|
| نبذة عن القرويين : من الجامع إلى الجامعة| دور جامعة القرويين في بناء الشخصية الإسلامية عبر العصور | إسهامات جامعة القرويين في بناء الحضارة الإنسانية| تدريس العلوم الإسلامية في القرويين عبر العصور | النظام الدراسي في القرويين | إصلاح نظام التعليم بجامعة القرويين | الهوامـــــــــــش |
النظام الدراسي في القرويين
عرفت القرويين حلقات علمية منذ أيامها الأولى ، وكانت طريقة التدريس على شكل مجلس يتخذ صورة طبق الأصل للمجالس العلمية المعروفة منذ صدر الإسلام وهي تتميز بجلوس الطلبة أمام الشيخ يحيطون به ومع مرور الزمن والإقبال المتزايد للطلبة على سماع الدروس تم استعمال الكراسي للاستعانة بها
وهو تقليد نقله المغاربة عن الشرق عندما كانوا يرحلون للحج أو لطلب العلم ، وهو ما نقله ابن بطوطة عندما وصف نظام التدريس بالمدرسة المستنصرية ببغداد(29). وقد برزت ظاهرة الكراسي العلمية في البداية بجامع القرويين وفروعه في عهد المرينيين نتيجة ازدهار الفكر والثقافة ، ثم انتشرت في باقي المدارس والمساجد ، وقد كانت ولاية الكراسي العلمية بالقرويين ولاية رسمية كولاية القضاء والفتيا،ولا يسند السلطان أو من يقوم مقامه هذا المنصب إلا لمن توفرت فيه مؤهلات وخصائص علمية متميزة ، ونظرا لأهميتها وقيمتها فقد كانت لها أوقاف خاصة صادرة عن الملوك والأمراء والمحسنين شملت وقف عقارات وأملاك على العلماء والأساتذة الذين يتصدرون للتدريس ويتعاقبون على تلك الكراسي باستمرار.
ولم تكن الكراسي العلمية في عهد المرينيين مختصة بالجامعة الأم فحسب بل كانت كثير منها موزعة على بعض فروعها حتى انه قدر عددها بحوالي مائة وأربعين كرسيا فضلا عن كراسي الوعظ والإرشاد التي يقصدها الحرفيون من صناع وتجار وعمال بعد صلاة الصبح قبل انصرافهم إلى أعمالهم وفي المساء أيضا بعد رجوعهم منها .(30)وذكر بعض المؤرخين ان أصحاب الحرف قد أضحوا بفضل ترددهم على هذه الكراسي ومواظبتهم على الاستماع إلى الدروس ملمين بدقائق المسائل في التفسير والحديث والفقه. |
ويبدو ان هذه الكراسي كانت مختلفة ومتنوعة فمنها ما هو مشاع ومنها ما ينسب إلى أشخاص معينين من كبار العلماء. ولا يفهم من هذا ان الكرسي الذي ينسب إلى صاحبه يظل معطلا بعد فراغ صاحبه من إلقاء درسه عليه بل إن التناوب عليه من طرف الأساتذة والعلماء يبقى مستمرا فالطلبة الذين كانوا يعدون بالمآت لم يكونوا يعرفون للراحة سبيلا في كل أوقات النهار ، فهم لا يفترون عن التنقل من كرسي لآخر ومن درس إلى درس على ما ذكره بعض المؤرخين الذين عاينوا وشاهدوا ذلك عيانا . وبالرغم من ذلك فإن بعض الكراسي التي حبست على أصحابها كان لها وضع خاص ، فأحباسها وأوقافها تختص بها دون غيرها ، كما ان العلوم والفنون التي تدرس عليها تكون محددة ومعينة وهي في الغالب موجهة لذوي التخصص من الطلاب في المستويات النهائية.
وذكر ابن الوزان (ت926هـ) في كتابه وصف افريقيا(31) ان هذه الكراسي تمتد على طول الجدار الغربي والشرقي للجامع بعيدا عن وسط القرويين. وبقي هذا الوضع قائما إلى أوائل القرن العشرين حسبما أوضحه الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه جامع القرويين حيث ذكر أن "الفارق بين ما كان منها هنا أو هناك أن كراسي الناحية الجنوبية تختص بالدراسات العليا وكراسي الجدار الشرقي والشمالي للدروس الثانوية وكراسي الجدار الغربي للدروس الأولية"._(32)
وقد اختلفت أسماء الكراسي العلمية بالقرويين بين أسماء أماكن معينة برحاب القرويين وأسماء العلماء وأسماء تعلقت بالعلوم المختصة بها.
