Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -


 

مقدمة المحقق

 

 

1. استهلال

{ رَبِّ أوزعْنِي أن أشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى واَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحَاً تَرْضَهُ وأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصاَّلِحِينَ }(1).

وصلِّ اللهم وسلم على أفضل خلقك  سيدنا ورسولنا و حبيبنا وقُرَّةِ أعيننا محمد معلّم الناس الخير، وعلى آله وأصحابه الطّيبين الطّاهرين، القائل: >إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ<(2)، والقائل أيضاً: >إن الله بعثني مَلْحَمَةً وَمَرْحَمَةً، وَلَمْ يَبْعَثْنِي تَاجِراً وَلا زَرَّاعاً<(3).

وبعد: فإن تربية الفتيان أمر هام جداً في المسيرة الحضارية لأي أُمةٍ من الأُمم، فالفتيان هم رجال المستقبل وحملة الأمانة اللاحقة، ومن هنا كان اهتمام رسول الله ص بالفتيان من الصحابة الكرام  كبيراً جداً، ولم ينتقل ص إلى الدار الآخرة إلا وكان قد جهّز علماء من فتيان الصحابة، كأبي هريرة، والعبادلة الأربعة >عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير< وغيرهم، فحمل أولئك الفتيان من الصحابة الكرام حديث رسول الله ص وفتاواه، وسيرته وما يتصل بها، إلى من تبعهم من التَّابعين وأتباعهم عن طريق نشر العلم في حواضر المسلمين الكبرى بانتقال بعضهم إليها من المدينة المنورة قاعدة الدولة الإسلامية الأولى. وهكذا توسع مفهوم الأدب عند المسلمين من الأسلاف، وصارت له مفاهيم مختلفة: من أدب السلوك، إلى أدب الطلب، إلى أدب الإملاء والاستملاء، إلى أدب الطعام والشراب، إلى أدب المعاشرة، إلى أدب الصحبة، إلى أدب السفر، إلى أدب المجالسة، إلى أدب البيعِ والشراء، وإلى غير ذلك من الآداب التي امتاز بها المجتمع الإسلامي عبر القرون الأولى قرون العزَّة والمنعة، والقرون الأخيرة قرون الضعف والهوان كما يحلو لبعضهم وصفها بذلك الوصف(4).

ولقد تعددت الجهود التي بذلها أفاضل العلماء في العصر الحديث بالتأليف في شؤون تأديب الفتيان والأولاد، وكان مؤلِّف هذا الكتاب القيِّم في عداد الرُّواد منهم، وستقف على ترجمته ولمُعٍ من أخباره، وتتعرف على أهم آثاره في الفقرة التالية.

 

2. ترجمة المؤلف

هو السيد علي بن محمد عبد الله(5) فِكْري المصري (6) يتصل نسبه بالحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. ولد بالقاهرة سنة 1296هـ/1879م، وحصل على علومه الأولى والعالية فيها، وعمل في التدريس فترة من الوقت، ثم كان أحد الكُتَّاب بوزارة المعارف المصرية فترة من الزمن، نقل بعدها إلى دار الكتب المصرية بالقاهرة سنة 1332هـ/1913م، فعيّن بوظيفة كاتب أول ومساعد لأمين المكتبة، ثم عين أميناً لدار الكتب المصرية، واستمر بهذا العمل سنوات عديدة. وصنَّف كتباً كثيرة تدل في مجموعها على بعد غوره في شؤون التربية والعلوم والثقافة، وفي شؤون المكتبة العربية الإسلامية. فمن مؤلفاته التي أمكنني الوقوف عليها(7):

>أحسن القَصَص< و>الآداب الإسلامية< و>آداب الفتى<(8) و>آداب الفتاة<(9) و>الإنسان< و>التربية الاجتماعية< و>تربية البنين< و>تقويم الأخلاق< و>خلاصة الكلام في أركان الإسلام<  و>دليل العملة والعمالة< و>سبيل النجاح< و>سعادة الزوجين< و>العظات الدينية في الأمثـال القرآنية والنبوية والعربية< و>العظات في محفوظات البنات< و>السمير المهذّب< و>عظة النساء< و>القرآن ينبوع العلوم والعرفان< و>مرشد الأنام إلى معرفة الحلال والحرام< و>مسامرات البنات< و>المعاملات المادية والأدبية< و>المكاتبات الفكرية<(10).

وقد انتقل إلى جوار الله عز وجل ـ راضياً مرضياً إن شاء الله ـ في القاهرة سنة 1372هـ/1953م.

