|
| نبذة عن القرويين : من الجامع إلى الجامعة| دور جامعة القرويين في بناء الشخصية الإسلامية عبر العصور | إسهامات جامعة القرويين في بناء الحضارة الإنسانية| تدريس العلوم الإسلامية في القرويين عبر العصور | النظام الدراسي في القرويين | إصلاح نظام التعليم بجامعة القرويين | الهوامـــــــــــش |
إصلاح نظام التعليم بجامعة القرويين
عرفت بعض الفترات التي تلت عهد المرينيين وخاصة في صدر الدولة العلوية جمود أسلوب الدراسة والتعليم بالقرويين وخمود الحركة الفكرية الحرة التي سبق أن بثها المرينيون بقوة في أرجاء المغرب. وبقي الأمركذلك إلى عهد السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله(ت1204هـ) الذي سرعان ما فطن إلى خطورة ما آلت إليه أوضاع التعليم بالقرويين من انحدار وتدهور ، فعمد إلى التفكير في سبل إصلاح واقع الدراسة والتكوين بالجامعة .
ويمكن القول بأن السلطان محمد بن عبد الله هو أول من أرسى حجر الأساس لإصلاح النظام الدراسي بجامعة القرويين ، فهو أول من فكر في إصلاح نظام التعليم، حيث أصدر منشورا سلطانيا عام 1203هـ 1789م يحدد بموجبه المواد الدراسية والكتب التي ينبغي الاقتصار على تدريسها مع تحديد مصادر كل مادة ومراجعها ناهيا عن دراسة كتب التوحيد المؤسسة على الجدل الكلامي والرجوع بالمقابل إلى مذهب السلف في الاعتقاد.وهكذا أمر السلطان بتدريس القرآن بمختلف التفاسير والحديث بصحيحي البخاري ومسلم والمسانيد ، وفي مجال الفقه أمر بالاقتصار على المدونة والبيان والتحصيل والمقدمات لابن رشد الجد(520هـ)،والجواهر لابن شاس والرسالة لابن أبي زيد القيرواني ومختصر خليل بشرح بهرام الكبير(805هـ)والمواق والحطاب والخرشي الكبير لا غير(36).
أما في مجال السيرة النبوية فيدرس بكتاب الاكتفاء للكلاعي وعيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري، في حين يدرس النحو بكتاب التسهيل والألفية لابن مالك ، أما المتفرغ لعلوم الفلك والحساب فعليه أن يأخذ حظه من علم التوقيت لما في ذلك من المنفعة العظيمة لأوقات الصلاة والميراث . ومع إبداء السلطان شكوكه في جدوى دراسة علوم الفلسفة، فقد أكد على أهمية تحصيل علوم الحساب والرياضيات والهندسة ولذلك عمد إلى توجيه بعثات علمية من أبناء القرويين إلى أوروبا لاستكمال دراستهم في هذه العلوم، وتوالى أمر الابتعاث في عهد السلطانيين الحسن الأول والمولى عبد العزيز وغيرهما .
لقد نص المنشور السلطاني على إصلاح جوهري للمواد المدروسة بجامعة القرويين مسندا الأسبقية للعلوم الدينية ومنددا بما تعوده الأساتذة والعلماء من هجر المؤلفات الأصلية واعتماد الملخصات والمختصرات والشروح التي لا تزيد مع الزمن إلا إجحافا بالمعاني الأصلية والحقيقية . وتدعيما لبرنامجه الإصلاحي عمد السلطان محمد بن عبد الله إلى بناء المدارس والمعاهد وترميم ما تداعى منها للخراب، وسار على نهجه في كل ذلك نجله السلطان المولى سليمان (ت1238هـ) حيث عرفت النهضة العلمية في عهده حركة ونشاطا دائبين، وهو ما أكده في ذلك الوقت المؤرخ الإسباني Badia Le blich باديا ليبليش الذي زار مدينة فاس عام 1217 وقال عنها:"إن فاسا كانت في إفريقيا من حيث مركزها الثقافي تحاكي أثينا في أوروبا ".(37)
ولم يقف إصلاح النظام الدراسي والتعليمي بالقرويين عند الحد الذي رسمه السلطان محمد بن عبد الله ، فقد فتح ملف الإصلاح مرة أخرى مع السلطان عبد الرحمن بن هشام الذي أمر بإعادة تنظيم التعليم وترتيب الدروس وذلك من خلال خطاب وجهه لشيخ القرويين عام (1261-1885م) انتقد فيه سير بعض الدروس بالقرويين في ذلك العهد داعيا الأساتذة إلى التجديد في المناهج والمواد المدروسة،(38) وفي عهد السلطان المولى يوسف صدر الأمر بتأسيس مجلس للنظر في شؤون القرويين ووضع برنامج للدراسة فيها وكان من أهم ما اشتمل عليه ما عد حدثا جديدا في تاريخ القرويين وهو تقسيم مناهج الدراسة إلى ثلاثة أقسام : ابتدائي وثانوي ونهائي مع إقرار نظام الامتحانات ، غير ان تطبيق البرنامج الجديد كان متعثرا ، ولم يكتب له النجاح إلا في عهد السلطان محمد الخامس الذي أصدر ظهيرا عام 1349-1931 كلف فيه المجلس الأعلى بالنظر في سن ضابط ينظم التعليم بالقرويين ويصلح طرقه ومناهجه ، وهو ما صدر عام 1933 متضمنا عدة فصول تتحدث عن العلوم والفنون الواجب تدريسها في الأطوار الثلاثة ، ومدة الدراسة التي تحددت في اثني عشر عاما، ثلاثة منها للابتدائي وستة للثانوي وثلاثة للنهائي ( التعليم العالي) مع إحداث شعبة أدبية إلى جانب الشعبة الدينية في التعليم النهائي، وتتوج المرحلة الأخيرة بعد النجاح في الامتحان النهائي بشهادة العالمية .
