Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization - ISESCO -

 Untitled Document
المدير العام
برنامج ساعة حوار بعنوان منظمة الايسيسكو و قضايا الامة

المجلس التنفيذي
ملخص لوقائع الجلسة الافتتاحية للدورة 32 للمجلس التنفيذي
مجالس

مديرية الثقافة والاتصال

مديرية الثقافة والاتصال : قسم التراث و التنوع الثقافي

| نبذة عن القرويين : من الجامع إلى الجامعة |  دور جامعة القرويين في بناء الشخصية الإسلامية عبر العصور | إسهامات جامعة القرويين في بناء الحضارة الإنسانية | تدريس العلوم الإسلامية في القرويين عبر العصور | النظام الدراسي في القرويين | إصلاح نظام التعليم بجامعة القرويين | الهوامـــــــــــش |


     

دور جامعة القرويين في بناء الشخصية الإسلامية عبر العصور

 

لكل أمة من الأمم شخصيتان إحداهما مادية والأخرى روحية أو معنوية وتتجلى في التراث الروحي الزاخر الذي تنتجه وتنميه في إطار حضارتها المتوارثة والذي يثريه العلماء والمفكرون. والأمة الإسلامية ذات الحضارة العريقة والمجيدة تتكون شخصيتها من خلال عوامل ثقافية واجتماعية وحضارية تسهم في صياغة ملامحها العامة، وبخاصة على مستوى تكوين قيمها الحضارية والإنسانية التي أسهمت المؤسسات التعليمية الجامعية العريقة إسهاما قويا في بناء لبناتها الأساسية.

ولما كانت جامعة القرويين من الجامعات الإسلامية العريقة ذات العطاء الخالد، فإن ما قدمته من علوم وعلماء وتراث علمي وفكري عبر الأجيال والعصور يعتبر رافدا أساسيا من روافد الشخصية الإسلامية وينبوعا صافيا قدم للحضارة الإنسانية النماذج الرائدة في مجال العلوم الدينية والدنيوية.

انه لا يمكن الحديث عن الشخصية الإسلامية في المجال الثقافي والعلمي دون الحديث عن دور جامعة القرويين في تكوين معالم هذه الشخصية انطلاقا من إشعاعها العلمي الواسع في الغرب الإسلامي والمشرق على السواء ، فجامعة القرويين لم تكن مجرد جامعة علمية لتكوين الأطر الدينية أو مدرسة تعليمية لتدريس علوم القرآن والحديث والفقه وغيرها، وإنما كانت تمثل معلمة من معالم الإسلامي عبر قرون متعددة . فكثير من علمائها الذين خلفوا آثاراً جليلة لا تزال أسماؤهم متداولة عبر مختلف الجامعات الإسلامية والمجالس العلمية خاصة في مجال القراءات القرآنية والحديث والفقه والأصول.

 

لقد حملت القرويين الرسالة التي وكلت إليها منذ إنشائها كجامع إلى أن أصبحت جامعة ، فقامت بحمل عبء الرسالة لعصور متتالية ومتعاقبة ، وهذه الرسالة ترتبط في أسسها بالعقيدة الإسلامية واللغة العربية والمعارف العربية الإسلامية المتوارثة، أو ما يسمى بالتراث العربي الإسلامي ، وهو ما يسمح بالقول بأن جامعة القرويين كان لها دور مهم في الحفاظ على الشخصية العربية الإسلامية عبر العصور . فقد كانت المؤسسة العلمية الكبرى التي رسخت أسس المذهب المالكي، فصهرت بذلك المجتمع المغربي في بوتقة الوحدة المذهبية والعقدية التي عمل علماء القرويين على ترسيخها بقوة من خلال الالتزام بتدريس وتعليم ما يستهدف تحقيق تلك الوحدة . وفضلاً عن ذلك سهر علماء القرويين على القيام برسالة الحفاظ على اللغة العربية بمختلف آلياتها النحوية والبلاغية تحقيقا للوحدة اللغوية.

