في أيامنا.
(65) يعني لـ
(الموضة) كما ذكرت ذلك قبل قليل.
(66) قطعة من
حديث رواه البخاري (6018) في الأدب: باب من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومسلم رقم (47) في الإيمان: باب
الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير، وكون
ذلك كله من الإيمان، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وتتمته:
>ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه<.
(67)
استعارة من قوله تعالى: { ولاتُجاَدِلُوَا أَهْلَ الْكِتَبَ
إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (سورة العنكبوت، الآية 46).
(68) يعني أمر
الرياضة.
(69) يعني نحن
المسلمين فيما بيننا.
(70) في
الأصل: >وتعويدنا<.
(71) ودفع
الزكاة يطهر المال ويزكّيه أيضاً. قال الله تعالى في كتابه
العزيز مخاطباً رسولـه مــحــمـداً ص { خُذْ مِنْ
أَمْواَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزََكّيهِم بِهَا }
(سورة التوبة، الآية 103).
(72) وقد
فرض الله الحج على المستطيع من المسلمين فقط، فقال في محكم
كتابه: { وَللَّهِ عَلَى النَّاس حِجُّ آلْبَيْتِ مَنِ
استَطَاعَ إلَيْهِ سَبيلاً} (سورة آل عمران، الآية 97)
والاستطاعة هنا مادية، أي على من ملك مالاً زائداً عن
حاجاته وحاجات أهل داره الضرورية التي لا تقوم حالهم إلاَّّ
بها، ولا يجوز للإنسان أن يحج من كسب حرام، ومن مال فيه شبهة،
أو أن يقترض من الآخرين ليحج، أو أن يحجّ وعليه دين
للناس إلا إن استسمح من أصحاب الحقوق عليه قبل الإقدام على
الحج فقبلوا منه الاعتذار. وقال الإمام ابن كثير في >تفسير
القرآن العظيم< في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة (342/1)
بإشرافي، طبع مكتبة الرشد بالرياض، ودار صادر ببيروت:>هذه آية
وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هـي قـولــه تــعـــالـى:
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالعُمْرَةَ لَلَّهِ } (سورة البقرة،
الآية 196) والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد
أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك
إجماعاً ضرورياً، وإنما يجب على المكلّف في العمر مرة واحدة
بالنصّ والإجماع< ولتمام الفائدة انظر تعليقي على >شذرات
الذهب< لابن العماد الحنبلي (123/1) بتحقيقي وإشراف والدي
وأستاذي العلامة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله، طبع
دار ابن كثير بدمشق.
(73) يعني
بذلك الذين تعبوا في الدعوة إلى وحدانية الله عز وجل والسير
على النهج الذين ارتضاه الله عز وجل لعباده وفي الطليعة منهم
أولو العزم من الرُّسل.
(74) يعني
الأبرار من عباده جلَّ جلاله.
(75) هذا لا
يجوز، فإخلاص العبودية لله وحده لا شريك له.
(76) وهو ما يعرف بدعاء الاستخارة، وإليك
صيغته الصحيحة: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان
رسول الله ص يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها، كما يعلمنا
السورة من القرآن يقول: إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين
من غير الفريضة، ثم ليقل: >اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك
بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا
أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر
خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال: عاجل أمري
وآجله ـ فاقدره لي، ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت
تعلم أنّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ و
قال: عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي
الخير حيث كان، ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته< رواه البخاري
رقم (6382) في الدعوات: باب الدعاء عند الاستخارة، نقلاً عن
كتاب >النصيحة في الأدعية الصحيحة< للحافظ عبد الغني المقدسي،
بتحقيقي وإشراف والدي العلاّمة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
رحمه الله رقم = (34) طبع مؤسسة الرسالة ببيروت. ولا بأس
أن يقرأ الدعاء من الكتاب من لا يحفظ الحديث وذلك بعد فراغه من
صلاة الركعتين تطوعاً.
|