وتحدث الضابط المسنون عن إضافة مواد جديدة كالتاريخ والجغرافيا والهندسة وغيرها ، كما تحدث عن عدد الأساتذة ورواتبهم ومهمات المراقبين وتحديد أوقات العطل وإقرار نظام الامتحانات والشواهد وغير ذلك.(39)
ولا ننسى بهذا الصدد أن استباب نظام الحماية بالمغرب وانتقال العاصمة من فاس إلى الرباط جعل مركز الجامعة يتقلص من جراء التقصير والمضايقة من طرف الإقامة العامة الفرنسية التي كانت تقف أمام إصلاح القرويين حجر عثرة نظرا لدور الجامعة العتيقة بعلمائها وطلابها في التصدي للأطماع الاستعمارية.
ولتحديد مجال جامعة القرويين وجامعة محمد الخامس التي أنشئت عام 1957م تأسس المجلس الأعلى للتربية الوطنية عام 1960 وخطا خطوات مهمة في الإصلاح ، إذ انصبت جهوده على مبدأ "التوحيد" في مرحلة اولى للتعليم تكون بمثابة "جذع مشترك" تتفرع منه مرحلة ذات شعب في السلك الثاني من الثانوي تؤدي حسب مواد التخصص إما إلى جامعة القرويين بما تضمه من كليات في الشريعة واللغة العربية وأصول الدين وإما إلى جامعة محمد الخامس بما تشتمل عليه من كليات للآداب والحقوق والعلوم والطب وغيرها.
ولكي تصبح جامعة القرويين مسايرة لتطور العصر الحديث فقد كان من اللازم إعادة النظر في الدراسة بها ووضع نظام جديد لها يسير وفق روح العصر وتطوره، حيث أصبحت الجامعة ابتداء من عام 1975 تخضع في تسييرها التربوي والإداري للظهير الشريف المنظم للجامعات المغربية وبذلك أصبح النظام المتبع في جامعة القرويين هو نفس النظام الذي تنضوي تحته باقي الجامعات والمعاهد العليا المغربية سواء فيما يخص نظام الدراسة أو الامتحانات أو الشهادات العليا ، وأضحت الجامعة اليوم تضم الكليات التالية:
1-كلية الشريعة بفاس وهي الكلية الأم وتمثل امتدادا تاريخيا لجامعة القرويين القديمة وتهتم بالدراسات الفقهية والإسلامية والقانونية (الصورة رقم 10).
2-كلية اللغة العربية بمراكش وهي امتداد تاريخي لكلية ابن يوسف بمراكش، وتهتم بالدراسات اللغوية والأدبية والإسلامية.
3-كلية أصول الدين بتطوان وتمثل امتدادا تاريخيا للمعهد الديني العالي الذي أسس عام 1944 ، وتهتم بالدراسات الفكرية والفلسفية ، وقد أسست هذه الكليات الثلاث في فبراير عام 1963.
4-كلية الشريعة بأكادير وهي ثاني كلية للشريعة بالمملكة أحدثت في يونيه 1979 وتهتم بدورها بالدراسات الفقهية والإسلامية والقانونية .
وتتوفر جميع هذه الكليات على أقسام للدراسات العليا ( دبلوم عال+دكتوراه) مكنت ولا تزال من تخريج أعداد كبيرة من الأطر العلمية والفكرية التي تسهم بفعالية في مجال التعليم العالي والقضاء والإدارة وغير ذلك.
|