فمن الكراسي العلمية التي حملت أسماء أماكن ومواضع خاصة داخل القرويين، كرسي المحراب الذي يرجع إلى أوائل العهد المريني وكان يدرس فيه تفسير الثعلبي ( ت427هـ) 0والحلية لأبي نعيم الأصفهاني (ت 430هـ) وإحياء علوم الدين للغزالي (ت 505هـ) ، ثم أضاف إلى ذلك السلطان أبو عنان المريني كتاب الشفا للقاضي عياض ( ت 544هـ).
وهناك كرسي باب الشماعين الذي كانت تدرس فيه رسالة ابن أبي زيد القيرواني( ت 386هـ) وهناك كرسي باب الصالحين الذي وقف على دراسة العمدة للعيني (ت 855هـ) كل صباح وكتاب الترغيب والترهيب للمنذري (ت656هـ)بعد الظهر ورسالة ابن أبي زيد القيرواني بين العشاءين.
ومن ذلك أيضا كرسي باب الحفاة الواقع يمين الداخل من باب الحفاة وكان من رجال هذا الكرسي الشيخ يحيى السراج ( ت1007هـ) الذي خلفه الإمام أحمد المنجور(ت995هـ) ، ومما درس على هذا الكرسي علم التفسير وشرح منظومة ابن زكري (ت899هـ) في التوحيد فضلا عن رسالة ابن زيد القيرواني.
أما كرسي ظهر الخصة فيرجع إلى عهد المولى إسماعيل السلطان العلوي وكان يوجد في يمين الداخل إلى المسجد من باب العمدة. ومن مميزاته انه كان يستمع إليه النساء المتفقهات حيث كن يشرفن عليه من الرواق الخاص بهن في مستودع ابن عباد، ومن الكتب التي درست عليه الرسالة لابن أبي زيد والحلية لأبي نعيم والاكتفاء في السيرة للكلاعي ، وقد أحيى السلطان المولى سليمان ( ت 1238هـ) هذا الكرسي وأسنده للعلامة حمدون ابن الحاج ( ت1232هـ).
ومن الكراسي التي نسبت إلى أفراد من كبار العلماء ، كرسي ابن غازي (ت919هـ) وكرسي الإمام عبد العزيز الورياغلي (ت 880هـ) وكان يدرس عليه علم التفسير صباحا وصحيحا البخاري ومسلم بين العشاءين ومختصر ابن الحاجب (ت 646هـ) بعد الظهر والترغيب والترهيب للمنذري بعد العصر ، وممن تعاقب عليه من العلماء ابن غازي وأبو القاسم بن سودة (1004هـ) وابن القاضي (ت1006هـ) ويحيى السراج (ت1007هـ) ، والتاودي بن سودة (ت 1209هـ) وغيرهم.
أما كرسي الونشريسي (ت 955هـ) فكان مخصصا لدراسة صحيح البخاري بشرح ابن حجر ومختصر ابن الحاجب وحكم ابن عطاء الله وتفسير ابن عرفة ، وكان هذا الكرسي معروفا بكونه من أغنى الكراسي نظرا لكثرة العقارات والأملاك التي حبست عليه.(33)
وبالإضافة إلى الكراسي العلمية عرفت رحاب القرويين مجالس علمية أخرى لم ترق إلى درجة الكراسي لكن كانت أهميتها تتجلى في العدد الضخم من الطلبة الذين كانوا يقصدونها ، غير أنه إذا كثر العدد إلى الحد الذي يصعب معه مباشرة التدريس بصورة مفيدة فإن العالم المدرس يضطر عندئذ إلى الانتقال إلى الكرسي. وقد درس بهذه المجالس الأرضية كبار علماء فاس أمثال الشريف التلمساني ويحيى السراج(ت1007هـ) وابن القاضي(ت1082هـ) وعبد الكريم اليازغي(ت1199هـ) وأبي القاسم بن سودة وغيرهم.