وبذلك تكون القرويين قد حملت مقومات الثقافة الإسلامية الصحيحة إلى المجتمعات العربية عن طريق علمائها وفقهائها ومفكريها الذين كانوا الحافظين في صدورهم لأصول ذلكم التراث وكانوا المدافعين بقوة المنطق والتفكير عن أسسه وقيمه والملقنين بألسنتهم وكتبهم لهذا التراث للأجيال اللاحقة، فلا غرابة أن يدرِّس أبو عمران الفاسي (ت 430هـ) الذي بلغ درجة الاجتهاد في المذهب المالكي في رحاب القيروان التونسية والأزهر المصرية، وأن يملي أبو علي القالي أدبه في قرطبة، وأن ينشد سابق المطماطي قصائده في بلاط دمشق، وأن يتتلمذ دفين مدينة فاس القاضي أبو بكر بن العربي ( ت 543 هـ) على يد أبي حامد الغزالي بالمشرق ثم يؤلف كتبه بالمغرب والأندلس ، أما ابن آجروم النحوي ( ت 723هـ) فقد دون كتابه الشهير في النحو بفاس وشُرح بالقاهرة وبغداد وتُرجم وطبع بأوروبا. (8) وبذلك ساهم هؤلاء وغيرهم في الحفاظ على الشخصية العلمية الإسلامية، خاصة وأن معظم فروع المعرفة التي كانت تدرس فيها لها صلة بالدين ، مما اعتبر عاملا قويا في صيانة التراث الإسلامي العربي من جهة وحماية الشخصية الإسلامية من جهة أخرى.

 

لقد أسهمت جامعة القرويين في بناء الشخصية الإسلامية من خلال حملها لواء الأصالة والتجديد في وقت واحد ومحافظتها على القيم الدينية السائدة فضلا عن حمايتها للثقافة الإسلامية التي طبعتها الجامعة بالطابع المغربي الأصيل.ولا شك أن عوامل الجغرافيا قد جعلت من المغرب ساحة للتلاقي الحضاري بين الشمال والجنوب وبين أوروبا وإفريقيا ،وهذا العامل الجغرافي جعل من المغرب ممثلا في جامعة القرويين القلعة الإسلامية الأولى التي تحمي الحضارة الإسلامية من أخطار الغزو الصليبي والمد التبشيري وتعطي للشخصية الإسلامية قوتها وحيويتها مغذية بذلك الثقافة الإسلامية بصفة عامة بالقيم والمبادئ والمثل الأصيلة .

 

وإذا كانت الهوية الثقافية الإسلامية هي ذلك القدر الثابت والجوهري المشترك من السمات والقسمات العامة التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات والتي تجعل للشخصية الإسلامية طابعا تتميز به عن الشخصيات الحضارية الأخرى ، فإن جامعة القرويين من خلال ما أنتجه علماؤها من تراث وفكر حضاري إسلامي متميز قد سعت إلى الحفاظ على ذاتية وأصالة وشخصية الأمة الإسلامية وذلك انطلاقا من الأركان الثلاثة الرئيسة : العقيدة واللغة والتراث الثقافي.

 

إن أبرز ما قدمته القرويين للمجتمع المغربي أولا وللمجتمعات العربية والإسلامية ثانيا هو تكوين شخصية إسلامية وبناء هوية دينية ورسم ذاكرة اجتماعية ، وقد تمكنت من ذلك بفضل مناهجها العلمية الجامعة بين علوم الدين والدنيا وبفضل كفاءة علمائها الذين تولوا التدريس برحابها حيث تعدى إشعاعهم حدود المغرب العربي إلى إفريقيا والأندلس ومنها إلى مختلف الدول الأوروبية.

لقد كان دور جامعة القرويين في نشر مختلف العلوم والفنون يمثل رسالة حضارية حافظت على معالم الشخصية الإسلامية و أسهمت في صياغتها من خلال الحفاظ والدفاع عن أصالة اللغة العربية وفرضها لغة العلم والمعرفة ، وقد ساعد على ذلك تكريس سلاطين وملوك الدولة المغربية لسياسة التعريب الشاملة في مجال التعليم ، فكان أبناء المغرب والوافدون عليه من الخارج يلتقون جميعا على اختلاف ألسنتهم ولهجاتهم على اللسان العربي.

 

وإذا كان للقرويين الدور الفاعل في الإسهام الموفور في تشخيص الحضارة الإسلامية وتعميق أسسها الثقافية فإن المغرب حين التحق بهذه الحضارة وسار في ركابها ظل حريصا من خلال معقل القرويين على التعبير عن ذاتيته وتحقيق خصوصيته الحضارية من خلال تراثه الفكري والثقافي ومنظومة القيم والتقاليد ومناهج النظر العلمي والمعرفي فضلا عن خصوصية أشكال الفنون المعمارية الفاسية مما تم اقتباسه فيما بعد من طرف دول إسلامية كثيرة (9). فكان كل ذلك إسهاما متميزا في تغذية الشخصية الإسلامية بالإبداع والعطاء المغربي.

 



Untitled Document