 

3. وصف الكتاب باختصار

وأما كتاب >آداب الفتى< فهو كتاب لا يستغني عنه الفِتيان والآباء والمعلِّمون، لو كتب بماء الذهب لكان قليلاً، احتوى على غرر الفرائد ودرر الفوائد، وقد أودعه مؤلِّفه خبرته الطويلة في مضمار التربية وشؤونها، وحشد فيه قدراً كبيراً من النصائح القيّمة والتوجيهات السَّديدة التي يحتاج إليها الفتيان في حياتهم العلمية والعملية، وأرشـدهم به للتمســـك بأرفع الأخلاق وأنبل الصفات، وحفزهم لممارسة الرياضة التي تقوي سواعدهم وتجعلها أكثر قدرة على العطاء، وختم كتابه بإيراد نماذج وعظية من الرسائل التي تبادلها أحد التلامذة المجتهدين مع والده، مشيراً في ختامها إلى المكانة الرفيعة التي ارتقى إليها ذلك التلميذ في أنظار والده وأفراد أسرته والمجتمع، وإلى رسائل تبادلها أحد التلامذة الكسالى  مع والده، مشيراً في ختامها إلى الدرك الذي نزل إليه ذلك التلميذ بسبب تكبره على النصائح التي ألقاها والده على مسامعه. ثم ختم الكتاب بذكر مجموعة من وصايا الآباء للأبناء، ووصايا الأعلام والأدباء والأشراف لأبنائهم، وفيهـا من الــفوائــد ما لا تستغني عنه الأجيال المتعاقبة من الفِتيان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فشكّل ذلك كله ثبتاً رائعاً في الحضّ على  مكارم الأخلاق بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. وإن كان الكتاب مما ينتفع به الفتيان أعظم انتفاع، فإن انتفاع ا لآباء والمعلمين به لا يقل أهمية عن ذلك بحال من الأحوال.

 

4. حول تحقيق الكتاب بإيجاز

حين شرعت بقراءة الكتاب أول الأمر، شدني إليه بقوة، نظراً لما وقعت عليه فيه من صياغة عالية وأسلوب تربوي نادر المثال، فقررت على الفور القيام بتحقيقه وإكمال فوائده بالتعليق على المواطن التي رأيت أنها بأمس الحاجة إلى التعليق، وتفصيل النصوص، وتخريج ما يحتاج إلى التخريج من آيات وأحاديث، وشرح ما يحتاج إلى الشرح والبيان، وضبط ما يحتاج إلى الضبط من الألفاظ التي يشكل أمرها على الغالبية العظمى من القراء، وتصحيح بعض الأخطاء التي وردت في مواطن مختلفة من الكتاب، واستكمال بعض السقط الحاصل في بعض الأماكن من الكتاب بإثباته بين حواصر هكذا[ ]  إشارة إلى أنه زيادة من عندي.

وختاماً أتوجه بالشكر الجزيل لصديقي الفاضل الأستاذ أسامة بدر الدين مراد، لإسهامه في تصحيح تجارب طبع الكتاب الأولى، ولولدي العزيز عبد القادر محمود الأرناؤوط،لإسهامه في مراقبة تنفيذ تصحيح تجارب طبع الكتاب الأخيرة على الحاسوب، ولولدي العزيز بلال محمود الأرناؤوط، لقيامه بتنضيد الكتاب على الحاسوب،  ولكل من كانت له مشاركة في وصول الكتاب إلى ما وصل إليه من الإتقان.

سائلاً الله جلَّ جلاله في الختام أن يجعل عملي في تحقيق الكتاب  من الأعمال المقبولة لديه يوم العرض عليه بفضله ومنّه وكرمه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.  

دمشق الشام في 25صفر1427هـ، الموافق  لـ25  آذار/ مارس 2006م.

 

 خادم تراث الأسلاف

 محمود عبد القادر الأرناؤوط


 

(1) سورة النمل، الآية 19.

(2)ذكره المتقي الهندي في >كنز العمال<18/3)) وعزاه للبيهقي في >السنن الكبرى< من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو عند البخاري في > الأدب المفرد< رقم (273) وأحمد في >المسند< (281/2) من حديث أبي هريرة أيضاً بلفظ: >إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق<.

(3) ذكره النبهاني في >الفتح الكبير< (1/328) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وعزاه للدارقطني في >الأفراد< ولأبي نُعيم في >حلية الأولياء< ولابن عساكر في >تاريخ دمشق<.

(4) ويقصدون بذلك عصور الانحطاط في تاريخنا الإسلامي، ويريدون بذلك القرون: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر حسب تقويمنا الهجري. وأين نحن من مسلمي تلك القرون، فقد كانت هناك دولة واحدة تلم شملهم وتتحدث باسمهم وتنتصر للضعيف منهم، وتدافع عن بلادهم بكل ما تستطيع، ومعلوم أن الموسوعات الكبرى التي نفتخر بها وغيرها من الإنجازات العلمية الهامة،  قد أُلِّفت في تلك القرون.

(5) كذا أثبت المؤلّف اسمه >علي بن محمد عبد الله< في معظم مؤلفاته التي وقفت عليها، وهو كذلك في >معجم المطبوعات العربية والمعربة< أيضاً، وعند الزركلي في >الأعلام< وعند كحالة في >معجم المؤلفين<: >علي بن محمد عبيد الله<.

(6) مصادر ترجمته: >معجم المطبوعات العربية والمعرَّبة< (1457 - 1458 ) و>مجلة هدي الإسلام< (10شعبان 1356هـ) و>الأعلام<  (320-319/4) و>معجم المؤلِّفين< (486/2).

(7) وقد رتبت أسماءها على حروف المعجم.

(8)  وسيطالعك الحديث عنه في الفقرة التالية من هذه المقدمة.

(9)  وهو قيد التحقيق بين يدي، وسأقدمه للنشر حال الانتهاء من العمل به إن شاء الله تعالى.

(10) وهي منتخبات في المراسلات.

 

Untitled Document