ولم يكن أمر الكراسي العلمية والمجالس الأرضية مقتصرة على القرويين فحسب ، بل كانت الظروف أحيانا تفرض الانتقال إلى فروع القرويين من مدارس وغيرها لإنشاء مجموعة من الكراسي بهدف التخفيف عن الجامع الأم من جهة ومن أجل تقريب سبل العلم من سكان المدينة في مختلف الدروب والأحياء من جهة أخرى. ومن أشهر هذه الكراسي كرسي المدرسة المصباحية الذي كان مخصصا للفقه والنحو وكرسي مدرسة الحلفاويين ( تعرف أيضا بمدرسة الصفارين) وكانت لهذه المدرسة خزانة علمية عظيمة. وكرسي مدرسة العطارين المخصص للفقه والنحو وقد درس عليه العالم الرياضي المشهور ابن البنا المراكشي (ت 723هـ) وكراسي مسجد الأندلس ،وهي كراسي متعددة لأن مسجد الأندلس ظل المركز الثاني للتدريس بعد القرويين، كما ظل محل تنافس بين كبار العلماء الذين كانوا يرحلون إليه من القرويين قصد الفوز بدرس فيه. وهناك كراسي أخرى صغيرة ذكرها الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه "جامع القرويين" (34) .ولا شك أن كثرة الكراسي العلمية التي عرفتها جنبات القرويين وفروعها تعبر بوضوح عن واقع النهضة العلمية ومدى الإشعاع الثقافي والفكري الذي عرفته القرويين جامعا وجامعة.
أما عن طرق التدريس التي عرفتها القرويين فقد كانت في جلها طرقا تقليدية تؤدي فيها الذاكرة الدور الرئيس ،حيث يعمد أحد الطلبة إلى قراءة نص الكتاب المقرر قراءة حسنة وبصوت مرتفع ثم يعيده الأستاذ المدرس بتأن شارحا عباراته شرحا لغويا وبلاغيا مع الإعراب والتحليل ثم يفسر المدلولات العلمية والاصطلاحية وما ترمي إليه من معان مختلفة ،وبعد ذلك يستقرئ مختلف الشروح والحواشي والتعليقات التي وضعها العلماء القدامى مع مناقشتها والمقارنة بينها ، ويعتبر دولفان Delphin (35)هذه الطريقة خاصة بعلماء القرويين ، وهي ممتازة في نظره ،لأنها تقضي بعرض شتى المصادر الأساسية ومقارنة بعضها ببعض مع استهداف إنماء روح التدقيق والملاحظة والاستقصاء لدى الطالب،ولم يكن الأستاذ مقيدا – عمليا- بزمن محدد أو بمراقبة إدارية وإنما كان يشرع في دراسة الكتاب من أوله إلى آخره دون تقيد بوقت محدد، و قد يتريث أو يسرع في ذلك حسب مقدرة فهم الطلبة ومستوى إدراكهم.واستمرنظام" التعليم بالمتون وشروحها "منذ العهد المريني إلى يومنا هذا في جميع مراحل التكوين ،حيث كان الهدف هو إعداد رجال علماء بالشريعة الإسلامية وأصولها وما يرتبط بها من علوم وفنون.
أما من حيث التقييم التربوي والدراسي لمستويات الطلاب ومدى استيعابهم للدروس فقد كانت هناك اختبارات لتفقد أحوال الطلبة لمعرفة قوة الذاكرة وحصافة الرأي ومدى حفظ واستظهار الكتب والنصوص ، ولم تكن مثل هذه الاختبارات مؤدية للحصول على شهادة من الشهادات أو تحديد مستوى دراسي معين كما هو الشأن في الدراسات الحديثة ، وكل ما في الأمر أن الأستاذ يحق له أن يمنح الإجازة للطالب الذي تابع دروسه لمدة معينة أو أبان عن كفاءة وتميز في مادة علمية محددة ، ويسمح التوفر على إجازة أو إجازات علمية بالتصدي للتدريس بمساجد فاس بعد اجتياز امتحان أمام عدة شيوخ في مواد مختلفة وإلقاء درس رئيس في مادة أو أكثر، وتختلف الإجازات العلمية باختلاف الأساتذة المانحين ومستويات ومدارك الطلبة الحاصلين عليها.
|